13: عادت الحياة إلى الجزيرة

13: عادت الحياة إلى الجزيرة

13 0

_كفاكَ بكاءً يا "راي"، فلنذهب ونستمتع بسوق الجزيرة.

كانت حالة "راي" صعبةً حقاً، وُمثيرةً للشفقة كذلك، فكلُّ ما فعلَهُ "جين" خلالَ السَّاعاتِ السَّابقة هوَ مُحاولةُ تهدئةِ صديقه.

_لا فائدة، لن أتوقَّف عن البكاء إلا بعد رؤيةِ "أوشن" مُجدَّداً.

_يالكَ من أحمقٍ مُثيرٍ للشفقة! لو علِمَ "أوشن" أنَّ هذا سيكونُ حالُك لحبسَكَ وأخذك في صندوق، بهذه الطريقة لن ترى المحيط.

زادت دُموعُ "راي" وقال ببؤس: ياليتني فكَّرتُ بها قبلاً!

_أحمق! هل تظنُّ أنَّ هذا ما أحاولُ قولَه؟ اسمع.. هل سيكونُ "أوشن" سعيداً برؤيتكَ هكذا؟! منظرُكَ مثيرٌ للشفقة! كُنْ سعيداً ليكونَ هوَ كذلك أيضاً! هل لو عادَ "أوشن" بعدَ أربعةِ أعوامٍ ستُخبِرُه بكلِّ مُغامراتك بعد رحيله؟ أو ستُخبِرُهُ بأنَّكَ كنتَ تبكي وتشجبُ كالأطفال؟!

_لكنِّي طفلٌ فلماذا لا أبكي؟!

_أهذا كلُّ ما فهمتَه من كلامي؟

بدأ "راي" يمسحُ دُموعَه، رغمَ أنَّ الوقتَ كانَ مُبكِّراً على التَّوقفِ عن البكاء لكنَّهُ أدركَ أنَّ "أوشن" لم يمت، وأنَّ الحياةَ لا يجبُ أن تتوقَّف، كما أنَّ "أوشن" يستمتعُ بمُغامرته في المحيط دونَ أن يأبه به فلماذا هوَ هنا يبكي بحسرة؟ استجمعَ شتاتَ نفسه وقال: معكَ حق.. لن أبكي على رحيلِ "أوشن" بعدَ اليوم لكنَّ الحزنَ سيُرافِقُني كلَّما سمعتُ اسمه، لذا أجل سأؤجِّلُ دُموعي لوقتٍ أكثر حُزناً.

_أنتَ غريب.. تمنَّى ألا تُقابلَ حزناً آخر وحسب..

لم يُجبه "راي" بل اكتفى بالابتسام، فقد عرفَ أنَّ "جين" لن يفهمَ فلسفته كما كانَ يفعلُ "أوشن"، و"جين الذي أحسَّ بالسعادة بعد رؤية ابتسامة صديقه قال بينما يعرضُ كيساً قُماشيَّاً على "راي": انظر علامَ حصلت! الكثيرُ من الأشياء القيِّمة التي بوسعنا مقايضتها!

مدَّ "راي" رأسه داخل الكيس وقال: مذهل! كيف حصلتَ عليها؟ هل اشتريتها؟

_اشتريت؟ لا مال هنا أيُّها الأحمق! نحن نقايضُ الأشياء لا نشتريها، لا ألومك على جهلِ فنحنُ لم نحصل على فرصةٍ للمقايضة قبلاً، أمَّا هذه فقد حصلتُ عليها كهديةٍ من أحدهم، هديةٍ استحققتُها بعد كثيرٍ من الجهد!

فضَّل "جين" أن يقولَ بأنَّ هذا الكيسَ كان هديَّة، بدلَ أنَّهُ أجرُ "هيوغو" له مُقابلَ خدماته، فمثلما يُقايضُ النَّاسُ أشياءهم يقايضُ "جين" خدماته مقابلَ أشياء يطلُبُها.

_أنا أيضاً حصلتُ على هديةٍ من "أوشن"! ثُمَّ أخرجَ من جيبهِ البلورات الزجاجيَّة، حدَّق فيها "جين" بدهشةٍ عارمة وقال:

_أريدُ أن أعرفَ فقط لأيِّ درجةٍ كانت العلاقةُ بينكَ وبينَ "أوشن" قويَّة! فقط ليُعطيكَ شيئاً قيِّماً كهذا؟! بوسعكَ مقايضةُ واحدةٍ منها بأشياء كثيرة جدَّاً!

_عجباً! لم أعرف أنها قيِّمةٌ لهذا الحد!

بعدَ لحظةِ إدراكٍ طويلة، صرخَ "جين": أريدُ الحصولَ على الكثيرِ من الطَّعام!

صرخَ "راي" بالحماسِ ذاته: أريدُ الحصولَ على المزيدِ من الملابس!

_بهذه البلورات نستطيعُ الحصولَ على السَّوقِ كاملاً! ما رأيكَ لو نشتري خيمة؟ ستكونُ أفضل من النَّومِ بالعراء.

_نعم! خيمة تتِّسعُ لي ولك ول"غانبو"! ستُكونُ ملكي حينها لذا لن تعترضَ على بقاء "غانبو" معنا.

ابتسمَ له "جين" وقال باستسلامٍ: ألا تمانعُ النَّومَ مع فتاة؟ هذا مُحرج..

_ستعتادُ الأمرَ قريباً ف"غانبو" أكبرُ منَّا وهي كأختٍ كبرى.

_كما تشاء..، أختُنا الكبرى!

لم يتمالك "راي" سعادته بعد ما قاله "جين"، هل تقبَّل "جين" أخيراً فكرةَ وجودِ "غانبو" بينهُما؟ يبدو أنَّ الحياةَ ليست بهذا السوء بعدَ رحيلِ "أوشن".

توجَّها نحو السِّوقِ وبُهِرا بكلِّ شيء يرانه، أكشاك كثيرة في كلِّ مكان عليها شتَّى أنواع الطعام والملابس والخردة المُستخدمة، لم يرَ "راي" أيَّ لحومٍ أو أسماك لكنَّه رأى الكثيرَ من الحلوى والسُّكريَّات والنَّشويات، توقَّفا عند أحدِ الأكشاك وقد كان كُشكاً للملابس، حاولَ "راي" اختيار بعض الملابس لكنَّه كان حائراً جداً فاختارتُه صاحبةُ الكُشكِ في النِّهاية، قدَّم لها البلَّورة الزُجاجيَّة فحملقت المرأةُ بها بدهشة، قالت بعدَ أخذها وإمعانِ النظر: المحلُّ كلُّه لكَ أيُّها الصغير!

سارت بضعَ خطوات لكنَّها عادت بسرعة وقالت: لا أنا أظلُمك!

خفَّفت ملابسها وأعطتها ل"راي" وقالت: أتمنَّى أن يكونَ هذا كافياً! ثُّم غادرت بالملابس القليلة التي أبقتها و"راي" و"جين" يُراقبانِ الموقفَ بدهشة، قال "جين" بحماس: صرنا اثرياء!

بادَلهُ "راي" الحماس ذاته وأخذ يهرعُ خلفَ المرأة وقال: لن آخذ ملابِسكِ، يُمكنِكُ تسديد الباقي لاحقاً.

أخذتهُم بامتنانٍ وقالت: شكراً لكرمك أيُّها الصغير! شكراً لكرمك!

عادَ "راي" ليُلاحِظَ أنَّ "جين" بدأ يأخذ بعضاً من الملابس ويقايضُ بها، رغم أنَّ المُقايضة بالملابس لم تكن شيئاً إلا أنَّ "جين" نجح في ذلك، لطالما كان جيداً في إقامة الصفقات، فأحياناً كان الآخرونَ يطلبونَ نوعاً مُعيَّناً من الملابس فيعودُ ويجلُبها لهم، ظلَّ كُشكُ الملابس مصدر رزقٍ لهُما لفترةٍ طويلة.

انتهى اليومُ وبدأ "جين" و"راي" يعرضان مُشترياتِهما على بعضهما البعض، فقد افترقا سابقاً، قال "جين": حصلتُ على الكثير من الصَّابون، وحصلتُ على قدرٍ وبعض الأواني، كما أنِّي حصلتُ على سنَّارة وشبكة صيد! سأصيدُ الأسماكَ وسنطبُخها معاً

_حصلتَ على الكثير من الأشياء! لم أحصل إلا على بعضِ الملابس، وحصلتُ على فرشاةِ شعرٍ أيضاً!

وضع "جين" قُفَّاز "راي" الأزرق الذي كان هديةً من "غانبو" بين أغراضه وقال: _تفضَّل، سأعيدُ لكَ هذا.

ارتداه "راي" بامتنانٍ ثُمَّ سأل: هل وجدتَ خيمة؟

_لا.. لم أجد أيَّ خيام.

_هذا أفضل فأنا أحبُّ النَّومَ على ملاءتنا.

_ربما أنت مُحق.. هي ليست سيئة

_حاولتُ البحثَ عن هديةٍ ل"غانبو" لكنِّي لم أجد ما يُناسِبُها، ألديكَ فكرةٌ عن هديَّةٍ قد تُكونُ منُاسِبة؟

أجابه "جين" بضجر: لا.. لا فكرة لديَّ إن دعوتَها للمبيت معنا فقد تكونُ تلك هديةً مُناسِبة.

ضحِكَ "راي" وقال: أنتَ محقِّ! لا مانعَ لديكَ صحيح؟

_فكَّرتُ كثيراً في الأمر.. سأوافِقُ بشرطِ أن تنامَ أنتَ في المنتصف!

لم يفهم "جين" بعدها سبب استمرار "راي" بالضحك، لأنَّه لم يُلاحظ وجهه الذي تحوَّلَ للِّونِ الأحمر، يُضِحكُ ذلك "راي" كثيراً.

***

في المساء اجتمعَ "راي" و "جين" ب"غانبو" وعرضا عليها المبيتَ معهُما، لم يعودوا للنَّومِ مُبكِّراً ذلكَ المساء بل ظلُّوا يتحدَّثونَ لوقتٍ مُتأخِّر، امتلك "راي" الكثيرَ ليقوله لهُما بشأن مغامرته في شراء فرشاة الشَّعر.

_كان لدى تلكَ السيِّدة الكثير! لكنِّي كنتُ حائراً جدَّاً! ما كانَ على "جين" أخذي معه فمازلتُ عاجزاً عن اتِّخاذ قرارات بسيطة كهذه.. لكن عندها رأيتُ هذه الفرشاة! خطر ببالي أنَّها بنفسِ لونِ سُترتكِ يا "غانبو" أظنُّني أحبُّ هذا اللَّون، بدأتُ أتصالحُ مع لونِ شعري الأزرق لكنَّ لونَ عيناكِ سيظلُّ لونيَ المُفضَّلَ للأبد!

انتهى ثلاثتُهم من الثرثرة، الثرثرة التي كان يقودها "راي"، ثُمَّ عادوا يسيرون حاملي الخُطى نحوَ بُقعتِهم الدافئة، دونَ ذرَّة نعسٍ واحدة، لاحظَ "راي" مكاناً مُضاءً بالكامل، مع الكثيرِ من الضوضاء والتجمُّعات، سأل بفضولٍ:

_ما هذا؟ يُشبهُ وليمةَ الحوتِ الخاصَّة ب"أوشن"

التفت "جين" لينظرَ حيثُ أشار "راي" لكن لم يحتج لتدقيق النظر، فكلُّ شيءٍ كان واضحاً، قال: نعم هي وليمة.. يحتفلُ البحَّارةُ بعودتِهم بإقامة وليمة، لكنَّ البعض ممَّن لا يأكلونَ الحيتان يقيمونَ وليمةً مُختلفةً بعدَ رحيلِ البحَّارة.

لم يكن "جين" مُتحمِّساً بشكلٍ خاص لذكرِ المعلومة، على عكسِ "راي" الذي امتلأ بالحماس بعد رؤيةِ أسياخِ اللَّحمِ تُشوى، و"غانبو" لم تقلَّ عنهُ حماسة، حاولَ "جين" جاهداً تجاهُلَ توقِ صديقيه لتناولِ اللَّحم وتجاهلَ كذلك لُعابَهُما الذي يسيل.

_لم أرَ لحماً هنا من قبل! أتساؤل من أين حصلوا عليه؟ قال "راي"، وبعد قليلٍ من الصمت استجمع نفسه وتابع مُتجاهلاً تجاهُلَ "جين":

_أنتَ أشجعُنا يا "جين"! يجبُ أن تذهب للحصولِ على بعضِ ذاك اللَّحم!

نظرَ "جين" لهما بكثيرٍ من التقزُّزِ والاشمئزاز، لم يفهما تلك النظرات فتجاهلا واستمرَّا يرجُوانه حتَّى استسلمَ لهما أخيراً، ثُمَّ بدأ يتجوَّلُ بجسده وعيناهُ تجُولانِ بين الوجوه البعيدة، سأله "راي": عمَّن تبحث؟

لم يسمع "جين" السؤالَ فقد كان عقلُه مشغولاً، ثُمَّ وجدَ مراده أخيراً فقال: اختبئا خلف هذه الصخرة، سأعودُ بسرعة.

كان "جين" يبحثُ عن "هيوغو" فهوَ لا يعرفُ شخصاً يطلبُ منهُ هُناكَ إلا هوَ، جلسَ "راي" خلف الصخرةِ لكنَّ "غانبو" ظلَّت تُراقبُ "جين" للاطمئنان عليه، فعلت ذلك بنيِّةٍ حسنة لكنَّ الشكَّ سيطرَ عليها بعدما رأت "جين" يتحدَّثُ مع "هيوغو"، لم يبدو "هيوغو" مُتفاجئاً من رؤيةِ "جين" والأغرب أنَّ "جين" قالَ شيئاً جعلَ "هيوغو" يضحكُ بقوَّة، كلُّ تلكَ الأسباب جعلت الشكَّ يُسيطرُ على "غانبو"، لكنَّها قرَّرت الاحتفاظ بأفكارها لنفسها كي لا تُفسِد عائلتها السعيدة التي بدأت توَّاً، مدَّ "هيوغو" سيخيْن من اللَّحمِ المشويِّ ل"جين" وقال ضاحكاً بصوتٍ لم تسمعُه "غانبو":

_هذا لك ولصديقك!

عادَ "جين" يركضُ عابساً وتجاوزوا المكان حتَّى توقَّف عن الرَّكضِ وقال بعبوسٍ بينما يمدُّ لهما ما جلبه: تفضَّلا..!

بدأ "راي" يلتُهمهُ بالفعل حتَّى لاحظ أنَّهما سيخيْن فقط فسأل: ماذا عنك؟

_أنا.. أنا أشعرُ بالشَّبع!

رغمَ نبرته الواضحة، لكنَّ أحداً لم يفهم الحقيقة، ولم يكونا لِيفهما، كيف لهُ أن يُخبِرَهُما أنَّ ما يتناولانه هو لحمُ بشرٍ خالص، فقد ماتَ في الجزيرة أحد عشرَ شخصاً مؤخَّراً، قاطعَ أفكاره سؤال "راي" البريء.

_لقد حصلتَ عليه بُسرعة.. علامَ قايضته؟

رمقتُه "غانبو" على الفورِ مُنتظرةً إجابته، أجابَ "جين" بتوتِّرٍ وقد لاحظ حدَّة نظراتِها: لا شيء! هذهِ وليمة ويمكنُ للجميع الأكلُ منها! أيُّها الجبان!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

راي في جزيرةِ المجرمين

المؤلف viloeto7789
2025/09/09 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: 1: المحطَّةُ الأخيرة
2025/09/09
الفصل 2: 2: الصغيرُ "راي"
2025/09/10
الفصل 3: 3: بدايةُ الصداقة
2025/09/10
الفصل 4: 4: "هيوغو"و"هاوبر"
2025/09/11
الفصل 5: 5: عِداءٌ مُفاجئ
2025/09/11
الفصل 6: 6: تغيُّرٌ في حياةِ "راي"
2025/09/11
الفصل 7: 7: أبٌ حقيقي وأبٌ مُزيَّف
2025/09/11
الفصل 8: 8: "أوشن" المُحيط
2025/09/11
الفصل 9: 9: الجريمةُ الأولى
2025/09/11
الفصل 10: 10: عاصفةٌ بعدَ الهُدوء
2025/09/11
الفصل 11: 11: خروجُ "بنس" من قوقعته
2025/09/11
الفصل 12: 12: المحيط يغادر
2025/09/13
الفصل 13: 13: عادت الحياة إلى الجزيرة
2025/09/13
الفصل 14: 14: عقابُ الهارب
2025/09/13
الفصل 15: 15: سرُّ السيدِّ "بنس"
2025/09/13
الفصل 16: 16: قصةُ الفارس الشجاع
2025/09/13
الفصل 17: 17: اتِّفاقيةُ السَّلام
2025/09/13
الفصل 18: 18: نكثُ العهد
2025/09/13
الفصل 19: 19: حُفرةُ القوَّة
2025/09/13
الفصل 20: 20: ذكرياتُ "جين"
2025/09/18
الفصل 21: 21: المُحيطُ يعود
2025/09/18
الفصل 22: 22: وداعٌ أبديِّ
2025/09/18
الفصل 23: 23: حقيقةٌ مُتأخِّرة
2025/09/21
الفصل 24: 24: موتٌ وحياة
2025/09/21
الفصل 25: 25: "غانبو" المُجرِمة
2025/09/21
الفصل 26: 26: "رين"
2025/09/24
الفصل 27: 27: حاصدُ الأرواح
2025/09/24
الفصل 28: 28: حبُّ "هيوغو" الفاشل
2025/09/24
الفصل 29: 29: عينٌ بلونِ السماء
2025/09/28
الفصل 30: 30: "هيوغو" و"أوشن"
2025/09/28
الفصل 31: 31: جمعٌ حزين
2025/09/28
الفصل 32: 32: البارودُ يقتل
2025/10/04
الفصل 33: 33: عالمٌ جديد
2025/10/04
الفصل 34: 34: محطَّةُ "جين" الأخيرة
2025/10/04

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة