16: قصةُ الفارس الشجاع

16: قصةُ الفارس الشجاع

14 0

جلسَ الرُّجلُ مهزوماً على الصخرة قِبالتَهُما وقال باستسلام: لكما ما أردتُّما، سأخبرُكُما بقصَّةِ هذا السيف.

أجابَ "راي" الذي لم يكن راضياً عن فوزه: بصراحة.. أنا لستُ راضياً عن هذا الفوز! أشعر أنَّك تهاونتَ معي.

_أنا لم أتهاون مع أحد، لكنَّ قتالي ضدَّ هذا السيفِ كان شرفاً وأنا لا أجرؤ على محاولةِ هزيمته، إنه يُشعرُني بالرَّهبة

سأل "جين": ما هوَ المُميزُ في هذا السيف بالضبط؟

_الأمرُ لا يتعلَّق بالسيف بل بصاحبه، هو من منح هذا السيف قيمة، لكن قبل كلِّ شيءٍ كيف حصلتُما عليه؟

التفت "جين" إلى "راي" فقد كانَ يتوقُ لسماعِ الإجابةِ كذلك.

_وجدتُّه في سرداب..

صاحَ "جين": أيُّ سرداب؟ يستحيلُ وجودُ شيءٍ كهذا هنا!

قال "راي" بحزم: وجدتُّه في سردابٍ أسفلً المكتبة!

لم تقلَ مُفاجأة "جين" بل زادت، بينما بدا الرَّجل فاهماً لكلِّ شيءٍ كأنَّه ربطَ الخيوطَ ببعضِها، قالَ الرَّجلُ أمامها بكلِّ هدوء: هذا يُفسِّرُ كلَّ شيء.. لطالما راودني الفضولُ عن مكان إخفائه لهذا السيف.

سأله "جين": عمَّن تتحدَّث؟

_كان هذا قبلَ سنواتٍ كثيرة، حوالي سبع أو ثمان سنوات.

توقَّف الرَّجلُ عن الحديثِ مُستذكِراً ما جرى حتَّى صاحَ "جين" بنفاذ صبر: ثُمَّ ماذا؟

_لا بُدَّ أنُّكُما تعرفانَ كيفَ أنَّ حاصدَ الأرواح يبطشُ بكلِّ شخصٍ بوشمٍ أسودَ هنا، بدأ هذا الأمرُ منذُ حوالي تسعِ سنوات، عندما ظهرَ "هيوغو" لأوَّلِ مرَّةٍ وبدأ يبطشُ بنا واحداً تلوَ الآخر، أفزعنا نُفوذُه آنذاك وكان قد قتل كلَّ الأقوياء بالفعل، حتَّى جاءنا الخلاص..

سألَ "راي": هل لهذا الخلاصِ علاقةٌ بذاك السيف؟

_له كلُّ العلاقة، بعدَ تربُّعِ "هيوغو" على هرمِ القوَّة لأربعِ سنوات، جاءَ وأخيراً أوَّلُ شخصٍ بعلامةٍ سوداء يجرؤ على الوقوفِ في وجهِ حاصدِ الأروح، وهذا السَّيفُ بحوزته استمرَّ يقتلُ أتباعَ "هيوغو" واحداً تلوَ الآخرِ حتَّى طفحَ كيلُ "هيوغو" منه، بالنَّسبةِ لنا كان ذلك الفارسَ الشُّجاعَ هوَ بطلُنا نحن أصحابِ الوشومِ السوداء، كان أملَنا الذي سيمنحُنا الهيمنةَ والقوَّةَ على أمورِ الجزيرة مُجدَّداً، فلطالما كان أصحابُ الوشومِ الحمراء مُستضعَفُونَ حتَّى جاءَ "هيوغو" فقلبَ الكفَّة تماماً.

كان "راي" يجفلُ كلَّما تذكَّرَ معلومةَ أنَّ "هيوغو" بعلامةٍ حمراء، لم يُصدِّقَ أنَّ حقيراً مثلَهُ جاء الى هذا المكانِ بريئاً، تساءلَ كيفَ تحوَّلَ "هيوغو" ليُصبِحَ ما هو عليه اليوم، وتساءلَ أيضاً ما إن كان سينتهي بهِ المطافُ ك"هيوغو" كذلك، قال "جين": بوسعي توقُّعِ مسار القصَّة، فكما نرى جميعاً اليوم ما تزالُ الغلبةُ ل"هيوغو" وأتباعه.

_لا تستعجل الأمورَ يا فتى، في أحدِ الأيَّامِ اجتمعَ "هيوغو" والمُحاربُ في المكتبة لتكونَ المعركةَ الفاصلة، لم يعرف أحدٌ سببَ اختيارِ المكتبة كمكانٍ للمعركةِ الأخيرة لكنَّ المكتبة آنذاك لم تكن كما هيَ اليوم، كانت خرابة كانت مكاناً مُناسباً لمعركةٍ فاصلة! اعتاد الفارسُ العملَ مُستقَّلاً و"هيوغو" كانَ أكثرَ غُرُوراً من أن يصطحبَ أحداً معه، ظنَّ أنَّ فوزَه كان حتميَّاً، وضعَ حُرَّاسَهُ على بابِ المكتبة وطلبَ عدم التدُّخلِ تحتَ أيِّ ظرفٍ كان، ترقَّبَ الجميعُ نتيجةَ تلكَ المعركة التي ستقلبُ موازينَ الجزيرة، لكنَّ المُفاجأةَ أنَّ "هيوغو" دخلَ وخرجَ خلالَ خمسِ دقائق، خرجَ دونَ جُروحٍ كأنَّه لم يكن يتقاتلُ أصلاً، أمرَ رجاله بالبقاء أمامَ الباب وعدم السَّماح لأحدٍ بالدخول، انتظرنا خارجاً بلهفةٍ لعلَّ النَّصر كان حليفَ فارسِنا لكنَّ صدمتنا كانت عندما لم يخرج الفارسُ منَ البابِ قطُّ..

قال "جين": ربما ماتَ في النِّزال

صاحَ الرُّجل بغضبٍ: هوَ لم يمت! أتظنُّ أنَّ فترةَ خمسِ دقائق كافية لخوض نزال؟! لقد استسلمَ الفارسُ وتخلَّى عنَّا! كانَ أملَنا الوحيد! كان بطلَنا!

سألَ "راي": مالذي حدثَ في الداخل؟ أثناء النِّزال؟

_لا أعرف، لا أحد يعرف، لم يذكر "هيوغو" شيئاً بشأنه ولم نستطع استجوابَ الفارس، لكنَّنا متأكدونَ من كونه قد استسلم! ففارسُنا قويٌّ وهزيمةُ "هيوغو" لن تكونَ صعبةً عليه! تخلَّى عنَّا جميعاً بأنانيِّته.

_وكيفَ تعرفونَ أنَّه استسلم؟ ربما ماتَ بالفعل كما قالَ "جين"

_هو لم يمت! ذلك الفارسُ هوَ ذاتُه حارسُ المكتبة "بنس"! مُنذاكَ الوقت لم يخرج "بنس" من المكتبةِ أبداً بل وحارب كلَّ من يُحاولُ الدخول سواءً كانَ بوشمٍ أسودَ أو أحمر، نسيَ الجميعُ الفارسَ الشُّجاعَ لكنَّ أحداً لم ينسى سيفَهُ الذي قتلَ الكثير، قرَّرَ أهلُ الجزيرةِ أن ينسِبُوا فضلَ موتِ الأتباع للسيف وليس لحامله، وذلكَ للحفاظِ على سلامةِ عقولِهم، جُنَّ جنون الجميع عندما تخلَّى "بنس" عنهم وبرؤيتِكَ بحوزتِكَ السيف ظنُّوا أنَّ السيف عادَ لإعادةِ مجدِهم.

أنصتَ "راي" للجملةِ الأخيرة باستغرابٍ شديد، فبعد تمعُّنه في معناها أدركَ أنَّ لسُكَّانِ الجزيرةِ عادةٌ غريبةٌ بمعاملة الجماد ككائنٍ حيّ، وأنَّ القصصَ البديهيَّة يتمُّ تفسيرُها بطريقةٍ معكوسة، منَ الواضحِ أنَّ مصيرَ الجزيرةِ كان مُتعلِّقاً بالفارس لا بالسَّيف، قال "جين": سمعتُ بقصِّةٍ كهذه قبلاً، لكن لم أعلم بأنَّ الفارسَ كان "بنس" أو أنَّه كان يستخدمُ سيفاً، ردَّةُ الفعلِ التي صادفناها باتت مفهومة، كانَ أصحابُ الوشومِ السوداء يظنُّون أنَّ السيفَ قد عادَ ليُنجِدَهُم، أمَّا أصحابُ الوشومِ الحمراء وأتباعَ "هيوغو" شعروا أنَّ الموتَ قادمٌ لا مُحالة.

تابع "راي": والأقلَّةُ الذينَ لم يُبدُوا اهتمامهم بالسيف كانوا مع العقلاءِ الذين آمنوا بأنَّ التغييرَ يأتي من البشر وليس من أشيائهم.

نظرَ له "جين" باستغرابٍ دونَ أن يفهمَ هذه الحكمة، بينما هتفَ الرَّجلُ وقال: تماماً! أصبتً أيُّها الصغير!

ثُمَّ نهضَ ورفعَ سيفَهُ على كتف "راي" وقال: أنا أمنحُكَ سيفي يا صاحبَ الشَّجاعة، إنَّهُ لشرفٌ لهذا السَّيفِ أن يُقاتلَ في صفِّك.

ارتبك "راي" وقال: لا لا داعيَ لذلكَ أنا لديَّ سيفٌ بالفعل!

_أتقصدُ سيفَ الفارس؟ سعى الكثيرونَ للحصول على هذا السيف ممَّا دفعَ "بنس" لإخفائه، لن يكونَ سعيداً إن عرفَ بأنَّ أحداً عثرَ عليه، قد تُضطرُّ لمواجهته حينها، لذا ستحتاجُ سيفا! خُذ سيفي وحارب به الفارسَ الذي خذلنا جميعاً!

_لن أحاربَ أحداً! ربما يغضبُ "بنس" لكن هذا لن يكونَ سبباً ليُحارِبني، لكنَّي سأرغبُ بمُبارزته وسيحتاجُ سيفه حينها، لذا نعم سأستعيرُ سيفكَ مؤقتاً، شكراً لك!

_لا تشكرني! لهذا السَّيفِ شرفٌ في أن تستخدَمه لذلك!

غادَرا وكانَ صعباً على "راي" أن يجُرَّ سيفين معاً لكنَّه لم يعترض، قال "جين" بعدما ابتعدا قليلاً: فلنُسرع! الظلامُ الدَّامسُ بدأ يُعمي بصيرتي.

سأله "راي": ما رأيُكَ بقصة الرجل؟

_سمعتُ قبلاً عن شخصٍ وقفَ في وجه "هيوغو" لكن لم أكن مُلِّمَّاً بالتفاصيل، بصراحة أثارَ استغرابي شيءٌ واحد، هو لم يذكر "أوشن" أبداً! ظننتُ أنَّه إن نشأت بينهما عداوة فستكونُ في تلكَ الفترة، لأنَّ "بنس" لم يخرج بعدها من المكتبةِ أبداً.

قال "راي" مُتظاهِراً بالبرود لسماعهِ اسمَ "أوشن": لم يخطر ذلكَ ببالي، لكن لا تنسَ أنَّ "أوشن" يقضي مُعظمَ وقتِه في المحيط، لكن.. أنتَ محقِّ! تتابعُ رِحلاتِه يشيرُ إلى كونِه كان على اليابس في تلكَ الفترة، غريبٌ أنَّهُ لم يُذكر.

_وغريبٌ أيضاً ما حدثَ في المكتبة، لو أنَّ "هيوغو" قد انتصر ما كانَ ليُفوِّتَ الفرصةَ بالتَّباهي في ذلكَ لآخر العمر، لكن كونَ "بنس" لم يخرج من المكتبة فهذا يعني بأنَّ "هيوغو" هو المنتصر! مهما حاولت لا أجدُ تفسيراً منطقيَّاً لتلكَ القصَّة..

_هل تظنُّ أنَّ ذلكَ الرجل كانَ يهذي؟

_لا أظنُّ، نظراتُ النَّاسِ المُحدِّقة في السيف تُثبتُ صحَّة أقواله.

_هل تستطيعُ الحصولَ على المزيدِ من المعلومات؟ هذا تخصُصُك!

انزعجَ "جين" كثيراً عندما تذكَّر قلَّة حيلته، وسيلتُه الوحيدةُ المُتاحةُ كانت سؤال "هيوغو" لكنَّهُ لن يجرؤَ على ذلك، ففي المرَّةِ الوحيدةِ التي ذكرَ فيها "جين" اسمَ "بنس" صدفةً أمامَ "هيوغو" صفعَه الآخر بقوَّةٍ بشكلٍ لا إراديِّ، ثُمَّ عادَ إلى مقعده دونَ أن يقولَ شيئاً وتصرَّفَ كأنَّ شيئاً لم يحدث، صدَمَ ذلك "جين" ف"هيوغو" لم يستخدم العنفَ معه قطُّ، ثُمَّ أثقلَهُ بمهمةٍ شبه مستحيلة وقال ل"جين" بأنَّهُ إن لم يُنجزها فلن يحلمَ بالحصولِ على أجرٍ مُجدَّداً، خرجَ "جين" من تلكَ الذكرى التعيسة داخل رأسه بعد أن حاولَ "راي" استفزازه.

_انا أعلمُ بأنَّ ذلك الرجل لا يبخلُ عليكَ بأيِّ معلومات.

توتَّر "جين" وقال: تقصدُ "هيوغو"؟ أخبرتُكَ مراراً بأنَّ لا شيءَ بيننا!

كان "راي" قد لاحظَ بالفعل وجودَ شيءٍ غريبٍ بين "هيوغو" و"جين"، لكنَّهُ لم يفهم يوماً طبيعتًه وكلُّما حاولَ استدراج "جين" للحديثِ يُنكرُ فوراً ويُغيِّرُ الموضوع، قال "جين": ما قصَّةُ ذلك السرادب؟!

تبسَّم "راي" من محاولةِ "جين" تغيير الموضوع كالعادة وقال: حتَّى أنا لا أعرف، فلنذهب لاستكشافهِ غداً! سنحتاجُ مصباحاً!

_يبدو هذا ممتعاً، هل سنخبرُ "غانبو"؟

_لا.. هي لن يُعجِبها الأمر، لاشكَّ أنَّ "بنس" قد أخبرها قبلاً بقصِّةِ السيف، على أيِّ حال متى ستُخبرُني بقصَّتِكَ أيضاً؟

كان "جين" قد نسيَ الأمرَ تماماً وشعرَ بالنَّدمِ فهوَ ليسَ مُستعدَّاً بعد لسردِ قصَّته، قال مُمازِحاً "راي": أيُّ قصَّة؟

_قصَّةُ حياتك!

قالها "راي" بغضبٍ لشعورِه أنَّ صديقَهُ لن يفي بوعدِه لهُما، بينما تقدَّمُه "جين" بضعَ خطواتٍ ثُمَّ التفت إليه ومدَّ لسانَهُ بسُخريَّة.

_عندما يحينُ الوقت.

***

_هل جلبتَ المصباح؟ سأل "راي"

_فعلت، وملأتُه بالزيتِ كذلك، تابع بابتسامة: زيتُ الحيتانِ الذي يجلبهُ "أوشن"!

تبسَّم "راي" لكلام صديقه وقال: هيَّا بنا!

كانَ هذا هوَ أوَّل شيءٍ فعلاه في صباحِ اليوم التالي، استكشافُ السردابَ! دخلَ "راي" أوَّلا لتأمينِ الطريق ثُمَّ تبِعهُ "جين" وبحوزتِه المصباح، نزلا في الفتحةِ الضيِّقةِ التي صنعَها "راي" البارحة، نزلَ كلٌ منهُما على حدَّة وأنزلا المصباح على حدةٍ كذلك، لم يكن السرداب عميقاً كما اعتقدَ "جين" بل كان بوسعهِ الارتطامُ بسقفه إن حاولَ ذلك، تحتَ الضوء عرفَ "راي" أنَّ السردابَ كان صغيراً حقاً، كأنَّهُ قد صُنِعَ فقط لتخبئةِ السيف، كان عبارةً عن ممرٍّ طويلٍ وضيِّق، كونَهُ ممرَّاً مُستقيماً هو السببُ على الأرجح بكونِ "راي" لم يضلَّ طريقَهُ البارحة، لم يجدا في طريقِهِما أي شيءٍ مثيرٍ للاهتمام، بل كان فارغاً تماماً ممَّا أثارَ خيبتَهُما، وصلا إلى نهاية السرداب ووجدا الصندوق الزجاجيِّ الفارغ فقال "جين" بخيبة:

_لا شيء مُثيراً هنا، يجبُ أن نعود.

أجابَهُ "راي" الذي كان قد لاحظ شيئاً: انتظر! هذا الصندوق.. أنا لم ألحظهُ البارحة!

سحبَ "راي" الصندوقَ الخشبيَّ المُتهالِك فقال: إنَّه خفيف!

_أتمنَّى أن نجدَ بداخلِه شيئاً مُثيراً للاهتمام..

فتحاه فلم يجدا في داخله إلا كتاباً ثخيناً، قال "راي" بحماس: هل هذا الكتابُ من سيمنحنُي القوَّة!؟

تعرَّف "جين" على فحوى الكتابِ على الفورِ فقال: لا أيُّها الأحمق! منَ الواضح أنَّهُ ألبومُ صور!

مسحَ "راي" الغبارَ من على غلافِه الأسود، توسَّط في الغلاف دائرةٌ بنفسجيَّة مُزخرفة كالورود بدأ بالتقليب بين صفحاته، تعرَّفَا على وجه "بنس" الصغير الذي كانَ يقفُ بجوارِ امرأةً عجوزٍ ترتدي جميع أنواع المجوهرات، كان شعرُه مُستقيماً ومُصفَّفاً بعناية، وثيابُه بيضاء مُرتبَّة ونظيفة، لكن كانَ وجههُ مليئاً بمستحضراتِ التَّجميل وهذا ما جعلَ "راي" و"جين" يجدانِ صعوبةً في التعرُّفِ عليه.

في صورةٍ أخرى كانَ يبدو أصغرَ سنَّاً بوجهٍ أكثرَ طبيعيَّة وجمال، كان واقفاً وعلى يمينهِ فتاةٌ صغيرةٌ اعتقدا أنَّها أخته، وعلى يسارِه يقفُ "هيوغو" المراهق ببدلةٍ مدرسيَّةٍ خضراءَ كبدلاتِ العساكر، ومن خلفِهم يقفُ رجلٌ بوجهٍ مُتجهِّم مع ندبةٍ كبيرةٍ في عينه اليسرى، وامرأةٌ نحيلةٌ بوجهٍ ناعم لا يخلُو من الإرهاق والتَّعب.

_انظر إليهم، تبدو عائلةً طبيعيَّةً، قال "راي".

_ليست كذلك! انظر كيف يضغطُ والدُهم على كتفيِّ "بنس" و"هيوغو" بقوَّة، ربما يكونُ "بنس" مُبتسِماً لكن واضحٌ أنَّها ابتسامةُ خوفٍ وذعر، و"هيوغو" لم يُكلِّف نفسَه عناءَ الابتسام حتَّى؟

_لاحظتُ ذلك، لكن أهذا كلُّ ما لفتَ انتباهك؟ انظر الى أمُّهم كيف تُخفي ذراعها.. أستطيعُ رؤيةَ الكدمة الزرقاء من هنا.

قال "جين" بعدَ أن أمعنَ النَّظر: معكَ حق.. فلنقلِّب الصورة، ربما صورةٌ أخرى ستكونُ أفضلَ من صورةِ هذه العائلة المُزيَّفة.

في صورةٍ أخرى بالفترةِ الزمنيَّةِ ذاتها، كانَ "هيوغو" جالساً على الأرجوحة يُحادثُ فتاةً بشعرٍ كستنائيِّ متوسِّط الطول، ووجهُ "بنس" كانَ قريباً حيثُ غطَّى مُعظمَ الصورة، كانَ واضحاً أنَّهُ هوَ من التقطها وأنَّهُ كان سعيداً بالتقاطِ هذه الصورة خلسة.

شاهدوا "بنس" مُجدَّداً يضعُ مُستحضراتِ التجميل، لكن هذهِ المرَّة لم يكن وحده، بل كانَ حولَه أطفالٌ كثيرون بنفسِ شعره ونفسِ ثيابه، لكنَّه بلا شكَّ تميَّزَ عنهم فقد كانَ أجملَهُم، وكانَ المُفضَّلَ كذلك، فتلكَ العجوزُ الثريَّة كانت تقفُ في المنتصف خلفَ "بنس" وتلفُّ ذراعيها بإحكامٍ حوله، في تلكَ الصورةِ لم يبتسم أحدٌ سِواها..

انغمسَ "راي" و "جين" في التَّقليبِ بين الصُّور حتى داهمَهُما ضوءً ساطعً أعمى بصيرتَهُما، التفت "راي" إلى الخلفِ واستغرقهُ الأمرُ وقتاً حتَّى اعتادَ على الضِّوء فشاهد وجه "بنس" الغاضب يتفرَّسُهُما، كشَّرَ عن أنيابه وبدا حقاً كمن ينوي قتلَهُما، تقدَّمَ "جين" أمامَ "راي" بسبب غريزتِه الفطريَّة في حمايته، سألهُما "بنس" بصوتٍ متحشرج خرجَ من أعمق نقطة في حنجرته: ما الذي تفعلانِه هنا؟!

_ن. نحن..، كانَ "جين" يُحاولُ تدُاركَ الموقف والاستعداد إن حاولَ "بنس" قتلَهما، تجاهلّهُ "بنس" تماماً وأمسكَ بملابسِ "راي" ورفعَهُ عن الأرضِ وقال:

_ألم آمرُكَ بعدمِ العبث؟!

_ن.نعم! لكنَّي لم أظنَّ أنَّكَ تقصدُ هذا المكان! أعني.. ظننتُها غرفةً سريَّةً مخفيَّةً عنكَ أنتَ أيضاً.

رماهُ "بنس" أرضاً لكنَّ "راي" لم يتألَّم جسديَّاً بمقدارِ ألمهِ النفسيِّ، كان المصباحُ قد انطفأ فلم يستطع تمييزَ ملامح "بنس" لكنَّهُ استشعر في صوتِه مقدارَ الألمِ والخيبة.

_كاذب! لقد علمتَ أن هذا السَّيف لي! علمتَ أنَّ هذا السردابَ لي!

تجمَّد كلٌّ من "راي" و"جين" بسبب الخوف، لم يعتقد أنَّهُما قد يريان "بنس" الهادئ على هذا القدرِ من الغضب والتوحُّش.

_اخرجا! اخرجا! أنتما ممنوعانَ من دخول المكتبة إلى الأبد!

راحا يركضانِ فوراً بأسرعِ ما يُمكِنُهما، لم يجلبا مصباحَهُما حتَّى، بعد أن ابتعدا عن المكتبةِ بمقدارً كاف ليكونا بأمان، تذكَّرا أخيراً التقاط أنفاسهما، وجدا "غانبو" تنظرُ إليهما مصدومة لمنظرِهِما، كان العرقُ يقطرُ منهُما وكانا يلهثان وشعرُ "راي" كان في حالةٍ فوضويَّة، كانت هذهِ المرَّةَ الأولى التي يُقدمانَ بها على شيءٍ دونَ إخبارِها وهما بلا شك نادميْنِ على ذلك، بدآ يرويان لها كلَّ ما حصل لهُما منذُ البارحة وكلَّما تقدَّما بالتفاصيل كلُّما عقدَت "غانبو" ذراعيَها وحاجبيَها لينُمَّا عن غضبٍ أكبر، بالنَّسبةِ ل"راي" كانت نظراتُ "غانبو" المؤنَّبَة كفيلةً بإحزانهِ أكثر من أيَّ شيءٍ آخر، قال "جين" الذي كان الغضبُ يُهيمِنُ عليه: أنا لا أفهمُ لِمَ كلُّ هذا الغضب! إنَّها مُجرَّدُ صور! أليس كذلكَ يا "راي"؟

أجابَهُ "راي" الذي سيطرَ الحزنُ والخيبةُ عليه بالكامل: إنَّها ليست مُجرَّد صور يا "جين"، إنَّها ذكريات، وبلا شك هي تعني له الكثير.. ولا أظنُّ غضبَهُ مُتعلِّقٌ بشأن الألبوم، ربما هوَ بشأن السيف واقتحامنا السرادب، مهما كان السبب فقد أخطأنا كثيراً في حقِّ "بنس"، يجبُ أن نعودَ لنعتذرَ له!

نظرت له "غانبو" بنظراتٍ مُؤيِّدة بينما صاحَ "جين" بغضب: ماذا؟ هل تظنُّ أنِّي سأعودُ إلى هناك؟ ألم ترَ وجهه؟ كان سيقتُلنا! لا تنسَ بأنَّهُ مجرمً وبأنَّكَ لن تكونَ أوَّلَ شخصٍ يقتُله.

_هذا بالضَّبط ما أريدُ معرفتَه! لماذا تحوَّل "بنس" إلى مُجرم؟ ماذا كانَ دافعُه مثلاً؟

_لا دافعَ يجعلُ المُجرمَ بريئاً يا "راي"! هل بدأتَ تُدافعُ عن المجرمين الان؟!

_لا! أنا.. أنا فقط، أريدُ أن أعرفَ لماذا، أنا متأكدٌ أنَّ قصَّة السيفِ لم تكن كاملة، أريدُ سماعَ جانب "بنس" من القصَّة! هذا سيُفسِّرُ لنا سبب غضبه، وقد نعرفُ أيضاً سبب كُرهِه ل"أوشن" يجبُ أن أعرفَ ما حدثَ أثناءَ نزاله الأخير في المكتبة!

_أياً كان سببُ غضبه، فيبدو أنَّ "بنس" ليسَ لديهِ أدنى استعداد ليُخبِرَنا، وإلا لما استشاطَ غضباً لأنَّنا رأينا بضعَ صورٍ سخيفة لم نفهم منها شيئاً!

_أخبرتُكَ بأنَّ الأمر ليس بشأنِ الصور! وأيضاً ربما بالنسبة لك لم تفهم شيئاً لكنِّي فهمتُ الكثير..

_لا يهمُّني أن أفهم!، قالها "جين" بانزعاجٍ حقيقيَّ، فلم يسمح له غرُورُه بأن يعرفَ بأنَّ "راي" عرفَ شيئاً لم يستطع هوَ معرفته، فرغمَ بساطة "راي" إلا أنَّه بطبيعة المكانِ الخبيثِ الذي يعيشُ فيه تعلَّم كيف يقرأُ ما بينَ السطور.

_هل ستأتي معي أم لا؟ لا أمانعُ الذَّهابَ وحدي!

_افعل ذلك إذاً! لا أجدُ أيَّ مانعٍ في عدمِ دُخولِ المكتبة لبقيّةِ حياتي! لم تكن مُفيدةً لي قط!

حدَّقا في بعضِهما البعض بشرارةِ الغضب، ووقفت "غانبو" في صفِّ "راي" فقالت أنَّها لن تدعَهُ يذهبُ وحدَه وأنَّها ستُرافِقُه، تذكَّرَ "راي" وجه "بنس" الغاضب فقال بتردد:

_لكن دعينا نؤِّجلَ ذلك، كثيراً جداً.. حتَّى يتناسى غضبه فتصيرَ قابليَّتَهُ لِمُسامحتِنا أكبر..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

راي في جزيرةِ المجرمين

المؤلف viloeto7789
2025/09/09 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: 1: المحطَّةُ الأخيرة
2025/09/09
الفصل 2: 2: الصغيرُ "راي"
2025/09/10
الفصل 3: 3: بدايةُ الصداقة
2025/09/10
الفصل 4: 4: "هيوغو"و"هاوبر"
2025/09/11
الفصل 5: 5: عِداءٌ مُفاجئ
2025/09/11
الفصل 6: 6: تغيُّرٌ في حياةِ "راي"
2025/09/11
الفصل 7: 7: أبٌ حقيقي وأبٌ مُزيَّف
2025/09/11
الفصل 8: 8: "أوشن" المُحيط
2025/09/11
الفصل 9: 9: الجريمةُ الأولى
2025/09/11
الفصل 10: 10: عاصفةٌ بعدَ الهُدوء
2025/09/11
الفصل 11: 11: خروجُ "بنس" من قوقعته
2025/09/11
الفصل 12: 12: المحيط يغادر
2025/09/13
الفصل 13: 13: عادت الحياة إلى الجزيرة
2025/09/13
الفصل 14: 14: عقابُ الهارب
2025/09/13
الفصل 15: 15: سرُّ السيدِّ "بنس"
2025/09/13
الفصل 16: 16: قصةُ الفارس الشجاع
2025/09/13
الفصل 17: 17: اتِّفاقيةُ السَّلام
2025/09/13
الفصل 18: 18: نكثُ العهد
2025/09/13
الفصل 19: 19: حُفرةُ القوَّة
2025/09/13
الفصل 20: 20: ذكرياتُ "جين"
2025/09/18
الفصل 21: 21: المُحيطُ يعود
2025/09/18
الفصل 22: 22: وداعٌ أبديِّ
2025/09/18
الفصل 23: 23: حقيقةٌ مُتأخِّرة
2025/09/21
الفصل 24: 24: موتٌ وحياة
2025/09/21
الفصل 25: 25: "غانبو" المُجرِمة
2025/09/21
الفصل 26: 26: "رين"
2025/09/24
الفصل 27: 27: حاصدُ الأرواح
2025/09/24
الفصل 28: 28: حبُّ "هيوغو" الفاشل
2025/09/24
الفصل 29: 29: عينٌ بلونِ السماء
2025/09/28
الفصل 30: 30: "هيوغو" و"أوشن"
2025/09/28
الفصل 31: 31: جمعٌ حزين
2025/09/28
الفصل 32: 32: البارودُ يقتل
2025/10/04
الفصل 33: 33: عالمٌ جديد
2025/10/04
الفصل 34: 34: محطَّةُ "جين" الأخيرة
2025/10/04

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة