عاشَ "جين" في الأيَّامِ السَّابقةِ صراعاً حقيقيَّاً مع نفسه، هو غيرُ قادرٍ على تخيُّلِ نفسه يرمي ب"غانبو" نحوَ موتِها، ظنَّ بدايةً أنَّها ستكونُ مهمةً سهلة ف"غانبو" ستأتي معهُ إلى أيِّ مكانٍ في أيِّ وقتٍ فقط إن طلبَ منها ذلك، لكنَّهُ ندِمَ كثيراً على ظنِّهِ ذاك فتلكَ هيَ أصعبُ مهمة يُواجِهُها على الإطلاق، ما كانَ عليهِ أن يُظهِرَ كلَّ تلكَ الثقة سابقاً فهوَ الآن غارقٌ في التردٌّد.
_"جين"! أخذتني "غانبو" قبل فترةٍ إلى مكانٍ مُثير، هل تُريدُ رؤيتَهُ كذلك؟
لم يُزِح "جين" بنظراتِه عن "غانبو" ولو للحظةٍ واحدة آملاً أنَّ هذا سيُساعدِهُ بإيجادِ طريقةٍ لقتلها دونَ الشُّعور بالذنب، سأل بشرود: أيُّ نوعٍ من الأماكن؟
_ليسَ مكاناً خطيراً، كلُّ من فيهِ مِنَ النِّساءِ والأطفال الرُّضع.
_عرفتُه، تجتمعُ الحوامل هناك للحصولِ على مُساعدةٍ أُثناءَ الحملِ والولادة.
_تعرفُه؟! هل زُرتَهُ من قبل؟
وقفَ "جين" على قدميهِ وقال: لم أفعل، لكن لا بأسَ بزيارته
أرادَ "جين" شغلَ نفسَهُ عن التَّفكيرِ بقتلِ "غانبو" بأيِّ وسيلة، احتاجَ أن يتنفس بعضَ الهواءِ بعيداً عن التَّفكير، ذهبَ ثلاثتُهم وتجوَّلوا بينَ جمعِ النِّساءِ هناك، فلاحظ "راي" أنَّ عددَهم أقلُّ بكثيرٍ من المرَّة السَّابقة، كانَ "جين" يمشي بسرعةٍ بينهم دونَ وجهةٍ مُحدَّدة كأنَّهُ فقط أراد الهربَ من شيءٍ ما، فحاولَ "راي" و"غانبو" مُجاراتَهُ بصعوبة، بعدَ توغُّلِهم جاءت امرأةٌ تصرخُ وتقول: هُنالِكَ إعلانٌ مهمُّ في وسطِ الجزيرة!
نهضَ الجميع وتوجَّهوا ببطءٍ لسماعِ الإعلان، بينما طالعَ الثلاثةُ بعضَهم باستغراب، قال "جين": هذا المكانُ أبعدُ من أن يُسمعُ صوتُ البوقِ فيه.
سألَ "راي": هل نذهب؟!
_نعم، لكن أيُّ إعلانٍ قد يقولُونَهُ في هذا الوقتِ من العام؟
أجابَ "راي" بحيرة: ربما هوَ عن مُسابقةِ الحُفرة.
_لا.. لن تُعقدَ حتَّى يناير القادم.
ساروا بضعَ خُطواتٍ فقُوطِعُوا بصراخٍ أفزعَ أفئدتَهم، إنَّها امرأة تطلبُ النَّجدة! هرعَ "راي" إليها ومن خلفِه "جين" و"غانبو"، كانت تصرخُ وتشدُّ أصابِعَها على الرِّمال بقوَّة، سأل "راي" بصوتٍ خافت فقد كان مُرتاباً: ما خطبُها..؟
_ألا تراها على وشكِ الولادة!؟
صرخت فيهم المرأة: مالذي تنتظِرُونَه؟ استدعوا أحدَ النِّساءِ بسُرعة!
قال "راي" بتوتر:
_ل. لا أحدَ هنا! غادروا جميعاً لسماعِ الإعلان.
قالت المرأةُ بغضب: هكذا إذاً..
ثُمَّ بدأت تكشفُ عن ساقيها وتقول: أستطيعُ فعلَها وحدي! لكن أحتاجُ مُساعدتَكُم، هيَّا اجلبوا ملاءةً نظيفة وقدرَ ماء.
صرخَ "راي" بفزعٍ لما رآهُ وقال: ماذا؟! ثُمَّ التفتَ إلى "غانبو" وتابعَ بتوتِّر: _"غانبو"! أنتِ الفتاةُ بيننا! فلتس..
وقبلَ أن يُكمِلَ "راي" كلامه وجدَ "غانبو" ساقطةً على الأرضِ من هولِ الموقف، التفت ليتحدَّثَ إلى "جين" فوجدَه قد هربَ بسُرعةِ البرقِ مُبتعداً عنهم، بدأت ساقاهُ ترتجِفان وصرخَ بينما القلقُ يعتريه: هل تركتمُانِي وحدي؟؟ معها..!
صرخت المرأة فيهِ وبدأت تُلقي أوامرَها، فنفَّذَ "راي" كُلَّ ما قالتَه بحرفيَّةٍ تامَّة، كانَ يُجيدُ اتِّباعَ الأوامر، سقطَ قلبُه عندما سمِع صوتَ الحياةِ الجديد، احتضنَ الطَّفلَ الباكي بينَ ذِراعيهِ وقال: ماذا الآن؟!
أجابتَهُ المرأة بإرهاق: اقطعَ الحبلَ المُتِّصلَ بسُّرَّته.
أخرجَ "راي" خنجرَهُ الذي كانَ ملكاً ل"تيدي" ومن قبلِه "هيوغو" من جيبه، فكَّرَ بأنَّ هذا الخنجرَ ربما سلبَ حياةَ الكثيرين، لكنَّهُ اليومَ سيمنحُها، قطعَ الحبلَ ثُمَّ عادَ يقولُ بقلق: والآن ماذا؟
_منذُ هذهِ اللَّحظة هذا الطفل بعُهدتِك، اعتنِ به رجاءً.
سألَها "راي" بقلق: وماذا عنكِ!؟
_لا وقتَ لديَّ أيُّها الصغير.. إنَّهُ المرضُ المجهولُ الذي يفتكُ بنا.
ثُمَّ نظرت لابنها للمرَّةِ الأخيرة بابتسامةٍ تنمُّ عن الرَّاحةِ وتابعت: لكنِّي سعيدةٌ لأنِّي استطعتُ إنجابه، أتمنى أن تنجو يا صغيري..
رقدت المرأةُ للمرَّةِ الأخيرة والدَّماءُ حولَها في كلِّ مكان، بعضُها خرجَ من فمِها وبعضُها من أثرِ الولادة، وقفَ "راي" بينما يحتضنُ الرَّضيعَ برهبةِ المسؤولية فوجدَ "جين" يركضُ نحوَه يحملُ دلواً من الماءِ وملاءة، قاموا بتغسيلِ الرَّضيعِ ولفِّه ثُمَّ قالَ "جين": ماتت أمُّه، ماذا نفعلُ به؟
طالعَ "راي" الطفل الصغيرَ بحزنٍ وقال: ماتت وتركتُه وحدَه.. لقد خرجَ إلى الحياةِ علي يديِّ لذا لن أتركَه، أعتقدُ يجبُ حُصُوله على اسم.
نهضَ "جين" وقال: يجبُ إطعامُه أوَّلاً، اذهب وابحث لهُ عمَّن تُرضِعُه ريثما أوقظُ
سارَ "راي" بالطفلِ وتساءلَ كيفَ لا تتعبُ حُنجرةُ الأطفالِ من البُكاء، بلا شكّ أحبالُهم الصوتيَّة أقوى من جميعِ البالغين، تجوَّل "راي" بينَ النِّساءِ اللَّاتي عُدنَ وهو يصيح: هل من أيَّ شخصٍ يُرضعُ هذا الرَّضيع؟! أرجوكم!
شعرَ أنَّ تجوالَه بِلا فائدة وفقدَ الأمل فقرَّر العودة أدراجه مُحتاراً ممَّا يجبُ فعلُه، حتَّى خطفت إحدُاهُنَّ الطِّفلَ من يدِ "راي" وصرخت: هذا الطِّفلُ مُزعج! سأقتله!
بدأ "راي" يصيحُ بفزعٍ يُحاولُ سحبَهُ منها لكنَّها ركضت مُبتعدةً عنه، تفاجأ عندما وجدها ترتكزُ على أحدِ الصخورِ وتحملُ الطِّفل تُرضِعُه بكلِّ حنان، جلسَ قِبالتها بهدوءٍ غريب فقالت والدُّموعُ تنسلُّ من عينيها:
_كان لديَّ طفلٌ مثلَه قبل أيَّام، لم يستطع النَّجاة.. أخوكَ يُذكِّرُني به تماماً.
_ليسَ أخي.. إنَّهُ ابنُ أحدِ النِّساءِ هُنا، لكنَّهُ وُلِدَ على يديَّ.
لاحظت المرأة نبرةَ "راي" المُستاءة فسألتُه بريبة: ألا تُريدُه؟
_لا أعرف.. إنَّهُ مسؤولية، لكنَّها عهِدت بهِ إليَّ لذا لا أستطيعُ التخلِّي عنه، لكن هل تُريدينَه؟ أشعرُ بأنِّكِ ستكونينَ أمَّاً جيِّدة له.
ابتسمت لهُ وقالت: الأمرُ كما قُلتَ تماماً، لكن لا أستطيعُ أخذه فأمَّهُ عهِدت بهِ إليك، لذا إن أردت سأرضِعُه لأجلكَ على الدَّوام، وستدفعُ لي بالطَّبع.
_حسناً.. لكنَّكِ ستُعلِّمينني كُلّ شيءٍ عن الاعتناءِ به!
_سأفعل، وسيكونُ هذا بالمجان.
عادَ "راي" بعدَها فوجدَ "غانبو" قد استيقظت، تشاجرَ معهُما كثيراً بسببِ تركِهما له وحدَه، برَّأ "جين" نفسَهُ كالعادةِ وقال أنَّهُ ذهبَ ليجلِبَ ما طلبته، أمَّا "غانبو" فلم تستطع الدِّفاعَ عن نفسها، اتُّفقوا بعدَها على أن يكونَ اسمُ الرَّضيعِ "رين" وقد كانت فكرةَ "راي" بأخذِ الحرفِ الأولِ من اسمه والثاني من اسمِ "جين" والثالث من اسمِ "غانبو"، أراد مُكافأتُهما بالمُساهمةِ في اسميها رغمَ أنَّهُما لم يُساهما مثلَه في خروجِ هذا الرَّضيع للحياة، وهكذا امتلأ عقلُ الثُلاثيُّ بالتساؤلات، كيفَ ستكونُ حياتُهم القادمة و"رين" برفقتِهم؟
***
تناوبَ ثلاثتُهم على الاعتناءِ ب"رين"، لكن كان ل"غانبو" النَّصيبُ الأكبرُ من ذلك فلقد أحبَّتِ الأطفالَ حقَّاً، وامتلكت خبرةً سابقةً كذلك.
_عمرُهُ شهرٌ الآن!
ابتسمَ "جين" بارتياحٍ فقد نسِيَ تلك المهمة التي أثقلت كاهِلَهُ سابقاً قال:
_يجبُ أن نُقيمَ احتفالاً لهذا، نحنُ عائلةٌ صغيرةٌ الآن.
رفعت "غانبو" الطِّفلَ بينهُم بسعادةٍ عارمة، وشعرَ "رين" بالرَّاحة لتغييرِ ملابسِهِ توَّاً، بدأ يضحكُ ويمدُّ ذراعيه نحوَ "جين"، لسببٍ ما كان "جين" هوَ أكثرَ من يُحبُّه "رين" وتليهِ "غانبو" أمَّا "راي" فقد كانَ في المرتبةِ الأخيرة، شعرَ "راي" بأنَّ هذا الترتيب يجبُ أن يتغيَّرَ كونَ "رين" وُلِد على يديه، رغمَ أنَّ أحداً منهم لم يقلها بشكلٍ صريح، إلَّا أنَّ هذا الرَّضيعَ قد ملأ حياتَهم سعادةً وبهجة، فرغمَ صُعوبةِ الاعتناءِ به إلَّا أنَّهُ أضفى جوَّاً دافئاً على ثلاثتِهم.
سألَ "راي": بالمُناسبةِ متى سيحصلُ على علامتِه البنفسجيَّة؟
_على الأرجحِ في يناير القادم.. عندما تأتي السفينة لبدءِ مراسم مُسابقةِ الحُفرة.
_نعم..
تردَّدَ "راي" قليلاً ثُمَّ تابعَ وكأنَّهُ يرمي بقُنبلةٍ موقوتة:
_عندما نذهبُ للعالم الخارجيِّ.. فلنأخذه معنا!
viloeto7789