يرى "جين" نفسَهُ على الجزيرة، بعدما قبضت السلطاتُ على سفينتهم الهاربة وصلَ هو وأمُّهُ إلى هنا وبرفقتهم بعضٌ ممَّن كان معهم على القارب، والذين في الوقتِ الحاضر قد ماتوا جميعاً، تأمَّلَ "جين" هذه الجزيرةَ الكئيبة التي بقدومِهم إليها فقد تحطَّم معها حُلمَهُم بالحُريَّة، حدثَ ذلك منذُ وقتٍ طويل لكنَّه يتذكَّرُ ما حدثَ كأنَّهُ البارحة، طوالَ أيَّامهِ الأولى لم يُفارقُ جوارَ أمِّه ولم تُفلت يده من يدِها حتَّى أثناءَ نومِهما، بلا شكَّ كانَ "جين" طفلاً بريئاً أكثرَ من براءةِ "راي"، وكانَ مُتعلِّقاً بأمِّه أكثرَ من أيِّ شيءٍ آخر، قضى أيَّاماً على هذهِ الحال بل ربَّما أسابيع حتَّى جاءَت تلكَ الليلةُ المشؤومة.
_ماما! لا تسرقي بعدَ اليومِ أرجوك! موتي من الجوعِ أفضلُ من رؤيتكِ تسرقين.
صُدمتُ الأمُّ لسماعِها هذا الرجاء، لطالما ظنَّت بأنَّها تفعلُ ذلكَ مُتواريةً عن أنظاره لكنَّهُ فاجأها بكونِه يعرف كلَّ شيء، ويبدأ بالاعتراض عليه كذلك، لم تتمالك الأمُّ المسكينة نفسها، ظلَّت مُتماسكة لأسابيع أمامَ طفلها لكن معرفة أنَّهُ تظاهر بالجهلِ لأجلها قد صدمتها، انهمرت الدموعُ من عينيها وهي تقول:
_انا آسفة يا عزيزي، أنا آسفة! آسفةٌ للحالِ الذي ترى أمَّك عليه، كم أنا قدوةٌ سيئة!
اعترضَ "جين" وقال: لا تقولُي ذلك! لو كانَ أبي هنا لما اضُّطررتي لتحمُّل كلِّ هذا العبء وحدك، لذا رجاءً لا تُحمِّلي نفسكِ ما لا تُطيقين، أعرفُ أنَّكِ تكرهينَ السرقة.
كلامُ "جين" الذي بدا أكبرَ من سنِّه جعلَ دموعَ أمَّهِ غمراً، ضمَّتهُ الى صدرها قائلة: _سنجتمعُ بهم مُجدَّداً! أنا وأنت سنخرجُ من هذا الجحيم وستجتمعُ عائلتُنا مُجدَّداً! أعدُك بفعلِ ذلك
ضمَّها "جين" بقوَّةٍ بدوره وقال: لا حاجةَ لوعدك، أعلمُ بأنَّ هذا سيحدث.
أغمضَ "جين" جُفونَهُ دونَ أن يعلمَ أنَّ تلكَ الليلة ستكونُ حيثُ سيبدأ التغيير، وسيفقدُ براءتهُ كاملة، استيقظ بعدها بسرعة بعدما شعرَ بجسدِ أمِّه يتحرَّكُ من تحته، فتحَ عينيه ليجدَ جسدَها يُسحبُ بعيداً، نهضَ وهو بأعينٍ ناعسة وعقلُه ما يزالُ نصفَ نائم، ربما ظنَّ أنَّه في حُلمٍ ما، تبعَ الجسدَ المجرور فوصلَ إلى مبنى يُعرفُ بالقُبَّة الزُجاجيَّة، دخلَ يبحثُ عن أمِّه فلاحظَ أحدَ الأبوابِ المفتوحة، عندَها استيقظَ عقلُه وأدركَ أنَّه لم يكن يحلم، لسببٍ يجهله فإنَّ أمَّه قد سُحبت حتَّى هذه الغُرفة، ويجبُ عليه التصرُّف! بدأ يزحفُ بخوفٍ ثُمَّ أطلَّ برأسِه من جانبِ الباب، فوجدَ ما بدا كصاعقةٍ كُبرى، أمُّه مُستلقِية دون قطعةِ قماشٍ واحدة تُغطِّي بدنها، تلَّونَ جسدُها باللونين الأزرق والأحمر، وحولها ثلاثةُ رجالٍ نصف عُراة يضحكونَ بينما يتبادلونَ تسديد الرَّكلاتِ إليها، لكنَّ المُصيبة أنَّ أمَّه كانت هادئة ولم تُبدي ألماً أو أدنى مُحاولةٍ للمُقاومة، كانت كالجثَّة الهامدة، لم يفهمَ "جين" شعورَه في تلك اللحظة، كان يغلي غضباً ويقطرُ قرفاً، ارتكزَ على الحائط وبدأ جسدُه بالرَّجفان وعيناهُ دمعتا، ضغطَ على فمه بكلتا يديه يُقاومُ كُلاً من الصُّراخِ والتقيؤ، لم يُصدِّق ما رآه للتوِّ وصوتٌ عميقٌ جدَّاً في داخله قالَ أنَّه ما يزالُ يحلم، قاطعَ أفكاره حديث الرجال الثلاثة مدموجاً مع ضحكاتهم.
_المُنوِّمُ الذي شربته قويٌّ حقَّاً، إنَّها لا تستيقظُ مهما فعلنا.
_فلنحرص على عدمِ قتلها، ليلة واحدة معها لا تكفي.
أطلَّ "جين" برأسِه ثانيةً في محاولةٍ لتكذيبِ ما رآه، لكنَّ صدمتَهُ لم تكن أقلَّ من المرَّة الأولى، إنَّهم يتناوبونَ عليها وكأنَّها لعبة! لم يستطع تمالكَ نفسه لذلكَ المنظر المُفزع فأطلق صرخةً مكتومةً سمِعها من في الداخل، صاحَ أحدُهم بغضب:
_يوجد شخصٌ هنا!
تناولَ مصبَاحه وركضَ خارجاً فوقع نظرُه على "جين"، ابتسم بخبثٍ وقال يُطمئنُ رفاقه: لا عليكم مُجرَّدُ جرذٍ صغير.
جاءَ أحدٌ من خلفه وقال بابتهاج: جرذٌ بشعرٍ حريريٍّ ناعم! فلنقُصَّ شعرَهُ ونُقايضُه مع "هاوبر"!
جاءَ الثَّالثُ من خلفِهما وقال بقلق: أظنَّ أنَّ المرأة بدأت تستيقظ
دخلَ ثلاثتُهم و"جين" من خلفِهم دونَ أن يكترثوا لأمره، استيقظت أمُّه وصرخت بأعلى صوتِها من شدَّةِ الألم ممَّا جعلَ الرِّجال من حولِها يرتبكون، صُراخُها هذا قد يوقظُ شخصاً لا يُريدونَ إيقاظه، ركلَها الرَّجل الأكثرُ ضخامةً وصرخ:
_اخرسي! اخرسي يا امرأة!
بشجاعةٍ لم يعهده أمسكَ "جين" بقدمِه بغضب وصاح: اترك أمِّي!
رماهُ الرَّجلُ بعيداً فارتطمَ جسدُه الضعيف في الحائط، أخرجَ الرَّجلُ سكيناً من جيبه وطعنَ فيهِ أمَّ "جين" التي لم تتوقَّف عن الصراخ عدَّة طعنات.
_اخرسي أيتها الحقيرة! هذا جزاؤكِ لمُحاولتِكِ السرقةَ منَّا!
قال شخصٌ من خلفه بهدوء: اهدأ، ستقتُلها.
توقَّفَت الطَّعناتُ ورُميَ السِّكينُ جانباً، قال صاحبُ السكين: الآن ارحلي! وخُذي ابنكِ الجُرذَ معكِ!
لاحظت ابنها المذعورَ في الزاوية للمرَّةِ الأولى، هيَ حتماً تنبَّأت بسببِ ألمها الجسديِّ لكن ما لم تستطع تفسيرَهُ هو الألم الفظيعُ الذي يطعنُ قلبَها، أهوَ شعورُها بالمذلِّة والهوان أمِ الأسوأ بكونِ ابنها يراها على هذه الحالة، زحفت نحوَه بوجهٍ ملأه التَّعبُ والعجزِ وقالت: "جين".. لنذهب.
اشتعلَ "جين" غضباً لعجزِ أمِّه، لطالما ظنَّ أنَّها امرأة لا تُقهر، فلماذا تبدو بهذا الضعفِ الآن؟! قال بغضب: سترحلين؟! هكذا فقط؟! ألن تُقاومي؟!
الآن فقط.. شعرت كم هيَ عاجزة، ضمَّتُه أمُّه إليها وبدأت تبكي وتقول: لا تغضب منِّي! أنا آسفةٌ لأنِّي لستُ كما تظنُّ، استنزفتُ كُلَّ طاقتي في التماسكِ خلالَ الأسابيعِ السابقة، لكن الآن أنا لستُ سوى أمُّ عاجزة مُخيِّبة للآمال!
أبعدَها "جين" عنه ونظرَ إلى عينيها بنظراتٍ حزينةٍ اخترقت قلبها، قال بنبرةِ ألمٍ تعتصرُ قلبه: مالذي تتحدَّثينَ عنه؟! كنتِ أفضلَ أمٍّ قد أحظى بها قطُّ، عندما ألتقي والدي مُجدَّداً سأشكرُه على اختيارك، لكنِّي لن أسامحَ أحداً على إيذائك!
بينما الشهودُ منشغلونَ بمُشاهدةِ هذه الخُطبة المؤثرة، سحبَ "جين" السِّكينَ من الأرضِ وانطلقَ يطعنُ الرِّجالَ حولَه، كانَ أقصرَ من أن يُصيبَهُم إصابةً مُميتة، طعنَ أحدَهُم في فخذه والآخرَ في بطنه، ولم يستطع إصابة الثَّالثُ الذي طعنَ أمَّه ونعته بالجرذِ، فقد سقطَ السِّكينُ من يده وتخلَّى عن مُحاولةِ استعادته، فقد شعرَ أنَّهُ الآن وبعد أن أبدى بعضَ المُقاومة فيجبُ أن تصيرَ أولويتُه إنقاذ أمِّه، لم يُحاولُ أحدٌ اللَّحاق به فقد كانوا مُنشغلينَ بإصاباتِهم، سحبَ جسدَ أمِّه الثقيلَ على ظهره وصرخَ فيها: استيقظي يا أمِّي! استيقظي! أنتِ أثقلُ من أن أحمِلَكِ وحدي!
عندما خرجَ مُباشرةً من البابِ الأماميِّ سقطَ جسدُ أمِّه وسقطَ جسدُ "جين" معها، فقدَ قُدرتَهُ تماماً في مواصلةِ المشي، زحفَ نحوَها حتَّى باتَ فوقَ صدرِها العاري وقال بألم: لقد انتقمتُ منهم لأجلك، لن أسمحَ لأحدٍ بالاعتداء عليكِ مُجدَّداً، سأحميكِ بكلِّ ما أوتيتُ من قوَّة!
وبالطَّبعِ لم تُجب عليه، بعدَ لحظةٍ من الصمت لاحظَ "جين" أنَّ جسدَها صار بارداً، وأطرافٌها بيضاء مُتصلِّبة، ذهبَ قليلاً ثُمَّ عاد وبحوزتِه ملاءة دافئة، كانا ينامانِ تحتَها منذُ حوالي ساعة، لفَّها بها بعناية وقال برقَّة: هذه ستُساعِدُكِ على أن تصيري أدفأ، نامي الآن وعندما نستيقظُ غدَّاً سيكونُ كلُّ شيءٍ بخير.
استلقى "جين" على جسدِها الملفوفِ بعنايةٍ وقال بألم: أمِّي.. لماذا لا تُجيبين علي؟ هل نمتي بهذه السرعة؟ أنتِ لستِ ميتة.. أليسَ كذلك؟
بدأ جسدُه بالارتجاف، وأكملَ ليلَتُه يذرفُ دموعاً غزيرة، بينما تحوَّلت الملاءةُ البيضاء، لملاءةٍ أخرى حمراء..
***
في الصباح تجمَّع عددٌ من النَّاسِ على ذلكَ الفتى المُستلقي على جثِّةٍ هامدة، نظرَ الجميعُ إليه بشفقةٍ باستثناءِ شخصٍ واحدٍ نظر للمنظرِ أمامَهُ بقرفٍ تامٍّ وقال: هذا الفتى يسدُّ مدخلنا، وتلكَ المرأة من قتلَها؟! منذُ متى لا نُنظِّفُ فوضانا؟
جاءَ رجلٌ من خلفِه وقال: يا زعيم! لم نعرف بعدُ من قتلها.
تقدَّمَ "هيوغو" نحوهُما فرفع "جين" نظرَهُ نحوُه، قال "هيوغو": أبعدوا الصبيَّ وارموا الجُثَّة في المحيط.
هلُعَ "جين" لذاك الاقتراحِ فضمَّ جسدَ أمِّهِ بقوَّةٍ وقال: لن أسمحَ لكم! اتركوها وشأنها!
_عمَّ تتحدَّث؟ الا ترى أنَّ أمَّكَ ليست سوى جُثَّة؟ ثُمَّ رفعَ بصرَهُ وتابع: بدأتِ الصُّقورُ الجارحةُ تحومُ فوقَنا بالفعل..
بشكلٍ تلقائيِّ، رفعَ "جين" نظرَهُ للأعلى لكنَّهُ لم يرَ أيَّ صقور، بل فقط قدمُ "هيوغو" التي ضربتَهُ في ذقنه فجعلتُه يطيرُ بعيداً، صاحَ "هيوغو" في أتباعه: لقد أبعدتُ الفتى! تخلَّصُوا من الجُثَّة.
سارعَ "جين" نحوَ جُثَّةِ والدته، انحنى عند قدميِّ "هيوغو" وضمَّ كفِّيهِ وقال يتوسَّلهُ: أرجُوكم إن كُنتُم ستتخلَّصونَ من جُثَّتِها فادفنوها على الأقل! ادفِنُوها دفنةً شريفة!
نظرَ "هيوغو" للجسدِ المُنحني عندَ قدميهِ بقرف، أزاحَ نظرَهُ عنه وقال:
_هذهِ الجزيرةُ لا تتسِّعُ للأحياءِ والأمواتِ معاً.
استسلمَ "جين" لذلك بخيبة، ثُمَّ خرجَ شخصٌ من البابِ الذي تسدُّهُ جُثَّةُ والدته، كانَ الرُّجل نصفَ عارٍ ونصفَ نائم، قال مُتثائباً بينما يحكُّ شعرَه: مالذي يجري هُنا؟ لم كلُّ هذا الازدحام؟
اشتعلت عينا "جين" غضباً وحقداً فورما رآه، صرخَ بصوتٍ عالٍ جعلَ "هيوغو" ينظرُ إليه: أنتَ! أنتَ من قتلَ أمِّي!
رفعَ "هيوغو" نظرَه إليه وقال بانزعاج: أنتَ من قتلَها يا "جاستون"؟ منذ متى نتركُ الجُثثَ مرميَّةً لسدِّ الأبوابِ هكذا؟!
فزِعَ "جاستون" عندما رأى الزعيمَ يدحجُه بنظراتٍ حادَّة، رتَّبَ شعرَهُ على عجلٍ وقال: كلُّ اعتذاراتي يا زعيم! أنا لم أعرف بأنَّها ماتت، ظننتُها هربت هي وابنُها.
اقتربَ منه "هيوغو" وقد زادت حدَّةُ نظراته، قال: بخصوصِ ذلك.. ظننتُنِي أمرتكم بعدمِ التعرُّضِ لها، فهيَ ليست مُجرمة! أتركتَ كلَّ مُجرماتِ الجزيرة وذهبتَ لمن نهيتُ عنها!؟
اشتدَّ فزعُ "جاستون" وقال: لم ألحظ بأنَّها نفسُها! لقد سرقت اشياءَ قيِّمة من مخزنِنَا وأردتُّ تلقينَها درساً! هذا فقط!
_لنا حديثٌ آخر يا "جاستون"، تعالَ إلى مكتبي أنتَ والأشياءُ التي سرقتَها تلكَ المرأةُ في نهاية النَّهار.
_حاضر!
راقبَ "جين" ذلكَ المشهدَ باستغرابٍ شديد، لماذا يبدُو هذا المدعوُّ "جاستون" خائفاً بل مرعوباً! من شخصٍ بنصفِ حجمه؟ لكن في تلكَ اللَّحظة لم يُفكِّر سوى بالانتقامِ ممَّن قتلَ أمَّه، حتَّى لو كلَّفَهُ ذلكَ حياته! قفزَ على ذراع "جاستون" وعضَّها بقوَّةٍ حتَّى نزفت، حاولَ الأخرُ إبعادَه وكان "هيوغو" ينظرُ إليهما بقليلٍ من الاهتمام ثُمَّ تابعَ المسيرَ ودخلَ القُبَّة الزُجاجيَّة دونَ مُتابعةٍ أكثرَ لما يحدث، أفلتَ "جين" ذراعَ "جاستون" وذهبَ يركضُ مُسرعاً إلى المكانِ الذي سُحبت منهُ أمُّه سابقاً، لقد تذكَّر أنَّ أمَّه سرقت البارحة كيساً ووضعتُه هناك، وقرَّرَ أنَّه إن ماتت أمُّه بسبب ذلك الكيس.. وإن كانَ "جاستون" ذاك يُريدُ الحصولَ عليه، فيجدرُ بهِ قتلُهُ أوَّلاً!
***
في آخرِ النَّهارِ تماماً كما طلبَ "هيوغو"، وصلَ "جاستون" حتَّى مكثَ أمام مكتبِ الزَّعيم، بأيدٍ فارغة، وبعض الدماء تنزفُ من وجهه.
_أراكَ أتيتَ دونَ المسروقاتِ يا "جاستون".
مدَّ "جاستون" يدَه من خلفِ ظهره فظهرَ "جين" وبحوزتِه الكيس.
_إنَّهُ بسببِ هذا الفتى، يتمسَّكُ بالكيسِ بقوَّة فجلبتُهما معاً.
نظرَ "هيوغو" لِكليِهما بحدَّةٍ وقال: أتسخرُ منِّي؟ ألا تستطيعُ انتزاعَ قطعة حلوى من طفلٍ صغير؟
أجابَ "جاستون" بفزع: أوَأجرؤ على السُّخريةِ منكَ يا زعيم؟!
تنهَّدَ "هيوغو" وقال: اتركه واذهب، ثُمَّ تابع بسُخريَّة: ربما أستطيعُ التفاوضَ معه.
وقفَ "جين" أمامَ "هيوغو" بكلِّ شجاعةٍ فقال الآخر: ماذا تُريدُ أيُّها الصبي؟ لِمَ لا تُعطينا الكيس؟
قال "جين" بجديَّةٍ فاجأت هيوغو"، فهوَ لم يتوقَّع أنَّ هذا الفتى قد يُحاولُ التَّفاوضَ معهُ فعلاً: أريدُ موتَ الرُّجلِ الذي قتلَ أمَّي! افعل ذلكَ وستحصلُ على الكيس!
_عُذراً؟!
_سمعتَ ما قلتُه! سيكونُ ثمنُ هذا الكيسِ هوَ قتلي أو قتلُ ذاك الرجل، أيُّنا يستحقُّ الموتَ أكثرَ برأيك؟
ابتسمَ "هيوغو" بسُخريَّة وقال: "جاستون" أحدُ أفضلِ رجالي، لذا راودني الفضولُ لأعرفَ كيفَ لم يستطع أخذ الكيسِ منك، والآن عرفت، عيناك تشعُّ رغبةً بالانتقام، لكنَّي لن أراهنَ على المجهول، أعطني الكيسَ لأعرفَ مُحتوياتَهُ أوَّلاً.
_وكيفَ أعرفُ أنَّكَ لن تغدِرَ بي؟! قد تسرقُه!
_لن أغدرَ بك.
وضعَ "جين" الكيسَ على الطَّاولةِ ممَّا دفعَ "هيوغو" للضحك والقول: ستُعطيهِ لي بهذه السُّهولة؟! قد أغدرُ بك!
سحبَ "جين" الكيسَ بسرعةٍ وقال بانفعال: لكنَّكَ قلتَ أنَّكَ لن تفعل!
_هل أبدُو كشخصٍ تستطيعُ تصديقَه؟
أمعنَ "جين" النَّظرَ فيه وقال بتردُّد: ل. لا أعرف..
_هيَّا أفرغ مُحتوى الكيسِ لنرى ما به.
فعلَ "جين" ذلك فكانت الأشياءُ المعروضةُ على الطاولة غيرَ ذات قيمة ل"هيوغو"، لكنَّ "جين" فهِمَ المغزى منها على الفور، كانت أمُّهُ تُحاولُ صُنعَ جهازِ تواصلٍ مع والده وإخوته! قال "هيوغو" بملل: لا تبدُو كأشياءٍ تستحقُّ المُخاطرةَ بحياتِكَ لأجلها.
جمعَ "جين" الأشياءَ بسرعةٍ وقال بغضب: بل هيَ كذلك!
أعجبَ "هيوغو" هذه التسلية الصغيرة التي حصلَ عليها، فقرَّر مُجاراتَها أكثرَ قليلاً: _إذاً كيفَ تنوي قتلَ "جاستون"؟
لم يشعر "جين" ولو للحظةٍ أنَّ "هيوغو" يسخرُ منه، بل ظلَّ يتحدَّث بجديَّةٍ كاملة: _لن أفعل! أنتَ ستفعل، أستطيعُ تهيئةِ الظُّروفِ المثاليَّة لكَ لقتلِه إن أردت، سأسحبُه نحوَ الموتِ تماماً كما سحبَ أمِّي!
ضحِكَ "هيوغو" بشدِّة حتَّى أنَّ الأشخاصَ بالخارجِ راودَهُم الفضولُ عمَّ يحدثُ.
_مع من تظنُّ أنَّكَ تتحدَّثُ أيُّها الفتى؟! تأمُرني بقتلِ أحد أقوى رجالي وستضعُ خُطَّة لذلكَ أيضاً!؟ تعرفُ أنَّ بوسعي قتلَك هنا وفي الحال.
أجابَه "جين" بحدَّة: إذاً اقتلني! لستُ خائفاً من الموت! فسأجتمعُ حينَها بأمِّي.
لم يُمانع "هيوغو" فكرةَ مُجاراة "جين" في لعبته، فهو لم يضحك هكذا منذُ وقتٍ طويل، قال: لقد وافقتُ على قتلِه مُقابلَ الكيسِ الذي تملِكُه، لكن بشرطِ ألا يعرفَ أحدٌ أنَّي قتلتُه، أبِوسِعَكَ التَّفكيرُ بخُطَّةٍ لذلك؟
صمتَ "جين" مُتفكِّراً وقال بعدَها بثقة: نعم يُمكِنُني ذلك!
***
تردَّدَ "جين" على "هيوغو" كثيراً في الأيَّامِ السَّابقة، كانَ يشرحُ لهُ الخُطَّة بحذافيرِها، ولم يمنع "هيوغو" بعضَ الأحاديثِ الجانبيَّة التي جرت بينهُما، تسلَّى كثيراً بتلك الأحاديث فقد كانَ مُهتمَّاً ليعرِفَ أكثرَ عن "جين" وعائلته، وفي أحدِ الأيَّامِ فتحَ "هيوغو" عينيه ليتفاجأ بكونِه يغرسُ خنجرَهُ في رقبةِ "جاستون"، و"جين" يُراقبُ نجاحَ خُطته بفخر، ذُهلَ "هيوغو" لذلكَ وقال بحماس:
_مُذهل! مُذهل! لقد استطعتَ التنبؤ بكلِّ شيء! تحدَّيتُكَ بأنَّكَ لا تستطيعُ جعلي أقتلُه بينما أنا مغمضٌ عينيَّ لكنَّك فعلتَها، جعلتني أحفظُ كيفَ أتحرَّكُ بدقَّة وعندما فعلتُ ذلك وجدتُ نفسي بالفعل أغرسُ خنجري في رقبته! كيفَ فعلتَ ذلك!؟
ابتسمَ "جين" بخجلٍ وقال: ألم أخِبركَ بأنَّه يستخدمُ نصفَهُ الأيمن في القتال؟ جعلتني تلكَ المُراقبة الدَّقيقة له قادراً على رسمِ خُطةٍ تُجبِرُه على التحرُّكِ كما أشاءُ له.
ثُمَّ رفعَ الكيسَ من خلفِ ظهره وتابع: تفضَّل! هوَ لكَ كما نصَّ الاتِّفاق.
_هل أنتَ مجنون؟ خذِ الكيسَ فهوَ أدنى اهتماماتي حاليَّاً، كلُّ ما أهتمُّ بهِ هوَ معرفةُ تفاصيلِ المُعجزة التي حدثتَ للتو.
_شرحتُ لكَ ما حدثَ مراراً ولكنَّكَ تستمرُّ بسؤالي!
هدَّأ "هيوغو" من حماسه وقال: ظللتُ أجاريكَ طوالَ الوقتِ لشُعوري بالتسلية، لكنِّي لم أظنَّ ولو لوهلةٍ أنَّ المطافَ قد ينتهي بي بقتلِ "جاستون".
سألَه "جين" بتردُّد: هل أنتَ نادمٌ على ذلك..؟
_طبعاً لا! صرخَ "هيوغو" بحماس، فبِمُقابِلِ قتله حصلتُ على فرصةِ اكتشافِ كنزٍ مثلك! أنتَ كنزٌ يا "جين"! كنزي! وتعطُّشِكَ للثأرِ والدِّماءِ كانَ رائعاً!
ازداد "جين" توتُّراً وسأل: ماذا تقصدُ بذلك؟
_أقصدُ بأنَّكَ تحوَّلت إلى مُجرم! فشخصيَّاً لا أظنُّ أنَّ أمَّك سترغبُ بأن تثأرَ لها.
كانَ "هيوغو" مُحقَّاً، وذلك دفعَ "جين" للغضب والقول: وما أدراكَ أنتَ بأمِّي؟! أنا لم أقتل أحداً!
_أنتَ لم تقتله لكنَّك سُقتَهُ إلى الموتِ بطريقةٍ مثاليَّةٍ جدَّاً! رسمتَ له حبلَ المِشنَقةِ دونَ أن يُدركَ حتَّى أنَّهُ مُتَوجِّهٌ إليه.
***
ظنَّ "جين" أنَّ قصتَهُ مع "هيوغو" قد انتهت، لكن هذا ما رفضَه "هيوغو" رفضاً قاطعاً، كيفَ لهُ أن يتجاهلَ هذا الكنزَ الذي وجدَه!؟ فظلَّ يحومُ حولَه طوال الوقت.
_أريدُ التحدُّثَ معك!
صاحَ "جين": أخبرتُكَ بأنَّ ما كانَ بيننا قد انتهى!
_أنتَ لم تترُك لي خياراً آخر إذاً..
وضعَ "هيوغو" يدَهُ خلفَ ظهره، وأخرجَ من أسفلِ ملابسه سكِّيناً وتابع: سأفعلُ هذا لسببان، أوَّلاً دبُّ الرُّعبِ في قلبِكَ لتُطيعني، وثانياُ أريدُ تحويلَك لطفلٍ شُجاعٍ وصلب كصلابةِ الرِّجال، فأحتاجُكَ صلباً لِتسوقَ مزيداً من الأشخاصِ إلى الموت، لأنَّ قتلَ الآخرينَ بطريقتِك أكثرُ مُتعةً بكثير!
وفي وسطِ الجزيرة وعلى مرأى من الجميع، أحرقَ "هيوغو" شعرَ "جين" وأدمى وجهَهُ بفعلِ السِّكينِ الذي مرَّرهُ على عينه، وهو ذاتُه السِّكين الذي طُعنت به أمُّه، بعدَ ذلك عُرِفَ "جين" كأوَّلِ طفلٍ يعتدي عليهِ "هيوغو"، اقتربَ منهُ وهمس في أذنِ الوجه المُغطَّى بالدِّماء: هذه ليست سوى البداية، سأعذِّبُكَ حتَّى ترضخَ لي..
حينَها أدرك "جين" مدى جنونِ "هيوغو" وهوسه به، وأدركَ أنَّهُ بسعيهِ للثأر من قاتلِ أمِّه يكونُ قد خسِرَ حياتَه، عرفَ الَّا مجال للُمقاومةِ ضدَّ هذا المُجرم الذي تخافُهُ الجزيرةُ أجمع، وأنَّ مأزِقُهُ لا مفرَّ منه، قال بإحباط: لا داعيَ لمزيدٍ من التعذيب..
ابتسمَ "هيوغو" بخبثٍ فقد فهِمَ المعنى على الفور، قال: لا تقلق لن تكونَ عبداً لي، سأمنُحَكَ حُقوقَاً فكنزٌ مثلُكَ يستحقُّ ذلك.. هل تُجيدُ القراءة؟!
_لماذا تسأل؟
_لأنَّنا سنكتبُ عقداً!
***
ذهبَ "جين" بوجهٍ بائس وغاضب إلى مكتبِ "هيوغو"، ورمى بألبوِمِ الصُّورِ أمامه والذي لم يكن الحصولُ عليهِ صعباً، كم كانَ بائساً لإدراكهِ ألَّا مجالَ للتخلُّصِ من الكابوسِ الذي يُدعى "هيوغو"، التقطَ "هيوغو" الألبومَ بحماسِ طفلٍ صغيرٍ فلشدَّة سعادته نسِيَ التصرُّفَ بوقار، قال: شُكراً لك!
همَّ "جين" بالمُغادرةِ لكنَّ "هيوغو" استوقَفُه قائلاً: ابقَ هنا، سيكونُ الأمرُ سريعاً.
وجدَ "هيوغو" ما يبحثُ عنه فأخذَ الصورةَ من الألبوم واستمرَّ يتأمُّلَها طويلاً، مدَّ الألبومَ إلى "جين" وقال: تفضَّل، لقد انتهيتُ منه.
_سألَ "جين" باستغراب وبعض الغضب: ماذا عن الصُّورةِ التي أخذتَها؟!
_لا عليكَ منها، اذهب فحسب.
_ماذا تقصد بذلك؟! سيُلاحظُ "بنس" اختفاءها بلا شك!
اجابَهُ "هيوغو" بملل: لن يُلاحظ.. وحتَّى إن لاحظَ فكيفَ سيعرفُ أنَّ للأمرٌ علاقةٌ بك؟!
_ليسَ مُستحيلاً أن يتوقَّع ذلك! أعد الصورةَ في الحال!
قالَ "هيوغو" بغضبٍ حقيقي: مُخاطرَة عالية مُقابلَ أجرٍ عالٍ! هذا كان اتِّفاقنا!
أجابَهُ "جين" بغضبٍ مُماثل: نحنُ لم نتِّفق على أن تسرِقَ صورة! وأيضاً أنا لم أحدِّد ما أريدُه بعد، لذا ماذا لو لم تتساوى قيمتُه مع ما طلبتَه؟ ألا تظنُّ أنَّ هذا غيرُ عادل؟
_وما شأني بذلك؟
عادَ "هيوغو" يتأمَّلُ الصورةَ بينما "جين" يُطالِعُه بفضول، سألَه: ما الصُّورةُ التي سرقتَها على أيِّ حال؟
مدَّ رأسَهُ وجسدَهُ ليطِّلَعَ على الصورة فوجدَها صورةً لفتاةٍ بشعرٍ كستنائي، تُحاولُ منعَ ابتسامتِها منَ الظهور بينما تُبعدُ نظرها عن الكاميرا.
قالَ "هيوغو" وكأنَّهُ يتحدَّثُ مع نفسه: بصراحة لم أتوقَّع أنَّ "بنس" مازالَ يحتفظُ بهذه الصُّورة لكن، ياللمُفاجأةِ هوَ يفعل! لطالما أحبَّ الصورَ أو كما يُسمِّيها الذكريات.
_سألَ "جين" بينما يحشرُ أنفَهُ في الصورة: صورةُ من هذهِ على أيِّ حال؟
أبعد "هيوغو" وجهَهُ وقال بغضبٍ مُصطنَع، فقد كانَ الغضبُ مُستحيلاً بعد رؤيةِ هذا الوجه: لا شأنَ لك! ارحل الآن من هنا!
ابتسمَ "جين" بسُخريَّة فقد وجدَ وسيلةً لتنفيسِ غضبه واستفزازِ "هيوغو".
_هل هي حبيبتُك؟ هل أنتَ عاشق؟ لماذا تركتَها وأتيتَ إلى هُنا؟
كان غضبُ "هيوغو" حقيقيَّاً هذه المرَّة، حيثُ دفعَ "جين" ومعهُ الألبومُ خارجَ مكتبه، ثُمَّ ارتكزَ على البابِ وعادَ يتأمُّلَ الصورة، قبَّلَها وقال:
_قريباً جدَّاً سآتي للعالم الخارجيِّ، وحينَها سأراكِ.
viloeto7789