عاد "جين" وبحوزته طعامٌ كثيرٌ لأجل "راي"، دخل إلى المُستَوصف وكانت صدمته كصدمة الطبيب تماماً! عندما رأى "بنس" و "غانبو" جالسيْن أمامه، "غانبو" جالسةٌ على سريره و"بنس" على الكرسيِّ، رؤية "غانبو" الفتاة ذات السمعة السيئة أثار الرَّهبة في قلب الطبيب، لكنَّهُ كان مُحتملاً بالنسبة ل"جين"، لكن الصاعقة الكبرى هي رؤية "بنس" المُتواري عن الأنظار منذ سنين، في مكانٍ خارجَ المكتبة! شعرَ كلٌّ من "جين" والطبيب بالصدمة لكنَّ "راي" لم يُفكِّر بشأن ذلك.
_شكراً لتكبُّدِكَ عناء المجيئ إلى هنا يا أستاذ "بنس"!
_أنتَ أحدُ طلابي يا "راي" ومن واجبي الاطمئنانُ عليك ، وكان ل "غانبو" دورٌ كبيرٌ في دفعي.
شعر "جين" بأنَّها قد أجبرتُه على ذلك لكنَّه تساءلَ بجديِّةٍ، كيف استطاعت "غانبو" فعلَ ذلك؟ لطالما كانت علاقتهُما لغزاً مُحيِّراً بالنسبة له، تقدَّم منهم وقال:
_أهلاً أستاذ "بنس"، أهلاً.. ثُمَّ تابع بصوتٍ أقلَّ حماسة كأنَّهُ مجبرٌ على قول ذلك: "غانبو".. ،وتقدَّم نحو سرير "راي" ووضع الطعام عليه وقال:
_لقد جلبتُ لك الكثير من الطعام!
قال "راي" بحماس: هل يُمكنُ ل"غانبو" و"بنس" مُشاركتُنا؟
اعتاد "راي" مناداة "بنس" باسمه فقط، فقد بدا صغيراً على أن يُنادى بسيد، وكان أيضاً يُعامُلهم بودٍّ دونَ رسميَّات، فيُعامِلُونه دوماً كأنَّهُ صديقهم، و"بنس" لم يمانع ذلك أجابَ "جين": نعم فقد حصلتُ على طعامٍ كثير، التفت إلى الطبيب وتابع: ويمكننا مشاركةُ الطبيب كذلك!
أجفل الطبيبُ فقد كان حريصاً على إخفاء وجوده، هوَ لم يستيقظ من صدمة رؤية "بنس" بعد، لم يكن سهلاً رؤية الرجل حديث الجزيرة مع البقاء هادئاً.
_لا لا داعي لذلك، فقد حصلتُ على أجري من السيد "أوشن" سابقاً وهذا يكفي
تعجَّبَ "بنس" ثُمَّ قال بهدوء: "أوشن"..؟
شعرَ "راي" بأنَّ شيئاً خطيراً قد حدث، فقد تذكَّر تحذير "أوشن" له بألَّا يُذكرَ اسمه أمام "بنس"، سألَ "بنس" "راي" بنبرة هادئة مسُتفسرة دون علامة على الكراهية أو العدائية: ما علاقتك ب"أوشن"؟
تردَّدَ "راي" بدايةً بشأن الإجابة لكنَّه قرَّر بوجوب صراحته مع أستاذه، قال بحزم: _بمثابة والدي!
لم يُبدِ "بنس" ردَّة فعلٍ واضحة، بل اكتفى بتغيير الموضوع، سألَ "غانبو":
_هل ستبقين؟ لقد أطلنا الزيارة لذا سأرحلُ الآن.
أشارت "غانبو" بأنَّها ستبقى قليلاً بعد، أرادتْ مناقشةَ شيءٍ بدون وجود "بنس".
دعا "راي" "بنس" للبقاء وتناول الطعام معهم، لكنَّه رفض بلطفٍ وغادر، وفور ما فعل سأل "جين" "راي" بارتياب:
_ما كان ذلك؟ لمَ كل تلك النظرة المتوترة عندما سألك عن "أوشن"؟
أجابَ "راي" بنبرةٍ منخفضةٍ كيلا يستمعَ الطبيب لهم، لكنَّ الطبيب لم يكن مهتمَّاً أبداً بما يقولونه، بل كان منشغلاً بمتابعة "بنس" وهو يرحل، كان يتمنَّى لو يرحل هؤلاء الأطفال بأسرعِ وقتٍ قبل أن يتسبَّبُوا بالمتاعب، ف"راي" قد شُفي تماماً وبقاؤه هنا ليس سوى رفاهية، لكنَّه لم يجرؤ على طردهم نظراً للمبلغ الذي دُفع له.
_لقد أخبرني "أوشن" بهذا، "بنس" يكرهه وحذَّرني من ذكر اسمه أمامه، هل لديك فكرة عن الموضوع؟
_على الإطلاق، لكن ربما أستطيعُ جمعَ بعض المعلومات، كما أنَّ "بنس" لم يُبدِ كراهيةً واضحةً عندَ سماع الاسم، هل أنتَ متأكدٌ من كونه يكرهه؟
_ليسَ حقاً، ربما زالَ كرهُ "بنس"، لا بُدَّ أنَّ الأمر قد حدث منذ زمن، و"أوشن" لا يكره "بنس" لذا ربما ما حدثَ كان بسيطاً، أو أنَّ "أوشن" أطيبُ من أن يكره أحداً
ابتسم "جين" ابتسامةً خافتة وقال: أرجِّحُ الخيارين معاً، هل تريدُ منِّي البحثَ أكثر؟
_لا.. "بنس" حالياً شخصٌ جيد، ماذا لو عرفنا الحقيقة وخلقنا حقداً لا داعيَ له؟
_حسناً فلنؤجلِّها، يجبُ أن نبتعدَ عن المشاكل حالياً
نظر كلاهما ل"غانبو" التي كانت تتابعُ حديثَهما بابتسامةٍ مشرقةٍ، نسيَ "جين" أنَّها مازالت موجودة و"راي" لا يستطيعُ منعَ الشفقة التي تُراودُه بشأنها، كونها لا تستطيع مُشاركتهم حديثهم، لكن شعور الشفقة ذاك انتهى سريعاَ فورما فتحت "غانبو" سترتَها وأخرجت لوحاً أبيضً كانت تُخبئه، وقلماً أسودَ للكتابة، عرفَ كليهما أنَّها سرقته من المكتبة، لكن فهِمَ "راي" من سرقتها أنها تفعل المستحيل لتتحدَّث معهما، وسيحرصُ على إعادته بعد انتهائهم، بدأتْ بالكتابة ورفعته ليقرآه، قرأه "جين" بسهولة لكن "راي" استغرق وقتاً طويلاً حتَّى قال بضيق: انا لا أفهم!
_تقولُ أنَّها تودُّ مساعدتنا باختبار ما تعلَّمناه، بواسطة طريقة التواصل.
أومأت "غانبو" برأسها بينما قال "راي" الذي توقَّفَ عن التشكيك في "جين":
_أنت محظوظ! تعلَّمت القراءة بهذه السرعة؟! ليتني كنتُ مثلك!
أخفى "جين" شعورَه بالذنب لكذبه وعادت "غانبو" تكتب، ووضعت اللوحة أمام "جين" وحده مما أزعج "راي" كونَهُ لا يستطيعُ رؤيتَها، قال بانزعاج: ماذا تقول؟
_تطلبُ منَّي أن أستمرَّ بالقراءة بصوتٍ عالٍ لأجلك، وأنَّ لديها شيئاً هامَّاً تقوله.
انزعج "جين" لكون "غانبو" ستتَّخذُهُ ببغاءً لأجلِ "راي"، وانزعجَ "راي" كون "غانبو" لا تُريدُ منحَهُ فرصةً لتعلُّمِ القراءة، لكن فضولَهمُا بشأن ما ستقوله طغى على انزعاجِهما، وقف "جين" خلف "غانبو" فيقرأ أسرع، ثُمَّ بدأ يقول:
_أنا أواجهُ مشكلة.
صرخَ "راي" بفزعٍ: مشكلة؟! أيُّ مشكلة؟!
_اخرس أيُّها الأحمق دعني أكمل ما كتبتَه! لا تقلقا عليَّ مستقبلاً، لأنِّي سأختفي
_أتقصدينَ أنَّكِ ستعودين للاختباء؟ لكن لماذا؟
_لم يُعلِّق "جين" على ما تكتبُه "غانبو" بل فقط استمرَّ بالقراءة.
_لم يعلم "بنس" بكوني أنامُ بالمكتبة حتَّى اعترفتُ لهُ بذلك، والآن بعدَ زوالِ الشكِّ بكونِ أحدهم يُطاردُني، قال بأنَّهُ لن يسمحَ لي بالنوم في المكتبة، باختصارٍ طردني..
أنهى "جين" القراءة ببعضٍ من الشفقة، و"راي" ترقرتْ عيناهُ لحالِ "غانبو"
_طردَكِ؟! بهذه السهولة؟! فقط عندما بدأتُ أعتقدُ بأنَّه شخصٌ جيد!
أشارت "غانبو" بيديَها بأنَّهُ لا حيلة لها، بينما اقترح "راي" بحماسٍ اقتراحاً خافَ منهُ "جين"، لكنَّه توقَّعه لا محالة.
_لِمَ لا تأتينَ معي أنا و "جين"؟ لدينا مُتَّسعٌ لشخصً ثالث!، وتابعَ مُستعيداً فكرتَه القديمة: يُمكننا أن نُكِّونَ جماعة! أنا وأنتِ و"جين".
قال "جين" بانزعاجٍ كامل: كيفَ تعرضُ عليها هذا والمكانُ لي؟ هذا ليس من حقَّك!
بدأ "راي" يرجو "جين" ليوافق على الفكرة، ولم يُلاحظِا "غانبو" التي عادت للكتابة، قرأ "جين:
_لا تفهماني بشكلٍ خاطئ، أنا حقاً لا أريدُ إزعاجَكُما، لا تقلقا سأجدُ مكاناً آخر بسرعة، كما أنَّ "بنس" طلبَ منِّي المغادرة غداً لذا الأمورُ بخيرٍ لهذه الليلة.
_هذا جيد! وغداً ستنامينَ معنا.
_طبعاً لا! أنا لم أوافق على شيءٍ بعد!
_لا تقلقي يا "غانبو"! سأحرصُ على إقناعه!
استمرَّ "راي" و"جين" يتشاجران بينما "غانبو" تُطالِعُهُما بابتسامتها اللطيفة، خرجوا جميعاً من المكتبة ليشعرَ الطبيب بالارتياح أخيراً، وبعد افتراقهما عن "غانبو" أصرَّ "راي" على الذَّهابِ للقاءِ "أوشن"، لكنَّ "جين" رفضَ رفضاً قاطعاً
_حالتُكَ لا تسمحُ لكَ بلقائه، حديثُكَ معهُ سيزيدُ من اضطرابك بسبب ما حدث.
_عن أي حالةٍ تتحدَّث؟ أنا بخير! وكلُّ ما أحتاجُه لأصيرَ أفضل هو حديثٌ مع "أوشن".
_تأخَّر الوقتُ الآن، على الأرجح لن تجده عندَ الجسر، تحدَّث معهُ غداً.
_أعرفُ أنَّهُ على الجسر! يجبُ أن يعلمَ ما حدث! يجبُ أن أخبرَه بمن..، ثُمَّ قبض على يديه معاً وتابع: بمن حاول قتلي..
_لا داعيَ لذلك، سبقَ وأخبرتُه.
_حقاً؟ متى؟ مازلتُ أريدُ إخباره بنفسي! وشكرَهُ كذلك على كلِّ ما فعله لأجلي.
_أخبرهُ بكلِّ شيءٍ غداً، أمَّا الآن فقد تأخَّر الوقت.
_لن يُسعفني الوقتُ غداً! لديَّ الكثيرُ لأقوله، قد يكونُ مشغولاً ولن يمتلكَ وقتاً ليسمعَ كلَّ شيء، والاسوأ ماذا إن غادروا بينما أنا نائم؟ لا أستطيعُ تحمُّلَ ذلك!
_"راي"! دعْ "أوشن" يحظى بقسطٍ من الرَّاحةِ قبل رحلته غداً، ماذا لو كان يستعدُّ للنوم وجئتَ أنت لإزعاجه؟ لقد قدَّم الكثيرَ لكَ لذا كن مُمتناً ولا تزعجه، كما أنِّي متأكدٌ بأنَّك ستحظى بفرصةٍ لقولِ كلِّ شيءٍ غداً.
ذعُنَ "راي" لأمر "جين" ورأى أنَّ لا أملَ في جداله، صارَ يستسلمُ لأوامر "جين" كثيراً مؤخَّراً ولن يُنكرَ أنَّ ذلك قد أفاده.
وصلا حتَّى بقعةِ نومِهما فأمعن "جين النظر بها مُطوَّلاً، ثُمَّ نظر بالأفق باتَّجاه القبة الزجاجية، خافَ من احتمالية مرور "هيوغو" من هذا المكان فقد فعلَها قبلاً، رغم أنَّهُ لا يمرُّ من هذا الطريق غالباً، بل يمرُّ من الطريق الآخر المؤدي للباب الخلفي، لكن هذا لا يمنعُ الحيطة، لو مرَّ "هيوغو" من هنا ورأى "راي" فبلا شك سيعتبرُه اختراقاً للاتفاق، قال جين بغموض: يجبُ علينا تغييرُ هذا المكان.
قال "راي" بخيبة: لماذا؟! لقد أحببتُ هذا المكان.. أتفعلُ هذا كيلا تعثرَ "غانبو" علينا؟ هذا شرير.
لم يُجبهُ "جين" ولم يحاول "راي" الجدالَ أكثر، فتعابيرُ "جين" جعلته يفقدُ الأمل في تغيير قراره، لكنَّه كان حزيناً جدَّاً لأنَّهُ لن يتأمَّلَ انعكاس النُّجومِ على القُبِّة الزُجاجيِّة الجميل مُجدَّداً.
***
في تلكَ الأثناءِ وداخل القُبَّة الزُجاجيِّة، المكانُ الذي ودَّعهُ "راي" بأعينٍ حزينة، جرى لقاءٌ سريٌ هامّ بين الزعيم وأحدِ أتباعه، أو رُبما أبنائه.
_يُروادني شعورٌ دائمٌ بفشلك في الشيء الوحيد الذي آمركَ به.
_غير صحيح! لكنِّي مازلتُ لا أفهم سببَ هذه المُهمَّة الغريبة.
_أخجلُ من تسميتها بمُهمَّة، إنَّها لعِبُ أطفال، رغمَ أنَّك تعاركُ "جين" كلَّ يومٍ إلا أنَّكَ لم تستعد خنجركَ بعد، ما معنى ذلكَ يا "تيدي"
_أنا.. هذا بسبب "راي" الذي يُرافِقه! إنَّهما يفوقانني عدداً! باتت الأمور أصعب بعدما أمرتني بالابتعادِ عن "شوما" و "كوما"
_ابتعادُكَ عنهُما ضروريٌ لتنضج.
_فقط لو أستطيعُ التخلَّص من "راي" هذا! عندها سأستعيدُ خنجري!
_استعادتك للخنجر ليست مُهمَّة، وجِّه تركيزك نحوَ مضايقة "جين".
_حاضر.. رغمَ أنِّي لم أفهم بعد سبب ذلك.
_هذا ليس من شأنك..
سكت "تيدي" لبرهةٍ ثُمَّ سأل بحماس: متى ستُعلِنُ عنِّي كعضوٍ رسميِّ؟! سأكون أصغرَ شخصٍ ينضمُّ لجماعتك!
أجابَهُ "هيوغو" ببرود: عندما يحينُ الوقت..
_ومتى ستعترفُ بكوني ابنك؟
قال "هيوغو" بعدما فقدَ صوابه: كم مرَّةً يجبُ أن أخبركَ بذلك كي تقتنع؟ أنا لستُ والدكَ أيُّها البدينُ اللَّعين!
أجاب "تيدي" برجاء: لكن لكلانا الدَّرجة نفسُها من اللَّونِ الأشقر!
_لقد ورثتَ شعركَ عن أمِّك.
_إن كنتَ تعرفُ والدتي فهل تعرفُ والدي كذلك؟
_نعم.. نعم أعرف
فغرَ "تيدي" فاهه فتلكَ كانت المرَّة الأولى التي يُفصحُ فيها "هيوغو" عن ذلك، قال بدهشة: تعرفُه؟! من يكون؟
_طلبت أمُّكَ ألا أخبرك، لكن سأخبِركَ عندما تكبر، فقط كيلا ترفعَ توقِّعاتك هو ليس في الجزيرة، ولا أظنَّه شخصاً رائعاً
فكَّر "تيدي" بحيرة، هل والدُه من خارجِ الجزيرة؟ أيعني هذا أنَّ أمَّه جاءت وهيَ حامل؟ قاطع أفكاره صوتُ "هيوغو" الغاضب وهوَ يقول:
_في المرَّة القادمة عندما تتحدَّث معي كنْ أكثر احتراماً! ولا تسأل أسئلة كثيرة!
_حاضر!
رغمَ أنَّ "تيدي" سمَعَ تهديدات "هيوغو" بقتله كثيراً، إلا أنَّه ما زالَ يجفلُ كلَّما هدَّدَه، لكن شعوراً داخليَّاً فيه أنَّ الشخص أمامه هو والده، يجعلُه يُحبُّه.
viloeto7789