25: "غانبو" المُجرِمة

25: "غانبو" المُجرِمة

14 0

أخذت "غانبو" "راي" إلى أحدِ الأماكنِ الغريبة في الجزيرة، مرَّا ببعضِ النِّساءِ الجالساتِ مُعظمُهنَّ كانوا حواملَ أو مُرضِعات، فكرةُ إنجابِ الأطفالِ لم تكن جيِّدةً هُنا لكنَّ الأمرَ يحدثُ دونَ إرادتهنَّ، يموتُ أغلبُ الأطفالِ قبلَ بلوغِهم العام بسببِ المرضِ أو الإهمال، قالَ "راي" بدهشة: إنَّها المرَّةُ الأولى التي أكونُ فيها هُنا! عندما أكونُ معكِ تصطحبينني لأماكنَ لا أعلمُ عنها شيئاً.

أشارت له "غانبو": (هذهِ الجزيرةُ أكبرُ ممَّا تتوقع، مُشكلتكَ أنَّك لم تستكشفها)

_أخافُ عندما أكونُ وحدي، لكن عندما أكونُ معكِ أشعرُ بأنِّي مع خبيرة!

بالفعلِ قضت "غانبو" مُعظمَ حياتِها هنا باستكشافِ كُلِّ بُقعةٍ في هذه الجزيرة، احتاجت للاختباء وكانت تستمتعُ بالتجوُّلِ بِمفُردِها، أشارت "غانبو" مُجدَّداً:

(أحبُّ القُدومَ إلى هُنا فأنا أحبُّ الأطفال!)

ابتسمَ لها "راي" وقال: أنا مُتأكدٌ بأنَّهُم يُحبِّونَكَ كذلك!

جلسا على الأرضِ وراحا يُحدِّقانِ بامرأةٍ تُرضعُ طفلاً صغيراً، دونَ أن ينتبها لكونِ نظراتِهما وقحة ومُتطفِّلة، قال "راي": يستحيلُ على "جين" أن يجدِنَا هُنا!

كتبت "غانبو" على الرِّمالِ ومازالت تسترقُ النَّظرَ للرَّضيعِ أمامهُا:

(هذا الطِّفلُ يُشبهُ أخي..)

صمتَ "راي" لبُرهةٍ ثُمَّ قالَ بحزن: هل تشتاقينَ لعائلتك؟

كتبت: (لا أريدُ العودةَ إليهم، فهم لا يشتاقونَ لي..)

احتجَّ "راي" فقال: كيفَ تعرفينَ ذلك!

للمرَّةِ الأولى على الإطلاق، خلعت "غانبو" قُفَّازَها الأزرق ورفعت بعلامتِها السوداء أمامَ "راي"، رغمَ أنَّهُ لم يكن مُتفاجئاً لكنَّ عينا "غانبو" البائستين اخترقتاه كالرَّصاص، قالَ بخيبةٍ وأسى يملآنه: لم أرِد يوماً أن أصدِّقَ بأنِّكَ مُجرمة..

كتبت على الرِّمال: (هل تُصدِّقُ الآن؟)

أصابَ "راي" قليلٌ من التردد، كانَ مُتأكِّداً من ماهيَّة إجابته لكنَّه لم يعرف طريقةً مُناسبةً لقولِها، قال:

_"غانبو".. أنا لن أندمَ يوماً على قرارٍ اتَّخذتُه، وقد قرَّرتُ سابقاً الوثوقَ بكِ! إن امتلكتِ استعداداً لشرحِ ما حدثَ لي فسأتفهُّمُكِ، لكن إن لم تفعلي فلا أدري كيفَ سأستمرُّ بالنَّظرِ إليكِ.

ابتسمت "غانبو" بحزنٍ لم يرَها "راي" فيها قط، لكنَّه لم يُظهر تعاطفاً فقد عزمَ على أن يكونَ حازماً، أمَّا غانبو فقد علِمت بأنَّ هذا اليومَ سيأتي لا محالة، اليومُ الذي ستروي فيهِ قصَّتها، بدأت "غانبو" تكتبُ قصَّتها بادئةً بجملة:

(سأتفهَّمُكَ أيضاً إن لم تنظر إليَّ مُجدَّداً حتَّى بعدَ سماعِكَ للقصَّة، لكنِّي سأحبُّكَ دوماً.. أرى فيكَ أخي الذي قتلتُهُ..)

