خرجا من المكتبة حتَّى وجدا شخصاً بانتظارهما، بل ثلاثة أشخاص، كانوا "تيدي" ومن خلفه التوأم المزعج "شوما" و"كوما"، تقدَّموا نحو "جين" و"راي" حتَّى قال "تيدي": خرجتم أخيراً! مكثتما مدةً طويلةً حتَّى ظننتُكما مِتَّا هناك، ليت الأمر كان كذلك.
نظرَ له "جين" بحدَّة بينما كان "راي" ينظرُ لوجهه وعلاماتُ الدهشة بادية عليه، فقد كان وجه "تيدي" مليئاً بالكدمات والجروح وكأنه تعرَّض لضربٍ مبرح، قال له "جين" بحدَّة: ماذا تريد!؟
_جئتُ لاستعادة ما هو ملكٌ لي.
قال "راي" بقليلٍ من الشفقة:
_هل أنتَ متأكدٌ أنَّ بوسعك القتال؟ وجهُكَ في حالةٍ يُرثى لها.
أشار "تيدي" لوجهه وقال بغضب: أتتحدَّثُ عن هذه؟! هذه علامة الرجال! حصلتُ على هذه الكدمات من المعارك التي فزتُها.
نظر "راي" إليه بنظراتٍ عاجزة عن تفسيرِ كلامه، ربما سيصدِّقُ أنَّ "تيدي" تعرَّضَ لهذه الجروح في عراك، لكنَّه لن يُصدِّقَ أنه فاز به، سأله "جين" مُشكِّكاً في كلامه:
_هل أنتَ متأكدٌ من أنَّك خُضتَ عراكاً؟ يبدو الأمر كما لو أن أحداً ضربك ضرباً مبرحاً، هل كان عراكاً من طرفٍ واحد؟ أو ربما..، ابتسم "جين" ابتسامةً خبيثة وتابع: هل قام والدك العزيز بتلقينك درساً قاسياً؟
لم يستطع "تيدي" كتمانَ غضبه فوجَّه ل "جين" لكمةً مباشرة، سقطَ "جين" أرضاً وبدأ أنفهُ ينزف ثم تقدَّم "تيدي" منه وخلفه "كوما" و"شوما" وقال:
_لم يضربني أحد، لكنَّ الأمر مختلفٌ بالنَّسبةِ لك، فالآن سترى معنى أن تتعرَّض لضربٍ مبرِّح.
رغم كل الخوف الذي كان يعتري "راي" إلا أنَّه هبَّ لمساعدة صديقه، وقفَ بينهما وصنع حاجزاً بيديه، أحسَّ "تيدي" بالضيق الشديد لرؤية "راي" مازال لم ينسى كيف هزمه هذا الضيئلُ سابقا، نظر إليه بنظرةٍ ساخرة وقال:
_فوزك ضدي سابقاً لم يكن إلا ضربة حظ، وأعدك بأنَّها لن تتكرر.
بدأ "تيدي" يتِّخذ وضعيةً قتالية بينما تمكَّن الخوف من "راي"، كانَ "جين" مثبَّتاً على الأرض بواسطة التوأم ممَّا جعل "راي" يدركُ أنَّه وحده ليس نداً ل"تيدي"، وأنَّ فوزه سابقاً كان مجرَّد صدفة، قال "راي" مستعيناً بنصيحة "بنس" سابقاً.
_لا داعيَ لاستخدام القوَّةَ! فلنستخدم عقولنا!
_عمَّ تتحدُّث؟ هل ترفض القتال أيُّها الجبان؟ إن كان الأمر كذلك فأعطني الخنجر قبل أن تُحرج نفسك.
_سأفعل، سأعطيك الخنجر، فقد قالَ لي عقلي بأنَّه الخيارُ الأفضل.
مدَّ "تيدي" يده بريبة لكنَّه لم يستطع منع ابتسامة الانتصار الخافتة التي ظهرت على شفتيه، بينما وضع "راي" يده في جيبه مستسلماً لإخراج الخنجر، فهو و"جين" أو بالأخص "جين" ليسا بحالةٍ تسمحُ لهما بالقتال، قبل أن يُخرجَ يدهُ من جيبه سمعوا جميعا صوتَ صراخٍ مفاجئ يصمُّ الآذان، نظروا جميعاً بفزع حولَهم إلا "جين" الذي كانت ملامحه جامدة و"تيدي" الذي بدأ يضحكُ بهستيريَّة.
_إنَّها هيَ! لا بُدَّ أنَّ الزعيم قد نالَ وأخيراً من تلك المرأة الغبية.
وبدأ "تيدي" يركضُ بلهفة حتَّى التفت لتابعيْه المفزوعيْن وقال باستغراب: لماذا أنتما جامديْن هكذا؟ هيَّا بنا.
انطلق هو و"شوما" و"كوما" تعلُو وجوهَهم نظرات شامتة، بينما "راي" مايزال مفزوعاً ممَّا سمعه حتَّى صرخ "جين" فيه: إلى متى ستظلُّ واقفاً هكذا؟ تحرَّك وساعدني على النُّهوض!
ساعده "راي" فلاحظَ أنَّ "جين" يذهبُ بالاتجاه المعاكس للذي ذهب فيه "تيدي" فسأله: إلى أين؟ ألن تذهبَ لرؤية من يصرخ؟
ظهر على وجه "جين" نظرات لم يفهمها "راي" حتَّى قال:
_إن كنتَ تُريد ذلك حسناً.. فلنذهب.
***
كان الفضولُ يعتمرُ قلبَ "راي" ليعرفَ ما هذا الشيء الذي ترك "تيدي" خنجره لأجله، أيُّ شيءٍ ستكونُ رؤيته أكثر قيمةً من استعادة الخنجر؟كانا قريبيْن من مكان الصراخ لذا كانا أول الواصلين، وجدا امرأةً حولَها القليلُ من الأشخاص الذين بدأوا بالتجمُّع، كانت تلكَ المرأةُ تُمسك شيئاً كُرَوُيَّاً بين يديها، بدأت المرأةُ بالصراخ والعويل حتَّى استطاع "راي" تمييزَ ملامحها، إنَّها "نينا" أختُ مصففة الشعر! التفتَ إلى "جين" الذي كان مرعوباً بالكامل لكنَّه حاولَ التماسك قدر الإمكان، بدا ل"راي" بأنَّ "جين" لاحظَ شيئاً لم يُلاحظ هو، ممَّا دفعه لإعادة النظر إلى "نينا" والإمعان أكثر في تفاصيل ما يراه، حتَّى لاحظهُ أخيراً، الشيء الذي غفِلَ عنه، وقد تمنَّى كثيراً لو أنَّه لم يلاحظه، كان الشيء الكُرويِّ الذي تمسك به "نينا" هو في الحقيقة رأس أختها الكبرى "هاوبر"، كان قد غُلِّفَ بأغلفةٍ جميلة بألوانٍ زاهية، لم يُصدِّق "راي" ما رآه فتقدَّم دون وعيٍ منه إلى الأمام، في محاولةٍ يائسة لإنكار الحقيقة.
_"راي"! تعالَ إلى هنا في الحال!
تجاهلَ "راي" صراخ "جين" يدعوه للبقاء، كان عازماً على التثبُّت ممَّا يراه مهما كانت العواقب! وصلَ حيثُ "نينا" ووقفَ خلفها، باتَت رؤيةُ رأس "هاوبر" واضحاً جداً ممَّا دبَّ الرعب في نفسه، كانت ملامِحُها مفزوعةً ومتفاجئة، وكأنها قُتلت مغدورة، بدا أنها تألمت ونزفت كثيراً حتَّى ماتت، فقد كان وجهها أبيضاً خالياً من الدماء، عادت "نينا" للصراخ والعويل، وبصعوبةٍ شديدة تمكَّن.
"راي" من كتمان رغبته في التقيؤ، كان منظراً مفزعا تشمئزُّ له القلوب، من يقتل أحداً بهذه الطريقة المتوحشة؟! يقطعُ رأسه ويُجفِّفُهُ من الدماء، ثُمَّ يُغلِّفُه ويُرسله كالهدية! هذه أفظع طريقة للقتل رآها "راي" في حياته! بدأ الكثير من الناس بالتُّجمع حولهم، كانوا يشعرون بالقرف لكنَّ أحداً لم يكن متفاجئاً ممَّا يجري، كأنَّه كان أمراً متوقعاً، أو ربما أمراً اعتادوا رؤيته، بدأت "نينا" بالصراخ بكلماتٍ مفهومة هذه المرَّة: لقد قتلها! نالَ منها! حاصدُ الأرواحِ قتلَ أختي! قتلها!
استمع "راي" لكلماتها بانتباهٍ شديد، من يكونُ حاصدُ الأرواحِ هذا؟ ومالَّذي يجعلُ "نينا" متأكدةً هكذا من أنه قتلَ أختها؟
صرخ أحدٌ من الحشدِ المجتمع وقال: نعرفُ جميعاً بأنَّ حاصد الأرواح قتل أختك، ونرى أنَّها تستحقُّ ذلك!
صرخت "نينا" بينما تشدُّ على وجهها بقوَّة:
_كنتُ أستمرُّ بسماعه لكنِّي ظللتُ أكذَّبُ نفسي! ليتني خرجتُ لأراه حينها!
_لا فائدة من ذلك يا "نينا"، بوسعكم سماعه لكن لا يمكنُ لأحدٍ رؤيته.
كان هذا المتحدَّث الأخير هو "هيوغو"، رغم أنَّ نبرته لم تخلو من بعض الشفقة لكن بدا ل "راي" بأنَّه أكثر شخصٍ سعيدٍ بموتِ "هاوبر"، بدأت حفنةٌ من الجمهور يُطلق بعض الهتافات مثل.
_فليحيا الزعيم! فليحيا الزعيم!
لم يفهم "راي" ما يجري إطلاقاً، لقد ماتت السيدة "هاوبر" للتوِّ فلماذا لا أحد يكترثُ بذلك؟ تطلَّع "راي" إلى وجوههم، وجد بعضهم ينظر نظرات (إنها تستحقُّ ذلك!) والبعض كان خائفاً جداً وكأنَّ دورَه سيكونُ التَّالي, هذه أول جريمة قتل يشهدُها "راي" هنا ومازال عاجزاً عن تفسير الكثير من الأمور، كما أنَّه تساءل ما علاقة قتل حاصد الأرواح ل"هاوبر" بهتاف هذا الحشد الغاضب للزعيم؟ وعندها لمعت الفكرة في رأسه، لا بُدَّ أن يكون "هيوغو" هو حاصدُ الأرواح! لا بُدَّ أنَّه هو نفسه قاتل "هاوبر"! توجَّه نظر "راي" بسرعة فائقة نحوَ "هيوغو" فوجده قد أدارَ وجهه وبدأ يغادرُ المكان، لم يفهم "راي" سببَ فعلته الحقيقية إلا رغبته بتحقيقِ العدالة ضدَّ أيِّ شخصٍ كان، بدأ يركضُ بحقدٍ نحوَ "هيوغو"، خرجا من الحشدِ الذي تفرَّق بسرعةٍ وكأنَّ موتَ "هاوبر" لا يعنيهم، لم ينتبه "هيوغو" للجسدِ الصغير الذي يركضُ خلفه ولا لهالةِ الغضب العارمة التي تخرج منه، فيداه اللتان كانتا في جيبه تدلُّ على خُلُوِّ نيته من الهجوم على أحد، صرخ "راي" عليه ليتوقَّف وقال:
_أنت!
التفت "هيوغو" لهذا الصوت الطفوليِّ الناعم الذي يناديه, ففوجئ بنظراتٍ حاقدة من مجرَّد طفلٍ صغير، حاولَ تذكُّرَ إن كان على معرفةٍ سابقة بهذا الوجه الغاضب لكنَّه فشِلَ في ذلك، لم يكن حفظُ وجوه الأولاد الصغار من أولوياته.
_أنتَ من قتلت هاوبر! أنت!
_وماذا إذا فعلت؟
_لقد أخبرتني بحديثكما في القبَّة الزجاجيِّة!
_أيُّ حديثٍ بالضبط؟ لقد تحدَّثنا كثيراً.
أخرج "راي" خنجره من جيبه ووجَّهُه نحو "هيوغو" بذراعان ترتعدان من الخوف، لكنَّه شعرَ بأنَّه يجب على أحدٍ الوقوفَ بوجه هذا الشَّخص حتى وإن كان هوَ! اتَّسعت عينا "هيوغو" على الفور بعدما رأى الخنجر، لقد تذكَّر الآن من يكونُ هذا الفتى! تحوَّلت نظراته الباردة والغير مبالية إلى نظرات حماس واضح، اقتربَ منه حتَّى صارَ مقابلاً له وقال:
_أوتجرؤ على استخدام خنجري ضدي؟ يالشجاعتك!
_يجب أن تدفعَ الثمن لقتلك هاوبر! على أحدهم إجبارك على ذلك!
ابتسم "هيوغو" ابتسامةً ساخرةً وقال كأنَّه يستمتعُ بما يحدث.
_حقاً؟ وكيف ستجعلُني أدفع الثمن؟
_ل.لا أعرف.. كم أكرهكم أيُّها المجرمون أصحاب العلامات السوداء..
اتَّسعت عينا "هيوغو" لمَ سمعه، كما أنه لم يستوعب بعد كيف سمح لكلامِ طفل صغير بالتأثير عليه، قال محاولا كتمَ غيظه: وفيمَ يهمُّني كرهك أيها الجاهل؟
_أنتَ أفظعُ مجرمٍ في هذه الجزيرة!
سأله "هيوغو" دونَ أن يقدر على إخفاء الضيق الشديد الذي رواده؟
_هل تظنُّ ذلك؟
_بل أنا متأكد!
رغم ما قاله "راي" إلا أنَّه كان متردداً جداً بشأن ما قاله، خصوصاً بعد أن رأى ملامح الضيق الغريبة التي علت وجه "هيوغو" ملامح ضيق لم يستطع أن يجدَ لها تفسيراً أبداً، أنزلَ "راي" خنجره وقد قلَّل من حذره، بعدما لاحظ أنَّ "هيوغو" لا ينوي ايذاءه، استجمعَ "هيوغو" شتاتَ نفسه فتحوَّلت نظراته الحزينة إلى ابتسامة لم يستطع "راي" تفسيرها كذلك.
_شكراً على إطرائك، سأحاربُ الجريمة بالجريمة.
جلس ينظرُ لوجهِ "راي" حتَّى قال بعدما انتهى من تأمُّلِ ملامح وجهه:
_يالهُ من وجهٍ جميلٍ هذا الذي تملكه!
تفاجأ "راي" من ذلك التعليق المفاجىء، ولربما أسعده ذلك، فقد كانت تلكَ هي المرَّةُ الأولى التي يُخبرهُ فيها أحدهم بأنَّه جميل، وستكون الأخيرة.
_ما اسمك؟
أجابه "راي" والارتباكُ بادٍ على وجهه: ر."راي"..
_اسمٌ جميل سأنساهُ غالباُ، لكن وجهكَ هذا لن أنساهُ ما حييت.
ابتسم له "هيوغو" ابتسامةً فهمها "راي" فقد كانت ابتسامةً خبيثة ثُمَّ تابع:
_أنصحُكَ بألا تُظهرَ نفسك أمامي مجدداً، وهذا الخنجر.. احتفظ به مادمتَ تستطيع، لقد استحققَته.
***
كلُّ ما فعله "راي" في الأيام الماضية هو العيش بفراغ تام، يجلس على الشاطئ مراقباً البحر بأعينٍ هائمة وأحياناً ينتهي به المطاف بالنوم هناك، بذل كلَّ استطاعته لمحاولة نسيان مشهد موت "هاوبر"، لكن كيف أمكنه نسيان ذلك الرأس المفصول بهذه السهولة؟ توقَّفَ عن الذهاب لمقابلة "أوشن"، و"أوشن" لم يستغرب اختفاء "راي" فقد كان طبيعياً أن يملَّ النَّاسُ من حديثه بعد مدَّة، في أحد الأيام حدث شيءٌ حفَّز "راي" للنهوض وتغيير روتينه قليلاً، جاءه "جين" من خلفه ينادي: "راي"!
جلس بجانب "راي" الذي لم يُبادله النظرات ثمَّ تابع:
_ألم تنسَ رأس "هاوبر" بعد؟
_بل نسيته، لكنِّي تذكَّرتُ ما هوَ أكثرُ فظاعة.
_فلتنسه إذاً.
_كُفَّ عن جعل الأمر يبدو سهلاً..
_ليس موضوعنا، لقد رأيتُ أحد فتيان المكتبة اليوم، جاءَ يُشعرني ببدء دروس القراءة، هل ستذهب؟
_قلتُ بأنِّي لن أتعلَّمها حتَّى أجد "غانبو"
_انهض وابحث عنها إذاً! بدل الفراغِ الذي بتَّ تعيشُ فيه! هذه أوَّلُ جريمةٍ تشهدها وها أنت ذا منهارٌ بالكامل، ستموتُ من الحزن قريباً لأن جريمة كتلك ستتكرَّرُ كثيراً وبطرقٍ أفظع.
_الأيامُ القليلة التي عشتُها بطمأنينةٍ هنا جعلتني أنسى طبيعةَ هذا المكان، لكن.. أنا خائف، لم أتحدَّث مع "هاوبر" إلا مرَّةً واحدةً فقط مع ذلك أصابتني صدمة فظيعة لموتها، ماذا سأفعلُ إن ماتَ شخصٌ عزيزٌ؟ ماذا سأفعلُ إن متَّ أنت أو "غانبو" أو! أو "أوشن"!
هدأت نبرة "جين" الغاضبة وقال بدلاً من تأنيب ضميره بل في محاولة لمواساته: لا تقلق علي، أعدُكَ بأنِّي لن أموتَ قريباً، ولا حتَّى "غانبو"، بالنسبة ل"أوشن" فستُودِّعهُ قريباً دونَ الحاجة لموته، رحلةُ الصيد القادمة بعد عشرة أيام.
_بالفعل..
اتَّسعت عينا "راي" لذلك الخبر، بدأ عقله يصحو ليدركَ ما يحدثُ حولهُ من أحداث، أدرك بأنَّه لم يُحدد بعد قراره بشأنِ تلكَ الرحلة، بل ولم يقترب حتَّى من الإجابة المناسبة! نهضَ على عجلٍ وقال بصوتٍ حازم:
_سأذهب للقاء "أوشن"! لديَّ الكثيرُ لأقوله له!
_حسناً، سيكونُ درسُ القراءةِ بعد الظَّهيرة، هل سأراك هناك؟ أنتَ لا تُريدُ تفويتَ فرصة النظر لوجهِ ذاك الرَّجل صحيح؟
_لم أقرر ذلكَ بعد..
_تعرف أنك إن لم تكن هناك فلن أذهب..
_افعل ما يحلُو لك، لأني سأفعلُ ما يحلُو لي.
***
وصلَ "راي" حتَّى الجسر فوجد "أوشن" في مكان حراسته المعتاد، ذهبَ وجلسَ بجانبه دون أن يلتفتَ أيٌ منهما للآخر، فقد استغرق "أوشن" وقتاً حتَّى لاحظ الجسد الضئيل الذي جلسَ بجانبه، وعندما لاحظهُ قال: أنت! ظننتُنِي لن أراك ثانيةً..
لم يجبه "راي" بل أنزل رأسه وزادت علاماتُ البؤسِ والحزنِ عليه ثمَّ قال:
_لقد ماتت "هاوبر"..
_بالفعل.. يالهُ من مسكينٍ ابنها! قد يرحلُ دون أن يعلمَ بموتِ والدته.
صمتَ "راي" هُنيهةً ثُمَّ سأل: هل من فرصةٍ لهروبه؟
_إن فعلَها فسيكونُ الأوَّلَ من تاريخهِ الذي يفعلها.. أقاومُ نفسي كلَّ يوم لِكيلا أذهب وأطلِعَهُ بخبرِ موتِ أمِّه، فذلك سيكشف مكان اختبائه وسيُثبِّطُ عزيمتَه في الهرب.
ابتسم "راي" ابتسامةً خافتةً، لأوَّل مرَّة منذ أيام، ثمَّ أردف:
_علمتُ بأنَّك أنتَ من أخفاه.
بادله "أوشن" الابتسام وقال: الجميعُ يعلمُ ذلك، لكن من ذا الذي يملكُ دليلاً على ذلك؟ وإن امتلكوا دليلاً فلا أحد يُخاطرُ بقتلي، أنا قبطانُ رحلة الصيد!
ابتسم "راي" لثقة "أوشن" لكن سرعان ما اختفت تلك الابتسامة فورما تذكَّر رأس "هاوبر"، فكَّرَ "راي" في محاولةٍ لإلقاء اللَّوم على أحدهم، فقد يكون هذا سبيلاً لتخفيف غضبه، سألَ ملقياً اللَّومَ على العدوِّ المجهول:
_من يكونُ حاصدُ الأرواحِ هذا؟
أجابه "أوشن" بملل، فأكثرُ ما يزعجه هو الحديث عن أمورِ اليابس: أليس واضحاً لكَ بأنَّ حاصد الأرواح هو "هيوغو"؟
_ولماذا يسمُّونَهُ بحاصد الأرواح؟
_لقد أدركتُ أنَّ ل"هيوغو" ذاك الكثيرُ من الألقاب، رجلُ اليابس والزعيم وحاصد الأرواح، هذا غريب..
_تماماً! ألا نظنُّ الأمر غريباً كونه حاصد الأرواح؟ شخصيا لا أعتقدُ بأنَّه هو حاصد الأرواح.
_الشيء الغريبُ الوحيد هو اعتقادك، لكن هذه التَّسمية ظهرت منذ عامٍ فقط لذا هيَ جديدةٌ عليَّ أيضاً، كلُّ ما أعتقده هو أنَّ ذاك الشخص يحبُّ تغيير ألقابه.
_لكن لماذا قد يمتلك شخصٌ كلَّ هذه الألقاب؟ أم أنَّ الآخرين من يُلقِّبُونه بها؟
_نعم غالباً هي ألقابٌ أطلقها الآخرين، لكن من أين سمعتَ به على أيِّ حال؟
_سمعتُ "نينا" تصرخُ باسمه.
_فهمت.. إليكَ ما سمعتُه أنا، بدأ النَّاس بإطلاق اسم حاصد الأرواح كمُسمَّى لشخصٍ يقتلُ المجرمين، ولاحقاً تمَّ .نسبُ هذا اللقب ل"هيوغو" ولا أحدَ يعلمُ كيف ومتى نُسِبَ إليه.
_لماذا يُنسبُ إليه لقبٌ كهذا بينما هوَ مجرم؟ ألا يُفترضُ بهِ أن يكونَ مستهدفاً أيضاً.
نظر "أوشن" إلى "راي" بتعجبٍ كامل وقال: المُستهدَفون هم أصحابُ الوشومِ السوداء، وشمُ "هيوغو" أحمر.
_ماذا؟!
ذُهِلَ "راي" لما سمِعه، "هيوغو" الأكثر شراً في الجزيرة اتَّضح في النهاية أنَّه بعلامةٍ حمراء! هل جاءَ إلى هنا بريئاً!؟ كان "راي" شبهَ متأكد من كونه مجرماً لذا لم يحاول حتَّى النظر لعلامته.. أفاق بعد قليلٍ من ذهوله واستفسر:
_لكن لماذا تحدَّثوا عنه بصيغةِ المجهول؟
_لأنَّ المريب في الأمر أنَّ أحداً لم يرَ حاصدَ الأرواح قبلاً, ف"هيوغو" غالباً يقتلُ الرجال على العلن، أما حاصدُ الأرواح يقتلُ النساءَ في الخفاء، إنَّهما يُكملانِ بعضهما لهذا توصَّل الجميعُ لكونهم الشخص ذاته.
_بدأتُ أقتنعُ بذلك أنا أيضاً، هما بالفعل الشَّخصُ ذاته، لكنَّ ذلك كان فظيعاً! أعني هتافَ الجميع بكون"هاوبر" استحقَّت الموتَ..
_هل ترى أن "هاوبر" لا تستحقُّ الموت؟
_هل تراها تستحق؟
_مازلتَ صغيراً لتفهم..
جرى في المكان صمتٌ مطبق، وشعر "راي" وقتها بأنَّ صوتَ الأمواج أمامهما أعلى ما يكون، قررَّ "أوشن" مقاطعة معزوفة الأمواج فنطق بالسؤال الذي انتظره "راي" طويلاً: هل قرَّرتَ ما ستفعله؟
_ليس بعد .. لسببٍ ما أنا مترددٌ كثيراً بشأنِ ذلك!
_هذا طبيعي، فهذا قرارٌ مصيريِّ.
_ليس الأمر وكأنِّي سأبقى في المحيط إلى الأبد! سأعودُ بعد أربعة أعوام.
_وليس الأمر وكأنَّك لن تحصل على فرصةٍ لرحلة أخرى للأبد، قرارُ تركِ اليابس لأربعة أعوام ليس قراراً سهلاً لذا لا تلُم نفسك على عجزكَ عن اتِّخاذه.
سادَ صمتٌ آخرُ بينهما حتَّى قاطعه "راي" بسؤالٍ غريب: أينَ تنامُ يا رجلَ المحيط؟
ضحك "أوشن" من السؤال وقال: أينَ تتوقَّع؟
_توقُّعي أنَّكَ تنامُ في المحيط، لكن يستحيلُ أن تمتلكَ زعانفَ تتنفَّسُ بها! ربما أنتَ تُلقي سريراً خشبياً في المحيط وتنامُ عليه؟
ضحِكَ "أوشن" ضحكةً أعلى وقال: مُحق! مُحقٌّ تماماً! أنا أنام في سفينتنا الراسية على المحيط، لقد كنتَ قريباً.
ابتسم "راي" لصحَّةِ توقٌّعه ثُمَّ قال: هناك ما يُؤرِّقُ تفكيري يا رجل المحيط، هل أستطيعُ البوحَ بهِ لك؟ لعلَّكَ تستطيع مساعدتي.
_بُح لي بما شئت، لكن فليكن في علمك أنِّي قد أعجزُ عن مساعدتك، لا براعة لي في أمورِ اليابسة.
_أؤكدُ لك ألَّا علاقة لذلك بأمور اليابسة، بل له علاقةٌ برجل المكتبة "بنس"..
_وماذا بشأنه؟
_إنها قصةٌ مُعقَّدة لكن.. بخصوص "غانبو" فقد كانت تنامُ خلسةً في المكتبة دونَ علمِ "بنس".
قاطعه"أوشن" قائلاً: ألهذا السَّبب سألتني عن مكان نومي؟
_ليسَ حقاً كان مجرَّد فضول، عموماً لقد اكتشفَ "بنس" ذلك وطردَها.
_أيعقلُ بأنَّك لم تجدها حتَّى الآن؟ كانَ ذلك منذُ مدَّةٍ طويلة عندما قلتَ بأنَّك تبحثُ عنها.
_نعم! أتصدِّقُ ذلك!؟ وعندما عرفتُ بكونه السَّببَ في اختفائها غضبتُ كثيراً، ماذا أفعل ليعترفَ بالذي فعله بها؟
نظرَ له "أوشن" بنظرةٍ حازمةٍ وقال: أجبرهُ على الحديث!
_أجبرهُ؟ لم أعهدك عنيفاً، أم أنَّ هذا لأنَّك تكره ذاك الرَّجل؟
_أخبرتُكَ بأنِّي لا أكرهه! وإن لم تستطع إجباره على الحديث فعلى الأقل ستكونُ قد لقَّنتهُ درساً لطردِهِ صديقتك.
ضحِكَ "راي" ثُمَّ نهض واقفاً وقال: سأعملُ بنصيحتك، سيُعقَدُ درسُ القراءةِ الأوَّلِ اليوم لذا سأستغلُّ الفرصة وأجبره على الحديث.
_سيُعقدُ ماذا؟ سأله "أوشن" وقد علت الدَّهشة محياه.
_إنَّ الأمر أشبه بالمدرسة، يقوم "بنس" بجمع الأطفال لتعليمهم القراءة، أليسَ هذا رائعاً؟
زادت دهشة "أوشن" ممَّا سمِعَه وتساءلَ في نفسه، هل يعرف "هيوغو" بشأنِ هذا؟ ثُمَّ قال: رائعٌ بالفعل، لطالما كانَ التَّعليمُ شغفَه لكن لم أتوقَّعَ أن يصلَ لهذا الحدِّ في مبتغاه.
_هل كان حلمه دوما أن يُعلِّم؟
_بل أن يتعلَّم..
رمى "أوشن" نفسه فجأةً في المحيط ممَّا أدخل الفزعَ في قلبِ "راي"، لكنَّ "أوشن" أخرجَ رأسه بسرعة وقال: مثابرتك أنتَ و"بنس" أعطتني بعضَ الشَّجاعة! سأذهبُ لأخبِرَ ابن "هاوبر" بموت أمِّه، وسأوصلُ له بعضَ الماءِ والطَّعام، أظنُّ أنَّ مخزونَهُ نفِذَ منذُ يومين.
لم يكترث "راي" بأيٍ ممَّا قاله "أوشن" بل صاحَ بفزع:
_لا تمت رجاءً يا رجل المحيط!
عادَ "أوشن" ليغوصَ برأسه مُجدداً، وكأنَّهُ لم يسمع شيئاً
***
عادَ "راي" إلى الشاطئ ليجدَ "جين" في انتظاره على وضعيته لم يُغيرها، قالَ "جين" بعدما لاحظَ قُدومَ "راي": لقد عُدتَ بسرعة..
_نعم، أمُستعدٌّ للذَّهاب؟
_الذَّهاب إلى أين؟
_إلى المكتبة بالطَّبع!
_أخبرتُك بأن الدَّرسِ بعد الظَّهيرة، مايزالُ بحوزتنا الكثيرُ من الوقت.
ظلَّ "راي" يُفكِّرُ لبرهة ثُمَّ تابع بعد استجماعِ كلماته:
_عندما كنتُ مع "أوشن"، صدمني بأنَّه اتَّخذ قراراً ونفَّذَهُ في اللَّحظة ذاته! لم يؤجله وهذا ما جعلني أشعرُ بالحماس لذلك، أريدُ أن أكونَ مثلَهُ أيضاً! سريعاً بتنفيذ القرارات! لذا لن أؤجلَ قراري لما بعدَ الظَّهيرة.
_لم أفهم شيئاً، ماهذا القرارُ الذي لا تُريد تأجيله؟
أخرجَ "راي" خنجرَهُ من جيبه وقال: هيَّا بنا نُجبرُ ذاك الرَّجُلَ على الحدِّيث!
***
وصلوا حتَّى المكتبة فوجدوا "بنس" يتنقَّلُ فيها هائماً بالتَّحضير لدرسه الأوَّل، بدأ يشعرُ بأنَّه ورَّط نفسه أو أنَّه يُعطي الأمرَ رهبةً أكثر ممَّا ينبغي، تواجدَ في المكان ألواح خشبيَّة صغيرة للكتابة وبجوارها طحالب خضراء تعطي صبغةً قويَّة، كانت وسائلَ بالية وبدائية لكن بدا أنَّ "بنس" بذل جهداً كبيراً في جمعها، وقد عقد العزم على تطوير وسائله لاحقاً، ورأى "راي" بعض الحبال المعلَّقة في أرجاء المكتبة، كانت فارغة لكن بدا أنَّ "بنس" ينوي تعليقَ بعض الأشياء عليها لاحقاً، كانَ المكانُ مُجهزَّاً بالكثير من الوسائد المُريحة والمُلوَّنة مما أعطت المكان شعوراً بالبهجة، جهَّز "بنس" المكان ليتَّسِع لحوالي ثلاثين طالباً مع إمكانية الزيادة مستقبلاً، لكنَّ المكانَ كان فوضوياً فقد امتلأ بالكتب المبعثرة، حدَّق "راي" طيف "بنس" الهائم باستنكارٍ تام، كيفَ يمكنُ لذاك الشَّخص الذي يبذلُ الكثيرَ لمحاولة تعليم الأطفال، هو ذاته من طردَ "غانبو" دون رأفةٍ بحالها! بينما نظرَ له "جين" مبهوراً بجماله، فرغم الحالة الفوضوية التي كان عليها شعره، ووجهه المرهق بالكثير من الهالات، إلَّا أنَّ ذلك لم يُقلِّل من جاذبيته في نظر "جين"، حاولَ "راي" لفت انتباه "بنس" إليه حتَّى استطاع أخيراً مداهمته أثناء ركضه، توقَّفَ "بنس" في اللَّحظةِ الأخيرة متفادياً اصطدامهُ ب"راي"، نظرَ لهُ من فوق كومة الكتبِ التي يحملُها وقال دونَ أن يتعرَّف عليهما: ماذا تفعلانِ هنا؟ هذا ليسَ موعدَ الدَّرسِ بعد.
صرخَ فيه "راي" ووجَّه خنجرَهُ نحوه وقال:
_نحنُ هنا لغرضٍ آخر! اعترف ماذا فعلتَ ب"غانبو" في الحال!
ما كادَ يُنهي جملتَه حتَّى ظهرتَ "غانبو" من خلفِ "بنس" تحملُ كومةَ كتبٍ هي الأخرى، نظرت لهما بتعجُّب وبادلاها هما النَّظرة المُتعجِّبة ذاتها، سقطَ ما في أذرعها من كتبٍ وجرت نحوهُما، ضمَّت ذراعيهُما بشدَّة وبدَت على وجهها سعادةً عارمةً لرؤيتهما، وضع "بنس" ما في يديه جانباً ثُمَّ قالَ : أنا آسفٌ للكذب عليكما، احتاجت "غانبو" للحماية ولم أستطع الوثوق بكونكما صديقين لها لذا أخفيتُ وجودَها عنكُما.
جاءَ "جين" من خلفِ "راي" ولم يكن سعيداً برؤية "غانبو" بل على العكس غاضباً، قال بحدَّة: ما القصَّة؟ تحتاج حمايةً ممَّن؟
جلس "بنس" على كومةٍ من الكتب ودعاهُما للجلوس ثُمَّ قال:
_شعرت صديقتُكم بأحدٍ يتربَّصُها مؤخراً، جاءت إليَّ خائفةً معتقدةً أنَّ أحداً يحاول أذيتها، صحيحٌ أنَّ وجودَها في المكتبة آمنٌ بحدِّ ذاته لكن عدم التثبُّت من هوية مراقبها قد يضعنا بمأزق، ماذا لو كان شخصاً بوسعه دخول المكتبة؟ لذا وجب اخفاؤها حتَّى داخلَ المكتبة، وكنتَ أنت -"راي"- تتردَّدُ على المكتبة بكثرة لذا ظننتك المتربِّص ولم أستطع الوثوقَ بك.
لسببٍ ما شككَّ "جين" في كلِّ كلمةٍ سمِعها، رغمَ أنَّه لم يجد سبباً واضحاً لتكذيب هذه القصة، لكن ربما هي فقط عادته بأن يحذر من كل شخصٍ يقابله، وأن يُكذِّب كلَّ كلمةٍ تُقال.
_ولماذا قد يتربَّصُ أحدٌ ب"غانبو"؟!
_لا إجابةَ لك عندي.
_ولماذا قد تحاول حماية "غانبو"؟ ماذا تكونُ بالنسبة لك؟
_مجرَّد محاولة لرد المعروف على خدماتها السابقة.
كان "راي" من يسألُ هذه المرَّة فقال: أيُّ خدمات؟
_كانت تجلبُ الطعام لي هي وباقي الأطفال اللطيفون هنا، فكما تعلمون أنا لا أخرجُ من المكتبة عادة، كانوا يشكرونني لتقديم الحماية لهم هنا في المكتبة.
_حقاً؟ قال "جين" بنبرة أكثر حدَّة، سؤالٌ أخير يا سيِّدَ المكتبة، لماذا تخافُ "غانبو" من إمكانية إيذاء أحدٍ لها؟ لن يتربَّصَ بها أحدٌ ويحاول قتلها إلا إن كانت مجرمة
_لماذا أشعرُ بأنَّك تتحدث عن حاصد الأرواح؟ أنا لم أقل بأنَّه من يتربَّصُ بها، لكن غير ذلك فالكثيرون قد يحاولون أذيتها، وشيء إضافي..
حدَّق فيهِ "بنس" بنظراتٍ ضيَّقة وتابع: أسلوبك الذي يحاول إيجاد كل ثغرة يتِّهمُ فيها الطرف الآخر بالكذب، يُذكِّرُني بأحدهم، شخصٌ أكرهُه بشدَّة، أتساؤل ما إن كان لك علاقةٌ به سواءً من قريبٍ أو من بعيد.
أجفل "جين" من تحديق "بنس" فيه وخاف من أن يكشف علاقتَه السريَّة مع "هيوغو" فصاحَ في وجهه قائلاً:
_وأنتَ أيضاً بهذه الخصلات الشقراء التي تملكها تُذكِّرني بأحدهم! أتساؤل ما إن كانت هناك علاقةٌ تربطك به، سواءً من قريبٍ أو من بعيد.
لم يبدِ "بنس" ردَّة فعلٍ واضحة على ما قاله "جين" بل قال مُغيِّراً الموضوع:
_بالمناسبة هل اسمُ هذه الفتاة هو "غانبو"؟
تفاجأ "راي" من جهل "بنس" بذلك وسأله: ألا تعرفُ ذلك!؟
_لا أتحدَّثُ معها كثيراً، ولم أسألها عن اسمها قط.
بدلاً من جسد واحد يحوم في المكتبة، تحوَّلُ الأمر لأربعة أجسادٍ متفاوتة الحجم تحوم معاً، فقد تطوَّع كلٌ من "جين" و "راي" و "غانبو" لمساعدة "بنس"، بالتحضير لصف القراءة.
بدأ الدرس وكان مجرَّد حصة تعريفية قصيرة، استمتع "راي" بها كثيراً، وقد شعرَ بنفسه يستلطفُ شخصية الأستاذ "بنس"، وشعر كذلك أنَّ "غانبو" مناسبة لوظيفة مساعِدة الأستاذ، أمَّا "جين" فلم ينفكَّ يشعرُ كم أنَّ هذا الدرس مضيعة لوقته، وكم استاء لجلوسه بالمؤخرة غير قادر على إمعان النظر في وجه "بنس"، جرى كلُّ شيءٍ على نحوٍ رائع، وشعر "راي" بأن مزاجه لن يتعكَّر إلى الأبد، فقد نسي رأس "هاوبر" المقطوع، ووجد "غانبو" التي ظنَّها مفقودة، وبدأ يتعلَّم القراءة كذلك، واكتشافه أن "بنس" لم يكن شخصاً سيئاً زاد شعوره بالراحة كثيراً، كم هي أيامٌ رائعة تلك التي يعشيها! ولقاؤه مع "أوشن" في الصباح يزيدها جمالاً، إنَّه يتعلم الكثير من "أوشن" أكثر مما يتعلَّمه في المدرسة، إنَّ "راي" كان يتشرَّبُ كل كلمة يقولها "أوشن"، لكن إيقاظ "جين" الذي ينام حتَّى الظهيرة جعل من حضورهما مبكراً أمراً مستحيلاً، أكثرُ ما أسعد "راي" هو تطور علاقة "جين" و "غانبو" بشكلٍ ملحوظ، لا يتصرَّفان كالأعداء بعد الآن، بل هما يبتسمان معاً ويضحكان معاً كذلك! هذا أكثرُ بكثير مما حلُمَ به، كم هو مؤسفٌ اضطراره لترك كل تلك الأشياء يوماً! بعد حزم قراره بشأن ذهابه مع "أوشن"، هو سيترك هذا الروتين الهادئ والمريح إلى الأبد!
_دروس الأستاذ "بنس" ممتعةٌ بحق! لكنِّي سأتركُ كلَّ هذا قريباً..
قال "راي" ل "أوشن" خلال أحد أحاديثهما، فسأله "اوشن" والاستغراب بادٍ على وجهه: لماذا ستترك هذا العالم؟ هل تنوي الموت!؟
_لا! لكن.. رحلةُ الصيد، أتذكر؟ قررت بأنِّي أريد القدوم معك!
_تعرفُ أنَّك لستَ مجبراً على ذلك، إن كنتَ تحبُّ حياتك هنا فابقَ، ولن تضيع فرصتك بالقدوم فلديك فرصةٌ أخرى بعد أربعة أعوام، لكن الأيام الجميلة التي اعتدت عليها هنا قد تضيع وللأبد.
_لم يُجبرني أحدٌ على ذلك! أنا مقتنعٌ تماماً بقراري فأنا أحبُّ.. أحبُّ المحيط! وأحبك كذلك..
قال الجملة الأخيرة بكثيرٍ من الحرج، لم يستطع توقع ردة فعل "أوشن" على تلك المعلومة، فحبُّ "راي" ل"جين" و"غانبو" وحتَّى "بنس" وحصص القراءة، لم يُضاهي أبداً حُبَّه ل"أوشن"، "أوشن" الذي كان بمثابة والده.. كان كذلك دافعه الوحيد للذهاب لرحلة الصيد.
تأثَّر "أوشن" كثيراً بما سمعه، أمسك خدَّ "راي" الضئيل بيده الكبيرة وقال: شكراً لك فأنا أحبك أيضاً، ولهذا السبب لا أستطيع التفرَّيط بك وتعريضك للخطر، ستنطلق الرحلة بعد يومين لذا لا داعيَ للاستعجال، حتَّى ذلك الحين فكِّر بالأمر مجدداً، وإن كان قرارك هو ذاته فسأحترمه، وسأحميك بحياتي في قلب المحيط
ابتسم له "راي" وقد احمرَّت خدوده سعادةً، قال: معك حق سأفعلُ ذلك! فقد قرَّرتُ مدى حُبِّي لك وليس مدى حُبِّي للمحيط.
رغم ما قاله إلا أنَّه شعر أن لا شيء قد يعدله عن قراره بالذهاب، هو حقاً لا يريدُ الافتراق عن "أوشن"، تابع يقول: والآن اسمح لي، فموعدُ درس القراءة قد قارب على البدء، أريد منح نفسي فرصة توديع كل شيءٍ هنا.
_ربما لن تحتاج لتوديع أي شيء، قال له "أوشن" بنبرةٍ تأكيدية.
ثم فجأة، رذاذٌ من الماء يصطدم بوجه راي، صوتُ ارتطام، فقاعات، وبعدها لا شيء، تجمَّد "راي" في مكانه يحاول إدراك ما حدث، لحظات هدوء كثيرة تجعل الأمر عليه أصعب، لقد قفز "أوشن" في المحيط لتوِّه! لا ذراع تحاول النجاة ولا فقاعات هواء تدلُّ على وجود من يتنفَّس فقط هدوء يزيد الأجواء رعباً، انتظر خروج "أوشن" طويلاً، صرخَ بفزعٍ بعد إدراكه أن "أوشن" ربما مات للأبد.
_رجل المحيط! سيدي! "أوشن"!! هل تسمعني؟!
لم يعرف "راي" ما يجبُ فعله، "أوشن" يموتُ أمامه وهو فقط استمرَّ جسده يرتجف بفزع، حتَّى لمحَ أخيراً ذراعاً تخرجُ من الماء، خرجَ "أوشن" و"راي" يحاول مساعدته وحمله، لكنَّه يُعيقُ خروجه لا أكثر، ركعَ "أوشن" على الجسر بينما يتنفَّسُ بقوَّة، صدره يعلو ويهبط وعيناه زائغتان كأنه رأى الموت للتوِّ.
_"أوشن"! هل أنت بخير؟ ماذا حدث؟! لقد كدتَّ تغرق و..
_نعم كدتُّ أغرق.. لكن يبدو أنَّ المحيط لا يريدني بين أحضانه بعد، لقد أرشدني صوتُك في اللحظات الأخيرة.
_انا لا أفهمُ ما تقوله! كنتَ تصارعُ الموتَ هناك لكنَّك تستمرُّ بالتحدُّث عن المحيط وأحضانه وكل تلك الأمور الغريبة! كدتَّ تغرق!
_أليس ذلك عظيماً؟ أليسَ عظيماً أن تموتَ بين أحضانِ هذا الوحش المُهيب؟
_لاا! قال "راي" بيأس، هذا مخيف! لا أريدُ الموتَ غرقاً، هل تحاولُ الانتحار؟
قال "أوشن" وقد اعتدلَ في جلسته، وأنفاسه بدأت بالانتظام:
_أليسَ جميلاً تجربةُ الغرق من حين لآخر؟ يجبُ أن اتأكَّد ما إن كان المحيط قد أبدى استعداده لسحبي، أو ليس بعد، هذه أمنية حياتي، الموتُ غرقاً بين أحضان المحيط، إن لم يحدث هذا فستكونُ مأساة..
_بل موتُكَ هو المأساة! لا يهمُّ الطريقة.. أنت مهووسٌ بهذا المُسمَّى بالمحيط.
أطلق "أوشن" قهقهةً مرتفعة الصوت وقال: لا فرصةَ لك لتحمُّلِ قسوة المحيط فكيف ستحبُّه؟
_سأحاولُ ذلك.. لكنِّي لن أكون مهووساً مثلك أبداً، وهذا إطراءٌ بالمناسبة، جميلٌ أن تمتلك كل هذا الانتماء لكيانٍ معين، حتى وإن كان مخيفاً.. وأعتقدُ بشكلٍ أساسي أنِّي في حال رافقتك في رحلتك، فهذا لأجل حُبِّي لكَ لا المحيط.
لميشعر "أوشن" بمثل هذا الشعور قطُّ في حياته، شمسٌ ساطعةٌ دافئةٌ تُغرقوجدانه، ينعكسُ دفئها على قلبه وسطوعها على ابتسامته اللإرادية، كم هو سعيدٌ بهذاالطِّفل البريء الذي يقولُ أنَّه يُحبُّهُ! أظهر "أوشن" جنونه بالكاملمنتظراً نفورَ "راي" منه، لكنَّ هذا الآخر لم ينفر منه بل وأطرى عليهكذلك! وكرَّر قوله بأنَّهُ يُحبُّه! لاحظَ "راي" الانفراجة البسيطة في حاجبيِّ "أوشن"، وأعجبته تلك الطاقة اللامحدودة التي تنبعث منه، حتى وإنظنَّهُ مهووساً ومجنوناً، فهو ما يزالُ يحبه.
viloeto7789