تذكَّرَ "جين" أخيراً ما أرَّقَ تفكيرَهُ في وقتٍ سابق، حدثَ هذا بعدَ حُصولِه على دعوةٍ من "هيوغو" عكَّرت عليهِ كاملَ سعادته، لكنَّه هدَّأ نفسَهُ عندما تذكَّرَ أنَّ السعادةَ لا تدوم، وقد كانَ خائفاً كثيراً أيضاً، تأخَّرَ على "هيوغو" لأكثرِ من شهر، مالذي سيفعلُهُ "هيوغو" به؟! وصلَ فوجدَ "هيوغو" ينظرُ له كأنَّهُ يُحاولُ اختراقَ أفكاره، وقد كانَ خائباً وغاضباً، فقد راودتُه فكرةُ أنَّ "جين" حاولَ التهرُّب.
_ماهذا التأخيرُ يا "جين"؟! لم أعهد تأخيراً كهذا منكَ قطُّ!
_أ. أنا.. الأمرُ فقط.
قاطعَهُ "هيوغو" وصرخَ بغضب، ففكرةُ تهرُّب "جين" واحتمالية خيانته باتت مؤكَّدة: فقط ماذا؟! ظننتُكَ قُلتَ أنَّها مهمةٌ سهلة!
_لقد أشغلتني بعضُ الأشياءِ عن مهمتي! أنا آسف!
_أشياء مثل ماذا؟ ذلكَ الرَّضيعُ الذي تحمِلُونَه؟
تعجَّبَ "جين" من كونِ "هيوغو" يعرفُ بشأنه وقال: أنتَ تعرفُ كُلَّ شيءٍ بالفعل.. ألديكَ مصدرُ معلوماتٍ غيري؟ لطالما ظننتُ أنَّ أحداً يُراقِبُنا، أهوَ أحدُ أتباعِك؟
لم يُجب "هيوغو" على سؤالِه وعادَ يقولُ بغضب: متى ستُنجزُ مهمتكَ الأخيرة؟
_قريباً! الأمرُ فقط أنَّ الأمورَ كانت سعيدةً نوعاً ما فلم أرِد إفسادها..
_أعطنِي موعداً دقيقاً.
تردَّدَ "جين" وفكَّرَ طويلاً ولم يحزم قرارَهُ بعد، لكنَّهُ عرفَ أنَّهُ إن تأخَّرَ أكثرَ في الإجابة فإنَّ "هيوغو" سيقتُله، قال بتردُّد: اللَّيلة.. لا بل غداً! أعني.. أريدُ بعضَ الوقتِ لِوداعِها!
صرخَ فيهِ "هيوغو" وقال: الليلة أريدُها أن تكونَ بِحوزتِي! هل فهمت؟! وإن لم تأتي فستذوقُانِ عذاباً مريراً، كليكما.
_حاضر! هل لي أن أسالَ كيفَ ستقتُلُها؟
أجابَهُ "هيوغو" إجابةً تقولُ أنَّ الأمرَ مفروغٌ منه: تماماً كما ارتكبت جريمتها، سأحرِقُها بالماء المغليِّ، أم أنَّ لديكَ اعتراضاً؟
كانَ "جين" قلِقاً لكنَّهُ كانَ عازِماً على البوحِ بما يجولُ في خاطره.
_إنَّها صديقتي.. ألا يُمكنكَ قتلُها بطريقةٍ أكثرَ رحمة؟
ضحِكَ "هيوغو" ممَّا سمِعَهُ وشعرَ أنَّ غضبَهُ كاملاً من "جين" قد اختفى، قال: لقد كُنتَ تابعاً مُخلصاً لي لخمسِ سنوات..
قاطعَهُ "جين" بحدَّة: لستُ تابعاً!
لم ينزعج "هيوغو" من تلكَ النَّبرةِ الحادَة فقد خمدَ عضبه، قال: كما تشاء، شريكاً مُذهِلاً إذاً، لذا سأنُفِّذُ مطلبَكَ الأخير، طعنة واحدة في قلبِها ستُردِيها قتيلة، ما رأيك؟
قال "جين" بحُزنٍ يعتريه: يُناسِبُني..
***
كانَ "جين" قد خططَّ لكلِّ شيءٍ بإتقانٍ تام، حلَّ اللَّيلُ و"راي" سيذهبُ ليجلبَ "رين" من المُرضِعَة، أمَّا هوَ فسيعصبُ عيني "غانبو" ويأخذها إلى "هيوغو" كانت خُطَّتهُ حذِرة ورغم أنَّهُ كانَ مُتأكداً من نجاحِها إلا أنَّهُ صنعَ خططاً بديلة في حالِ فشله، أقنعَها بأنَّهُ هوَ و"راي" يُجهِّزانِ مُفاجأةً لأجلِها، وعقدَ عينيها وبدأ يسوقُها نحوَ الموتِ المحتوم، شعرت "غانبو" بيدِ "جين" تنفلتُ منها فجأة وتُمسِكُها يدٌ أخرى، دونَ أن تفهمَ شيئاً وجدت نفسَها تُسحبُ إلى القُبَّة الزُجاجيَّة، بينما أسرعَ "جين" بالمُغادرة وشعرَ أخيراً أنَّهُ أنجزَ المهمة التي أرهقَهُ التفكيرُ بها طويلاً، وسعادتُهُ آنذاك شغلتُه عن التَّفكيرِ بالمتاعبِ التي ستلي ما حدث. خصوصاً بعد أن لاحظ "راي" الغاضب يُطالِعُه من بعيد، هرولَ نحوَهُ فتجنُّبهُ سيزيدُ من المتاعب، راودتُه بعض الثقة فقد شعر بقدرتِه على قولِ كذبةٍ يُصدِّقُها "راي" سألَهُ ببعضِ الحيرة فوفقاً لخطته لا يُفترضُ ب"راي" أن يكونَ هُنا حالياً: ماذا تفعلُ هنا؟ وأينَ "رين"؟
_دعكَ من "رين"! أينَ "غانبو"!
لوهلةٍ نسِيَ "جين" كُلَّ الحجج الدامغة التي حضَّرها وقال بارتباك: م. ماذا تقصد؟!
_رأيتُها تمشي معكَ معصوبةَ العينين وقد استغربتُ الأمر.. وما تعجبَّتُ منهُ أكثر كان الاتِّجاهَ الذي تأخذُها إليه! لماذا؟! لماذا أخذتَها إلى القُبَّة الزُجاجيَّة وعُدتَ بدونِها؟ كانَ "راي" يتحدَّثُ بسرعة، ولم يمنح "جين" فُرصةً للدِّفاعِ عن نفسه، أو حتَّى الكذب، تابعَ "راي" صُراخَهُ على "جين" بغضبٍ حانق:
_هل أنتَ حاصدُ الأرواحِ يا "جين"؟! هل كانت هذهِ هيَ نوعيَّةَ مهامِكَ مع "هيوغو"؟! تسوقُ المُجرمينَ إليهِ ليُقتَلَهُم هوَ؟!
كانَ "جين" مدهوشاً، لكنَّهُ أيضاً.. كانَ غاضباً! غاضباً من فكرةِ أنَّ أحدَاً استطاعَ كشفَ الحقيقة، الحقيقة التي أخفاها بمهارةٍ على مدارِ سنين، كيفَ أمكنَ ل"راي" هذا اكتشافُ حقيقته؟! لكنَّهُ لم يتخلَّى عن الكذِبِ المُتجذِّر في عُروقِه وقال: أنا لستُ حاصدَ الأرواح! طلبت منِّي "غانبو" إيصالَها إلى هُناك!
_ولماذا كانت معصوبةَ العينين!؟
لم يُجبهُ "جين" بسرعةٍ فلم يجد بعدُ كذبةً مُناسِبة، لكنَّهُ قالَ دونَ وعي:
_إنَّها مُجرِمة! وشمُها أسود!
صرخَ "راي" فيه: "غانبو" ليست مُجرِمَة! لقد رأيتُ علامتها السوداء لكنَّها شرحت لي كُلَّ شيء، لم نجد وقتاً لنُخبِركَ بالقصَّة لكنَّها بريئةٌ تماماً، كانَ يجدرُ بنا إخبارُكَ قبلا، ما حدثَ معها كان حادثاً ولم يتِّهمها أحدٌ بكونِها مُجرمةً حتَّى، بل تسلَّلت إلى الجزيرةِ وحدَها لِشُعورِها بالذنب، لا أصدِّقُ بأنَّكَ لم تثق بها.. حتَّى بعدَ أن عشتَ معها لأربعِ سنوات! ألم تُدرك بأنَّها عاجزةٌ عن إيذاءِ أحدٍ عن عمد؟!
كانَ "جين" مدهوشاً مُجدَّداً، لكن دونَ غضبٍ هذه المرَّة، بل شعور فظيع بكونِه ارتكبَ خطأً فادحاً، سواءً كانت "غانبو" أو غيرها فأن يستدرجَ "جين" بريئاً لموتِه كانَ أمراً لن يغفِرَهُ لنفسِهِ أبداً، شاهدَ "راي" علامات النَّدمِ على صديقه دونَ أن يكترِثَ أبداً، وراحَ يمشي بغضبٍ في نيَّتِه إنقاذُ "غانبو" لكنَّ "جين" أوقفه، شعرَ أنَّ الأمرَ خطأه ولن يورِّطَ مزيداً من الأبرياءِ فيما حدث، خُصوصاً "راي"! قال:
_إلى أين؟! لا تستطيعُ الدُّخولَ هناك ف.. "هيوغو" هُناك!
أجابَهُ "راي" بحزمٍ: "غانبو" هُناك! سأذهبُ لإنقاذِها!
كانَ "جين" نادماً بالفعلِ على فعلته، وشعرَ أنَّها مسؤوليتُه لتصحيحِ الأمور، وأنَّها فُرصتُهُ كذلك لإثباتِ براءته.
_لن تفعل.. أنا سأفعل، سأثُبِتُ لكَ بأنِّي لستُ حاصدَ الأرواحِ وسأجلِبُها.
احتارَ "راي" كثيراً ممَّا سمِعَه، وتردَّدَ ممَّا يجبُ فعلُه، هل من الحكمةِ الوثوقُ ب"جين" ومنِحهِ فُرصةً أخرى؟! خصوصاً بينما يُحاولُ إنكارَ حقيقة أنَّهُ حاصدُ الأرواح، وهوَ ما جعلَ "راي" مُحتاراً أكثر فقد كانَ شبه مُتأكِّد من حقيقة اكتشافه.
_فُرصة واحدةٌ فقط! إن لم تعد ومعكَ "غانبو" سليمةً تماماً، فسأنتقمُ منكَ بنفسي!
كانَ "جين" سعيداً بهذهِ الفُرصة الأخيرة التي مُنِحت له، ولم يُفكِّر بمخاطرِ الوقوف في وجه "هيوغو" فهوَ حتماً سيتفَّهمُ فعلتهُ إن عرفَ أنَّ "غانبو" بريئة، ولم يكترث كذلك لتهديد "راي" اللَّطيف، تعجَّبَ من كونِ "راي" قادراً على قولِ تهديدٍ كهذا، بلا شك بيئة المُجرمين بدأت تؤثِّرُ عليه، شدَّ "جين" الخُطا نحوَ القُبَّة الزُجاجيَّة وفي عقله مهمة مستحيلة واحدة، يجبُ عليهِ إنقاذُ "غانبو"!
***
كانت "غانبو" مُنكمشةً على نفسِها ترتجفُ بخوف، وشعرت بصقيعٍ بارد يضربُ ذِراعيها العاريتين، فعانقت نفسها بقوَّة تُحاولُ تدفئةِ نفسِها والتحِّلي ببعضِ الشجاعة، شجاعة ضدَّ المُجرم الذي يُديرُ ظهرهُ لها حاليَّاً، كانَ المُجرمُ الأخطرُ "هيوغو" واقفاً أمامَها يختارُ سلاحاً من الطَّاوِلة الموضوعة أمامه، عرفت "غانبو" أنَّ أسلحةً حادَّة على تلكَ الطاولة لكنَّها لم تعرف أيُّ منها سيقتُلُها، فمنذُ دُخولِها لم ينبس "هيوغو" ببنس شفَّة لكنَّها لم تحتج كلِماته لتعرفَ أنَّها تعيشُ لحظاتِها الأخيرة، لطالما أعدَّت نفسَها لليومِ الذي يُحاولُ فيها حاصدُ الأرواحِ صيدَ وشمِها الأسود لكنَّ السعادة التي ألمت بها مؤخراً جعلتها تنسى هذا اليومَ المشؤوم، لماذا لم يُقرِّر قتلي إلا عندما صارت حياتي سعيدةً أخيراً..
وكانت قلقةً على "جين" كذلك، لم يخطر ببالِها على الإطلاق أنَّ "جين" أفلتَ يدها بكاملِ إرادته، وأنَّه ربما يكونُ مُتواطئاً في اصطيادها، بل ظنَّت أنَّه في خطرٍ مثلَها تماماً، و"جين" قد استغلَّ براءتَها تلكَ لصالِحه فتعمَّد عصبَ عينيها فيمتِلكَ دليلَ براءةٍ لاحقاً، في حالِ فشلِ خُطته، كانَ "جين" حذراً يضعُ عشرات الاحتمالات ويحسبُ حساباً لكلِّ خُطوة.
اندفعت "غانبو" لالتقاطِ سُترتِها القريبة من أرجلِ "هيوغو"، هي لن تحتملَ البردَ أكثرَ من ذلك، لكنَّ "هيوغو" لاحظَها فسحبَها منها وقال:
_اتركيها، لا أريدُ أن تتلطَّخَ بالدِّماء! ستُرتُكِ جميلة وأنوي مُقايضتَها لاحقاً.
ثُمَّ حدَّقَ في هذا الجسدِ السَّاقط أسفلَهُ مُطوَّلاً وتابع: أنتِ أنحفُ بكثيرٍ ممَّا اعتقدت.. أعني، خُدُودِكِ ممتلئة! ثُمَّ قالَ بينما يُحدِّقُ في السُترةِ بيده: ألِهذا ترتدينَ هذه السُترة الثقيلة في حرِّ الصيف؟ لإخفاءِ نحافتك؟
لم تُسيطر "غانبو" على دموعِها الساقطة لكنَّها كانت تُردِّد: غانبو! غانبو!
سألَها "هيوغو" ببرود: لماذا لم تُخبري الآخرينَ بأنَّ "غانبو" ليسَ اسمكِ الحقيقي؟
تابعت "غانبو" بُكاءها بصمتٍ فقرفصَ "هيوغو" أمامَها، وأمسكَ ذراعَها ثُّمَّ.. دماءٌ تسيلُ من سبابةِ "غانبو" وقاومت هيَ الشُّعور بالألم، قالَ بحدَّةٍ بعد أن جرحها: _اكتبي لي معناها.
كتبت لهُ "غانبو": (صديق..)
نهضَ دونَ إبداء ردَّةِ فعلٍ واضحة، ربما شعرَ بالخيبة فقد توقَّعَ أن يكونَ معناها كلمةً أقوى، وليس كلمةً سخيفةً ك(صديق)
_أنتِ غيرُ جديرةٍ بقتلك، أنتِ حتَّى لا تُبدينَ أيَّ مُقاومة، أبغضُ الضِّعافَ أمثالك، كما لو أنَّكِ انتظرتِ الموتَ طويلا ولا مانعَ لديكِ بالحصولِ عليه، هذه أنانيَّة منكِ نظراً للقلائل الذين باتوا يُريدُونكِ على قيدِ الحياة، لكن للأسفِ أنا وحاصدُ الأرواحِ لا نُريدُ، لكنَّكِ لن تحظي بشرفِ الموتِ بفعلِ أيٍّ من هذه الأسلحة، سأذهبُ لأجلِبَ خنجراً صغيراً يليقُ بكِ، لن أطلبَ منكِ البقاءَ هُنا وعدم مُحاولة الهرب، فأنا أعرفُ أنَّكِ أجبنُ من أن تُحاولي.
غادرَ "هيوغو" إلى أحدِ الغُرفِ وتركَ "غانبو" وحيدةً تبكي أنهاراً، كلُّ كلمة قالَها "هيوغو" أثَّرت فيها كثيراً وزادت من همِّها همَّاً، هل كانَ "هيوغو" مُحقَّاً؟ هل هيَ جبانةٌ لدرجة أنَّها لن تُحاولَ الهربَ من الموت، هل هيَ بذلك أنانيَّة تترُكُ كُلَّ من أحبَّها وأحبَّتهم خلفها، انهمرت الدُّموعُ طويلاً، وتوقَّفَ اصبعُها عن النَّزيف، فقاطعَ ضجيجُ أفكارِها صوتُ نافذة تُفتح، ظنَّت لوهلةٍ أنَّ "هيوغو" قد عادَ لكن لماذا سيعودُ من أحدِ النَّوافذ؟! اقتربت بحذرٍ حتَّى أطلَّ رأسُ "جين" من النافذة بابتسامةٍ واسعة: قال بهدوء يُطمئنُها: "غانبو"! لقد عدت، لا تخافي سأنقِذُكِ!
إنَّهُ "جين"! إنَّهُ بخير! سعِدت "غانبو" بتلكَ الحقيقة، لكنَّها كانت خائفةً، "هيوغو" قد يعودُ في أيِّ لحظة وعندها سيكونُ "جين" في خطر، هل يجبُ عليها أن تهربَ مع "جين"؟! أم أنَّ قُبولَ الموتِ هنا آمنٌ أكثرَ لهم.. لكنّها تذكَّرت ما قالهُ "هيوغو" عن كونِها أنانيَّةً بجُبنِها، ألا تكونُ الشجاعةُ أنانيَّةً كذلك؟ وتذكَّرت كم كانت حياتُها سعيدةً مؤخراً، برفقةِ "راي" و"جين" و"رين" الذي لم يدخل حياتَها إلا مؤخراً، حسمت قرارها بكونِها لا تُريدُ تركَ تلكَ السعادةِ وراءها! هيَ تُريدُ اللَّحاقَ بها، طبعاً لن تجرؤَ على الهربِ وحدَها لكن و"جين" يشجِّعُها على ذلك فهيَ تستطيع، بعدما أنهت صراعاتِها الداخليَّة هرعت تجلبُ سُترتها وتخرجُ من النافذة برفقةِ "جين" الذي بدا كأنَّهُ لا يُريدُ إفلات يدِها إلى الأبد.
رآهُما "راي" يقتربانِ منه، فارتاحَ قلبُه وتنفَّسَ الصعداء، لكنَّهُ شهقَ وأجفل عندما رأى "جين" يسقطُ أرضاً، بفعلَ خنجرٍ صغيرٍ صُوِّبَ نحوَهُ بدقَّة، ركضَ إليهِما بأسرعِ ما لديه فوجد أنَّ الخنجرَ اخترقَ فخذَ "جين" وأنَّ رأسَهُ ينزفُ من قوَّةِ السُّقوط، كانَ "جين" غائباً عن الوعي ففكرةُ أخذهِ والهرب كانت مُستحيلة، لكن عندما شاهد "راي" "هيوغو" في الأفق وعرفَ أنَّهُ من صوَّبَ الخنجر، تأكَّدت شُكوكُه، "جين" هوَ حاصدُ الأرواح! لولا ذلك لما تعمَّدَ "هيوغو" إصابتَه بقدمِه وإعجازِه عن الحركة بدلاً من قتله، لكنَّه استغربَ من كونِ "هيوغو" لم يُصب "غانبو" ليقتلها، شعرَ أنَّ غضبَهُ في تلكَ اللحظة من "جين" يفوقُ بأضعاف رغبتَهُ بقتلِ "غانبو"، أمسكَ ب"غانبو" المُتعلِّقةُ ب"جين" وبدأ يسحبُها وهو يقول:
_ اتركيه! "هيوغو" لن يقتله! أنتِ هدفُه وليسَ "جين".
انصاعت لِكلامِه وبدأت تركضُ معه، ابتعدا قليلاً عن الكلام لكنَّ "هيوغو" كانَ يُلاحقِهُما، لسببٍ لم تفهمهُ "غانبو" كانَ "راي" يتِّجهُ نحوَ المُحيط، لكنَّ "راي" خطرت في بالِه أفكارٌ كثيرة للخروجِ من هذا المأزق، أوُّلها أنَّ معركتَهُ الأولى مع "هيوغو" كانت بجوارِ المُحيط لذا يجبُ على الأخيرةِ أن تكونَ مثلها، نعم فقد تأكَّدَ "راي" من أنَّ هذهِ معركَتَهُم الأخيرة معه، أحدُهم سيموتُ اللَّيلة، تمنَّى "راي" و "غانبو" لو يسعُهُما الرَّكضُ إلى الأبدِ إن كانَ هذا سيُنجيهِما من "هيوغو"، لكنَّ الفجوةَ بينهم بدأت تتضاءل ولا مفرَّ من لحاقِ "هيوغو" بهما، ربما كانَ
"هيوغو" غاضباً لحقيقةِ غدرِ "جين" له، لكنَّهُ فورما أمسكَ ب"راي" حتَّى أحسَّ بأنَّ الإثارةَ تعتريه، مُقاتلةُ هؤلاءِ الصِّغار تُذكِّرُه بقتالِ البالغين شديدي البأس! عندما شعرَ "راي" بأصابعِ "هيوغو" على كتِفه أفلتَ "غانبو" وصرخَ:
_اهربي!!
لكن قبلَ أن تُحاولَ "غانبو" الهربَ وقعت أصابعُ "هيوغو" على كتِفِها هي الأخرى، رمى بهِما على الأرضِ، ضغطَ على رقبةِ كلٍّ منهُما وثبَّتَهُما تحته، لكنَّهُ لم يكن غاضباً، كانَ مُبتسِماً! قالَ "هيوغو": ما رأيِكَ بخيانةِ صديقِكَ لك؟
كانَ "راي" بالكادِ يتنفَّس لكنَّه لم يُقاوم رغبتَه بالردِّ: لم يخُن "جين" شخصاً سِواك!
عادَ غضبُ "هيوغو" في تلكَ اللَّحظة وضغطَ على عُنقِ "راي" بقوَّةٍ أكبر، لكن عندها.. لاحظَ "راي" شيئاً ذهبيَّاً يتدَّلى من عُنِقِ "هيوغو"، الكثيرُ من الأسباب دفعت "راي" لسرقة العِقدِ آنذاك، الفضول، حبُّ الأشياءِ اللَّامعة والذهبيَّة، والأهم.. أنَّهُ شعرَ أنَّ في هذا العِقدِ سبباً لِنجاته، استجمعَ كُلَّ ما بقيَ فيهِ من قوَّة وسحبَ ذلك العِقدَ الذي انقطعَ بسرعة، كانت السلسلة ضعيفةً ومُهترئة فتخلَّت عن عُنقِ "هيوغو" بسهولة كأنَّها ملَّت البقاء مُتعلِّقةً به على مدارِ كلِّ تلكَ السنين، استغرقَ الأمرُ بضعَ ثوانٍ ل"هيوغو" لإدراكِ ما حدث، لماذا هوَ يرى سببَهُ الأوَّلَ والوحيدَ في مُواصلةِ التنفُّس بحوزةِ هذا الصبيِّ المُزعج؟! استغلَّ "راي" إدراكَ "هيوغو" المُتأخِّر وإرخاءهُ لقبضتهِ مُحاولاً استيعاب الصدمة، فانسلَّ من بينِ قدميهِ وابتعد بأقصى سرعة ولأبعدِ مسافةٍ يُمكنُ للصوتِ الانتقالُ من خِلالِها، وقفَ بشجاعةٍ ووضعَ القلادةَ نُصبَ عينيِّ "هيوغو"، الذي امتلكت عيناهُ غضباً يكفي لإيقاظِ عشرةِ براكين، قال بغضبٍ لم يشعر بمثلِه قطَّ، ولا حتَّى عندما أدركَ غدرَ "جين" به: أعدها!
تماماً مثلما ظنَّ، هذهِ القلادةُ مهمةٌ ل"هيوغو"، وستكونُ مُفيدةً بإنقاذِهِما، كانت خُطتهُ أن ينشغِلَ "هيوغو" عن أمرِ "غانبو" ويُلاحقَ القلادة، لكنَّها فشِلت على الفور، فقد اتَّخذَ "هيوغو" من "غانبو" رهينةً بالفعل، وضعَ الخنجرَ على عُنقِها وقال: أعد القلادةَ كي لا ترى دمَ صديقتِكَ يفورُ في وجهك.
باتَ "راي" في موقفٍ حسَّاس، لكنَّهُ كانَ مُتفائلاً بكونِ "هيوغو" يُحاولُ التَّفاوضَ معه، هذا تقدَّمٌ ملحوظ بالنَّسبةِ لِأسلُوبِهِ العنيف، لكنَّ "راي" ما كانَ لِيجعلَ "هيوغو" يحصلُ على مَراده، لقد تذكَّرَ كُلَّ أحقادَهُ القديمة بشأنِهِ وشعرَ بِرغبتِه في الانتقام، خصوصاً عندما يراهُ يُهدِّدُ بقتلِ "غانبو" وضعَ القلادةَ أرضاً وقال: اترك "غانبو"..
شدَّ "هيوغو" على عُنقِ "غانبو" أكثر وقال: تعالَ وسلِّمها إليَّ بنفسِك.
التقطَها "راي" من الأرضِ وقلَّبها كمن يعبثُ بها، لم يطل عبثُه بل تقدَّمَ حتَّى باتَ أمامَهُ تماماً، قدحت أعينُ كليهِما كُرهاً وحِقداً لكن حتماً كانَ "هيوغو" أكثر قلقاً.
_أطلق سراحَ "غانبو"!
مدَّ "هيوغو" ذراعَهُ الحاملَة للخنجرِ وقال: هاتِ القِلادَةَ أوَّلاً!
تمسَّكَ "راي" بالقلادةِ بكلتا يديه ثُمَّ.. رفعَها عالياً ورماها، تحوَّلت ملامحُ "هيوغو
لفزعٍ وخوف عندما رأى مكانَ سُقوطِ القلادة، لقد سقطت في المُحيط! في تلكَ اللَّحظة تذكَّرَ "راي" معلومةَ أنَّ "هيوغو" يخافُ من المحيط، لكن رغمَ ذلك كانَ يشكُّ فيمَ إن كانَ سيسبحُ "هيوغو" لاستعادتِها أو لا، لكنَّهُ لم يفعل، رمى الخنجرَ ورمى "غانبو" وركضَ بهلعٍ إلى المكانِ المشؤوم، حدثَ الكثيرُ في بُقعةِ المُحيط هذه القريبة مِنَ اليابس، خُيِّلَ إلى "هيوغو" أنَّ فُقاعاتٍ كانت تخرجُ من موضعِ القلادة، فقد كانت بالنَّسبةِ لهُ إنساناً يتنفَّس، فقد كانت حلُمهُ وشغفَهُ كانت! كانت كُلَّ شيء..
ظنَّ "راي" أنَّ "هيوغو" ذاك غارقٌ في اليأس وفرِحَ لذلك، لذا ظنَّ أنَّهُ و"غانبو" سينجوانِ لهذه اللَّيلة، لكنَّ هذا ما لم يحدث، أمسكَ بهِ "هيوغو" ورفعَهُ بينما يصرخ:
_أكرهُك! أكرهك! لقد حطَّمتني كما لم يفعل أحدٌ من قبل! لقد سلبتني ما لم يُفكِّر أحدٌ بسلبي إيَّاهُ من قبل، لا تظنَّ أنَّكَ ناجٍ فإنِّي منكَ مُنتقم.
ورماهُ أرضاً بقوَّةٍ شعرَ "راي" فيها أنَّهُ سيموتُ الليلة، لكنَّه لم يندم ولو للحظة فغضبُ "هيوغو" هذا يُثبتُ أنَّ "راي" المُنتصر، في تلكَ اللَّحظةِ وللمرَّةِ الأولى لاحظَ "هيوغو" بُغضَهُ ل"غانبو"، لو أنَّهُ لم يُفكِّر بقتلِ هذه الفتاة لما حدثَ أيٌّ من هذا، مهلاً! لو أنَّ "جين" لم يغدر به لما حدث هذا، لكن.. لو أنَّ "راي" لم يكن موجوداً لعادَ كُلِّ شيءٍ كما كان، التقطَ خنجرَهُ من الأرضِ وتقدَّمَ نحوَ "راي" وقال:
_امتلكت هذهِ الفتاةُ خطيئتين، إن لم أستطع قتلَها بالماءِ المغليِّ، فيجدرُ بي اقتلاعُ عينِها كما فعلت مع أختِها، وستكونُ أنتَ شريكَها في العقاب.
كانَ "راي" مُشوشاً بالفعل، تساءلَ لماذا "هيوغو" فوقَهُ وقريبٌ منهُ جدَّاً في هذه اللحظة، لكن ما كانت سوى بضع لحظات لِيفهم السبب، لم يشعرُ بأيِّ ألمٍ كأنَّهُ مُخدَّر، لكنَّهُ فهِمَ الأمر عندما وجدَ عينهُ بين أصابعِ "هيوغو" يتفحَّصُها بتمعُّن، حتماً هذهِ العينُ الزرقاء بلونِ المُحيطِ هيَ عينُه، شعرَ بالثِّقلِ ينزاحُ من فوقِه عندما نهضَ "هيوغو"، لكنَّهُ كرِهَ نفسَهُ لِشُعورِهِ بتلكَ الراحة، فنهوضُ "هيوغو" من فوقِه يعني ذهابَهُ لأجلِ "غانبو"، أخذَ يتحسَّسُ جفنَهُ فوجدَهُ فارغاً ويدُه قد اصطبغت بالدماء، التفت فرأى "غانبو" قد واجهتَ نفسَ المصيرِ ولا أثرَ ل"هيوغو"، زحفَ نحوَها واستلقى بجانبِها وسط شلَّالاتٍ من اللَّونِ الأحمر، أمسكَ بيدِها بيدٍ واليدُ الأخرى وضعَها على عينِه المفقودة، ابتسمَ ابتسامةً واسعةً وقال:
_على الأقلِّ نحنُ نتشاركُ المصيرَ نفسَه، هذا يُخفِّفُ من هولِ الموقف.
viloeto7789