2: الصغيرُ "راي"

2: الصغيرُ "راي"

26 0

إنَّها السَّاعةُ الثانيةُ بعدَ الظهر، حيثُ أغلقت المدرسةُ أبوابَها وغادرَ الطُّلابُ برفقة أوليائهم، هناك في مدرسةِ "أوكسيو" الابتدائيَّة، انتهى أخيراً حفلُ بدايةِ العامِ الدراسيِّ الجديد، والذي كان كارثياً بالنَّسبةِ للمعلمة الجديدة "ستيسي "، ناهيكَ عن كونِهِ مُرهقاً ومتعباً للأعصاب، فهيَ كذلك لم تشعر بأنَّها حصلت على استحسانِ المديرة والمُعلِّماتُ الأخريات كما يجب، حزمت المعلمة "ستيسي" أغراضها واستعدَّت لِتُغادِرَ البوابة الخارجيَّة للمدرسة، مشت بخطواتٍ متثاقلةٍ نحو الباب وعندما وصلت أخيراً وجدت على يمينها أحدَ طُلاب الصفِّ الأوَّل جالساً القرفصاء بانتظارِ أحدِهم، لقد تأخَّرَ الوقت -أسرَّت في نفسها- ألم يأتِ والداهُ لاصطحابهِ بعد؟ اقتربت منهُ لتتعرَّفَ على ملامحِه فقالت:

_"راي"! أهذا أنت؟

نظرَ الطفلُ الصغيرُ إليها وقد ارتسمت على وجهه ملامح ُالرَّاحة والابتهاج لِرؤيتها.

_ مرحبا آنسة "ستيسي"! -بحماسٍ مُفرط -

_مالذي تفعلهُ هنا في مثلِ هذهِ الساعة؟ ألم يأتي والداك لاصطحابِكَ بعد؟

_كلَّا، فكما ترين أنا هُنا وحدي في انتظارِ مصيري المجهول.

نظرت إليه الانسة "ستيسي" بانزعاجٍ لجملته التي أضافها، كان انطباعها عن "راي" أنه طفلٌ ثرثارٌ ولديه الكثير من المصطلحات الغريبة التي لا تلائم الأطفال، لكن رغم ذلك ما أزعجها أكثر فكرة أن والداه يتأخران عنه بهذا الشكل بينما هو ما يزال في يومه الأول في المدرسة!

_هل تعرف الطريق المؤدِّي إلى منزلك؟ قالت بلهجة استعطاف فرغم الارهاق الشديد الذي أصابها ما كانت لتترك طفلاً في السابعة من عمره وحيدًا بهذا الشكل في الشارع، من يعلم إلى متى قد يطول انتظاره.

_امم أنا .. فكَّرَ "راي" طويلاً ثُمَّ قال: أنا لم أعرف طريقَ منزلي حتى سألتني، فلقد جئتُ مع والدي صباحاً وأنا مُتأكِّدٌ أنَّ بوسعي تذكُّرَ الطريق.

_حسناً إذاً هيا بنا، أشر لي وسأتأكَّدُ من وصولِكَ بأمان.

ظلَّ "راي" يسيرُ بمرحٍ ويداه تتأرجحان بينما الابتسامة تعلو وجهه، ورغم أنَّهُ كانَ صامتاً في الثلاثِ دقائق الأولى إلا أنَّهُ بعدها انطلق بالكلام: كان اليوم الأول حافلاً بالأحداث , بلا شك سيظل خالداً في قلبي إلى الأبد، لا أطيق الانتظار حتى أعود للمنزل وأروي لوالداي كل ما حدث، -قالها وابتسامةٌ كبيرةٌ تعلُو وجهه-

_بالحديثِ عن والداك، هل قالَ لكَ أحدُهما شيئاً؟ ألم يقولا لك بأنَّهُما سيتأخَّران؟ نظرَ "راي" إليها وقد أزعجَهُ تذكُّر أنَّ والداه نسياه تماماً، إنَّها المرَّةُ الأولى في حياته التي يفترق فيها عنهما لكل هذه المدة فكيف لهما أن ينسيا أمره وهي ما تزال المرة الأولى؟ قالَ بِعبوس: أوصلني والدي وقال بأنَّهُ سيأتي لاصطحابي، لم يقل شيئاً غير ذلك.

أسرَّت مُعلِّمتهُ في نفسِها: ربما لم تسمح لهُ ثرثرتُكَ بقولِ أيِّ شيء.

_ورغمَ أنَّكِ أتيتي وعرضتي عليَّ المُساعدة إلَّا أنَّكِ لو لم تفعلي ذلك لكنتُ قد خططتُ لقضاءِ الليلة تحت السَّماء، النومُ بالعراء تحت سماءٍ مرصعةٍ بالنجوم هو أحد أحلامي لكني لا أريد تجربته سوى مرة واحدة في حياتي، لأنَّ تجرُبةً مُميَّزةً كتلك لا يجبُ أن تتكرَّرَ أكثرَ من مرَّة في العمر، لذا أجل لقد دمرَّتي أحد أحلامي لكن هذا لا يعني بأني مستاءٌ منك، أنا سعيدٌ جداً لأنك عرضتي علي المساعدة وأظن أن حلم النوم تحت النجوم يمكن تأجيله، أليس كذلك؟

قاطع سؤال "راي" البريئ أفكار معلمته فرغم أنها حاولت جاهدةً الاستماع إليه لكن عقلها المرهق لم يستطع متابعة تدفق أفكار راي الصغير فأجابت ب(نعم) دون أن تفهم المغزى من السؤال.

_هل أمامنا الكثير؟ حاولت معلمته قطع حبل أفكاره قبل أن يبدأ بالمزيد من الثرثرة.

_لا أعرف، حفظت الطريق لكني لم أحفظ الزمن، لم أشعر أبداً بالوقت فقد كنت منغمساً بالحديث مع والدي ولم أنتبه إلا وقد وصلنا للمدرسة.

_فهمت، هكذا الأمر إذاً، ورغمَ أنَّ المعلمة "ستيسي" قد عبَّرت عن مشاعرِ الخيبة في لهجتِها تلك، وكأنَّها فقدت الأمل تماماً من أن يُفيدَها الصغير بأيّةِ معلومة إلَّا أنَّ "راي" لم يلحظ أبدًا لهجة معلمته.

_انظري أظنُّنَا اقتربنا! هتفَ "راي" بتلكَ العبارة فلفتَ نظرَ مُعلِّمتَه بالكامل إليه، تابع: ذلكَ البابُ الأحمرُ أنا أتذكُّرَهُ جيِّداً، فقد ظللتُ طوالَ الطريق أتحدَّثُ مع والدي كم أنَّهُ مِنَ الجميلِ أن نحصُلَ على بابِ بيتٍ أحمر، هُناك ذلكَ البيتُ هوَ بيتي.

نظرت إليهِ المعلمة ولاحظت أنه -البيت- في نهاية الشارع، فرغم أنها بالبداية كانت تصر أن تذهب مع الفتى وتلوم والديه على تركه وحده، لكنَّها الآن سحبت الفكرة تماماً من رأسها بعد التعب الذي أصابها

_تستطيع الإكمال وحدك صحيح؟ قالتها معلمته بابتسامة صغيرة وعينين ترجوان ألا يعارضها الصغير في قرارها

_لكنكِ تبدين متعبة، لم لا تأتين وترتاحي في منزلنا ؟أنا متأكد أن والداي سيشكران لكِ صنيعك.

_بل لأني متعبة بالذات يجب أن أعود وأرتاح، وإن سألك والداك قل لهما قامت المعلمة بإيصالي، فهمت؟ قالت ذلك والابتسامة الراجية لم تفارق شفتيها

_فهمت.. كانَ وجهه عابسا لكنه تبدل بعدها بلحظات وهو يودع معلمته: وداعاً آنسة "ستيسي"! وتلويحةٌ ضخمةٌ تطلُّ من ذراعه.

بعدها بدأ "راي" الصغير بالهرولة تجاه منزله، فهو لم يتحمل كل ذلك الفراق عن والديه، تحسَّسَ سورَ منزلِهِ الحجريِّ بيدهِ الصَّغيرة، ثُمَّ وقفَ أمامَ البوابةِ الحديديَّة التي كانت مطليَّةً بطلاءٍ أحمر، عادت لهُ فكرةُ رواية كُلِّ ما مرَّ بهِ من أحداث فتألَّقت عيناهُ لهفة، لم يخطو البوابةَ الحديديَّة.. بل فقط من الخارج، حيثُ رآها.. رأى أمه مستلقيةً على الأرض لكن ... كانت بركةٌ من الدماء تحيطها، حيث تلطخ شعرها الذهبي باللون الأحمر فلم يعد يميزه، وهناك رأى والده واقفاً حانياً ظهره، وكأنه قد التقط شيئاً من الأرض للتو، رأى والده بجسده الضخم وبوجه خالٍ من الحياة لم يره في والده قط، ولكن .. كان والده يحمل في يده اليمنى.. سكيناً !! لم يستغرق الأمر الكثير من الوقت ل"راي" ليفهم، فقد كان ولداً ذكياً، ورغم فهمه الكامل لما جرى من أحداث فإن جسده قد خانه وتسمر في مكانه لم يستطع فعل شيء سوى نقل نظراته تارةً ينظر لأمه وتارةً ينظر لوالده، كان قد نسي كل شيءٍ حدث قبل تلك اللحظة، نسي يومه الأول في المدرسة ونسي الآنسة ستيسي وحديثه معها، لم يعد يتذكر أي شيء سوى بركة الدماء التي يراها أمامه، وكأنه عندما ولد كانت بركة الدماء أول شيءٍ يراه في حياته، وظل يردد هاته الكلمات في ذهنه وكأنه لم يسمع غيرها في حياته، "أبي" ... كلا! بل "هذا الرجل" قتل أمي! "هذا الرجل" قتل أمي! "هذا الرجل" قتل أمي ....

***

لم يعي "راي" بنفسه إلا وهو جالسٌ في مخفر الشرطة، لا يرى شيئاً سوى بركة الدماء العالقة بذهنه منذاك الحين، لكنه بدأ يسمع بعض الهمهمات من حوله، صوت همهماتٍ لم يفهمها.

_لا داعي لمزيدٍ من التحقيق، سنغلق ملف القضية فقد اعترف الرجل بأنه من أدى الجريمة

_ومن كان الشاهد؟ سألَ شرطيٌ كان يقفُ مع رجلٍ آخر يُناقشانِ القضيَّة.

_أحدُ بناتِ الجيران، قالت أنها وقفت على النافذة لترى ذلك المشهد المروع أمامها، المشهد الذي رأيناه جميعاً عند وصولنا.

_وهل أظهرَ تقريرُ الطب الشرعي موعد الوفاة؟

_قالوا بأنَّهُ كانَ حوالي ساعة قبل وصولنا.

_يجبُ أن يحصل على حكم فوري بالإعدام لفعلته! قالها ذلك الشرطي الثالث الذي لم يشارك بالحديث حتى الآن.

_امم لا.. هذا لن يحدث -أجاب الأول-، فنحن نحاول استرجاع نوع جديد من العقاب حيث نرسل المجرمين الأكثر خطورة إلى جزيرة معزولة مع قرنائهم من المجرمين، فبدلاً من قتلهم على الفور، نرسلهم ليذوقوا نوعاً مريعاً من العذاب في مكان معزولٍ دون أي مقومات للحياة، ونحن متأكدون تماماً بأنهم سيموتون دون أن يحصلوا على الفرصة لمغادرته، ليس هم فحسب بل أيضا كل من تطأ قدمه ذلك المكان، لا أعرف الكثير من التفاصيل لكنها جزيرة معتمدة من العالم بأكمله، وقد أثبتت أنها مفيدة.

أطرقَ الرُّجلانِ رأسيهما باستغرابٍ لكلام الرجل الأول، ثم نطق الرجل الثاني:

_وماذا كان دافع المجرم؟ هل اعترف؟

_لم نتطرق بعد للتفاصيل، لكن أظهرت بعض الفحوصات بأنه مختلٌ بالكامل، أنا متعجبٌ من أنه تحكم بنفسه ولم يقتل زوجته طوال السنوات الماضية، إنه خطرٌ حقيقي على كل شخصٍ من حوله، لكن ما أثار دهشتي هو ذلك الصبي هناك، عندما وصلنا كان هو ووالده يحدقان ببعضهما ولم يصبه والده بأي أذى، لم نعرف متى وصل الطفل لكن أشارت تحقيقاتنا إلى أنه كان عائداً من المدرسة فرأى ذلك المشهد أمامه، هذا ما قالته المعلمة التي أوصلته، حتى الآن لم نستطع استخراج أي كلمة منه رغم أنه وكما نسميه الشاهد الأول

_يالهُ من مسكين! ماذا سيكون مصيره؟

_لم نجد أي أقارب له، ولا حتى أحدا يتطوع للعناية به.

حاول "راي" الإنصات لما يقولونه لكنه لم يفهم شيئا سوى الجملة الأخيرة، كانت تلك أول معلومةٍ جديدةٍ يعرفها عن نفسه، إنه وحيد تماماً الآن دون أي أقارب أو أصدقاء، لكن مع ذلك لم يندهش كثيراً، أحس أنه يعرف هذه المعلومة -بل ربما توقعها- تماماً كما يعرف اسمه، الشيء الوحيد الذي يتذكره بالإضافة إلى بركة الدماء، لكن فكرة الوحدة أفزعته، سيُرمى في هذا العالم ليحارب مصيره المجهول وحده، أراد أن يتشبث بأي شيءٍ يذكره بهويته وبأصله، حتى وإن كان ذلك الشيء هو والده المجرم.

تقدَّمَ إليه الضابط الذي كان يتحدَّث قبل قليل فدنا ليواجِه وجه الصغير الجالس على الكرسي، انتبهَ "راي" للشرطي فورا فثبت عينيه عليه بنظرات يملأها الخوف، أخيرا تبدَّدَ مشهد بركة الدم من مخيلته، لكن ما حل محله لم يكن مشهدًا أقل سوءًا فكل ما رآه كان مشهد وحدته للسنين القادمة.

_هل أنت بخير؟ قالها الشرطي محاولاً إبداء تعاطفه في صوته لكنه فشل في ذلك فشلاً ذريعاً، نظر إليه "راي" دون أن يجيب عليه وكأنه قد استغبى السؤال الذي صدر عن الرجل للتو.

_هل تعرف أي أحد يمكنه أن يعتني بك؟ هز "راي" رأسه نافياً، وكأن ذلك كان أمله الوحيد في الحياة وهاقد تبخر أمامه.

_إذاً فلن يكون لدينا خيارٌ سوى إرسالك إلى ميتم، ما رأيك؟ سيعتنون بك هناك وستكون بمثابة عائلتك.

قالها الشرطي بألطف نبرة عنده مراعيا الصدمة التي تعرض لها الصبي فلم يرد أن يثقل عليه بالمزيد من الصدمات.

_لااا! صرخ "راي" بأعلى صوته بعد أن أدرك أن ذهابه إلى دار للأيتام يعني تخليه التام عن ماضيه وعائلته وأصله، وهو مالم يرد له أن يحدث أبداً، أي عائلة تلك التي تُصِّعبُ عليهِ مهمة تذكُّر عائلته؟

التفتَ جميع من في المكان على صوت "راي"، وتوجهت نظراتهم إلى الشرطي وكأنهم يلومونه فاحمرَّ وجهه خجلاً.

_لا لا أريد الذهاب إلى ميتم !، قالها "راي" بصوت أقل ارتفاعاً لكنه كان أكثر حزماً.

_اهدأ أيها الصغير، هنالك خيارٌ آخر رغم أني لا أشجعه، بوسعك مرافقة والدك إلى المكان الذي سيذهب إليه، لكن صدقني ذلك المكان ليس لطيفاً أبداً.

نظر راي إلى وجه الشرطي بحيرة وتردد، والده ؟حتماً ذلك الرجل لم يعد والده، لكن لاح بريق الأمل، في وجهه بعد أن حصل على فرصة للتشبث بالشيء الوحيد الذي سيساعده على تذكر هويته، بدلاً من الذهاب إلى ميتم فتضيع ذكرياته في طي النسيان إلى الأبد.

لم يجب راي على الشرطي لكن الشرطي لمح تعابير الرضا والارتياح على وجه الصغير فهب واقفاً وكأنه قد حصل على الانتصار، جاء رجلٌ سمينٌ غاضب من ورائه، بدا وكأنه أعلى منه رتبة.

_هذا مستحيل! لن نرسل الولد إلى هناك! مالذي كنت تزرعه بعقله بحق؟ّ! أنا أعرف بأنك متحمسٌ لتجربة هذا المشروع الجديد سنرسل الأب إلى هناك فهو مجرم ويستحق ما سيحدث له، لكن هذا الولد الصغير ما ذنبه؟؟ نحن لا نعرف أي نوع من الأماكن هو ذلك المكان، لن نرسل شخصاً بريئاً إلى مصيرٍ مجهول.

_لكن سيدي تقول القواعد بأنه يسمح بحصول المجرم على مرافق، وأنا متأكد أن باقي الدول التي تطبق هذا القانون لن يرسلوا أبرياءهم إلى الجحيم صحيح؟ لا شكَّ أنَّ هناك ما يحفظُ حقوقَ المُرافقين، وأنا لم أقنع الصغير بأي شيء لقد حصل على الحرية الكاملة باتخاذ قراره.

أنصتَ "راي" إلى حديث الشرطيين أو بالأحرى مشاجرتهما دون أدنى اهتمام، كان قد عزمَ على الذهاب إلى ذلك المكان برفقة والد.. بل الرُّجلِ الذي قتلَ أمه مهما كان ما ينتظره من أحداث، فالمصير المجهول المجهول الذي قاله الشرطي كان بالنسبة له هو الذهاب إلى مكان لا يعرف فيه أحداً، أما هناك على الأقل في تلك الجزيرة هو يعرف شخصاً واحداً وهذا كثيرٌ بالنسبة للوحدة التي عاشها منذ لحظات، حتى وإن كان ذلك الرجل هو الرجل الذي قتل أمه..

                                ***

شاهدَ السفينة أمامه، تلكَ التي ستأخذهُ لعالمِهِ الجديد، بينما عالمهُ القديم خلفَهُ وللأبد، حملَ على ظهرِهِ حقيبةً بِكُلِّ الأشياءِ التي سيأخُذَها معهُ إلى العالمِ الآخر، فقد عرض عليه رجالُ الشرطة العودةَ إلى منزلِهِ وجلب بعضٍ من حاجيَّاته، لكنَّهُ رفضَ ذلك، هوَ لا يُريدُ العودةَ إلى المنزلِ الذي سيرحلُ عنه فيتعلَّقَ به، فانتهى الأمرُ برجالِ الشرطة بجمعِ حاجيَّاته بنفسِهم وحاجيَّات والدِه كذلك، والدُهُ الذي يبعدُ بضعةَ أمتارٍ عنه، ويُحيطُ بهِ حوالي عشرة من الرجال الضِّخام وكأنَّهُ قد يُحاولُ الهرب.

سارَ "راي" بِخُطواتٍ حازمةٍ تارة وأخرى مُتردِّدةً تارةً أخرى، مازالَ يُصيبُهُ بعضُ التردد بشأنِ صحَّةِ قراره، وجدَ نفسَهُ في السفينة ووالدُهُ قد اختفى، كانَ هُنا منذُ لحظات فلم يعتقد "راي" بأنَّهُما قد يفترِقان بهذه السرعة، راودَهُ خوفٌ كبير وشعرَ بِرغبتِهِ بالنُّزولِ وكأنَّ شيئاً لم يكن، لكنَّ الأوان قد فاتَ على ذلك، فقد لاحظَهُ شخصٌ مُخيفٌ بوجهٍ مليئٍ بالندباتِ وسأله:

_هل أنتَ مُرافق؟

أجابَهُ "راي" بِرأسهِ فقد خانَهُ صوتُهُ بمثلِ هذهِ اللَّحظة المهمة، سحبَهُ الرُّجل من ذراعهِ بقوَّة ونزلَ بهِ إلى قاعَ السفينة وقال: أفسحوا المجالَ لدينا ضيفٌ جديدٌ هُنا!

ورماهُ داخلَ قُضبانٍ حديديَّة ضخمة، فزِعَ "راي" لذلك، هل هوَ في السِّجن؟!َ هم لم يزجُّوا بهِ وراءَ القُضبانِ في مركزِ الشرطة فلِماذا سيفعلونَ هذا الآن؟! تدافعَ النَّاسُ فورما أغلِق بابُ الزنزانة فقد كانت مُزدحمةً على آخرِها، شعرَ "راي" بأضلُعِهِ تنكسر وأنفاسهُ تتقطَّعَ بِفعلِ دفعِ الآخرينَ له، كانوا يُخرجونَ أيديهم مِنَ القُبضانِ وبينما "راي" يُراقبُ كُلَّ ذلك شعرَ بأحدٍ يسحبُ يدهُ مِنَ الخارج، شاهدَهُ "راي" يرتدي قفازاتٍ سميكة ومعهُ أداةٌ حديديَّة لم يُميِّزها، طُبِعَ الخِتمُ على يده، فصرخَ "راي" صرخةً علت على أصواتِ الجميع، حتَّى أنَّهُ تساءلَ ما إن وصلت لمسامعِ والده، توقَّفَ عن الصُّراخ فتفاجأ بأنَّ الضوضاء مازالت كما هيَ وأنَّ من خلفَهُ يدفعُونَهُ بقوَّةٍ أكبر، لم يُراعي أحدٌ ألمَهُ في تلكَ اللحظة، نظرَ إلى يدهِ فوجدها حمراءَ مُتوهجة، طُبِعَ عليها رُموز وحُروف لم يفهمها، لكنَّهُ سمِعَ عجوزاً بعينين جاحظتينِ يُحدِّقُ في يدِ "راي" ويقول: ضحيَّة!

أدركَ "راي" المعنى، الكلمة المكتوبة هُنا هيَ بِلا شكٍّ ضحيِّة، لكن هوَ يصِفُونِهُ بالضحية؟! لماذا؟!

***

إنَّ الجزيرةَ أمامه، لم يعرف "راي" كم يوماً قد استغرقَهُ الأمرُ للوصول لكنَّهُ شعرَ بالوحدة، فقد كانَ في زنزانتهِ رجالٌ ونساءٌ من جميعِ الأعمار، لكنَّهم نزلوا تِباعاً في محطَّاتٍ أخرى، وبقيَ هوَ وحيداً في النِّهاية، وكأنَّ تلكَ السفينةَ كانت لِنقلِ المُجرمينَ حولَ العالم إلى سُجونِهِم الجديدة، وها هوَ ذا سِجنُهُ الجديدُ أمامه، لم يكن المكانُ كما توقَّعَهُ أبداً، بل كانَ مُفعماً بالحياةِ مع كثيرٍ من الصِّغار يركضونَ في الأنحاء، وقد صدمَهُ ذلك فقد ظنَّ أنَّهُ سيكونُ أصغرَ الموجودين، ولاحظَ أنَّ الجميعَ حُفاةٌ كذلك، كانَ يبدو كالغُرباءِ بحذائهِ الذي يرتديه، ولاحظَ وجودَ أكشاكٍ مُختلِفة تبيعَ أنواعاً مِنَ القِماشِ وطعاماً وبعضَ الاكسسوارتِ والجواهر، لم يُكثر "راي" التَّجوال فعادَ إلى الشاطئ، حيثُ رست السفينة، تساءلَ عن مكانِ اختفاءِ والده، وتساءل ما إن شعرَ بالوحدةِ في زنزانتهِ أيضاً أم لا، جلس وضمَّ رُكبتيهِ إلى صدره، وانغمسَ يتأمَّلُ المُحيط، فلم يُلاحظ الجسدَ الضخم الذي جلسَ بِجانبهِ الجلسةَ ذاتها، لقد كانَ والده.. سادت لحظةُ صمتٍ طويلة بينهُما، ولم يلتفت أيٌ منهُما إلى الآخر، لكنَّ والدَهُ قالَ أخيراً: لقد سمعتَ ما قالوُهُ في مخفرِ الشرطة، أنا مُختلٌّ تأتيهِ نوباتٌ يقتلُ فيها النَّاسَ فجأة، تماماً كما قتلتُ أمَّك.

لم يُجبهُ "راي"، بل كانت هيَ ذاتها نظراتهُ الباردة الخالية مِنَ المشاعر، لكن مِنَ الدَّاخل كانَ يغلي غضبا! لقد اعترفَ! اعترفَ هذا الرُّجلِ بِكونِه قاتلُ أمِّه!

_وجودكَ بِقُربي سيكونُ خطيراً عليك، لذا فهذا آخرُ حديثٍ بيننا، لن تراني بعدَ الآن، لكن فقط إن شعرتُ بأنَّكَ على حافَّةِ الموت، فعندها قد أتدَّخلُ لإنقاذك.

نظرَ الأبُ إلى ابنهِ للمرَّةِ الأخيرة، دونَ أن تبدو مشاعر واضحة على وجهِ أيٍّ منُهما، ثُمَّ نهضَ وهمَّ بالمُغادرة، عندها فقط التفتَ "راي" لِيرى ظهرَ والدِهِ يُغادر، لقد رحل.. رحلَ دونَ أن يستطيعَ سؤالَهُ شيئاً عن عائلتهِ أو ماضيه، رحلَ والدُهُ دونَ أن يسألَهُ "راي" عن اسمه، أو اسمِ والدته، رحلَ دونَ أن يسألَهُ عن مظهرِ أمِّه، وعمَّ إن كانَ شعرُها ذهبيَّاً أم أحمر..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

راي في جزيرةِ المجرمين

المؤلف viloeto7789
2025/09/09 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: 1: المحطَّةُ الأخيرة
2025/09/09
الفصل 2: 2: الصغيرُ "راي"
2025/09/10
الفصل 3: 3: بدايةُ الصداقة
2025/09/10
الفصل 4: 4: "هيوغو"و"هاوبر"
2025/09/11
الفصل 5: 5: عِداءٌ مُفاجئ
2025/09/11
الفصل 6: 6: تغيُّرٌ في حياةِ "راي"
2025/09/11
الفصل 7: 7: أبٌ حقيقي وأبٌ مُزيَّف
2025/09/11
الفصل 8: 8: "أوشن" المُحيط
2025/09/11
الفصل 9: 9: الجريمةُ الأولى
2025/09/11
الفصل 10: 10: عاصفةٌ بعدَ الهُدوء
2025/09/11
الفصل 11: 11: خروجُ "بنس" من قوقعته
2025/09/11
الفصل 12: 12: المحيط يغادر
2025/09/13
الفصل 13: 13: عادت الحياة إلى الجزيرة
2025/09/13
الفصل 14: 14: عقابُ الهارب
2025/09/13
الفصل 15: 15: سرُّ السيدِّ "بنس"
2025/09/13
الفصل 16: 16: قصةُ الفارس الشجاع
2025/09/13
الفصل 17: 17: اتِّفاقيةُ السَّلام
2025/09/13
الفصل 18: 18: نكثُ العهد
2025/09/13
الفصل 19: 19: حُفرةُ القوَّة
2025/09/13
الفصل 20: 20: ذكرياتُ "جين"
2025/09/18
الفصل 21: 21: المُحيطُ يعود
2025/09/18
الفصل 22: 22: وداعٌ أبديِّ
2025/09/18
الفصل 23: 23: حقيقةٌ مُتأخِّرة
2025/09/21
الفصل 24: 24: موتٌ وحياة
2025/09/21
الفصل 25: 25: "غانبو" المُجرِمة
2025/09/21
الفصل 26: 26: "رين"
2025/09/24
الفصل 27: 27: حاصدُ الأرواح
2025/09/24
الفصل 28: 28: حبُّ "هيوغو" الفاشل
2025/09/24
الفصل 29: 29: عينٌ بلونِ السماء
2025/09/28
الفصل 30: 30: "هيوغو" و"أوشن"
2025/09/28
الفصل 31: 31: جمعٌ حزين
2025/09/28
الفصل 32: 32: البارودُ يقتل
2025/10/04
الفصل 33: 33: عالمٌ جديد
2025/10/04
الفصل 34: 34: محطَّةُ "جين" الأخيرة
2025/10/04

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة