ها هو ذا يُحكم على "هيوغو" بالقدومِ إلى الجزيرة، الجزيرةِ المشؤومة، لكنَّه بالطبع اختار ذلك بقرارٍ منه، وقد كانَ أنانياً، لقد تركَ "بنس" وأخُتَهُ الصَّغيرة ومسؤولياته جميعها مع كاملِ حياته وراءَ ظهره، فحتَّى سُمعَتُهُ التي بناها على مدارِ سنين اختفت في لحظة، اختفى كلُّ شيءٍ في لحظة.
خلالَ شُهورِه كانَ كالخاتمِ في اصبعِ والدته تُحرِّكُهُ كيفما تشاء، ولم يُمانع "هيوغو" ذلك فلم يكن مُهتمَّاً بالمُقايضة قابلَ "أوشن" في تلكَ الفترة واندهشَ من قُدرةِ هذا الشَّخصِ العجيبة على الكلام، "أوشن" الذي كانَ مُستميتاً للقضاءِ على المللِ الذي يعيشُه بِكُلِّ وسيلةٍ مُمكِنة، لذا عندما عرفَ "أوشن" بأنَّ "هيوغو" مايزال جديداً أخبرَهُ بكُلِّ شيءٍ عن هذهِ الجزيرة رغم أنَّ "هيوغو" لم يهتمَّ بالسؤال قطُّ.
_هل مازلتَ تُحادثُ ذلك الغريب؟ سألت أمُّه.
أجابَ "هيوغو" بينما يكنُسُ أرضَ القُبَّة الزُجاجيَّة: أحادثُ من؟
_تعرف! ذلكَ الغريب
_تقصدينَ "أوشن"؟ أنا لا أحادثه، هو من يتحدَّث.
كان "هيوغو" محقاً فهو بالفعل لم يتحدَّث مع "أوشن" كلمةً واحدة، لكنَّه لن يُنكِرَ استمتاعَهُ بتلكَ الرُّفقة، كانَ مُعجباً بالكلماتِ السحريَّة التي يتحدَّثُ بها "أوشن"، هو لم يقطع حديثَهُ للتنفُّسِ حتَّى! لأيِّ درجةٍ بوسعِ هذا الشَّخص الثرثرة؟!
لكنَّ الغريبَ أنَّ "أوشن" لم يتحدَّث عن المُحيطِ قط، ربما ظنَّ أنَّ "هيوغو" ليسَ أهلاً للسماعِ عن المُحيط، ف"أوشن" شعرَ بأنَّ هذا الشَّخصَ لن يُقدِّرَ المُحيطَ حقَّ قدره، امتدَّت علاقتُهما لأسابيعَ بدأ "هيوغو" فيها يفتحُ قلبه، تحدَّثَ عن عائلتِهِ قليلاً ثُمَّ بدأ يتعمَّقُ في الحديثِ أكثرَ وأكثر، و"أوشن" الذي تحدَّثَ ذاتَ مرَّة عن حُبِّهِ للمُحيط أمامَ "هيوغو" قد ندِمَ على ذلك، فقد قالَ "هيوغو": أنا أكرهُ المحيط.. اكتشفتُ هذا الكُرهَ منذُ زمنٍ عندما أخذنا والدي برحلةٍ عائليَّةٍ إلى الشاطئ، نعم حتَّى أنا عاجزٌ عن التَّصديقِ أنَّ والدي قد يفعلُ شيئاً كهذا، كانَ البحرُ هائجاً فجرفني معَهُ وما عدتُ قادراً على التحكُّمِ بنفسي، كنتُ صغيراً جدَّاً، ربما في العاشرة، أعادتني الأمواجُ إلى الرِّمالِ بسرعة لكن شُعوري بالضَّعف أمامَ هذا الوحشِ قد أرهقني، منذُ ذلكَ اليوم لم نذهب للبحرِ مُجدَّداً وقد كرِهني "بنس" لأنَّهُ يقولُ بأنَّ والدي لم يصطحبنا ثانيةً بسببي، لقد كانَ مُحقَّاً لكنِّي لم أهتم، عندما انتقلتُ عبرَ المُحيطِ إلى هنا، زادَ كُرهي أكثرَ فأكثر، كم هوَ فظيعٌ استنشاقُ هواءٍ بِرائحةِ المِلح والسَّمك!
بعدَ ذلك بدأ "أوشن" يعرضُ عليهِ روعةَ المُحيط ويقترحُ قدومَ "هيوغو" معه، لكنَّهُ رفضَ ذلك وصارَ يضعُ أصابعَهُ في آذانِه كُلَّما تحدَّثَ "أوشن" عن المحيط فتوقَّفَ الآخرُ عن فعلِ ذلك، سألَهُ "هيوغو" بحزنٍ ذاتَ يوم: هل سُتغادر..؟!
_نعم.. أتمنَّى أن تكونَ بخير خلالَ غيابي
تقطَّعَ "هيوغو" حُزناً لرحيلِ صديقه، أرادَ الاحتفاظَ بهِ للأبد، لكنَّ "أوشن" لم يشعر بالشيءِ ذاته، فهوَ ذاهبٌ إلى حُبِّهِ المُحيط، أمَّأ "هيوغو" فقد تركَ حُبَّهُ "بلموت" وراءه، عاشَ بعدَها في وحدةٍ مُقفرة وظلَّ يعدُّ الأيَّامَ لعودةِ "أوشن" كانَ ثاني شخصٍ يمنحُهُ حُبَّاً، لكنَّ رحيلَهُ جعل عقلَ "هيوغو" يتفتَّحُ على أفكارٍ أخرى، عادَ لهُ كبرياؤهُ فجأةً فأرادَ العيشَ كسيِّدٍ لا كخادم، تبنَّى فلسفةَ مُعاقبة المُجرمين فطبَّقها أوَّلاً على أمِّه، لم يُصدِّق كم كانَ الأمرُ سهلاً، فإن قتلتَ شخصاً ستقتلُ المئات بعدَه.
بعد خمسةِ سنوات عادَ "أوشن"، فصُدِمَ من التغييرِ الذي حلَّ بصديقه، لكنَّ "هيوغو" استقبلَهُ ببهجةٍ وأذرع مفتوحة، فاطمئنَّ "أوشن" لكونِ تغيُّر "هيوغو" لم يؤثِّر على علاقتِهِما، لكنَّ ذلكَ التَّغيير لم يُعجبه، فقد أحكمَ "هيوغو" سيطرتَهُ على الكثيرِ مِنَ الأشياء، اتَّخذَ القُبَّة الزُجاجيَّة -والتي نظَّفَها بِنفسِهِ- مركزاً له ولِتجمُّعِ أتباعه، غيَّرَ الكثيرَ من الأمورِ والقوانين، صنعَ لِنفسِهِ سُمعةً وقيمة وجعلَ نفسَهُ زعيماً يُهاب، لكن الأدهى أنَّهُ وجدَ إشاعةً تُفيدُ بكونِ "هيوغو" والدٌ لفتى اسمُهُ "تيدي"، سمِعَ "أوشن" القصَّة من "هيوغو" فضحِكَ عليها كثيراً.
في ذلكَ العام جاءت سفينةُ البضائع مع ضيفٍ غير مُتوقَّع، نزلَ "هيوغو" من السَّفينةِ كالعادة فلاحظ شخصاً يركضُ باتِّجاههِ فاتحاً ذِراعيه، أجفلَ "هيوغو" من المنظر، من هذا الذي يُحاول احتضانه؟! ابتعدَ عن طريقِهِ بسرعة فبدلاً من عِناقِ شقيقه عانقَ "بنس" "أوشن" الذي كانَ يقفُ خلفَ "هيوغو"، لاحظَ "بنس" على الفور أنَّ هذهِ القامَّة العريضة لا تعودُ لِشقيقه، تراجعَ بقرفٍ وقال: من هذا..؟
حدَّقَ "هيوغو" فيهِ بصدمة وقال: "بنس"!َ؟ ماذا تفعلُ هُنا؟!
التفتَ "بنس" إليهِ بلهفة وقال: "هيوغو"! أخي! سعيدٌ أنَّكَ على قيدِ الحياة! ظننتُنِي لن أراكَ بعدَ الآن
سألَهُ "هيوغو" بحيرة: لماذا أنتَ سعيدٌ هكذا بِرؤيتي؟ لطالما.. كرهتني!
_هذا مُستحيل! كيفَ لكَ أن تُسمِّي غيرةَ الأطفالِ تلكَ كُرهاً؟! لطالما كُنتَ قُدوتي التي حاولتُ تقليدها، فزِعتُ عندما غادرت أنتَ وأمِّي دونَ إخبارِنَا بأيِّ شيء، أو حتَّى توديعنا! لقد افتقدتُكُما كثيراً.
لم يهتمَّ "هيوغو" بِكُلِّ ما قاله، ولم يهتمَّ بِمعرفةِ تفاصيل الحياة القاسية التي عاشَها من بعده، سألَ سؤالاً واحداً فقط: كيفَ أتيتَ إلى هُنا؟
_أليسَ واضحاً؟ ارتكبتُ جريمة! أردتُّ بشدَّةٍ لحاقَكُما وعندما ارتكبتُ جريمتي حرصتُ على أن أخبِرَهُم أنَّ عائلتي جاءت إلى هُنا قبلاً، كانوا لُطفاءَ وأرسلُوني إلى هُنا قائلينَ أنَّ العائلة يجبُ أن تجتمع، أينَ أمِّي؟! أتوقُ بشدَّةٍ لِرؤيتِها!
كانَ "بنس" يتحدَّثُ بسرعةٍ فائقة وحماس، لكنَّ "هيوغو" كانَ غارقاً في فكرةِ ارتكاب "بنس" لجريمة، قضى سنينَهُ الخمس الماضية يُحاربُ المُجرمين، فيأتي أخوهُ ليهدِمَ مبدأه! هل يجبُ عليهِ مُحاربةُ أخيهِ الآن؟!
_أمِّي ماتت.. كانت مُجرمةً فقتلتُهَا! ولن أمنعَ نفسي من قتلِكَ أنتَ أيضاً!
_قتلتها؟! قال "بنس" بفزع، وتابعَ بغضب: لماذا؟! هل تُسمِّي قتلَ والِدنا جريمة؟! والدُنا هوَ المُجرمُ الحقيقي، إنَّ موتَهُ كانَ أفضلَ شيءٍ حدثَ في حياتي! أنتَ ربما لا تفهمُ الأمر فقد عشتَ في دلاله طوالَ سِنينَكَ السَّتةَ عشر، أنتَ لم تُجرِّب الشُّعورَ عندما يكسرُ الكُرسيَّ فوقَ رقبتك!
تجاهلَ "هيوغو" حديثَ أخيهِ مُجدَّداً وسألَ بهدوء: ماذا كانت جريمتك..؟
كانت نبرةُ "بنس" ساخرة فقال: أليسَ واضحاً؟ قتلتُ أختنَا.. نظرت لأمِّي كأنَّها مُجرِمة لكنَّها لم تحزن لموتِ والدي قطُّ، إنَّها مُنافِقَة دنيئة.
اتَّسعت عينا "هيوغو" صدمةً ورُعباً، فحتَّى "أوشن" الذي ظلَّ صامتاً احتراماً لجديَّةِ الموقف لم يستطع إخفاءَ صدمته، بالطَّبع كان يعرفُ كُلَّ شيءٍ عن "هيوغو" وعرفَ "هيوغو" كُلَّ شيءٍ عنه، قالَ "هيوغو" بدهشة لموتِ أختِهِ التي استلطفَها:
_ماذا فعلت؟! قتلتَ من؟!
منذُ ذلكَ اليوم نشأت العداوةُ بينَ هؤلاء الثلاثة، آمنَ "بنس" بكونِ "أوشن" هذا هوَ من سرقَ عقلَ "هيوغو" ودفعَهُ لِقتلِ أمِّه، لكنَّهُ صدَّقَ الحقيقة في وقتٍ مُتأخِّرٍ جدَّاً، فمَّما زادَ كُرهَ "بنس" ل"اوشن"، هوَ مُحاولتُهُ رفقةَ "هيوغو" التسلُّلَ إلى المكتبة، لم تُعجبهُ فكرة أنَّ أخيهِ يقضي وقتاً مُمتِعاً مع شخصٍ غريبٍ تماماً، في تلكَ المرَّات التي تسلَّلُوا فيها اكتشفوا المزيدَ عن العلاقة بينَ الوشومِ والسُّموم، لكن توقَّفَ بحثُهُما بفعلِ اكتشافِ "بنس" لهُما، والذي اشتعلَ غضبُهُ عندما عرفَ بأنَّهُما أخفيا عنهُ ما حاولَ فعلَهُ، وكرِههما أكثر.
رغمَ قلَّةِ ظُهورِهِ فيها، إلَّا أنَّ حياةَ "هيوغو" كانت مليئةً بِ"أوشن"، حتَّى تخلَّى عنهُ بسببِ فِعلتِهِ الغبيَّة، كانَ "أوشن" قد قرَّرَ أخذَ "هيوغو" بِرفقتِهِ على غفلةٍ منه، ظنَّ أنَّهُ بذلك يستطيعُ إقناعَ صديقِهِ بِحُبِّ المُحيط، لم يُخبرهُ "هيوغو" مُطلقاً بشأنِ خوفه، كانَ أكثرَ غُروراً من أن يعترف، نوَّمهُ "أوشن" وأخذَهُ على سطحِ السفينة، كانت قد مرَّ أسبوعٌ بالفعلِ عندَ استيقاظه ويستحيلُ عودتُه، استيقظَ "هيوغو" بفزعٍ لِيرى نفسَهُ وسطَ المُحيط، لم يسأل كثيراً فقد علِمَ ما حدث، أًصيبُ بالرُّعبِ واستمرَّ يتقيأ، لم يتوقَّع "أوشن" ردَّة الفعل تلكَ أبداً، اصطحبَ "هيوغو" لقاعِ السَّفينة وقالَ يُهدئهُ: لم أعلم بأنَّكَ تُعاني من دوارِ البحر! تقيأ مُجدَّداً وستخرجُ رُوحُك
كانَ "هيوغو" شاحباً لكنَّهُ كانَ غاضباً، فبِلا شك لم يكن خوفُهُ من المُحيط شديداً لتلكَ الدرجة لكن العيش في المحيط هوَ شيءٌ لا يستطيعُ احِتماله، قال بغضب:
_لماذا جلبتني؟! أنا أكرهُ المُحيط! وأيضاً.. أخافُهُ
أجابَهُ "أوشن" بصدمة لهذا الاعتراف: ماذا؟!
_أنتَ لا تُدركُ لأيِّ درجةٍ المُحيطُ مُخيف! خُصوصاً في اللَّيل! أنا لا أستطيعُ احتمال فكرة اللَّيلِ في المُحيط، لماذا هذا الشيءُ دائمُ الحركة؟ ألن نحظى بِلحظةٍ سكونٍ على هذهِ السفينة؟!
_أنا.. أنا آسف! لم أعرف أبداً بأنَّكَ تخافه، لم أكن لأجبِركَ على دُخولِه أبداً!
ابتسمَ "هيوغو" فقد بدا "أوشن" كمن ينوي البُكاء، قال: لا بأسَ، لقد كانَ مقلباً جيِّداً، والآن أعدني إلى اليابس.
_لا أستطيع.
_ماذا؟! صاحَ "هيوغو" بفزع، ماذا تقصدُ بأنَّكَ لا تستطيع؟!
_إنَّهُ مسارُ الرَّحلة، لستُ القُبطان ولا أستطيعُ تغييره.
شدَّ "هيوغو" على ملابسِهِ وقالَ يرجوه: افعل شيئاً إذاً! اقتل القُبطان وعيِّن نفسكَ مكانه، غيِّر مسار الرَّحلةِ خلسة، افعل شيئاً! أنتَ لن تُبقيني هكذا!
أبعدَ "أوشن" يدي "هيوغو" المُتمسِّكتينِ به وقال دونَ قُدرةِ على النَّظرِ لعيني صديقه: أنا حقَّاً ليسَ بوسعي فعلُ شيء، أنا آسف.
كانت تلكَ آخرَ كلماتٍ يتحدَّثانِ بها معاً، تراجعَ "هيوغو" للوراءِ بصدمة دونَ أن يقدِرَ على التَّعبيرِ بشيء، لكنَّ "أوشن" أدركَ مشاعرَه، هوَ لا يُريدُ النَّظرَ في وجههِ بعد الآن، عاشَ "هيوغو" مُكتئباً في المخزنِ أٍسفلَ السفينة ويقومُ "أوشن" بتوصيلِ الطَّعامِ لأجله دونَ أن ينطِقَ بكلمة، ولم يأكل "هيوغو" مُعظمَ الطَّعامِ الذي قدَّمهُ "أوشن"، بذلَ "اوشن" جُلَّ ما في وسعه لجعلِ هذه الرَّحلة قصيرة، ونجحَ في ذلك فكانت أقصرَ رحلةٍ يخوضونها، اجتهدَ كثيراً لأجلِ "هيوغو" لكنَّهُ لم يغفر لِنفسِهِ يوماً وكذلِكَ "هيوغو" لم يغفر له، عادُوا إلى الجزيرة التي لم تُلاحظ غيابَ زعيمِها فقد تكفَّلَ رجالُه بكُلِّ شيء، خرجَ "هيوغو" من تلكَ السفينة بوجهٍ شاحب وعلامات الإعياء بينما يرمُقُهُ الجميعُ بدهشة، لكن ليسَ هذا ما صدمَهُم، كيفَ يمكنُ لِ"هيوغو" و"أوشن" ألَّا يعودا صديقين؟! هل استحقَّ الأمرُ ذلك؟
viloeto7789