***

امتلكت أختاً صُغرى بعمرِ "جين" تقريباً، كانت علاقتُنا رائعة، اعتدنا اللِّعبَ والمرحَ معاً طوالَ الوقت، كانت تراني كلَّ شيء وكانت مُكتفيةً بي تماماً، لهذا لم تكن سعيدةً عندما عرفت أنَّنا سنحصلُ على أخٍ صغير، لكنِّي أقنعتُها بأنَّهُ سيكونُ رائعاً فبدأت الفكرةُ تُعجبُها، وعندما جاء الطفل، تغيَّرَ كلُّ شيء.. قلبَ حياتنا رأساً على عقب فقد احتاجَ عنايةً أكثرَ من غيرِه من الأطفال، واستحوذَ على وقتِ أمِّي وأبي بالكامل وشيئاً فشيئاً استحوذَ على وقتي كذلك، لم يعد لديَّ وقتٌ للِّعبِ مع أختي الصغرى رغمَ أنِّي لم أكن سعيدةً بهذه المسؤولية الجديدة والثقيلة لكنَّ والداي احتاجا لمُساعدتي، سببَّ انشغالُ العائلةِ كاملةً بأمرِ الرَّضيع جعلَ الغيرة تلتهبُ في قلبِ أختي، والمُشكلةُ أنَّ والداي لم يُعيرا غيرتَها اهتماماً ممَّا جعلَها تغضبُ أكثر، ظنُّوا أنَّها صغيرة وأنَّها مهما غضبت فلن تستطيع فعلَ شيء، ورغمَ أنِّي لم أفكِّر بالطريقةِ ذاتهِا بشأنِها لكنِّي أدركتُ في النِّهاية أنَّهما كانا مُحقَين، حدثَ ذلك عندما كنتُ في أحدِ الأيام في المطبخ أغلي الحليبَ لأخي، فتفاجأتُ بأختي تدخلُ مع سكينٍ بيدها، صرختُ فيها: ماذا تفعلين؟

_أنا لا أريدُ هذا الطِّفلَ بيننا! أنا أكرهه!

_ستُحبِّينَهُ عندما يكبر.. هكذا يقول والداي.

_لن أحبَّهُ أبداً! لقد غسلَ عُقولَكم جميعاً، لِمَ لا تلعبين مع كالسَّابق؟

_لا وقتَ لديَّ للِّعب! يعتمدُ والداي عليَّ كثيراً ولن أخيِّبَ ظنَّهُما، أنتِ محظوظةٌ فعلى الأقلِّ لديكِ وقتٌ للعب.

_عرفتُ أنِّكِ لستِ سعيدةً بهذا الوضع، فلنتخلَّص منهُ إذاً!، دعينا نُلقي بهذا الشيءِ بعيداً!

صرختُ فيها: إنَّهُ ليس شيئاً! إنَّهُ أخونا!

بعدها تجاهلتُها ووضعتُ قدرَ الحليبِ على الطاولة، ممَّا أزعجَ أختي كثيراً، ردَّاً على تجاهُلي صرخت وهيَ تركضُ نحوَ أخي مُوجِّهةً السِّكينَ نحوَه:

_سأقتلُه! وعندها سيكونُ كُلَّ شيءٍ بخير!

توقَّفت يدُ أختي الرَّاجفة في اللَّحظةِ الأخيرة، لكن هذا ما لم أستطع استيعابه.. انحنيتُ على الطاولةِ وحاولتُ دفعَ أختي إلا أنِّي تسبَّبتُ بكارِثة، انسكبَ الحليبُ المغليُّ على أخي واختي الصغيرة وقعت والسَّكينُ معها قد ارتفعَ عالياً حتَّى سقط على عينِها وجرحَها، صرتُ أرتجفُ خوفاً فرغمَ أنَّ أختي لم تراجعت عن إيذاء أخي إلا أنَّ خوفي تسببَّ بتسرُّعي في إيقافِها، عجزِتُ عن التَّفكير فيمَ يجبُ فعلُه وصوتُ الصُّراخِ والنَّحيب زادَني خوفاً، خرجتُ لاستدعاءِ أحدِ الجيران فوجدتُ أمِّي وأبي قد عادا من الخارج بأوجه مصدومة، هرعَ والدي يطلبُ الإسعاف وأمِّي ذهبت لمُعاينةِ أخويَّ.

ذهبنا بعدَها إلى المشفى دونَ أن ينظرَ لي والدي لمرَّةٍ واحدة، بينما توالت الصفعاتُ عليَّ من أمِّي وهي تصرخ: مالذي كنتِ تفعلينَهُ هنا؟! أليسَ من واجبِكِ حمايةُ إخوتِك الصِّغار؟! كيف حدث هذا؟!

في تلكَ اللَّحظة، لم تؤلمني صفعاتُ والدتي بقدرِ ما آلمتني نظراتُ والدي الخائبة نحوي، عندما نظرَ إليَّ للمرَّةِ الأولى لم أعتقد أنَّها ستكونُ مؤلمةً بذاك القدر.

توقَّفت "غانبو" عن الكتابةِ وقد راودها ألمٌ فظيع لاستذكارِ تلكَ الذكرى، سألَها "راي" مُتفهِّماً ألمها: وكيفَ انتهى بكِ المطافُ في جزيرةِ المُجرمين؟ أنا مُتأكدٌ بأنَّهم لن يدعوكِ بالمجرمة إن شرحتِ لهم ما حصل.

عادت تكتب:

(لم أجرؤ يوماً على البوحِ بما حصل، فبعدَ تلكَ الحادثة فقدتُ قُدرتِي على الكلام، في المشفى سمعتُ صدفةً عن جزيرةِ المُجرمين، سمعتُ بموعدِ حُضورِ السَّفينة لأخذِ المُجرمين فعقدتُ عزمي على رُكوبِها، حزمتُ أمتعتي وغادرتُ على متنِها تاركةً كُلَّ شيءٍ ورائي، عائلتي، مسؤولياتي، صوتي، ومصيرَ إخوتي، فقد غادرتُ دونَ أن أعرفَ ما إن كانَ أخي قد نجا أو مات، عُموماً قرارُ الرَّحيلِ كانَ اختياري دونَ عرضٍ من أحد او حتَّى اتِّهامٌ بكوني مُذنِبة، لكن بعدَ ما فعلتُه لم أنظر لنفسِي سوى كذلك، يكفيكَ شُعورُ الذنبِ الذي راودني، وضعتُ نفسي في جانبِ المُجرمين وحصلتُ على وشمِهِم الأسود، غادرتُ ولا أريد العودةَ أبداً، لن أعودَ وبحوزتي هذا الذنب..)

دمعت عينا "راي" وقالَ مُقاوماً بُكاءه: لكن يا "غانبو" كان هذا حادثاً! وإن كانَ شقيقُكِ ما يزالُ حيَّاً فأنتِ لستِ مُجرمةَ! بل أنتِ لستِ مُجرمةً في جميعِ الأحوال، لقد كُنتِ صغيرةً والذنبُ ليسَ ذنبَكِ، لستِ بحاجةٍ لتحمُّلهِ على عاتقك، أنتِ بريئة!

ابتسمت له "غانبو" ابتسامةً حزينةً وأشارت: (شُكراً لك يا "راي"، المُغادرةُ من هنا مُستحيلة، لكن إن سنحت لي الفُرصة، أريدُ العودةَ للعالمِ الخارجيِّ معكَ أنتَ "وجين"!)

_سنفعلُ ذلك! أعِدُكِ بأنَّنا سنُغادِرُ هذا المكانَ سويَّةً!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

راي في جزيرةِ المجرمين

المؤلف viloeto7789
2025/09/09 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: 1: المحطَّةُ الأخيرة
2025/09/09
الفصل 2: 2: الصغيرُ "راي"
2025/09/10
الفصل 3: 3: بدايةُ الصداقة
2025/09/10
الفصل 4: 4: "هيوغو"و"هاوبر"
2025/09/11
الفصل 5: 5: عِداءٌ مُفاجئ
2025/09/11
الفصل 6: 6: تغيُّرٌ في حياةِ "راي"
2025/09/11
الفصل 7: 7: أبٌ حقيقي وأبٌ مُزيَّف
2025/09/11
الفصل 8: 8: "أوشن" المُحيط
2025/09/11
الفصل 9: 9: الجريمةُ الأولى
2025/09/11
الفصل 10: 10: عاصفةٌ بعدَ الهُدوء
2025/09/11
الفصل 11: 11: خروجُ "بنس" من قوقعته
2025/09/11
الفصل 12: 12: المحيط يغادر
2025/09/13
الفصل 13: 13: عادت الحياة إلى الجزيرة
2025/09/13
الفصل 14: 14: عقابُ الهارب
2025/09/13
الفصل 15: 15: سرُّ السيدِّ "بنس"
2025/09/13
الفصل 16: 16: قصةُ الفارس الشجاع
2025/09/13
الفصل 17: 17: اتِّفاقيةُ السَّلام
2025/09/13
الفصل 18: 18: نكثُ العهد
2025/09/13
الفصل 19: 19: حُفرةُ القوَّة
2025/09/13
الفصل 20: 20: ذكرياتُ "جين"
2025/09/18
الفصل 21: 21: المُحيطُ يعود
2025/09/18
الفصل 22: 22: وداعٌ أبديِّ
2025/09/18
الفصل 23: 23: حقيقةٌ مُتأخِّرة
2025/09/21
الفصل 24: 24: موتٌ وحياة
2025/09/21
الفصل 25: 25: "غانبو" المُجرِمة
2025/09/21
الفصل 26: 26: "رين"
2025/09/24
الفصل 27: 27: حاصدُ الأرواح
2025/09/24
الفصل 28: 28: حبُّ "هيوغو" الفاشل
2025/09/24
الفصل 29: 29: عينٌ بلونِ السماء
2025/09/28
الفصل 30: 30: "هيوغو" و"أوشن"
2025/09/28
الفصل 31: 31: جمعٌ حزين
2025/09/28
الفصل 32: 32: البارودُ يقتل
2025/10/04
الفصل 33: 33: عالمٌ جديد
2025/10/04
الفصل 34: 34: محطَّةُ "جين" الأخيرة
2025/10/04

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة