15: سرُّ السيدِّ "بنس"

15: سرُّ السيدِّ "بنس"

14 0

_يومَ ميلادٍ سعيداً يا "راي"! حاولنا أنا و"غانبو" مُفاجأتك بكعكة.. لكن كما ترى فشلنا فشلاً ذريعاً!

كان "راي" وحدَه جالساً في المكتبة، يُطالِعُ أحدَ الكُتب عن تاريخ السُّيوفِ وفنِّ المُبارزة، طوالَ الأشهر السابقة كان هذا كلَّ ما اهتمَّ به، كيفَ ينسى شعورَه عندما أمسكَ سيفاً لأوَّلِ مرَّة؟ قتالُ الخناجرِ ما عاد مثيراً بالنَّسبةِ له، والخنجرُ الذي سرقه من "تيدي" سابقاً باتً مُهترئاً وعُرضةً للكسر في أيِّ، وعلى ذكر "تيدي"، فقد خاض ضدَّ "جين" و "راي" عشراتِ المعارك، تماماً كما أمره زعيمه، كان يخسرُ دوماً أو يتعادلُ عندما يُحالِفُه الحظِّ، وكم كان مُحرجاً إخبار زعيمه بفشله كلَّ أسبوع فقد كانَ يُخبرهُ بتقريرٍ أسبوعي، نظر "راي" إلى الكعكةِ النَّصف مُقترحة بخيبة، حاولَ إقناعَ نفسه بأنَّهم استخدموا نوعَ كاكاوٍ داكنٍ ليسَ إلَّا، أغلق كتابه وتطَّلع إليهم بنظراتِ امتنانٍ حقيقية وقال:

_شكراً لكما، لقد كان عاماً مليئاً بالأحداث! لكنَّهُ صار هادئاً في أواخره، ثُمَّ نظرَ باتِّجاه المُحيطِ الذي فصلَ حائطُ المكتبةِ بينهم وتابع: إنَّهُ يومُ ميلادِ "أوشن" كذلك! أتساؤلُ ما إن كانَ هناكَ يحتفلُ مع المحيط.

ضحِك "جين" وقال: صدِّقني بأنَّ يومَ ميلاده لم يخطر بباله أصلاً! أنا متأكدٌ بأنَّه الآن مشغولٌ يُمسك رُمحَه ويحاول اصطيادَ أحدِ الحيتان!

ثُمَّ بدأ يُقلِّدُ ذلك ممَّا دفع "راي" للضحك و"غانبو" التي راقبتُهما بالابتسام، ظلُّوا يتحدَّثونَ عن أحداثِ العامِ الماضي، كلُّ مُشكلة مرَّت بهم صارت الآن مُدعاةً للضحك، قطعَ "بنس" عليهم مُتعتهم ونهرَهم على الإزعاجِ الذي يفتعلونه.

_أعلمُ بأنَّكما تخرُّجتُما من الصفِّ خلالَ عامٍ واحد، -وهي مُدَّةٌ قصيرة- لكنَّكُما لم تفعلا شيئاً بعدها سوى اللَّهو! حاولوا تعلُّمَ أشياء أخرى، الكتبُ مليئةٌ بكلِّ ما تحتاجونه.

أجابهُ "راي": أتعرفُ يا أستاذ "بنس"؟ أظنُّ بأنَّكَ يجبُ أن تفتحَ صفَّاً جديداً للدُّروسِ المُتقدِّمة، للطلاب الأكبرِ سناً مثلنا، فالتعلُّم منك ممتعٌ أكثر بكثيرٍ من التعلُّم بمفردنا.

اعتلت "بنس" ملامحُ غريبة، لم يكن مرتاحاً لسماع ذلك الكلام، قال بأسى:

_أنا لا أستطيعُ تعلَيمكم أكثرَ ممَّا فعلت.. علمي ينتهي عند هذا الحدِّ.

_ماذا تقصد؟

سألَ "راي" بجهلٍ تامَّ فضربَهُ "جين" على كتفه، "جين" الذي امتلكَ توقُّعاً بسيطاً لسبب امتناع "بنس" عن تعليم أشياء مُتقدِّمة، تألَّم "راي" من تلكَ الضربة فصاح بغضبٍ: لِمَ ضربتني؟

قرفصَ "بنس" قِبالتهم وقال:

_لا داعيَ لضربه يا "جين"، ما أقصدُه يا "راي" بأنَّ مستوى علمي قد انتهى، هل أبدو لكَ كشخصٍ قد أكملَ تعليمه؟ أو حتَّى حصلَ عليه؟ كلُّ ما علَّمتُكم إيَّاه كنتُ قد تعلُّمتُه فقط عندَ قدومي إلى هنا، وبمفردي، لهذا السبب قضيتُ سنواتي كاملةً في المكتبة، لكن كان صعباً عليَّ تعلُّم الباقي بمفردي، ومع ذلك أنا مُتأكدٌ بأنَّه لن يكون صعباً عليكم، لذا أحببتُ تعليمكم ما تعلُّمته، خصوصاً بعدَ رؤيةِ توقكم لذلك، ذكَّرتموني بنفسي عندما كنتُ صغيراً، سعيدٌ بأنِّي حقَّقتُ لكم ما لم يُحقِّقهُ لي أحدٌ من قبل، وليتني كنتُ قادراً على تحقيقِ المزيد.

تأثَّر "راي" بتلك القصَّة الحزينة، فرغمَ أنَّ عدد مراتِ بكائه قد قلَّ، إلا أنَّ تأثُّره السريع بقصص الآخرين لم يقلّ.

_أنا آسفٌ كثيراً لسؤالي! لا بُدَّ أنَّي كنتُ وقحاً! لقد استحققتُ لكمة "جين" لي!

ابتسمَ "بنس" بلطفٍ وقال مُغيِّراً الموضوع:

_أحتاجُ مساعدةً صغيرةً بنقل بعضِ، الكتب هل منكم من يودُّ فعلها؟

حَّدقَ "غانبو" و "جين" ب"راي" بنظراتٍ لم يفهمها، لكنَّه حدَّق ب"غانبو" مُتوقِّعاً منها أن تتطوَّعَ للمُساعدة، لكنَّها لم تفعل.. سئمَ "جين" من جهلِ "راي" وقال بغضب: ألن تذهبَ أيُّها الأحمق؟ من الواضح أن الأستاذَ يُريدُ مُحادثتك!

أجفلَ "راي" من صراخ "جين" عليه، وشعرَ بالغرابةِ كونَ "بنس" يريد الحديث معه، لكنَّ غضبه جعله لا يفكِّرُ كثيراً بذلك، نهض ثُمَّ تنَّهد بغضبٍ وقال:

_أتعرفُ يا "جين"؟ أظنُّ أنَّ كلمةَ أحمق هي أكثر كلمةٍ تستخدمُها في حياتك!

_سأدعوكَ دوماً بالأحمق ما دمتَ كذلك!

غادرَ "راي" و "بنس" سويَّةً فتفاجأ "راي" بدخولِهم إلى غرفةٍ صغيرةٍ وضيِّقةٍ بضوءٍ أحمر خافت، ينبعثُ من مصباحٍ معلِّقٍ بالمنتصف، كانَ المصباحُ مُتدلِّياً لدرجةِ أنَّ "بنس" جنَّبَ رأسه الارتطامَ به، كانت الغرفةُ مليئةً بالكتب المصفوفة بعنايةٍ في الرفوف على اليمين والشمال، وقفَ "راي" يُرتِّبُ الكُتبَ في الصفِّ الأيمن و"بنس" خلفَهُ يُرتِّبُها في الصفِّ الأيسر، قال "بنس" بعد فترةٍ من الوقت:

_لقد نضجتَ كثيراً يا "راي"، كما أنَّ لحظات بكائك الفجائيَّة قد انتهت تقريباً.

ابتسمَ "راي" ابتسامةً حزينة تنمُّ عن الكثير من الألم.

نعم.. ما عدتُ أبكي كلَّما تذكرتُ "أوشن"، لكنَّ قلبي يعتصرُ ألماً كلَّما فعلت.

_ثلاثُ سنواتٍ باقية، بوسعك التحمُّل.

لم يكن "راي" قد عرفَ بعد سبب عداوةِ "بنس" و "أوشن"، لكنَّهُ توصَّلَ لكونِ هذه العداوة غيرُ حقيقية وأنَّ "أوشن" كانَ مُخطئاً، أنهى "راي" ترتيبَ الكتب فالتفت إلى مُعلِّمهُ الذي كانَ رأسهُ يُجاهدُ كيلا يرتطمَ بالمصباح، تحتَ ذلك الضوء الأحمر كانت خصلاتُ "بنس" الشقراء تشعُّ أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، قال راي:

_في كلِّ مرةٍ أراكَ فيها ألاحظُ أنَّ عددَ الخُصلِ الشقراء في شعركَ يتناقص..

_أنتَ مُحقّ، فأنا أقصُّها على الدَّوام، أنا أكرهُ اللَّونَ الأشقرَ في شعري، إنَّهُ يُذكِّرُني بعلاقةٍ أكرهُها جدَّاً، علاقةُ دماءٍ أقوى من أن نتخلَّص منها.

لم يفهم "راي" شيئاً من حديثِ "بنس" عن علاقاتِ الدماء، لكنَّهُ قال وقد تذكَّرَ شيئاً: أرى أنَّ خُصلاتِكَ الشقراء غايةً بالجمال! لكن بصراحة عندما رأيتُك للمرَّة الأولى ظننتُ حقاً بأنَّك "هيوغو" بسببِ هذه الخصلِ الشقراء، وفيما بعد قال لي "جين" بأنَّهُ يرى فيكَ شبهاً كبيراً ب "هيوغو"، لكن طبعاً أنتَ أجمل! هل من تفسيرٍ لذلك؟ أردتُّ سؤالك ذاك السؤال قبلاً لكن لم أحصل على فرصةٍ لذلك.

أجابه "بنس" بملامحَ باردة: بالطَّبعِ يوجد تفسير، ف"هيوغو" أخي

صُعِقَ "راي" لما سمِعه وقال ببعضِ الفظاظة: أنتما إخوة؟ هذا فظيع! لا أصدِّقُ أنَّ شخصاً بشرِّه يمكنُ أن تجري في عروقه دماءَ شخصٍ بِلُطفك!

1

_أحقَّاً تظنُّ بأنَّه الشرير وأنا الطيب؟ لطالما كانَ الأمر العكس بالنَّسبةِ للآخرين

_ليس كذلك بالنسبة لي! لكن لماذا يا "بنس"!؟ لماذا تُخبرني بهذا السرِّ الخطير؟

التفت إليه "بنس" وقال بتعجب: سر؟ هذا ليس سرَّاً، الجميعُ في الجزيرة يعرفون، ولو كنتُما سألتُماني كنتُ لأخبرِكُما، لكن لا أحدَ يتحدُّثُ عن ذلك ف"هيوغو" يزعجه الأمر.

كانَ "راي" طمَّاعاً جَّداً في الحصولِ على المزيدِ من الإجابات، لكنَّهُ كان خائفاً من أن يتجاوزَ حدوده، لذا قال بابتسامةٍ مُتردِّدة: أتساؤلُ ما إن كنتَ أتيتَ مُرافقاً معه؟

_لا.. أتى "هيوغو" مُرافقاً لأُمِّنا، ثُمَّ جئتُ بعدَهُ بسنينَ طويلةٍ لأجلِ.. سكت "بنس" لبرهةٍ وكأنَّهُ يستذكر أمراً ما ثُمَّ تابع: جريمةٍ اقترفتُها

خافَ "راي" من سؤالِ المزيد، هو لا يُريدُ تذكُّرَ أنَّ "بنس" وعلى الرَّغم من طيبته فهوَ ليسَ إلَّا مُجرماً في النهاية، هو حقَّاً يُريدُ معرفةَ الحقيقة وراء ذلك لكنَّه خائف من السؤال، وشعر أنَّ عقلَه لن يستوعبَ المزيدَ من المعلومات الصادمة لليوم، أنهى "بنس" ترتيب الكتبِ فانحنى حتَّى قابلَ وجهه وجهَ "راي" خمَّنَ "راي" أنَّ "بنس" سيقولُ ما أراد قولَه وبالفعل كان مُحقاً.

_ما أخبارُ الكتابِ الذي أعطيتُه لك؟ هل قرأته؟

كان "بنس" قد أعطاهُ سابقاً كتاباً عن المُبارزة، فقد عرفَ الجميعُ في المكتبة هوسَه الغريب في أن يصيرَ سيَّافاً، قال بحماس: نعم! قرأتُه كُلَّه! لكنِّي مازلتُ أفتقرُ إلى الكثير.. هل لديكَ المزيدُ منها؟

_حسناً.. لقد قرأتَ جميعَ الكُتبِ بالخارج بالفعل، أقصدُ كُتبَ المبتدئين، لكن إن كنتَ مُصراً، أستطيعُ مساعدتك.

قال "راي" بلهفة: كيف!؟

_أترى كُلَّ هذه الكتب من حولك؟ ألم تُلاحظ شيئاً غريباً بشأنها؟

_ليس حقاً.. كانَ الضوء خافتاً ولم أستطع مُلاحظتها.

_كلُّ الكُتبِ في هذه الغرفة تتحدَّثُ عن مهاراتِ القتالِ بالسُّيوف، مُستواها مُتقدِّمٌ أكثر منَ الكُتبِ التي كنتَ تقرأها سابقاً، لكن أظنُّ مُستواكَ الحاليِّ يسمحُ لكَ بتعلُّمها.

ثُمَّ نهض وبدأ يمدُّ يده داخلَ أحدِ الرفوفِ وأخرج سيفاً خشبيَّاً يُناسِبُ حجمَ "راي"، أعطاه ل"راي" وقال: تفضَّلَ، ستحتاجُ سيفاً تتدُّربُ به.

_شكراً لك! أتعتقدُ أنِّي قد أحصلُ على سيفٍ حقيقيٍّ يوماً؟!

_لا تُفكِّر بذلكَ حاليَّاً، تدَّرب بواسطةِ سيف خشبيٍّ أوَّلاً ثُمَّ حاولَ الوصول إلى سيفٍ حقيقي، هذا ما فعلتُه في بدايةِ مسيرتي.

سأله "راي" بلهفة: أنتَ سيَّافٌ يا سيِّد "بنس"؟ لماذا لم تقل ذلك قبلاً؟

ضحِكَ "بنس" من ذلك وبدأ يحكُّ رقبته بتوتر ثم قال: كنتُ كذلك، تعلُّمتُها لأجل هدفٍ مُعيَّن وتوَّقفتُ عن ذلك منذ زمنٍ طويل، كان مُعلِّمي شخصاً من العالمِ الخارجيِّ بالمناسبة.

أخرجَ بعدها مفتاحاً من جيبه وأعطاهُ ل "راي" وقال: هذا مفتاحُ هذه الغرفة، لكن لديَّ شرط، لا تعبث داخلَ هذه الغرفة، فقط خذ كتاباً وارحل.

_حاضر!

وافق "راي" رغمَ جهلِه بمقصد "بنس"، كيفَ يمُكِنُه العبثُ في هذه الغرفة الصغيرة أصلاً؟ بعدَ خُروجِهِما أخرج "بنس" من جيبه قلماً ولُفافةً قماشيَّة، إن "بنس" يستمرُّ بمفاجئة "راي" حقَّاً! لكن هذه المرَّة لم يكن الأمر مُفاجئاً، بل كان أمراً اعتادا فعلَهُ دوماً، قال بنس: ستُساعدُني في كتابة المخطوطاتِ الدراسيَّة مُجدَّداً صحيح؟

_بالطبع سأفعل! لقد ساعدتَني للتوِّ وهذا أقلُّ ما أفعلُه لردِّ الجميل!

_شكراً لك، فخطُّكَ جميلٌ وواضح ولا أستطيعُ الاستغناء عنه.

كان هذا روتيناً اعتيادياً بينهُما، حيثُ يُساعدُ "راي" في كتابة لوحاتٍ للحروفِ الهجائيَّة لأجلِ دروسِ "بنس"، فكَّرَ بأنَّهُ بعد أن يصير سيَّافاً، ربما يرغب بتطوير خطِّه، العملُ كخطَّاطٍ لن يكونَ سيئاً حقَّاً.

***

بعدَ الانتهاءِ من كتابةِ المخطوطات، عادَ "راي" مُسرعاً ليرويَ لصديقيه كلَّ الأخبارَ الجديدة، والصادمة كذلك، وجدَهُما قد غادرا من المكتبةِ فراح يبحثُ عنهُما.

_كنتَ تعلم؟! ماذا تقصدُ بأنَّك كنتَ تعلم؟

أجابَهُ "جين" ببرود: كنتُ أعلمُ بأنَّهُما أخويْن، اكتشفتُ ذلك مُصادفة، ألم أخبرك؟ آسفٌ يبدو أنَّي نسيت..

_وماذا عنكِ يا "غانبو"؟! أكنتِ تعلمينَ أيضاً؟!

أومأت "غانبو" رأسها باستسلام، فقد كانت تعلمُ منذ فترةٍ طويلةٍ جدَّاً، لكنَّها لم تجدها معلومةً ذات قيمة للمشاركة، عقد "راي" ذراعيه وقال بغضب: لقد كنتُ الجاهلَ الوحيد إذاً!

غير آبهٍ بمشاعرِ "راي" غيِّر "جين" الموضوعَ وقال بحماس: أتعرفُ ما سيحدُثُ قريبا؟َ! إنَّها مُسابقةُ الحفرة!

_حفرة؟ ألهذا السَّببِ كان الجميعُ يحفرُ مؤخراً؟! لقد أخافني حقَّاً منظرُ تلكَ الهوَّة في منتصف الجزيرة، ظننتُ أنَّهم سيُقيمونَ مراسمَ دفنٍ جماعيٍّ!

قال "جين" بينما يضحك: لا! إنَّ الحفرةَ لأجلِ المسابقة، ستكونُ أشبه بحلبةِ مصارعةٍ تحت الأرض يتنازلُ فيها جميعُ من يشاركُ معاً في مباراةٍ واحدة، آخرُ الواقفين هو الفائز هذا هو القانون، ثُمَّ يحصلُ الفائزُ على تذاكرِ الخروج!

_نعم.. تلك.

تذكَّر "راي" حديثَهُم السابق عن هذه المُسابقة، ظنَّ أنَّ "جين" قد نسيَ فكرةَ الخروجِ فهم لم يُعاودوا الحديثَ عنها مُجدَّدا، تذكَّر كلام "غانبو" بكونِ جميعِ الفائزين السَّابقين قد ماتوا، لكنَّه فكَّر بأنَّ "جين" ربما لم يعرف بشأنِ موتِهم جميعاً وأنَّ أحداً حقيقةً لم يُغادر هذا المكان، ظلَّ صامتاً كيلا يُحطِّمَ حُلمَ صديقه الذي تابع بحماس: إنَّهُ حدثٌ ضخمٌ فهوَ ليسَ خاصَّاً بالجزيرةِ وحدِها، بل بالعالمِ أجمع! تحضرُ عشراتُ الطائرات لتصويره ويبثُّ حولَ العالمِ بأكمله، ولِعلمكَ فهو برنامجٌ غيرُ قانونيِّ لهذا يجنونَ الكثير منَ الأموال بسببه، أقصد بذلك الأشخاص الذين يتعاملونَ معنا ويجلبونَ لنا البضاعة، إنَّهم مجانين لا يمانعون تحرُّرَ اثنين من مُجرمي هذه الجزيرة مقابل بضع ملايينَ من الأموال.

شعرَ "راي" بالصدمة، هذه معلوماتٌ كثيرةٌ جداً وهوَ يعرفُها للمرَّةِ الأولى، لطالما تساءل عن مصدر "جين" للمعلومات، لكن أهذا يعني أنَّ هنالِك أشخاصاً من العالم الخارجيِّ يعرفونَ بأمرِ هذه الجزيرة؟! هل يعرفون كيف تسيرُ الحياةُ هنا وعدد الأشخاص الذين يموتون كلَّ يومٍ بسبب قتالٍ طائش، وشعر "راي" بالصدمة كذلك لكونه يرى "جين" يتحدَّثُ بكلِّ هذا الحماس للمرَّةِ الأولى، قال برقَّة كأنَّه يُربِّتُ على رأسِ رضيع: إلَّا إذا وجدوا طريقةً لربحِ المالِ ومنعِ مغادرةِ أي أحدٍ في الوقتِ ذاته، أليس هذا منطقيَّاً؟

انكمشَ "جين" على نفسه فقد فهِمَ ما يُلمِّحُ إليه "راي"، قال بخيبة:

_أفهمُ تماماً ما تعنيه.. لستُ غبيَّاً! لم تُعقد هذه المُسابقة إلَّا منذُ عقدٍ وخلالَ ذلكَ الوقت لم يُغادر أحدٌ الجزيرة فعلاً.. لم أعرف هذا إلا مؤخراً، ياللخيبة!

غيَّر من انكماشته وتربَّع ثُمَّ قال بابتسامةٍ حزينة: لا تقلقا، أنا لم أعد أرغبُ بالخروجِ من هنا، فلنبقَ أنا وأنت و"غانبو" هنا بعيدين عن المشاكل وستكونُ هذه حياةً رائعةً بالنسبة لي.

ابتسمَ "راي" و "غانبو" بالحزنِ ذاته وقال "راي": ماذا عن عائلتك التي تنتظرك؟

اختفت ابتسامةُ "جين" وقال: لا أحد ينتظرُني.. جميعُهم ماتوا في الغالب.

_لا تقل ذلك!

_كلاكُما.. هل تُريدانِ سماعَ قصَّتي؟

هتفَ "راي" بحماسٍ وقال: بالطبع أريدُ ذلك! ثُمَّ تراجعَ للخلفِ وقال بقليلٍ من الخيبة: لكنِّي لن أخبرَ أحداً بقصَّتي في المقابل..

ضحِكَ "جين" وقال: لا أريدُ مُقابلاً! لكن فقط لا أريدُ أن تُظهرا شفقتكُما..

أومأت له "غانبو" بحماسٍ فقال: ماذا؟! أنا لن أقولَها الآن!

اعتلت الخيبةُ ملامحَ "راي" وقال لماذا؟!

_سأفعلُ ذلكَ لاحقاً، أعدُكُما.

_حسناً.. هذا وعد! إيَّاكَ أن تنسى ذلك!

_لن أنسَ

***

قضى "راي" أسابيعَهُ الماضية بمُطالعةِ الكتبِ وتطبيق ما يقرأه، قرأ الكثير عن أنواعِ السُّيوف والاختلافِ بينها، قرأ عن الساموراي وسيوف الكاتانا، والسُّيوفُ الأوروبيَّة كالسَّيفِ الفرنسيِّ القصير، والعربيَّة كسيفِ المنجنيق، وكان مُتلهَّفاً جدًّاً لتجربةِ كلِّ ما يقرأه، كانَ يقلِّدُ ما يتعلَّمهُ أمام "جين" الذي يسخرُ منه و"غانبو" التي تُصفقُ لهُ بحماس، استسلمَ من مُحاولةِ استعراضِ نفسِه أمامهُما بسبب سُخرية "جين" فراح يستعرضُ نفسَه أمام "بنس" الذي كان يُعدِّلُ عليه كثيراً، لكنَّهُ لم يحرمه كذلك من كامل عباراتِ الدَّفعِ والتَّحفيز.

_كيف كانَ ذلك؟!

_تحتاجُ لبعضِ التَّعديلات على وضعيتك، لكنَّك تطوَّرتَ كثيراً خلالَ الأسابيعِ السابقة.

_نعم! فقد أوشكتُ على الانتهاءِ من قراءةِ جميعِ الكتب!

_ليسَ الُمهمُّ أن تقرأها، بل أن تُتقِنَها.

عادَ "راي" يُلِّوحُ بالسَّيف مُجدَّداً ومهما قالَ "بنس" أنَّه ما يزالُ بحاجةٍ لكثيرٍ من التدريب، إلا أنَّه كانَ مُغترَّاً جدَّاً بمهاراته، سأل بحماس: هل ستُجري مبارزةً ضدَّي؟

صُدِمَ "بنس" لذاك الاقتراح وقالَ بدهشة: عُذراً؟!

_ماذا؟ مُبارزةً ضدي! ألستَ مُحترفاً؟ ظننتُ بديهيَّاً أنَّك كذلك.

_لا أنا فقط.. لم أسمع أحداً يطلبًني للمبارزةِ منذُ سنين.

لاحظَ "راي" نظرات "بنس" المنزعجة فقال بأسى: أنا آسف.. هل أزعجتُك؟

خرجَ "بنس" من شعوره بالصدمة فقال:

_لا لا عليك، لكن الآن ليس الوقتَ المناسبَ لذلك.

سأل "راي" بخيبة: لكن لماذا؟ أحتاجُ شخصاً لأتدَّربَ معه!

_أنا في مستوى آخر تماماً، كما قلتَ أنا مُحترف

_لكن كيفَ سأختبرُ مهاراتي؟ يجبُ أن أفعلها قبل دخولي في نزالٍ حقيقي!

_لا داعيَ لذلك، فمهارتُك الحقيقيَّةُ لن تظهرَ سوى في أرضِ المعركة.

كانَ "راي" حتماً غيرَ راضياً بكلامِ مُعلِّمه، لكنَّه استسلمَ لذلك وقال:

_سأعودُ للقراءة، فالكتابُ الذي أقرأه حالياً فيه الكثيرُ المهاراتِ الصعبة.

قال "بنس" بنبرةٍ صادقة: بالتوفيق!

عادَ "راي" للغرفةِ الضيِّقةِ بعلاماتٍ غير راضية، أوَّلاً بسبب هذا الكتاب صاحب كمٍّ هائلٍ من الشروحات الصعبة والمُبهمة، وثانياً حقيقة أنَّ "بنس" لم يُرِد تدريبه، تساءلَ "راي" لأيِّ درجةٍ "بنس" مُحترف؟ لكنَّهُ كانَ مُتأكِّداً من كونه مُقاتلاً جيِّداً، فكلُّ هذه الكتب الموضوعة هنا والتي تتحدَّثُ عن موضوعٍ واحد، لا شكَّ أنَّه هوَ من جمعها وانتقاها من باقي أرجاءِ المكتبة.

طفحَ الكيلُ مع "راي" بشأنِ هذا الكتابِ الذي يقرأهُ، فرماه على الأرض بغضبٍ وبدأ يبحثُ بين الرفوف عن كتابٍ جديد، كانت مُهمَّة صعبةً أن يُحاولَ البحثَ عن كتابٍ لم يقرأه، فهوَ قد قرأ مُعظمَ الكُتب، ولم يُرد فرزها كذلك لأنَّهُ شعرَ أنَّ "بنس" قد رتبَّها بطريقةٍ مُعيَّنة، فهو أمرهُ بعدمِ العبثِ سابقاً، وبالطبع الإضاءةُ الحمراءُ الخافتة جعلت مُهمَّتَهُ أصعب، استسلم بعدَها من فكرةِ البحثِ عن كتابٍ آخر فعادَ زاحفاً يبحثُ عن الكتابِ الذي ألقاه، بدأ "راي" يتحسَّسُ ألواحَ الأرضيَّةِ الخشبيِّةِ بيديه، كم كرِهَ الإضاءة الخافتة وقتها لأنَّها لم تُساعده إطلاقاً، شعر بالصدمة عندما عجِزَ عن إيجادِ الكتابِ كأنَّهُ قد اختفى تماماً! حتَّى لاحظَ أمراً غريباً.. أحدُ الألواحِ الخشبيَّةِ في الزَّاوية قابلٌ للانزلاق، كان اللوح قريباً من مكانِ إلقاءِ "راي" للكتابِ لذا تساءل، هل وقع كتابي هنا؟ مدَّ يدَه الصغيرة أسفل اللَّوحِ الذي قلبه لكنَّه لم يلمس شيئاً، شعرَ أنَّ حفرةً عميقةً تقبعُ أسفلً هذا اللوح، وهذه الغُرفة، كان اللَّوحُ الخشبيّ أصغرَ من أن يمرَّ أحدٌ من خلاله، لذا بدأ يقتلعُ الألواحَ المُجاورة والتي أقنعَ نفسَهُ بأنَّه سيُعيدُها بعدَ أن ينتهي، لعلَّ هذا يكونُ يُساعدهُ في تخفيفِ تأنيبِ ضميره، اقتلعَ الأولَ ثُمَّ الثاني حتَّى شاهدَ ما ينتظرُه في الأسفل، لم يكن مُجرَّد حفرة بل كانَ سرداباً كاملاً أسفل الغرفة! شعرَ بالخوفِ للحظة لكنَّ فضوله قد أعمى كُلَّ شعورٍ آخر، كشعوره بالذنب مثلاً لمخالفةِ شرطِ "بنس"، قمعَ كلَّ مشاعره الأخرى وقرَّرَ بأنَّه سيجلبُ الكتابَ بسرعة دونَ أن يلاحظَ أحد، وأنَّهُ لن يعبث بأيِّ شيءٍ آخر! لكن حقيقةً شعرَ "راي" بأنَّ هذا السرداب كان سرَّاً مخفيَّاً حتَّى عن "بنس"، لهذا روادُه حماسٌ شديدٌ لاكتشافه، واستعملَ عُذره بإيجادِ الكتابِ كذريعةٍ يُسكتُ بها ضميره، فدافِعُه الأساسيُّ للنزول كان انسياقه اللَّاواعي وراء فضوله في استكشاف هذا السرداب الغامض، خصوصاً أنَّ حياته في الآونة الأخيرةِ كانت مُملَّةً حقاً، لا ضيرَ في خوضِ مُغامرةٍ تُعادلُ مُتعتُها عشرَ كتبٍ قرأها.

يالها من خيبة.. فشِلت مُغامرتُه في الحال بعد دخوله للسرداب، كان مُظلماً جدَّا لا يمُكنُكُ رؤيةُ يدِكً فيه، وكان ضيِّقاً كذلك، كل تلك المعاناة في إزالة الألواح وكلُّ ذلكَ الحماس والفضول، والشعورُ الفظيعُ بالذنبِ الذي راوده، كلُّ ذلكَ كانَ من أجلِ لا شيء.. لكن لفتَ نظرَه شيءٌ لونٌ أحمرُ مشعٌ يأتي من نهاية السرداب، لم يجد "راي" خياراً سوى الانسياق إليه، كان مُتأكداً من أنَّ الضوءَ قريب لكن أثناء سيره شعرَ بالضوء يبتعدُ أكثر فأكثر، مشى ببطءٍ بسببِ العتمة وظلَّ يتحسَّسُ الجدران، لكنَّهُ لم يرتطم بشيءٍ وبدا له أنَّ هذا السردابَ فارغ.

وصلَ نحوَ مصدرِ الضوء فوجدَ الصدمةَ التي أدهشته، وشعر لأجلِها أنَّ هذه المُغامرةَ الغريبة كانت تستحقُّ، وجدَ صُندُوقاً زجاجيَّاً في داخله سيف! كانَ السَّيفُ باللَّونِ الفضيِّ لكن وُضِعَ في منتصفِ مقبضه جوهرةٌ حمراءُ مُشعَّة، سيفٌ أوروبيٌ طويلٌ ومستقيمٌ ذو حدَّين، فتحَ "راي" الصندوق بسهولةٍ كأنَّ السيف كان بانتظاره، وبدأ يرسمُ دُخاناً مسرحيَّاً في عقله ليعيشَ الدور، كانَ السيفُ مليئاً بالغُبار كأنَّ أحداً لم يلمسه منذُ عقود.. مسحَه بكُمِّه فرأى انعكاسَ وجهه، سعُدَ كثيراً بكونِ ملامِحه صارت أقلَّ طُفوليَّة، أو ربما هذا ما ظنَّه، أرادَ متابعةَ مُغامرته باستكشافِ باقي السَّرداب فقد يعثرُ على أشياءَ أخرى، لكنَّهُ ارتأى تأجيلَ ذلكَ إلى الغد، سآتي غداً بمصباحٍ وأكتشفُ باقي الأشياء هنا! شعرَ أنَّهُ قد يجدُ كتاباً سريَّاً يحوي أسرارً المبارزة وأشياء لا تُذكرُ بالكتبِ العاديَّة، أو ربما يجد لفيفةً تجعلُ منهُ شخصاً لا يُقهر! سرحً بخياله كثيراً حتَّى استيقظ وهرعَ يبحثُ عن جميعِ من يعرفُهم ليتباهى أمامَهم بهذا السيف الجديد، سيفٌ جديدٌ وحقيقي! لم يحتج للمشي بحذرٍ هذه المرَّة فضوء السيف قد أرشده، لم يُكلِّف نفسه عناء تثبيتِ الألواحِ الخشبيَّة فقد قرَّر أنَّهُ سيعودُ غداً، تركَ الغرفة على حالها لكنَّه أغلقها بإحكامٍ فاطمأن لكون أحدٍ، لم يجد "راي" أيَّ شخصٍ يعرفُه في المكتبة ولا حتَّى "بنس"! لم يمتلك وقتاً لتعميقِ بحثه فهوَ يُريدُ تجربةَ هذا السيف –التباهي به- بأسرع فرصةٍ ممكِنة، هرع خارجَ المكتبةِ بحثاً عن "جين" فوجدَه على الفور، قال بحماس:

_انظر علامَ حصلت!

كانَ "جين" يمشي بريبةٍ كأنَّهُ قد ارتكب خطأً وشعرَ بأنَّ "راي" أمسكه مُتلِّبساً، لكن لحسنِ الحظِّ "راي" لم يهتم، اقترب منه وقال بعدما لاحظَ السيف:

_مذهل! من أين حصلت عليه!

_وجدتُّه!

_لا تتحدَّث وكأننا نجدُ الأشياء الباهظة في الشارع! هل هذا حجرٌ مشعِّ؟ إنَّها المرَّةُ الأولى التي أرى فيها واحداً! فلنقايض هذا السيف.

على الفور خبأ "راي" السيف وراء ظهره وقال: مستحيل! سأستخدمُ هذا السَّيف! أنتَ لم تعد تهتمُّ بشيءٍ سوى المُقايضة!

_لكن هذا سيفٌ جميلٌ جدَّاً لتستخدمه! ماذا لو خدشته؟

حاولَ "جين" بلهجتهِ الاستعطافيَّة تغيير قرار "راي"، ورغمَ أنَّ "راي" لم يُغيِّر قراره بالاحتفاظ بالسيف إلا أنَّهُ تأثَّر قليلاً بما سمِعه، قالَ بتردد: سأحافظُ عليه..

_متى ستُجرِّبُه؟ فلنجرِّبه على "تيدي"! أرغبُ حقاً بقطعِ رأسِ ذاك الفتى، وفلنرمِ خنجرَهُ بالمحيط كيَ نراهُ يسبحُ عارياً للحصولِ عليه!

بدأ "جين" يضحكُ بقوَّة لكنَّ "راي" لم يُعجبه سماع كلِّ ذلكَ العنف.

_أوَّلاً أنا لن أقتل أحداً! ولا حتَّى "تيدي"! ثانياً سأجرِّبُه على شخصٍ يمتلكُ سيفاً أيضاً، وثالثاً أنا لن أرمي بالخنجرِ في المحيط! فهو سلاحي الأوَّل وقد حصلتُ عليه بمعركةٍ شريفة! لي طبعاً وليس له، رابعاً أنا لا أريدُ لأيٍّ كان أن يسبحَ في المحيط فهو.. هو شرير، أنا لا أتمنَّى ذلك لأحدٍ أبداً..

كانَ "جين" غاضباً لسماعه تلكَ المحاضرة، لكنَّه ابتسم ابتسامةً مُراعِيةً عند النقطة الرابعة، يستمرُّ بنسيانِ خوفِ "راي" من المُحيط.

_حسناً لا بأس، فلنبحث عن مقاتلٍ لِتُبارزه، أريدُ رؤيتك تستخدمُ هذا السيف بشدَّة.

سارا سويَّةً و"راي" يجرُّ السيف خلفه، لم يكن ثقيلاً لكنَّه فاقه طولاً، وعندما لوَّح "راي" شعرَ أنَّهُ خفيفٌ وسهلُ الاستعمال، وكأنَّه يمنحُ صاحبه القوَّة! لاحظَ "راي" بقلقٍ تحديق الجميعِ فيهما عندما يمرُّان، ولاحظ أنَّهم يُركِّزونَ نظراتهم على السيف خلفه، حدَّقَ البعضُ بنظراتٍ مرعوبة، والبعضُ كان سعيداً جداً، فزِعَ "راي" و "جين" من صوتِ هتاف جاء فجأة، التفت إليهم "راي" وسأل: ما خطبُهم؟

أجابَ "جين" بحيرة: ومن يدري؟ لطالما كان النَّاسُ هنا مجانين!

ظلَّا صامتيْن يحدِّقانِ بهذا الحشدِ الذي يهتفُ لهم، لاحظَ جين نظرات "راي" الخائفة والقلقة فقال يطمئنُه: لا داعيَ لكلِّ هذا القلق

_لا أظنُّ أنَّ خيراً سيأتي وراء هتافِهم..

_ربما.. لكنِّي متأكدٌ بأنَّهم يهتفون لأنَّهم يظنُّونَكَ ترجو قتالاً، أعني لا أحدَ يتجوُّلُ بسيفٍ يجرُّه هكذا إلا إن أراد خوضَ نزال! هم يتحمَّسون لفكرةٍ كهذه، لن أتعجَّبَ إن بدأ بعضُهم يتبعُنا ليشهدَ قتالك!

لكنَّ "جين" كانَ مُخطئاً، فلم يتبعهم أحد، تأكَّدت شكوكُ "راي" القلقة بعدَ مُقابَلتِهم لامرأةٍ في الطريق، فورما وقعت عيناها على السيف سقطت أرضاً وبدأت تصرخُ بفزع، زحفت بعدها على أقدامِها مُسرعةً لتهربَ منهم، أفزعَ ذلكَ "راي" لكنَّ "جين" كان حائراً أكثر من كونِه خائفاً، هو يعرفُ جميعَ قصص هذه الجزيرة فلو كان لهذا السيف قصَّةٌ لكانَ عرفها! سأل بحيرة: امم ما كان ذلك؟

_لا تبدو كشخصٍ مُتحمِّسٍ لرؤيتي أخوض نزالاً..

_أشعرُ بأنَّ مزيداً من التجوُّلِ سيلفتُ الأنظار ويجلبُ المشاكل، هل نعود؟

_لا! أنا عازمٌ على مبارزةِ أحدِهم اليوم!

رغمَ الخوفِ الذي اعترى "راي" بسببِ ردَّةِ فعلِ سُكَّانِ الجزيرة الغريبة، إلا أنَّهُ كانَ مُصرَّاً على اختبارِ مهاراته، لا يستطيعُ تأجيل هذا الأمرِ أكثر! وجدا أخيراً بعدما حلَّ المساء، شخصاً يجلسُ حول نارٍ أشعلَها وفي غِمده سيف، قال "راي" فرِحاً:

_هذا هوَ الشَّخصُ المنشود!

التفت "جين" نحوَهُ وشعرَ بالحماس، كان يبحثُ عن طريقةٍ لمعرفةِ قصَّةِ هذا السيف الذي لم يسمع به يوماً، هتفَ بحماس: لديَّ فكرة!

ضحِكَ "راي" وقال: أفكارُك يا "جين" لا تجلبُ سوى المتاعب.

تقدَّما من الرجل ففزِعَ عند رؤيتِهما لكنَّه حافظ على ثباته بعد لحظات، كان يجلس على صخرةٍ والنَّارُ أمامه وقد امتلكَ لحيةً بُرتقاليَّة كثيفة، قال "راي" فورما صار على مقربةٍ منه: بارزني!

صُدِمَ "جين" من صراحةِ "راي" وعفويِّتِه الشديدة، لقد دخل في صلب الموضوع مباشرة! هذا الفتى لا يعرفُ شيئاً عن الصفقات!

قالَ الرَّجلُ بنبرةِ استهجان: لن أفعل.

_لدينا عرضٌ لكَ يا سيدي! قالَ "جين"

_ما هوَ؟

_إن فازَ صديقي عليكَ فستُخبِرُه بقصَّةِ هذا السيف.

قاطع الرجل كلام "جين" وقال ساخراً: لا تعرفانِ قصَّة هذا السَّيف؟ لهذا السبب تبدوان كالجاهلان تماماً بينما تتجوَّلانِ تحملانه بالأرجاء!

_نحنُ لم نطلب رأيكَ بنا! قال "جين" بغضب

_وعلامَ سأحصلُ انا؟ صحيحٌ أنَّ سيفكُما قويٌ ومتين لكن لا فائدةَ منه مالم يمتلك صاحبُه المهارة.

_تماماً هذه هي! إن فزتَ فستحصلُ على السيف، ما رأيك؟

اندهشَ الرجل لما سمعه و"راي" الذي لم يكن أقلَّ اندهاشاً صرخ قائلاً:

_ماذا؟ أنا لم أوافق أبداً على ذلك!

همسَ "جين": ما خطبُكَ أيُّها الأحمق؟! بدوتَ واثقاً جدَّاً من فوزك!

_لستُ كذلك! وحتَّى إن كنتُ فلن أخاطرَ بعقدِ رهانٍ كهذا!

نهضَ الرَّجلُ وقد بدا مُتحمِّساً، قال ل"راي": أعرفُ مُشكلِتك أيُّها الفتى! أنتَ تظنُّ بأنَّه رهانٌ غيرُ عادلٍ صحيح؟ سأحصلُ أنا على الكثيرِ بينما ستحصلونَ أنتُم على بضعِ معلوماتٍ سخيفة، إن فزتَ عليَّ سأعطيكَ سيفي أنا أيضاً، وليس هذا فحسب بل كلَّ ما أملك! ما رأيك؟

تحمَّسَ "جين" لعرضِ الرَّجلِ كثيراً وقال: موافقون!

صرخَ "راي" فيهِ: "جين"!!

_هيَّا يا "راي"! بحقِّك وافق! هذا الرَّجلُ واثقٌ من فوزه ويستهينُ بك، سيجعلُ هذا فُرصةَ فوزِنا أكبر.

_لكن ألا تدلُّ ثقتُه على كونه بارعاً؟ هذا نزالي الأوَّل بينما هو يبدو خبيراً في ذلك، انظر لسيفهِ المليء بالخدوش إثرَ القتال! وأيضاً ما حاجتي بسيفٍ آخر وأنا لديَّ واحدٌ بالفعل؟ وما حاجتُنا لأشيائه بينما لدينا الكثيرُ من الأشياءِ بالفعل؟ كفَّ عن التحدُّث بلساني!

_حسناً حسناً أيُّها المزعج! إن هزمنا فلنفرَّ هاربين ولا نُعطيهُ السيف، أهذا أفضل؟

_بل أسوأ!

ظلَّ الرَّجلُ يراقبُ همسَهُما بنفاذ صبرٍ حتَّى قال: ما قولُكُما؟ أليس عرضاً جيِّداً؟

استدارَ "راي" إليه وقالَ يُحاولُ أن يكونَ مُهذَّباً: هوَ كذلك، لكنِّي لا أريدُ ربطَ نزالِنا بأيِّ رِهانات، هل تقبلُ بنزالي دونَ شيءٍ في المقابل؟

ابتسمَ الرَّجلُ برضا فقد أعجبتُه صراحةُ "راي"، قال بصراحةٍ مُماثِلة: لا بأس، سيكونُ شرفاً لي أن أخوضً نزالاً ضدَّ هذا السَّيف! وإن اتَّضحَ أنَّك ضعيفٌ وفزتُ عليك فبوسعي أخذُ سيفِكَ بالقوَّة!

ابتسمَ "راي" بتحدِّي وقال: عندها سأستطيعُ الهربَ دونَ الشُّعورِ بتأنيبِ الضمير!

اتَّخذَ كلٌّ منهما وضعيَّةَ القتالِ بينما "جين" يُراقبُ

_من يسقطُ سيفُه أوَّلاً يخسر!

وبدأ النِّزال.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

راي في جزيرةِ المجرمين

المؤلف viloeto7789
2025/09/09 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: 1: المحطَّةُ الأخيرة
2025/09/09
الفصل 2: 2: الصغيرُ "راي"
2025/09/10
الفصل 3: 3: بدايةُ الصداقة
2025/09/10
الفصل 4: 4: "هيوغو"و"هاوبر"
2025/09/11
الفصل 5: 5: عِداءٌ مُفاجئ
2025/09/11
الفصل 6: 6: تغيُّرٌ في حياةِ "راي"
2025/09/11
الفصل 7: 7: أبٌ حقيقي وأبٌ مُزيَّف
2025/09/11
الفصل 8: 8: "أوشن" المُحيط
2025/09/11
الفصل 9: 9: الجريمةُ الأولى
2025/09/11
الفصل 10: 10: عاصفةٌ بعدَ الهُدوء
2025/09/11
الفصل 11: 11: خروجُ "بنس" من قوقعته
2025/09/11
الفصل 12: 12: المحيط يغادر
2025/09/13
الفصل 13: 13: عادت الحياة إلى الجزيرة
2025/09/13
الفصل 14: 14: عقابُ الهارب
2025/09/13
الفصل 15: 15: سرُّ السيدِّ "بنس"
2025/09/13
الفصل 16: 16: قصةُ الفارس الشجاع
2025/09/13
الفصل 17: 17: اتِّفاقيةُ السَّلام
2025/09/13
الفصل 18: 18: نكثُ العهد
2025/09/13
الفصل 19: 19: حُفرةُ القوَّة
2025/09/13
الفصل 20: 20: ذكرياتُ "جين"
2025/09/18
الفصل 21: 21: المُحيطُ يعود
2025/09/18
الفصل 22: 22: وداعٌ أبديِّ
2025/09/18
الفصل 23: 23: حقيقةٌ مُتأخِّرة
2025/09/21
الفصل 24: 24: موتٌ وحياة
2025/09/21
الفصل 25: 25: "غانبو" المُجرِمة
2025/09/21
الفصل 26: 26: "رين"
2025/09/24
الفصل 27: 27: حاصدُ الأرواح
2025/09/24
الفصل 28: 28: حبُّ "هيوغو" الفاشل
2025/09/24
الفصل 29: 29: عينٌ بلونِ السماء
2025/09/28
الفصل 30: 30: "هيوغو" و"أوشن"
2025/09/28
الفصل 31: 31: جمعٌ حزين
2025/09/28
الفصل 32: 32: البارودُ يقتل
2025/10/04
الفصل 33: 33: عالمٌ جديد
2025/10/04
الفصل 34: 34: محطَّةُ "جين" الأخيرة
2025/10/04

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة