19: حُفرةُ القوَّة

19: حُفرةُ القوَّة

13 0

في أحدِ أيَّام شهر أيلول الخريفيِّ، حيثُ بدأ الجوُّ بالاعتدالِ دون أيِّ أوراقٍ مُتساقطة أو أمطارٍ مُنهمِرة، بل فقط جوٌّ أكثرُ اعتدالاً وشمسٌ أكثرُ لطفاً، كان "راي" جالساً أمامَهُ مخطوطاتٌ ورقيَّة يُحاولُ تقليدها، و"غانبو" تجلبُ له حبراً كلُّما نفذ، لم ينبته أيٌّ منهما ل"جين" القادم من بعيد، والذي تبدَّلت ملامحُه للانزعاج فورما رآهُما.

_بحقِّكُما يا رفاق ماذا تفعلان؟!

قال "راي" ببرودٍ دونَ أنَ يحيدَ بنظرِه عمَّا يفعله: ألا ترى أنِّي أحاولُ تدريبَ نفسي على الخطوط؟ أنا جادٌّ في كوني أريدُ أن أصيرَ خطَّاطاً

_أنا مُتأكِّدٌ أنَّكَ فورما تتعلُّمها ستفقد حماسكَ فوراً، تماماً مثل كلِّ الأشياءِ السَّابقة.

غضِبَ "جين" من تجاهُلِ "راي" له فسحبَ الورقةَ من أمامِ "راي" وقال بغضب: _أنتَ لن تتعلَّم أبداً بنسخِ خُطوطِ الآخرين! يجبُ أن تمتلكَ أسلُوباً خاصَّا بك!

لم يتمالك "راي" نفسه، صاحَ بغضب: ما شأنكَ فيما أفعله! دعنا وشأننا وارحل!

زادَ غضبُ "جين" وبدا كمن ينوي ضرب "راي"، وقفت "غانبو" لتكونَ حائلاً بينهما، تحدَّثَ "راي" بغضب دونَ وضع اعتبارٍ لتأثيرِ كلامهِ على "جين".

_دعكي منهُ يا "غانبو"، دوماً ما تأتيه فتراتٌ فجائيَّة يكونُ فيها مُزعجاً جدَّاً، أظنُّ أنَّ للأمرِ عواملَ خارجيَّة، لنرى.. هل وبَّخكَ الشَّخصُ الذي تعملُ لأجله؟ ألم تُنجز مُهمَّتكَ كما يجب أيُّها التابعُ اللَّطيف؟

طوالَ ذلكَ الوقت استمع "جين" لكلامِ "راي" بينما يُقاومُ جاهداً عدم تسديد لكمة.

_أخبرتُكَ مراراً بأنِّي لستُ تابعاً لدى أحد!

كانت "غانبو" تُتَابِعهما بحيرةٍ شديدة، فلحظاتُ الشجار بينهما قد زادت كثيراً مؤخراً، وهي غيرُ مُتأكِّدة من كيفيَّة التصرُّف. قال "راي" ببرود:

_أنا آسفٌ يا "جين" لكنَّكَ لستَ سوى كاذب، لقد فقدتُ الثِّقةَ بكَ منذُ زمنٍ طويل.

انقلبت ملامحُ "جين" من الغضبِ العارم إلى الهمِّ الشديد، إنَّ صديقَهُ لا يثقُ به على الإطلاق، بينما نظرت "غانبو" ل"راي" مؤنِّبَةً كلامه، رغمَ أنَّها كانت سرَّاً كانت تؤيِّدهُ فيمَ يقول، لكنَّها لن تسمحَ بأن يكونَ قاسياً هكذا مع صديقه، قال "جين" باستسلام: أنصت.. أيَّاً كانَ هذا الذي تتهِّمُني بكوني أفعله، فيجبُ أن تعرفَ أنِّي لا أفعلُه سوى لأجلِكُما، لحمايتكما!

شعرَ "راي" ببعضِ تأنيبِ الضمير بعد أن شعرَ بكلماتِ "جين" الصَّادقة، لكنَّه تذكَّرَ كيفَ أنَّ ل "جين" مهارةً عاليةً في الكذب، قال بغضبٍ وقد فضحَ كذبة "جين": _يالَها من كذبةٍ مؤثِّرة! أنتَ تفعلُ ما تفعلُه قبلَ أن نأتي حتَّى! قل لي أنَّك تُحاولُ حمايتنا منذُ كُنَّا ببطونِ أمُّهاتِنا!

خيَّمَ الذُّعر على "جين"، هو لم يقصد الكذب أبداً فكيف انتهى به المطافُ يكذب؟! هل صار الكذِبُ شيئاً يفعلُه بشكلٍ لا إراديِّ!؟ خافَ من فكرةِ فقدانِ صديقه الوحيد لذلك، وفقدان نفسه أيضاً، تابع يقولُ بذعر: أنتَ محقَّ! أنا لستُ سوى كاذب.. لهذا السبب سأخُبرُكُما، سأخبِرُكما بكلِّ شيء.. أنا لن أتحمَّلَ الكذب أكثر!

تفاجأ "راي" من ذلكَ الاعتراف المُفاجئ، هل حانَ الوقتُ ل"جين" ليبوح بسرِّه أخيراً؟ تابع "جين": انسيا ما قلتُه عن عدمِ شفقتِكُما، أنا الآن بأشدِّ الحاجة لأن تُشفِقا عليَّ، كليكُما.

ثُمَّ بدأ يقولُ وصديقيْه يُنصتان إليه بتفهُّمٍ شديد.

_عائلتي لم تكن مُجرمةً قط.. جريمتُنا كاملةً كانت أنَّنا أردنا الهجرة والبحث عن مكانٍ أفضل، بطبيعةِ البلد البائس الذي جئتُ منه والفقر المُخيِّم عليه فقد كانت هجرةً غير شرعيَّة، ذهبتُ أنا وأمِّي في قارب وذهب أبي وإخوتي الأصغر في قارب، قرَّرَنا التفرُّق كيلا يتعلَّقُ مصيرُ العائلةِ بقاربٍ واحد، ولستُ مُتأكَّداً من صحَّة قرارنا، أمسكت السُّلطاتُ بسفينتنا، قتلوا من قتلوا وأرسلُوا الباقي إلى هنا، استسهلوا ذلك فقد كُنَّا قريبين من هذه الجزيرة، وكان إجراءُ الجزيرة هوَ إجراءُ حُكومتنا المُفضَّل كلُّ جُرمِنَا كانَ أنَّنا هربنا بحثاً عن الحُريَّة.

قال "راي" يُخفِي شعورَ الشَّفقة: وماذا عن السفينة الأخرى؟ ماذا حلَّ بهم؟

زادَ همُّ "جين" وأجاب: هذا ما أتمنَّى معرفتَه، لهذا السَّببِ أحاولُ فعلَ ما أفعلُه.

قال "راي" ببعضِ الارتياب: ومالذي تفعلهُ بالضَّبط؟!

انطفأت خيبةُ "جين" وراحَ يتحدَّثُ بحماس: أحاولُ صُنعَ جهازِ تواصلٍ مع العالم الخارجيِّ! ستكونُ هذه وسيلَتي الوحيدة لمعرفةِ أيِّ شيءٍ عن عائلتي.

زادَ اهتمامُ "راي" وسأل: وكيفَ ستفعلُ ذلك؟ وما علاقته بمهامك السريَّة؟

_أعرفُ بالفعل كيفَ أصنعُه، فقد علَّمنا والدي ذلك تحسُّباً لأيِّ طارئ، كان لدينا واحدٌ بالفعل لكنَّه اختفى بعدما قبضوا علينا وأنا الآن أحاولُ صنعَ آخر، لكنَّ المُشكلةَ أنَّ قطعَ الغيارِ التي أحتاجُها نادرةٌ ولا نجدُها هنا لذا..

_بدأتُ أفهمُ ما يحدث! قاطعَهُ "راي" بحماس، أنتَ تُقايضُ قطعَ الغيارِ التي تحتاجُها بالمهامِّ التي تعرضُها صحيح؟

ابتسمَ "جين" وقال: صحيح، يتمُّ الوصايةِ على تلكَ القطع خصيصاً لأجلي، والآن أمازلتَ تراني كشخصٍ سيء؟

ضحِكَ "راي" وقال: مازلتُ لا أعرفُ نوعَ مهامك لذا لا أستطيعُ أن أقرِّر، لكن أؤكِّدُ لكَ أنَّكَ استعدت ثقتي، والآن ألن تُكمل القصَّة؟

_ماذا تقصد..؟

_أخبرني كيف احترقَ شعرك! وكيف حصلتَ على ندبتك!

لم يكن "جين" مُستعدَّاً لذكرِ هذا الجزء من قصَّتهِ بعد، بل لم يُرد قولَهُ أبداً قال بتردد: بخصوص هذا..

قاطعَه -أنقذَهُ- صوتُ بوقٍ صمَّ آذانَ الجميع، كانت "غانبو" أسرعَهم استجابة فغطَّت أذنيها بسرعة وقلَّدها "راي" في ذلك، أمَّا "جين" نظرَ حولَه دونَ ردَّةِ فعلٍ واضحة على عكسِ "راي" الذي اعتلت وجهه الدَّهشة، كانت آخرَ مرَّةٍ سمِعَ فيها هذا الصوت عندما جاء "أوشن" إلى هنا، هل يُعقلُ أنَّ للأمرِ علاقةٌ بهِ هذه المرَّة؟! اختفى الصوتُ فقالَ "جين" ببرود: هذا يُذكِّرُني بما جئتُ لأجله.

صرخَ "راي" بحماس: هل هيَ رحلةُ الصيد؟ أيُّ أخبارٍ عن "أوشن"!؟

ضاقَ "جين" من حماقةِ "راي" وحماسِه الغير مُبرَّر فقال: لا أيُّها الأحمق، "أوشن" لن يعودَ حتَّى عامينِ قادمين.

انكمشَ "راي" على نفسِه وقال ببؤس: أنا لستُ مُهتمَّاً بأيِّ شيءٍ آخر..

لكنَّ "غانبو" دفعت "جين" لإكمالِ الحديثِ فتابع: اليوم ستُعقدُ مُسابقةُ الحُفرة! تذكران؟! تلك المعركةُ التي تمنحُ فائزَها تذاكراً للخروجِ من هُنا.

_وفيمَ يهمُّنا ذلك؟ قال "راي" ببؤسٍ أكبر.

_لا بشيء، لكنِّي فقط أردتُ المُشاهدة، هل تتخيَّلُ اجتماعَ أقوى أقوياءِ الجزيرة وأشدَّهم بأساً في نزالٍ واحد؟! ستكونُ معركةً لاستعراضِ القُدراتِ لا تُنسى!

_متى ستبدأ؟

_في الظهيرة، كانَ ذلكَ الصوتُ إشعاراً لوصولِ السَّفينة.

قال "راي" بلهفة: سفينةُ البضائع؟ ظننتُ قُدومها مقرونٌ برحلةِ الصيد.

أجابَهُ "جين" بانزعاجٍ لأنَّهُ ما يزالُ يذكرُ ذلك: ليسَ سفينةَ البضائع أيُّها الأحمق! إنَّه نوعٌ آخرُ من السُّفنِ لكن بنفسِ الأشخاص، من يتعاملونَ مع هذا المكانِ محدُودين.

شعرَ "راي" بجهله فجأة، إنَّ "جين" يعرفُ الكثيرَ عن هذا المكان بينما هو لا يعرفُ شيئاً، سألَ بخجلٍ لكثرةِ أسئلته: مازلتُ لا افهم! لماذا يأتونَ إلى هُنا؟َ!

_يُريدونَ الإشرافَ على أنَّ كل شيءٍ يسيرُ على ما يرام، أي –أرباحُهم- تسيرُ على ما يرام، بالطَّبع هم لن يطأوا قدماً خارجَ سفينتِهم فهم لا يجرؤون على ذلك، باستثناءِ امرأةٍ واحدة يُسمِّيها السُّكان المرأةَ الأكثر شجاعةً في العالم! هيَّا يا "راي" يجبُ أن تراها!

كان "راي" مُنزعِجاً من كُلِّ كلمةٍ أخرى تُقال، لقد شعرَ بأملٍ غريبٍ بأنَّه سيرى "أوشن" لكن فجأة تبخَّرَ هذا الأمل ليغرقَ بالخيبة، قرَّرَ أنَّه لن يبرح هذه الدائرة التي رسمها لنفسه فصاحَ بغضب: ما المُميَّزُ فيها لأراها؟!

_ألم تُدرك الأمر؟! إنَّها شُجاعة! تنزلُ من السَّفينة وتجلسُ على طاولتها بكلِّ ثقة بحوزتِها قلمٌ وأوراق تُسجِّلُ اسماء المُشاركين، غير آبهةٍ بحقيقة أنَّها على جزيرةٍ للمُجرمين فإنَّها تتحدَّثُ معهم بكلِّ شجاعةٍ وأريحيَّة بل تصدُّهم إن حاولوا إخافتَها!

_لكن ما المُميَّزُ في ذلك؟! نحن نفعلُ ما تفعلُه طوالَ الوقت! نعيشُ معهم وجهاً لوجه، ألا نستحقُّ الإطراءَ لشجاعتِنا نحنُ كذلك؟

قال "جين" ببعضٍ من الحيرة: صحيح.. عُموماً إن رفضتَ الذهابَ فأنا سأذهب.

كانت الأمورُ عاديَّةً حتَّى نهضت "غانبو" لِتُرافِقَ "جين"، ممَّا صدمَ كليهما، لم تكن من عادة "غانبو" تفضيل مُرافقة "جين" على "راي"، صاح "راي" بفزع: _ستذهبينَ معَه؟! وتتركينَنِي وحدي؟!

أشارت له "غانبو" بالإيجاب مع ابتسامةٍ كبيرة، دونَ أن تشعرَ أنَّ شيئاً خاطئاً يجري، قالت بلغةِ الإشارة: (لن أضيِّعَ فُرصةَ رؤيةِ المرأةِ الشُّجاعة! قد أصيرُ مثلها.)

ابتسمَ "جين" ابتسامةَ انتصارٍ خبيثة وقال مُحاوِلاً إغاظةَ "راي": هيَّا بنا "غانبو"!

***

في مُقدِّمة الجزيرةِ حيثُ الشاطئ، رست السفينةُ ووضعت تلكَ المرأةُ الشُّجاعةُ حاجيَّاتها الطاولة، كانت عجوزاً قصيرة بشعرٍ فضيٍّ قصيرٍ ومُمَّوج، وبدا أنَّها اعتادت التَّعامَل مع المُجرمين منذُ شبابِها، اصطفَّ أمامَها طابورٌ من الرِّجالِ الضِّخام، وفي آخر الطابور وقفَ جسدٌ طويلٌ ونحيلٌ بانتظارِ دوره، كانَ مُختفياً بين كلِّ تلكَ الأكتافِ العريضة، حانَ دورُه أخيراً فقال بلباقة: صباحُ الخير آنستي! "هيوغو" من فضلك.

رفعت العجوزُ رأسَها إليه وقالت بتأففِّ من خلفِ عُويناتِ نظارتِها: أنتَ مُجدَّداً؟ تعرفُ أنَّكَ لم تصل للسنِّ القانونيَّة بعد، كم مرَّةً يجبُ أن أقولَ هذا؟

وضعَ "هيوغو" كفَّهُ على صدره وقد بدا طُفُوليَّاً جدَّاً بينما يفعلُ ذلك، لكنَّه لا يُمانعُ إظهارَ هذا الجانب السريِّ من شخصيته أمامَ كبارِ السنِّ والأشخاص الذين يُحبُّهم، وهما شخصانِ فقط، قال مُدَّعِيَّاً البراءة: أنا في الثلاثين!

أجابتُهُ العجوزُ ببرود: أنتَ تقولُ هذا منذُ عشرةِ أعوام.

طرقَ سبابتَه بسرعةٍ على الطاولة، هو يستمتعُ بالحديث مع هذه العجوز ومُحاولةُ استفزازها، قال بسخرية: لكن هذا العام هو حقيقي؟

سادت لحظة صمتٍ بينهُما حتَّى قاطعتَها قائلة: أتعجَّبُ لأمرَكَ يا "هيوغو"، تفعلُ المُستحيل لمنعِ الآخرين من المُغادرة لكنَّك أكثرُ من يتوقُ لذلك؟

_بالفعل، لديَّ شيءٌ مهمٌّ جدَّاً للقيامِ به هناكَ في العالم الخارجيِّ، لن أسمحَ لأحدٍ بولوجِ تلكَ الأرضِ قبلي.

قالت العجوز بهدوءٍ دونَ ذرَّة اكتراثٍ واحدة: القواعدُ قواعد، ارحل الآن؟

انتهى مزاحُ "هيوغو" وقال بغضب: سأعودُ بعدَ عامينِ يا وجه التَّجاعيد! وأتحدَّاكِ أن تقولي بأنِّي تحتَ السنِّ القانونيَّةِ وقتَها!

رغمَ إبدائه لغضبه، لكنَّهُ كان مُستمتعاً حقيقةً، ونسيَ أنَّ حُلمَهُ قد ضاعَ للعامِ العاشرِ على التَّوالي، شاهدَ "جين" من بعيد فابتسمَ فوراً، كانَ في مزاجٍ جيِّدٍ لمزيدٍ من التسلية، وقد أرادَ رؤيةَ "جين" أيضاً، ذهبَ نحوَهُ وبسبب حماسه لم يلحظ "غانبو" الواقفة إلى جوارِ "جين".

_مرحباً يا جين! بتُّ أراكَ كثيراً مؤخَّراً، هل تتعمَّدُ ذلك؟

صكَّ "جين" أسنانهُ بغضبٍ وقال: صدِّقني بأنِّي لا أفعل!

تراجعت "غانبو" خُطوتينِ للوراء فورما رأت "هيوغو" فانتبهَ لها وقال ساخراً:

_من هذهِ؟ حبيبة؟ مازلتَ صغيراً، لكن بعدَ كلِّ الرذيلةِ التي تراها هنا فأنا لستُ مصدوماً أنَّكَ تُريدُ فعلها.

احمرَّ وجهُ "جين" غضباً وحرَجاً أمَّا "غانبو" التي لم تفهم الكثير زادت من حذرِها، أمسكَ "جين" كفَّها بقوَّة وقال مُستديراً حولَ "هيوغو": لنذهب!

رفعَهُ "هيوغو" من خصره ممَّا جعلَ كفَّ "غانبو" ينفلتُ من قبضته، وضعَ "هيوغو" "جين" أمامَه وقال بسخُريَّة: لا تُحاولُ الهربَ منِّي، تعرفُ أنِّي لن أتحدَّثَ إليكَ إلَّا إذا أردتُّ أمراً.

همسَ لهُ "جين" بحدَّة بينما يرجُو ألَّا تُلاحظَ "غانبو" الشيءَ الغريبَ الذي يحدُث

_ماذا تُريد؟! وبسرعة!

حاولت "غانبو" رؤيةَ وجهِ "جين" من فوقِ كتفِ "هيوغو" لكن لا فائدة فظهرُ "هيوغو" كان يُغطِّيه، لم تسمع شيئاً من الكلام الذي يهمسانه، لكنَّ الشكَّ اعتراها.

_لديَّ مَهمَّةٌ خاصَّةٌ لك، إنَّها مَهمَّة مُختلفة، تتعلَّقُ بي أنا.

_اختصر كثيراً!!

_أريدُ ألبومَ "بنس"! اسرقه لأجلي.

_ماذا!؟ هذا مُستحيل! قال "جين" وقد علا صوتُه قليلاً

_أرجوك! تعرفُ أنِّي لا أستطيعُ دخولَ المكتبة، سأمنحُكَ أي شيءٍ كمُقابل.

نظرَ "جين" لهُ بريبةٍ شديدة، كانت هذهِ هيَ المرَّةَ الأولى التي يتوسَّلُ فيها "هيوغو" لأجل مهمة، بل ويعرضُ أيضاً أيَّ أجرٍ يُريدُه "جين"! لطالما كان يطلبُ "جين" ما يريدُه قبل إنجازِ المهمة فيُبدِي "هيوغو" مُوافقتَهُ او اعتراضَه، لكن هاهو الآن يقولُ بأنَّهُ سيقبلُ بأيِّ شيءٍ يطلبُه "جين"! بدت كفرصةٍ لا تُعوَّض، نظرَ "جين" إلى "غانبو" الواقعة خلفَ "هيوغو" وهمس: منعتُ أيضاً من دخولِ المكتبةِ لذا..

أبدى "هيوغو" حماساٍ مُفاجئاً وقال: حقَّاً؟ كيف؟ يجبُ أن تُخبِرَني!

زادت ريبةُ "جين" وقال: لماذا تبدُو سعيداً بذلك؟

_لأنَّ هذا يعني بأنَّكَ بدأت تتحوُّلُ إلى مجرم، هذا تماماً ما أريده.

تجاهل "جين" كلامَ وحماس "هيوغو" وقال: لذا كما قلتُ، سيكونُ في الأمر خطرٌ عليَّ، لكن سأوافقُ لأنَّ الأجرَ عالٍ

نهضَ "هيوغو" من أمامه بابتسامةِ انتصار وقال: هذا رائع، مخاطرةٌ عالية مقابلَ أجرٍ عالٍ، يُناسِبُني هذا!

_سيكونُ الألبومُ في مكتبِكَ بالقريب العاجل، ثُمَّ تابع بحدَّة: لكنَّها ستكونُ مُجرَّدَ استعارة ف"بنس" سيُلاحظُ اختفاءه!

بدأ "هيوغو" المشي مُلِّوحاً بذراعه وهو يقول: طبعاً طبعاً! مُجرَّد استعارة

***

غيَّرَ "راي" وضعيَّتَهُ من الجلوس والانكماش إلى الاستلقاءِ على بطنهِ كالبساط، لكنَّه كنا غاضباً بينما يُمرِّرُ الفرُشاةً على القماش، عادَ "جين" و"غانبو" ولم يكونا قد تحدَّثا بكلمةٍ واحدةٍ معاً في الطريق، لاحظَ "راي" قدُومهم على الفور فقال بغضبٍ دونَ أن يلتفتَ إليهم: هل رأيتُم المرأةَ الشُّجاعة؟ كيف كانت؟

كانَ "جين" لا يزالُ حائراً ممَّا حدث فلم يلحظ غضبَ صديقه، قال بخيبة: عندما وصلنا كانت قد غادرت بالفعل، لم نستطع اللَّحاق بها.

خلالَ كلِّ ذلك، لم تتوقَّف "غانبو" عن السيرِ حتِّى وصلت أمام "راي"، رمت بركُبتيها بغضبٍ على الأرض وسحبت الفرشاةَ من "راي" وبدأت تكتب، ازداد غضبُ "راي" لذلك وكانَ سيصرخُ لكن تلاشى غضبُه فورما رفع نظرَهُ إلى غانبو ولاحظَ وجهها الغاضب، لم تكن "غانبو" غاضبةً لهذه الدرجة في حياتها قطُّ، رفعت ما كتبته في وجهِ "راي" و"جين" وقد كُتِبَ عليها:

(هل أنتَ تابعٌ ل"هيوغو"؟! أهوَ الشَّخصُ الذي تُقايضُ خدماتك معه؟)

لم يتمالك "جين" نفسَه ممَّا قرأه، ونظر "راي" إليهما في تعجُّب، مالذي حدثَ ليجعلَ "غانبو" تظنُّ أمراً كهذا؟! صاح "جين" بغضب بنصفِ كذبة: لستُ تابعاً لأحد! كيفَ أمكنكِ اتِّهامي بهذا؟!

كانَ "راي" حتماً يُصدِّقُ "غانبو" فسألَ بخيبة: أنتَ كذلك؟ تتعاونُ مع ذلك المجرم!؟

_لستُ كذلك! أخبرتُكَ أنِّي لستُ كذلك! لستُ كذلك!

ثُمَّ ركلَ الأرض بطريقة مجنونة، وأدارت "غانبو" ظهرَها وعقدت ذراعيها علامةً على الاحتجاج، وقفَ "راي" حائراً بينهُما لا يدري ماذا يفعل أو من يُصدَّق.

_أنصتي يا "غانبو"، سابقاً عندما اتَّهمَكِ "جين" بكونِك مُجرمة.. وقفتُ في طريقه وقلتُ بأنِّي أثقُ بكِ! لذا من واجبي الآن ألَّا أسمحَ بأن يتكرَّرُ الأمرُ ذاته معه، صحيحٌ أنَّهُ يكذِبُ كثيراُ ولا يبدُو كأهلٍ للثِّقة لكنِّي.. أثقُ به!

لم يتأثَّرَ "جين" بتلكَ الخطبة الطويلة عن الثقة، لكنَّهُ على الأقلِّ كانَ مُمتنَّاً، و"غانبو" التي لم تقتنع كثيراً أبدت علاماتِ الرِّضا، فما قالَهُ "راي" كان مُنصفاً نوعاً ما، قال "جين": شكراً لكَ "راي".

ابتسمَ لهُ "راي" بودٍّ وقال: العفو! أنا أعرفُ بأنَّكَ لا تتعاونُ مع المُجرمِ "هيوغو".

لم يُجبه "جين" بل ظلَّت ملامحُه هادئة، لكن من الداخل كان الذنبُ ينهشُ أعضاءه، ابتعدَ عنهم فقد احتاجَ حقَّاً إلى الاختلاءِ بنفسه، لديهِ الكثيرُ من التساؤلات عن نفسه التي يُريد إجابةً عليها! كيف وصلَ بهِ الأمر لأن يكونَ تابعاً مُخلِصاً ل"هيوغو"؟ كيفَ وصلَ بهِ الأمرُ ليعتادَ الكذب ويكونَ غيرَ محلٍّ للثقة؟! وبدأ يستذكرُ ما حدثَ معه من أحداث، في أولى أسابيعهِ على الجزيرة..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

راي في جزيرةِ المجرمين

المؤلف viloeto7789
2025/09/09 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: 1: المحطَّةُ الأخيرة
2025/09/09
الفصل 2: 2: الصغيرُ "راي"
2025/09/10
الفصل 3: 3: بدايةُ الصداقة
2025/09/10
الفصل 4: 4: "هيوغو"و"هاوبر"
2025/09/11
الفصل 5: 5: عِداءٌ مُفاجئ
2025/09/11
الفصل 6: 6: تغيُّرٌ في حياةِ "راي"
2025/09/11
الفصل 7: 7: أبٌ حقيقي وأبٌ مُزيَّف
2025/09/11
الفصل 8: 8: "أوشن" المُحيط
2025/09/11
الفصل 9: 9: الجريمةُ الأولى
2025/09/11
الفصل 10: 10: عاصفةٌ بعدَ الهُدوء
2025/09/11
الفصل 11: 11: خروجُ "بنس" من قوقعته
2025/09/11
الفصل 12: 12: المحيط يغادر
2025/09/13
الفصل 13: 13: عادت الحياة إلى الجزيرة
2025/09/13
الفصل 14: 14: عقابُ الهارب
2025/09/13
الفصل 15: 15: سرُّ السيدِّ "بنس"
2025/09/13
الفصل 16: 16: قصةُ الفارس الشجاع
2025/09/13
الفصل 17: 17: اتِّفاقيةُ السَّلام
2025/09/13
الفصل 18: 18: نكثُ العهد
2025/09/13
الفصل 19: 19: حُفرةُ القوَّة
2025/09/13
الفصل 20: 20: ذكرياتُ "جين"
2025/09/18
الفصل 21: 21: المُحيطُ يعود
2025/09/18
الفصل 22: 22: وداعٌ أبديِّ
2025/09/18
الفصل 23: 23: حقيقةٌ مُتأخِّرة
2025/09/21
الفصل 24: 24: موتٌ وحياة
2025/09/21
الفصل 25: 25: "غانبو" المُجرِمة
2025/09/21
الفصل 26: 26: "رين"
2025/09/24
الفصل 27: 27: حاصدُ الأرواح
2025/09/24
الفصل 28: 28: حبُّ "هيوغو" الفاشل
2025/09/24
الفصل 29: 29: عينٌ بلونِ السماء
2025/09/28
الفصل 30: 30: "هيوغو" و"أوشن"
2025/09/28
الفصل 31: 31: جمعٌ حزين
2025/09/28
الفصل 32: 32: البارودُ يقتل
2025/10/04
الفصل 33: 33: عالمٌ جديد
2025/10/04
الفصل 34: 34: محطَّةُ "جين" الأخيرة
2025/10/04

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة