في ذلكَ الصَّباح كانت السماءُ شديدةَ الزُرقة، وأشعةُ الشمس هادئةً ومُريحة، كأنَّها رفِقت لحالِ "راي" فلم تجمع عليه ألمَ الوداعِ والحرِّ معاً، استعدَّت الطُّيور المُهاجِرةُ للعودة إلى أوطانها تماماً كما استعدَّ "أوشن" ليعودَ إلى وطنه.
استيقظ "راي" بفزعٍ ذلك الصباح، هو غيرُ قادر على استيعاب فكرة رؤية "أوشن" للمرَّةِ الأخيرة، تمنَّى لآخر لحظة لو يكونُ خوفُه من المُحيط وكرهه له، هو مُجرَّد شعور لحظيِّ سيختفي بمُجرَّد استيقاظه، وسيحصلُ على الفرصةِ لمرافقةِ "أوشن" لكن هذا لم ولن يحدث..
شاهدَ "أوشن" من بعيدٍ يُنظِّمُ الأشخاصَ ودخولَ بعضَ الصناديقِ المُتبقيَّة، لم يجرؤ على الاقتراب أكثر فخوفُه من المحيط قد حالَ دون ذلك، لمحَه "أوشن" من بعيدٍ فتّقدَّمَ نحوهُ بابتسامته الغاضبة، كانَ على وشكِ الكلام حتَّى سبقه "راي" بعينيْن دامعتيْن
_أنا آسفٌ يا رجلَ المحيط! أنا آسف! تمنَّيتُ لو أرافقكَ بشدَّة لكن كلُّ شيءٍ قد تلاشى في لحظة! كلُّ ذلكَ خطأي!
عجِزَ "راي" عن متابعةِ الحديث بسبب دُموعِهِ المُنهمِرة، ركعَ "أوشن" على رُكبته وأمسك بخدِّ "راي"، تحوَّلت ابتسامتُه الغاضبة لابتسامةٍ دافئةٍ وحانية، ممَّا فاجأ "راي" أنَّ "أوشن" قادرٌ على بسطِ حاجبيه المعقودان
_لا شيءَ لتعتذرَ بشأنه! لقد تمنَّيتُ لو تُرافقني أيضاً.
ما قاله "أوشن" لم يُساعد "راي" بل زادَ من بكائه.
_أنا آسف! الأمرُ ليس بيدي، لقد حاولَ المُحيطُ قتلي! المحيطُ شرير! ورأيتُ قرشاً يُحاولُ التهامي، حتَّى مخلوقاتُ المُحيط شريرة.
لم يستطع "أوشن" كتمَ ضحكةٍ خافتةٍ انطلقت منه، تعجَّبَ تماماً من "راي" لأنَّه يضعُ اللَّومَ فيما حدث على المحيط، بدلاً من وضعه على "هيوغو"، لم يلحظ بأنَّهُ فعلَ الشيءَ ذاتَه سابقاً عندما اقتنعَ بأنَّ المُحيطَ من أنقذه بدلاً من والداه.
_لماذا تضحك؟ هل بؤسي يُضحِكُك..؟
_على الإطلاق! أنت نقيٌ يا "راي"، كنقاءِ المُحيط.
مسحَ "راي" دُموعَهُ وقال بأسى: أردتُّ الحصولَ على وداعٍ لائقٍ معك.. لكن دُموعي أفسدت كلَّ شيء، لم أستطع تمالُكَ نفسي عندما رأيتُكَ وأجهشتُ بالبكاء! رغم أنِّي تدَّربتُ كثيراً كيلا أفعل.
_لا يجبُ أن تلومَ نفسك، سواءً على خوفِكَ من المُحيط أو على دموعك، وأيضاً لمَ الوداع؟ سأراك مُجدَّداً بعد أربعِ سنوات.
_لكن هذا كثير! بصراحة يا "أوشن" أنتَ مُحق.. ربما ما حدثَ لم يكن خطأي، لقد كانَ خطأ صديقِكَ بالكامل! أنا أكرهُه
استطاع "أوشن" كتمَ ضحكته هذه المرَّة وقال: هو ليس صديقي، اكِرَهُ كما تشاء.
_أشعرُ بحاجتي للثأرِ منه! لقد سلبَ حُلمي بمُرافقتك! لن يُرضيني إلا أن أسلِبَهُ أحد أحلامه أو يُحقَّقُ لي أحدَ أحلامي، لكنَّي أعرفُ أنَّ كلاهُما مُستحيل..
صحيحٌ أنَّ "راي" لن يحلُمَ يوماً بتحقيق أيٍ من ذينك الخيارين، إلا أنَّه لم يعلم أنَّه سيُحقِّقُ كليهما، قال "أوشن" مُحاوِلاً بناءَ فضيلة:
_لا أنصحُكَ بفكرةِ سلبِ أحلامه، فالحقدُ يقتلُ القلوبَ البريئةَ مثلك، لا أعتقدُ أصلاً أنَّ أحلاماً ِلتسلِبَها، لكنِّي متأكدٌ بأنَّهُ سيُحقِّقُ لك أحد أحلامِكَ يوماً، أعدُكَ بذلك.
كانَ "أوشن" قد وقفَ مديراً وجهه ل "راي" أثناء قولِ جُملته الأخيرة، بينما تطلَّعَ لهُ "راي" بعيونٍ مُنتفخة إثرَ البُكاء، وسأل دونَ اهتمامٍ حقيقيٍّ للحصولِ على إجابة: _ماذا تقصد؟
لم يُجبه "أوشن" واستمرَّ على وضعيته لبضع لحظات، حتَّى أخرجَ من جيبه بلَّوراتٍ زُجاجيَّة وأهداها ل "راي".
_تفضَّل! هذه هديةٌ منِّي، يُفترضُ أن تكفيك للأعوام الأربع القادمة.
بسطَ "راي" كلتا يديه وقال بانبهار: إنَّها جميلة! شكراً لك!
قالَها ببراءةٍ فقد أدركَ معناها المعنويِّ دونَ أن يُدركَ معناها الماديَّ بعد، بدأت السفينةُ تفردُ أشرعتَها فقالَ "راي" الذي انتبه لما يحدث: هل هذا هوَ الوداع؟
أجابَهُ "أوشن" غيرَ شاعرٍ بحزنِ "راي" بل انزعج لفردهم الأشرعة قبل صعوده: _يبدُو ذلك..
احتلَّت الخيبةُ وجهَ "راي" وقال كاتماً دُموعَه: وداعاً يا "أوشن"! المحيط!
التفتَ إليه "أوشن" وقال بعدما استعادَ ابتسامَتَهُ الغاضبة: هذا ليسَ وداعاً، بل تأجيلاً للِّقاء، لذا إلى اللِّقاء يا "راي"، إلى اللِّقاء..
غادرَ "أوشن" مع شعورٍ بالغصَّة لتركِ هذا الطِّفلِ وحدَهُ هنا، خصوصاً بينما استمرَّ بسماعِ هِتافاتِ "راي" لهُ طوالَ الطريق.
_إلى اللِّقاء يا رجلَ المحيط! إلى اللِّقاء يا "أوشن"!
بعدَ رحيلِ السفينة، دونَ أن يستطيع "راي" مُتابعتها تسيرُ على المحيط، غادر الجميعُ لكن ظلَّ هوَ ساقطاً على رُكبتيه ضامَّاً هديَّة "أوشن"، بكى بحرقةٍ حتَّى جفَّت دُموعه، وأعجزَهُ الألمُ عن فتحِ جُفونِه.
viloeto7789