الفصل السابع والعشرون ( التثبيت )

الفصل السابع والعشرون ( التثبيت )

21 0

بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم ارفع البلاء عن أهلنا في غزة، اللهم كن لهم حافظًا ومؤيدًا " لا تنسوا الدُعاء لأهالي فلسطين 🙏 _________________________ سيأتي اليوم الذي ستضطر فيه للجوء إلى الحلول المجنونة، فالمنطق لم يعد يُجدي نفعًا بهذه الحياة.... وضعت الكوب الزجاجي على الطاولة لتملئه بالمياه الساخنة وتُحرك بداخله تلك الملعقة الحديدية حتى يذوب مسحوق القهوة سريعة التحضير، ما إن أنهت صٌنع المشروبات حتى وضعتهما على الصينية المعدنية استعدادًا لأخذهما والتمتع بهما برفقة زوجها لعلها تُهديء من نيرانه الثائرة وإحساس الظُلم الذي يشعر به. استوقفتها كلمات لؤي الغاضبة وهو يصرخ بالهاتف بكلماتٍ لم تفهمها لكنها فهمِت تهديده الصريح الذي أظهر من خلاله أنه على وشك أن يقتل أحدهم؛ وضعت الصينية على الطاولة لتقترب من لؤي الذي كان أشبه بالتنين المُحنك وهو في تلك الحالة، حاولت ألا تقترب منه أكثر حتى لا يثور بوجهها لكن قلقها وخوفها عليه جعلاها تسأل : - إنت ... رايح فين ؟... وعايز تعمل إيه ؟ بقيت الملامح الغاضبة تلوح على وجهه وتجعله كعاصفة رعدية، ودون أن ينتبه لنفسه وجد نفسه يصرخ بها : - ابعدي من قدامي زادت كلماته من قلقها وخوفها من تهوٌره، فهي تعلم غضبه جيدًا، وتعلم ما الذي قد يفعله وهو بهذه الحالة، لهذا السبب وقفت أمامه كالحائل وهي تقول بإصرار : - أنا مش هبعد غير لما تقوٌلي رايح فين اشتعلت النيران بعينيه وهو يصيح بها دون أن ينتبه إلى ما يقوله، فغضبه الآن هو ما يُحركه : - قولتلك ابعدي من وشي يا قمر بدل ما اتجنن عليكي التقطت بعينيها سلاحه الموضوع بخصره، تأكدت شكوكها بأنه لا ينتوي خيرًا أبدًا، فهذا الغضب ما إن يجتمع مع الأعيرة النارية، لا يُخلف وراءه سوى الدمار وربما يفقد حياته جراءه. - إ..إيه المُسدس ده ؟.... لؤي وحياتك عندي قولي إنت رايح فين ؟ تغيٌرت نبرتها إلى التوٌسل الأقرب إلى البكاء وهي تلح عليه أن يُطمئنها بأنه على ما يُرام وأنه لا ينوي على أي شيء، لكن تصرفاته أتت عكس توٌقعاتها ما إن وجدته يدفعها بحدة عن طريقه ويواصل سيره بهمجية صوٌب الباب عازمًا على تدمير ما حوله. واصلت الهرولة وراءه وهي تُناديه حتى يُجيبها ويتوقف عن السير لكنه لا يستمع لها أبدًا، فخطواته تقوده نحو الباب وعقله يقوده نحو التهلكة، لكنها لن تسمح له بالتهوٌر وقررت أن تستخدم آخر خياراتها حتى تطمئن عليه وتعلم سبب غضبه بتلك الطريقة. قطعت طريقه مرة أخرى، لكن هذه المرة أطلقت العنان لنظراتها بأن تخترق نظراته حتى تعرف ما يُخبئه عنها، تعهدت سابقًا بألا تستخدم التنويم المغناطيسي معه أو مع أي أحدٍ تعرفه، لكن الآن، إن لم تستخدم حيلتها، فلن تستطيع مساعدته قبل فوات الآوان. حدقت بعينيه عنوة حتى جعلته يهيم بها ويسقط في مُستنقع أفكاره وخيالاته، ما إن لاحظت تراخي أعصابه وشروده حتى سألته بنبرة هادئة : - هو في إيه ؟... إيه إللي عرفته وخلاك تتعصب بالشكل ده ؟ لم يكن ينظر إليها وهو يُجيبها بشرود : - عباس عرف الحقيقة .... عرف مكان داغر خليل الرفاعي ... أبوية بدأت عوالم الصدمة تزورها وهي تسأله : - وهو أبوك فين ؟ آجابها لؤي وهو لا يزال مُتغيبًا عن العالم : - أبوية هو طلال .... وطلال هو داغر ... لازم اخلص عليه احتقن وجهها مرة واحدة من تلك الحقيقة وبدأت أنفاسها تضطرب وهي تسأله عن عنوان القصر الخاص بطلال ويُخبرها لؤي بتغيِبٍ ويبقى في تلك الحالة لفترة حتى آعادته مُجددًا للحياة وأخذت قرارها بإيقافه عمَ ينوي فعله. عاد لؤي إلى الحياة يشعر وكأن شيئًا غريبًا حدث معه، فهو لا يعلم كيف توقف عن السير وسبب توُقفه هكذا مرة واحدة، ومع ذلك تجاهل الأمر وقرر المضي قِدمًا والعودة مُجددًا إلى غضبه الجحيمي الذي استوقفته قمر وهي تقبض على ذراعه متفوٌهة بإصرار : - لؤي متروحش أبوس إيدك ... طلال ده ممكن يعملك حاجة انفلت لسانها بسبب خوفها عليه وأخبرته دون أن تدري أنها علِمت الحقيقة، توقف لؤي عن السير ليُطالعها بنظراتٍ متوٌعدة والشكوك بدأت تتجمع برأسه، بل بدأت تتحوٌل إلى يقيناتٍ مؤكدة. - إنتِ عرفتي منين إني رايح لطلال ؟ سألها بجمودٍ وغلظة كادت تُذيب عظامها، تغيٌر لون وجهها إلى اللون الأصفر وهي تجيبه بارتباك، إذا أخبرته أنها مارست عليه تنوميًا مغناطيسيًا فربما تنتهي علاقتهما للأبد. - أنـ...أنااا... سمعتك وإنت بتتكلم اشتم رائحة كذبها فورًا فضيَق الخِناق عليها بكلماته الحادة : - أنا مجبتش سيرة طلال وأنا بتكلم ارتعدت أوصالها أكثر وبدأ العرق يتصبب من جبينها وهي تحاول الكذب بتحجج : - م..ما أنا ...أنااا_ قطعها لؤي بيقينٍ خرج منه بصوتٍ صاخب : - إنتِ نيِمتيني ؟.... رُدي عليـــا كانت على وشك البُكاء بسبب نظراته المُرعبة وصُراخه بوجهها، بدت كالعصفور الجبان وهي تُحاول التبرير له بارتباك : - والله كُنت خايفة عليك... مش عايزاك_ قطع حديثها بهجومٍ وهو يدفعها بقسوة عن طريقه صارخًا بوجهها : - وســـعي من قدامـــي ارتطم جسدها بقوة بالخزانة الصغيرة المجاورة لباب المنزل، سقطت على الأرض إثر دفعته القوية والتي جعلتها تتأوه ببعض الألم الطفيف الذي مُحي بعد لحظات، وجدته ينطلق كالصاروخ خارج المنزل دون أن يكترث لدفعته لها ودون أن يكترث للتهوٌر الذي سيقترفه، لم تستطع إيقافه هذه المرة وبقيت تنادي عليه بدموعٍ مُنهمرة وخوفٍ يضرب حصون قلبها، فهي تعلم أن القادم ليس هينًا... ليس هيِنًا أبدًا... عادت من ذكرياتها وهي داخل المنزل الخاص بإسلام وداليا تقص عليهما ما حدث، وكيف علِمت بما ينتوي لؤي فعله، أنهت حديثها وهي تستنجد بهما والدموع لا تزال على وجنتيها : - بالله عليكم اعملو حاجة ... لؤي مش هيقدر يخرج من بيت طلال عايش صدح جرس المنزل مُجددًا، فهرع إسلام نحو الباب ليفتحه ويجد أمامه شمس شقيقة قمر، لا يبدو على ملامحها أي من العوالم سوى بعض الارتباك الطفيف، توٌغلت شمس المنزل وهي تُرحب بهما بهدوءٍ ثم تتعجب من وجود شقيقتها هنا، خاصة بملامحها الباكية، تجاهلت معرفة ما حدث قبل مجيئها وقررت أن تبدأ الحديث مباشرة بقولها : - أنا كُنت عند ميجو الصُبح ... وهو... بترت حديثها وهي تُخرج الهاتف الخاصة بها وتعبث به حتى أظهرت عنوانًا لمعملٍ بأحد الأماكن النائية، مدٌت الهاتف نحو إسلام حتى يتفقد العنوان وهو يستمع إلى حديثها الجاد المحمل ببعض الخُذلان : - ميجو طلع بينقل أخبارنا لطلال ... عشان كدة .... عرفو إن جابر الله يرحمه كان مُتنقل كان الضيق يلوظ بآخر كلماتها لكنها أكملت الحديث بنفس تلك الجدية التي بدأت بها : - بس هو خلاص تاب ... ومبقاش يشتغل معاه تاني ... وقالٌي إن المعمل ده ... فيه كل الأوراق والمُستندات إللي ممكن تخلينا نوٌقع طلال وإللي معاه ... وإللي بالمناسبة اسمه داغر عبيد تفقد إسلام الهاتف لفترة بنظراتٍ مُقتضبة قطعها فورًا لضيق الموقف واضطرارهم لأخذ قرارتٍ سريعة قبل أن يفقدوا عُضوًا ثانيًا من فريقهم، آعاد الهاتف إلى شمس ليتجه بسُرعة نحو الخزانة مُنتشلًا معطفه ثم أخرج الصندوق الخشبي الذي يحتوي على الأسلحة التي قرر أن يستخدمها الآن، حانت اللحظة التي ينتظرونها منذ بدأت ملاحقتهم. - اتصلو بيهم كلهم ... خليهم ييجو على هنا في أسرع ما يُمكن أمرهم إسلام بصرامة فأخرجت قمر هاتفها بسرعة وبدأت تتصل بكوكي التي ستُخبر مُعتز بدورها بينما انتشلت داليا هاتفها وقررت الاتصال بيُسرى حتى تأتي هي وخالد، بينما اتصلت شمس بريتا وإسلام سيتصل بإحسان ومخيمر لأنهما بحاجة إلى أكبر عددٍ ممكنٍ بتلك المُهمة. ما إن أنهوا اتصالاتهم وتأكدوا أن الجميع سيأتي حتى عاود إسلام الحديث بلكنته القيادية وهو يقول باختصار : - أنا وداليا ومُعتز وخالد وقمر ويُسرى... هنروح بيت طلال ونلحق لؤي .... إحسان ومخيمر وريتا وشمس ... هيروحو المعمل يجيبو كل الأوراق والمُستندات المُهمة وكوكي هتساعدهم.... لازم نتحرك بُسرعة قبل فوات الآوان.... ___________________________ الخطر أمامك وأنت لا تراه، بل تذهب إليه بقدميك.... عيناه حمراء متقضة بالشرارات المُتلهبة، يداه تقبضان على السلاح الذي يُسلطه على طلال عازمًا على الفتك به، هناك اضطرابُ بسيطٌ يسري بجسده بسبب تلك الأسلحة المصوٌبة خلفه مباشرة، أي حركة سيقوم بها الآن ربما تضحى آخر حركة يقوم بها في حياته، ومع ذلك حافظ على ثباته الذي لم يتزعزع ولو لثانية وهو يقابل طلال بنظراته المُشتعلة ويقترب نحوه بخطواتٍ بطيئة لا تكترث لمحاولات طلال لاستفزازه. أطلق طلال قهقهة مُستخفة من جوفه وهو يواجه لؤي ببرودٍ لعله يستطيع استثارته، فكانت عيناه تزيغان في مكانٍ آخر بعيدًا عن لؤي مُدعيًٌا التذكُر أثناء قوله : - عارف يا لؤي .... اليوم إللي امك الله يرحمها هربت فيه من بيتي .... عرفت بعدها علطول إنها حامل مني زادت قهقهته وهو يواصل حتى يزيده غضبًا : - بيني وبينك كنت هبعت الرجالة يخلصو عليها .... بس قولت استنى ... استنى اشوف اللي هيطلع من صُلبي أطبق لؤي على أنيابه بغلٍ دفينٍ وهو لا يزال يصوٌب سلاحه أمام طلال الذي اقترب بخطواتٍ قليلة جعلته يقف مباشرة أمام لؤي ليُحدق بعينيه بتمعُن : - وأديني شوفت ... ومخيبتش ظني ... طلعت نسخة مني لما كُنت في سنك لم يتحمل لؤي أكثر من هذا وانقض على طلال انقضاضة الأسد على فريسته، أمسكه من تلابيبه ودفعه حتى استند ظهره بحافة المكتب، كاد الرجال يطلقون الرصاص عليه لولا إشارة طلال التي جعلتهم يبقون مكانهم يشاهدون لؤي وهو يقبض على ياقة القميص الخاص بطلال ويصرخ بوجهه بنيرانٍ تنطلق من كل شبرٍ بجسده : - إنت مش أبوية .... وأمي إللي إنت خطفتها واتسببت في موتها هتكون سبب من الأسباب إللي هتخليني اخلص عليك دلوقتي ... فاهم .... مش همشي من هنا بعد ما اخلٌص عليك قطع صُراخه صوٌت ضجيجٌ وطلقاتٍ نارية تصدح من خارج الحُجرة، اضطربت قلوب الحُراس والتفتوا نحو هذا الصوٌت حتى أمرهم كبيرهم بالخروج من الحُجرة ومعرفة سبب هذا الضجيج، وبينما كان الجميع مشغولًا بهذا الصوٌت إذا ينتهز لؤي الفُرصة ويركل طلال في معدته ركلته أسقطته وسمحت المجال للؤي بالانقضاض على الحارس الآخر الذي أطلق رصاصة عشوائية أحدثت شِقًا في الجدار. قبض لؤي على ذراع الحارس وأرغمه على إسقاط السلاح على الأرض ثم دفعه حتى ألصقه بالحائط حتى يُسدد له المزيد من اللكمات، لكن صلابة الحارس وقوٌته جعلت لؤي يجد صعوبة بالغة بالقضاء على ذاك الرجل فتركه ليلتفت صوٌب طلال حتى ينتهي مما أتى من أجله. أحس لؤي بحركة تأتي من وراء ظهره فعلِم فورًا أن طلال يحاول الهرب قبل أن ينال عقابه؛ دفع الحارس بقوة جعلته يسقط على المكتب ويُبعثر الأوراق والمُستندات بجسده، التفت بسرعة صوٌب طلال ليجده واثبًا قبالته بعد أن انتشل سلاح الحارس الذي ألقي على الأرض وقرر أن يستخدمه ليتخلص من لؤي قبل أن يتخلص لؤي منه. وضع لؤي يده بخِصره ليُخرج سلاحه ويصوٌبه هو الآخر بطلال ليُصبح كل واحد منهما على استعدادٍ لقتل الآخر، تحرك لؤي بضع خطواتٍ جعلته يتوقف أمام الباب مباشرة حتى لا يستطيع طلال الهرب، اقترب طلال نحوه خطواتٍ قليلة حتى أضحت المسافة بينهما لا تتعدى بضعة أمتار، بقيا على تلك الحالة لبضع ثوانٍ قطعها لؤي بانقضاضه مرة أخرى على طلال الذي أطلق رصاصة من سلاحه اخترقت الباب الذي أغلقه لؤي بعُنف قبل أن ينقض عليه مباشرة. كان الجدال أصعب من المرة السابقة وكأن طلال أدرك قوٌته وبدأ يستخدمها ليستطيع مجابهة لؤي رغم فارق السن بينهما، لكمه لؤي العديد من اللكمات مما جعلت الدماء تسيل من جوف طلال ولازالت عوالم الاستخفاف والثبات تلوح على وجهه. تدخل الحارس الآخر في تلك اللحظة وانقض على لؤي من الخلف ليُحيطه بذراعيه ويجذبه عنوة بعيدًا على جسد طلال، تلك الدفعة تسببت بسقوط السلاح الخاص بلؤي وسقوط جسده إثر الركلة التي تلقاها من هذا الحارس والتي آصابت ظهره. أحنى طلال جذعه بسرعة لينتشل السلاح الخاص بلؤي ويُعطيه للحارس الخاص به، كاد لؤي يثب مُجددًا عن الأرض لولا ركلة الحارس الأخرى التي جعلته يتأوه بصوٌتٍ مكتومٍ ويبقى مكانه يرمق طلال بنظراتٍ حاقدة. جفف طلال الدماء المُتدفقة من جوفه وهو يقترب من لؤي ويُشهر السلاح على رأسه بعد أن وثب مجددًا وكاد ينقض على طلال ويطيح به مرة أخرى لولا هذا الحارس الضخم الذي كبل حركته وأرغمه على الوثوب أمام فوهة السلاح التي يُشهرها طلال أثناء قوله الشامت : - مش قولتلك إنك مُغفل ... فاكر نفسك هتعرف تقتلني هنا تعالى صوٌت قهقهته المُستخفة ثم حوٌل نبرته إلى أخرى مُرعبة أثناء قوله المُقرر : - ملحوقة .... أهو درس واتعلمته ... متنساش بقى تطبقه في ... الآخرة... قالها وهو يضغط على الزناد ثم .... ___________________________ لم تمنعهم أصوات الغربال ولا صوٌت الرياح العاتية المُحملة ببرودة طفيفة تبعث الرهبة في النفوس، لم تمنعهم السماء الكاحلة والظلام الدامس عن تنفيذ تلك المُهمة الخطيرة لإنقاذ صديقهم والانتهاء من تلك المعارك للأبد، كل ثانية تمُر عليهم ربما تؤثر بحياة صديقهم وتجعله عُرضة للخطر، لهذا السبب لن يُضيعوا الوقت مجددًا هذه المرة، ولن يخافوا من المواجهة مرة أخرى. عافر مُعتز وهو يتسلق السور ويقفز من الجهة الأخرى ليضحى داخل الحديقة من الجهة الخلفية للقصر، تحرك وراء إسلام الذي يقود المسيرة وخلفه داليا مباشرة ثم قمر ثم يُسرى وخالد وأخيرًا، مُعتز، جميعهم يتحركون بخفة وانسيابية ويتلفتون وراءهم في كل ثانية حتى يتأكدوا أن لا أحد التقت مجيئهم، توقفت مسيرتهم عند شجرة صغيرة مليئة بالورود والأوراق الخضراء، أخفضوا جذعهم حتى جلسوا على رُكبتيهم يستمعون إلى إسلام الذي كان يقول بصوٌتٍ خافت : - أنا وداليا ومُعتز ... هنأمن الطريق من جوة .... يُسرى وقمر وخالد هيروحو يلحقو لؤي ... أمين ؟ أومأوا رؤوسهم بصمتٍ وكانت الأسلحة بأيديهم لأنهم بالطبع سيستخدمونها حتى ولو لم يقتلوا أحدًا، رفع إسلام جذعه ليبدأ تنفيذ الخطة واختراق القصر بصدرٍ رحبٍ أوقفه صوٌت الإنذار الذي يُطلق ما إن يتم التقاط الدُخلاء بكاميرات المُراقبة. ارتفع صوٌت الإنذار أكثر حتى بدأ يختلط مع صوٌت الحُراس وهم يُهرولون في الحديقة ويبدأون باطلاق الرصاصات بصورة عشوائية هدفها الترهيب؛ ارتعدت أوصال إسلام وهو يعود مجددًا إليهم ليهتف بصوٌتٍ مُرتجف يختلف تمامًا عن اللكنة القيادية التي بدأ بها الحديث : - الخطة اتغيرت ... أنا وداليا هندخل القصر من قُدام عشان ندوٌر على لؤي ... قمر ويُسرى هيدخلوا من الباب إللي ورا ويدوٌرو معانا .... مُعتز وخالد هيفضلو هنا يشتتو الحُراس توقف عن الحديث بُرهة ليوٌجه حديثه صوٌب مُعتز وخالد : - بتعرفو تضربو بالمُسدس ؟ حركا رأسيهما نفيًا فواصل إسلام حديثه : - قشطة ... يلا نبدأ آشار إسلام بيده صوٌب داليا حتى تتبعه ويبدأ كلاهما الركض بسُرعة صوٌب الباب بينما بدأ خالد ومُعتز بإطلاق رصاصاتٍ عشوائية استطاع الحراس الانتباه لها وملاحقتها حتى يستطيع إسلام وداليا الولوج من الباب الرئيسي بعد أن استطاعا فتح الباب بصعوبة. كان القصر فسيحًا مليئًا بالتماثيل الباهظة والأثاث الكلاسيكي العتيق، ارتعدت أنفاسهما وهما يتوُغلان القصر أكثر ويتلفتا في كل مكانٍ بحثًا عن لؤي، داهمهما صوٌت رصاصة نارية جعلت جسديهما ينخفض تلقائيًا ويبدأ إسلام بالصياح بداليا حتى تتحرك بُسرعة بعيدًا عن أولئك الرجال. استطاعا صعود السُلم ومواصلة الركض عازمين على اختراق الغرف لعل لؤي داخل واحدة منهم، تسمرا مكانهما مرة واحدة عقب ظهور هذا الرجل أمامهما بصورة مفاجئة : - رايحين على فين ؟ سألهما هذا الرجل ذو الملامح الجافة والنظرات الغريبة، أحس إسلام بالخطر اتجاهه فرفع سلاحه قبالته وهو يقول : - طلال فين ؟ ... قول بدل ما اضربك بالنار لم تتغير ملامح الرجل وهو يقترب نحوهما مُشيرًا على نفسه أثناء قوله : - تضربني أنا ؟ بدت كلماته مستهزئة لكنها لم تؤثر بهما أبدًا، حافظا على ثباتهما وهما يرمقانه بنظراتٍ متُحدية وهذا السلاح الذي يُشهره إسلام دون تزعزع. - طلال فين ؟ سأله إسلام مُجددًا فما كان من ذاك الرجل الغريب سوى أنه قال بإصرار : - ولو قولتلك إني مش هقولك ... هتعمل إيه ؟ ربط الرجل ذراعيه ببرودٍ مع آخر كلماته بينما أردف إسلام بصوٌتٍ حادٍ صارمٍ : - لو مش هتقول هو فين .... يبقى تبعد من قدامنا وخلينا نعرف بنفسنا تقدم الرجل نحوه أكثر حتى التصق بفوهة السلاح لعلها إشارة لعناده وعدم خوفه منهما : - للأسف الاختيار ده كمان مش موجود .... فياريت تمشو من هنا قبل ما تشوفو حقيقتي شدد إسلام من قبضته على السلاح وقد شعر بالغضب الطفيف اتجاه هذا الرجل، لكنه مع ذلك لم يُظهر حنقه أبدًا وهو يقول : - براحتك .... بس خليك فاكر إني حذرتك كاد يضغط على السلاح رغم ارتجافة أطرافه، كان ينوي فقط أن يطلق رصاصة على قدمه دون أن يقتله، فقط يريد ابعاده عن طريقهما والسماح لهما بولوج الغُرف والبحث عن لؤي، لكن فجأة... قبل أن يضغط على الزِناد وجد جسده ينتفض فجأة ليُطلق شهقة مسموعة أنهاها في مكانٍ غريبٍ وثيابٍ غريبة يعرفها جيدًا. اخترق هذا الرجل الغريب جسد إسلام وأضحى هو من يمسك السلاح ويُشهره على إسلام الذي وجد نفسه داخل جسد هذا الغريب يرمق ابتسامته الشيطانية وكلماته الباردة المُعرفة لذاته : - نسيت اعرفكم بنفسي ... أنا وهدان ... من المتنقلين.... أزاحت يُسرى باب النافذة الزجاجي لتستطيع اقتحام المنزل بصُحبة قمر التي دلفت إلى الداخل بهدوءٍ وخطواتٍ متأنية حتى لا يلمحها واحد من الحُراس، فجميع الأصوات تتداخل خلف أذنها وصوٌت الإنذار لا يزال يطرق برأسها ويُزيدها شعورًا بالخوف والارتعاد، لكن مهما كانت حدة هذا الخوف، لن يُضاهي أبدًا خوفها وقلقها على لؤي الذي رُبما حياته في خطرٍ الآن. تحرك كلاهما بانسيابية إلى الداخل حامدين ربهما بأن لا أحد لمح وجودهما، لكنهما لم يكادا ينتهيا من الحمد حتى داهمتهما أصوات أقدامٍ تهرول نحوهما وأخرى تأتي من وراءهما في نفس التوقيت. تهدجت أنفاسهما وأحسا وكأنهما محاصرين بين هذين الحارسين، من شدة توترهما وجدا أقدامهما تمتنع عن الحِراك وتتصلب مكانها وكأنها تُسلمهما للتهلكة. وجدا سلاح الرجل مصوٌبًا عليهما ونظراته النارية تخترقهما، لا ينوي قتلهما لكنه متأكد من أنه سيقبض عليهما حتى يراهما طلال ثم ينتهي منهما بعدها. داهمهما الرجل الآخر بسلاحه من وراء ظهريهما ولأنهما لا يمتلكان أية أسلحة، فقررا أن يتوُقفا عن المحاولة ويرفعا أيديهما في استسلام، هذا الاستسلام لم يدم طويلًا عندما آشارت قمر بإصبعها صوٌب يُسرى التي التقطت إشارتها فورًا واستعدت لما سيحدث. ما هي إلا بضع ثوانٍ حتى اخترقت نظرات قمر كيان الحارس الذي يقف أمامهما والذي وجد عضلاته تتراخى فجأة ويرتمي بجسده الثقيل على الأرض مُحدثًا صوتًا يُشعرك وكأنه بناية شاهقة تم هدمها بسبب زلزالُ قاتل، في نفس تلك اللحظة آعادت يُسرى مرفقها للوراء وقبضت على ذراع الرجل الآخر الذي وجد سلاحه يسقط عن يده عنوة بعد أن أطلق منه رصاصة طائشة، ركلته يُسرى بقدمها أسفل معدته لتجعله يتقوٌص من الألم وتستطيع هي أن تستخدم المزيد من مهاراتها القتالية لتركله مُجددًا في رقبته مما أدى إلى فُقدانه الوعي. حاولت يُسرى تنظيم أنفاسها بعد هذا العِراك القصير الذي انتهى بنجاحها، آشارت بإصبعها للأمام حتى تستمر قمر بالهرولة والبحث عن لؤي، لاحظا الأرائك الراقية العتيقة وتلك التماثيل التي تُغرق أركان المنزل الكبير، وما لاحظاه أيضًا هي تلك الأصوات المألوفة التي تنبعث من إحدى الغُرف. - لؤي ... ده صوٌت لؤي قالتها قمر بارتعادٍ وصوٌتٍ خافتٍ بعد أن استطاعت تمييز صوٌته الذي اختلط مع صوٌت طلال المستخف، هرولت قمر بسُرعة صوٌب الحجرة ووراءها تهرول يُسرى وتتلفت يمينًا ويسارًا حتى لا يُفاجئهما شخصٌ آخر، لكن فجأة.... تيبست أجسادهما مرة واحدة إثر صوٌت الطلقة النارية التي انبعثت من داخل الحُجرة المرادة وجعلت قمر تصرخ بهلع : - لــــؤي .... رغم الظلام الحالك وانعدام الرؤية، واصلا اطلاق النيران في مناطق عشوائية حتى يتشتت بقية الحُراس ولا يُلاحظوا وجود بقيتهم داخل القصر، وجدا مجموعة من الحُراس يهرولون نحوهما فوثب خالد بُسرعة ووراءه مُعتز حتى يهرولا بعيدًا ويختبأا مُجددًا أسفل شجرة من الأشجار. تنفس مُعتز بصعوبة والعرق يتصبب على جبينه بسبب الركض، فهما يُطلقان النيران ثم يهرولان منذ دخل بقيتهم هذا المنزل. - علينا أن نصمد قالها خالد بتشجيعٍ وهو يرفع جذعه قليلًا ويُطلق طلقة من سلاحه حتى يُدافع عن نفسه ويواصل تشتتيهم، رفع مُعتز جذعه هو الآخر ليقوم بنفس الشيء لكنه تفاجأ بأن الرصاصات قد نفدت من سلاحه. تأفأف مُعتز وزمجر وهو يخفض السلاح ويسأل خالد : - الرصاص خِلص ... معاك خزينة تانية ؟ نفى خالد برأسه وهو يُجيب : - من أين لي بخزينة أخرى ؟ رفع جذعه بعدها ليُطلق رصاصة أخرى وهو يقول بطمأنينة : - لا تقلق ... سأشتتهم بسلاحي وقبل أن يُنفذ حديثه اكتشف أن الأعيرة النارية قد نفدت أيضًا من سلاحه، هذا ما جعله يخفض ذراعه بخُذلانٍ وعلامات اليأس والاستسلام تُرتسم على وجهه، لاحظ مُعتز تلك الكارثة فسأل ببعض الذعر : - هنعمل إيه دلوقتي ؟ آجابه خالد بقلة حيلة : - لا يوجد أمامنا سوى الاختباء حتى يأتوا من الداخل أومأ مُعتز بموافقة وبقي مكانه مُنفذًا تعليمات خالد التي قطعها صوٌت زِنادٍ صدى طنينه خلفهما مباشرة وجعلهما يلتفتان عنوة بضربات قلبٍ تتصاعد في هلع خاصة مع كلمات هذا الرجل وهو يُشهر سلاحه عليهما : - ارمي سلاحك إنت وهو.... ___________________________ توقفت السيارة التي يقودها مخيمر في منطقة نائية محفوفة بالأشجار الكثيفة والرياح الهادئة، كان إحسان يجلس بجواره بينما في المقاعد الخلفية، تجلس ريتا بجوار كوكي ثم شمس الجالسة بجوار النافذة من جهة اليمين، وُضع الحاسوب على فخذ كوكي التي كانت طوال الطريق تُحدق به بإمعانٍ لعلها تستطيع الوصول إلى مرادها. كانت النظرات المُترقبة حولها تُغرقها وتنتظر إشارتها حتى يبدأو الخطة، فما هي إلا بضع دقائق حتى رفعت كوكي عينيها عن الحاسوب كي تهتف بانتصار : - I did it " فعلتها " علموا فورًا أنها نجحت باختراق الكاميرات والوصول إلى خريطة لهذا المبنى الذي يُشبه المعمل في تكوينه على الرغم من الأعمال غير القانونية التي تُجرى بداخله. ما إن تلقوا الإشارة من كوكي حتى هرعوا من السيارة تاركين كوكي داخلها لعلها تُراقب ما يحدث حولهم وتُنبههم إذا وجدت خطرًا، انقسم أربعتهم إلى فريقين، فكانت شمس تسير على الحشائش برفقة ريتا بينما تحرك مخيمر مع إحسان الذي كان يرتدي حقيبة على خصره كما تفعل شمس بالضبط، فتلك الحقائب من المُفترض أن يوضع داخلها الأوراق المُهمة. اتجهت ريتا بجرأة صوٌب الباب الرئيسي لتتقابل نظراتها الواثقة مع الحارسين اللذين حدقا بهما في حدة : - بعد إذنك يا أنسة ... ممنوع الدخول هنا قالها الحارس بحدة موٌجهًا حديثه صوٌب ريتا التي لم تكترث له بُتاتًا وهي تقول : - بس أنا لازم ادخل ... في حاجة مهمة جوة لازم اجيبها احتدت نظرات الحارس أكثر كما وضع الحارس الآخر يده على خًصره استعدادًا لإخراج سلاحه وتهديدهما، أدركت ريتا للوهلة الأولى ما ينويان فعله فسلطت نظراتها الثاقبة على الرجل المواجه لها وبقيت تُحدق به بإمعانٍ حتى... تلاشت عوالم الغضب والحدة وحلٌ محلها سعادة ولهفة لا يعلم من أين أتته، وجدته يبتسم ابتسامة واسعة وهو يرضخ لطلباتهما : - أنا عنيا ليكم يا بهوات ... اتفضلو اتفضلو قالها وهو يفسح المجال لهما بدلوف المعمل بينما ازدادت نظرات الحيرة على زميله وهو يقول بتوبيخ : - إيه إللي بتعمله ده ؟... دكتور داغر منبه علينا إن محدش يدخل المعمل_ قطعته ريتا وهي تقول بصرامة وثقة : - وهو دكتور داغر مقالكش أنا مين ولا إيه ؟ هي ليست شخصًا مهمًا بالنسبة لداغر، فهو بالأحرى لا يعرفها من الأساس، لكنها فقط تقول هذه الكلمات حتى تجعله ينظر لها ويتلقى سهامها التي القتها فور أن تقابلت عينيهما مما أدى إلى جمود الرجل لبُرهة من الزمن قبل أن تتحوٌل نظراته إلى ابتسامة واسعة ونشوة تعادل نشوة زميله التي لا يعلم من أين أتى بها. - لا مؤاخذة يا أنسة ... اتفضلو براحتكم قالها الحارس بابتسامته الواسعة وهو يسمح لهما بالدخول مما جعل ريتا تتقدم المسيرة بخطواتٍ واثقة وجوارها شمس بعوالم الحيرة التي ارتسمت على وجهها وهي تقول : - واو ... إنتِ إزاي عملتي كدة ؟ رسمت ريتا بسمة فخورة على ثغرها وهي تقول : - هي قمر مقالتلكيش أنا بعمل إيه ؟ نفت شمس برأسها فواصلت ريتا الحديث بتفسيرٍ يحمل الكثير من التبهنس : - بتحكم بطاقة اللي قدامي ... يعني بنظرة مني، أقدر أخليه مبسوط متضايق مخنوق حاسس بالذنب ... إللي أنا عايزاه رفعت شمس حاجبيها بذهولٍ وهي تواصل السير بجوار ريتا حتى بدأا يتحركان بسهولة داخل رُدهة المعمل، مرٌت بينهما بُرهة من الصمت قطعتها شمس بتساؤلٍ : - هندوٌر فين ؟ آجابت ريتا وهي تُسرع قليلًا من خطواتها : - هنحاول ندخل الأوٌض الفاضية الأول... لم تكد تُنهي حديثها حتى اخترقهما صوٌت صياحٍ يُصدر من أحد الحراس الذين بدأو بالهرولة نحوهما هاتفين : - امسكو الاتنين دول بسُرعة .... تسلق مخيمر النافذة ببعض الصعوبة بسبب جسده الهزيل قليل المرونة، تبعه إحسان بتسلق تلك النافذة وساعده مخيمر حتى استطاع كلاهما ولوج المعمل دون أن يلحظهما أحد، وجدا نفسيهما داخل المرحاض ففتح إحسان حقيبته ليُخرج منها معطفًا أبيضًا ليُعطيه لمخيمر الذي ارتداه مُدعيًا بأنه طبيبٌ أتى هنا للعمل، ارتدى إحسان واحدًا مثله ثم خرج كلاهما من المرحاض بعد أن تلفتا يمينًا ويسارًا ليتأكدا من أن الطريق آمنًا. فتح مخيمر هاتفه ليرمق تلك الخريطة التي أرسلتها كوكي لتُسهل عليهما البحث، تحرك بعدها داخل الردهة ووراءه إحسان حتى توقف كلاهما أمام حُجرة مُغلقة يعتقد مخيمر أنها حُجرة مهمة. وضع مخيمر يده على المقبض وبدأ يُحركه ببعض العنف الذي انتهى بخيبة أمله لعدم مقدرته على فتح الباب؛ أزاحه إحسان قليلًا ليُخرج من حقيبته مِفكًا صغيرًا كان يضعه بالحقيبة تحسُبًا لما يُمكن أن يحدث، فكان يقول بطمأنينة وهو يُدثر نصل المِفك داخل فوهة المُفتاح : - ابوية كان حداد... قالها وهو يُحرك المِفك بمهارة جعلته ينجح بفتح باب الحُجرة ودخولها برفقة مخيمر، كان بالحجرة العديد من الأرفف والخزانات الصغيرة التي تحتوي على مزيجٍ من الأوراق والعقاقير المجهولة، أغلق إحسان الباب ثم هرول بسُرعة نحو الخزائن ليتفقد ما بداخلها لعله يجد أوراقًا مهمة، بينما اتجه مخيمر بدوره صوٌب العقاقير ليتفحصها بدقة كونه عالمًا ومُدركًا جيدًا لهذه العقاقير. - أفيون .... دي مادة مُخدرة ومينفعش تبقى مع حد قالها مخيمر بثقة بعد أن تفحص العقاقير بدقة ثم أخرج هاتفه وبدأ يلتقط العديد من الصور لتلك العقاقير وهي بجوار بعضها، كما وضع عينة صغيرة منهم داخل جيب معطفه على أمل أن يتفحصها مُجددًا ويتأكد من استنتاجاته. على جهة أخرى كان إحسان يتفقد الأوراق بتركيزٍ أنهاه بقوله الواثق : - تقريبًا كدة دي صفقات مشبوهة .... عقود استلام شُحنة مُخدرات وسلاح .... وبيع أعضاء وثب عن الأرض متفوٌهًا : - إحنا ممكن نسلم دول ونخلص منهم خالص نفى مخيمر حديثه بتبريرٍ : - لأ .... الورق ده مش دليل أكيد .... لسة الدليل الأكيد مش هنلاقيه هنا قطب إحسان حاجبيه وهو يسأل بحيرة : - أومل فين ؟ لم يُجيبه مخيمر وانطلق بقدميه خارج الحُجرة ووراءه إحسان الذي لا يعلم إلى أين سيذهب لكنه واثق من أن مخيمر يعرف كيف يدينهم جيدًا، توقفا أمام حُجرة أخرى ليفتحها مخيمر بسهولة لأن بابها لم يكن موٌصدًا كالحُجرة السابقة. كان يوجد مكتبًا أنيقًا أمامه مقعدٌ من الجلد الأسود وطاولة صغيرة لا يتعدي طولها مُنتصف الرُكبة، دلف مخيمر هذه الحُجرة التي يعلم جيدًا أنها المكتب الخاص بداغر وطلال، فهناك مكتبين بتلك الحُجرة وربما يوجد هنا العديد من الأدلة المؤكدة. عاودا البحث مُجددًا وهذه المرة كان البحث أكثر تعمقًا واجهادًا مما جعل قطرات العرق تنساب على جبينهما، وجدا خزنة حديدية تقبع أسفل المكتب فخفض مخيمر جذعه ليحاول فتحها دون أية جدوى بسبب احتواءها على الأرقام السرية، حاول مخيمر دفعها للأمام والخلف بحركاتٍ تكرارية زادت من جُهده واستسلامه. ابتعد عنها بعد العديد من المحاولات وهو يقول : - لازم نلاقي طريقة وجد إحسان يهرول نحوه ومعه ورقة صغيرة قد وجدها مُتدثرة بين الأغراض الخاصة بطلال، ما كُتب على هذه الورقة من كلماتٍ كان كفيلًا ببثهما ببعض الشك : - مخيمر .... بُص كدة اعطاه إحسان الورقة ليقرأ مخيمر هذه الكلمات القليلة التي كانت " لو عايز تفتحها ... يبقى افتكر عيد ميلاد حد كان عزيز عليك " قطب مخيمر حاجبيه بإبهامٍ من تلك الرسالة الغامضة التي بات متأكدًا أنها تحتوي على الرقم السري الخاص بالخزنة، ذابت الورقة بين يديه من كثرة إمساكه بها وزيادة مُدة تفكيره حول ما تحتويه تلك الورقة. -تفتكر داغر ده كان مصاحب ؟ ... ولا يمكن قصده على أمه ؟ قالها إحسان بتفكيرٍ لم يرد عليه مخيمر الذي كان في عالمٍ آخرٍ يُعيد تلك الكلمات القليلة على مسامعه، إذا أردت أن تفتحها، تذكر عيد ميلاد شخصٍ كان عزيزًا عليك، ثم أخذ يُكرر بعض الكلمات التي كانت تذكر، عيد ميلاد، كان عزيزًا عليك. توقفت أفكاره مرة واحدة بعد أن أتاه الحل الذي رُبما يساعدهما على فتح الخزنة؛ خفض جذعه بسُرعة صوٌب الخزنة وبدأ يضغط بضعة أرقامٍ يعرفها جيدًا ويظن أنها الحل لهذا اللغز. وكانت ظنونه صائبة حينما وجدا الخزنة يتم فتحها لتبدأ عوالم الانتصار تلوح على وجهيهما وهما يجدان هذا الكم من النقود والمزيد من الأوراق والعقود مع ذاكرة وميضية ستزيد من أدلتهم. جذب مخيمر تلك الأوراق بسُرعة ليضعها داخل الحقيبة الخاصة بإحسان الذي كان يسأله كيف علِم كلمة المرور بهذه البساطة، ومخيمر لا يُريد أن يُجيبه خوفًا من فتح دفاتر الماضي التي جاهد حتى يقوم بطيِها. - هو إنت تعرف مين المقصود بالرسالة دي ؟ سأله إحسان مجددًا رغبة في اضمار فضوله وما كاد يُجيبه مخيمر حتى اخترقهما صوٌت الباب وهو يُفتح فجأة ويتزامن مع صوٌتٍ بدا مُشتاقًا ومهددًا في الوقت ذاته. - وازاي بقى ميعرفوش ... هو في حد ينسى عيد ميلاد أخوه ؟ رفع مخيمر نظراته بحدة صوٌب داغر الذي اخترق الحُجرة ومعه حارسين يُشهران أسلحتهما بعد أن تلقيا خبرًا بوجود دُخلاءٍ في المعمل.... ____________________________________ عندما يتعارك الذئب مع سليله، لا يضحى هناك فائدة من قوتهما، فالنظرات الماكرة تُستخدم كالسيوف الحادة... هكذا كانت نظراته وهو يحاول التملص من قبضة الحارس وأمامه طلال يُشهر سلاحه على رأسه عازمًا على التخلص منه لكنه يُريد أن يُذيقه من الألم أطنانًا أولًا حتى يندم على قرار مجيئه إلى هنا. شدد طلال من قبضته على سلاحه قبل أن يضغط على الزناد و... انطلقت رصاصة من السلاح صوٌب رأس لؤي لكنها لم تنجح بتأدية مُهمتها عندما استخدم لؤي كل ما لديه من قوة وهو يحني جذعه لتخترق الرصاصة رأس الرجل الذي كان يُحاوطه بذراعيه وينحني بجسده مع لؤي، ولأن الحارس كان أكثر ضخامة، فكانت جُمجمته هي التي تلقت تلك الرصاصة مما أدى إلى انفجار رأسه وتناثر الدماء في كل مكان مع جسده الذي خمدت حركته وروحه التي صعدت إلى السماء. حرٌك لؤي جسده بعيدًا عن هذا الحارس الذي لقى حتفه وسقط كجثة خامدة على الأرض، انقض بعدها على طلال وقبض على يده المتشبثة بالسلاح، أطلق طلال العديد من الرصاصات الطائشة وهو يحاول إبعاد لؤي عنه لكن صلابة لؤي وغضبه العارم منعاه من الهرب وأرغماه على الاتصاق بحافة المكتب يحاول جاهدًا أن يتحرر من قبضة لؤي ونظراته الجحيمية. - مش كُنت بتقول إني عُمري ما هبقى زيك ومش هقدر أقتلك ... أنا بقى هوٌريك إني هقدر اخلص عليك .... عشان أنا أسوأ منك ضيَق الخِناق على طلال الذي شعر وكأن أنفاسه تتقلص بينما قبض لؤي على السلاح وألصق فوٌهته بصدر طلال الذي كان محافظًا على ثباته رغم أنه على وشك أن يتلقى مصيره النهائي، وموتته الشنيعة، بات يُنفض تلك الأفكار التي اجتاحت عقله وجعلته يتخيل تلك الرصاصة وهي تخترق صدره من مسافة الصفر وتُحدث فجوة في جسده بعد أن تمُر من الجهة الأخرى، كانت تلك التخيلات تطوف في ذهن لؤي هو الآخر وهو يكاد يضغط على الزِناد عازمًا على الفتك بذاك الحقير والانتقام لوالدته المسكينة وجابر الذي لم يستحق تلك الميتة، وما كاد يضغط على الزناد حتى .... - لـــؤي دوٌى هذا الصوٌت المألوف الأجش بأذنيه وجعله يلتفت نصف التفاتة ليرى قمر تقف خلفه مباشرة بأعينٍ حمراء ودموعٍ متوٌسلة تنساب على وجنتيها وهي تقول : - لؤي سيبه بالله عليك .... متضيعش مُستقبلك عشان واحد زي ده كان يعلم منذ البداية أن ما يفعله ضربٌ من الجنون، وربما يُحكم عليه بالسجن أو الإعدام حينما تعرف الشُرطة أنه تسبب بقتل طلال_ الرجل البريء في نظر العدالة_ خاصة وهو قد اقتحم منزله ومعه سلاحه وهناك العديد من الأدلة التي تثبت وجوده ووجود جميعهم. - عشان خاطري سيبه ... لو بتحبني سيبه لم يُرد أن تؤثر كلماتها على قراره فأخذ يصرخ بها : - ابـــعدي يا قمر .... سيبني أعمل إللي جيت علشانه تقدمت قمر نحوه بخطواتٍ مُرتجفة ودموعٍ تنهمر على وجنتيها وهي لا تُريد أن تتخيل مظهره وهو بالثياب الحمراء يتلقى حُكم الإعدام، لا تريد تخيَل نفسها تجلس وحدها في المنزل وربما تعود إلى منزل أسرتها بسبب وجوده بالسجن بتُهمة القتل. - لأ مش هسيبك تعمل إللي في دماغك ... مش كل شوية تنفذ إللي إنت عايزه قالتها بصُراخ ودموعٍ مُنهمرة وهي تقترب نحوه أكثر وتضع أناملها على كتفه لعلها بتلك اللمسة تُهديء القليل من روعه. - أنا مش هقدر اعيش من غيرك ... مش هقدر اشوفك وهما بيحكمو عليك بالإعدام .... أبوس إيدك متعملش كدة ... فكر فيا ... فكٌر في طنط ثناء وعمو عبد الصبور ... فكرٌ فينا انخرطت في البكاء عقب كلماتها مما جعل الانفطار يشق قلبه ويجعل أصابعه تتراخى ولاتزال النيران تتمثل في عينيه، عاد عقله إلى رأسه مجددًا وهو يُفكر في مدى التهوٌر الذي كاد يرتكبه، كاد الغضب يُصيبه بالعمى ويجعله يُنهي مُستقبله ويُعرض حياتهم للحسرة والضيق، يكفيهم وفاة أحد أصدقائهم وتعرضهم للتهديد أكثر من مرة، لن يتحملوا انتهاء حياته هو الآخر بعد أن يتم سجنه ويلتف حبل المِشنقة حول عُنقه. بدأت أنفاسه تتهدج وهو يخفض السلاح ولا يزال يقبض على ياقة الملابس الخاصة بطلال، بدت كلماته هادئة مُطمئنة وهو يقول بصوتٍ رخيمٍ مُحملٍ بالحرقة التي أخفاها جيدًا حتى تهدأ قمر وتكُف عن البكاء : - متنخافيش يا قمر .... مش هعمل حاجة... مش هضيَع نفسي عشان واحد زي ده ما إن أنهى حديثه حتى رماه طلال بضحكة مُتهكمة ساخرة استمرت لفترة حتى قال : - عال أوي يا حضرة الظابط سابقًا .... تلاشت بسمته مرة واحدة ليحلٌ محلها ابتسامة شيطانية وضع معها يده في جيبه بالخفاء ثم قال : - بس انا بقى مش فارق معايا ده كله ... ولا إنت فارق معايا أنهى حديثه بعد أن أخرج مديٌة كانت تتدثر بجيبه وأظهرها بالخفاء ليقوم بغرزها ببطن لؤي الذي صدمته تلك الحركة المفاجئة وجعلته يتأوه في صمتٍ استقبل معه صُراخ قمر وكلمات طلال وهو يغرز نصل المدية في أحراش لؤي التي شعر بتمزقها : - متنساش توٌدع السنيورة يا ... ظابط سابقًا أخرج مديٌته الملوثة بالدماء من بطن لؤي الذي تقوٌص لفترة ثم ارتمى على الأرض والدماء الغزيرة تنبثق من جسده، انقبض قلب قمر وشعرت وكأنها ستهوٌي على الأرض، شعرت وكأن روحها ستتخلٌى عن جسدها وهي تُشاهد الدماء المُتدفقة من جسد زوجها وصوٌت تأوهه الصامت الذي يخفُت تدريجيًا وكأن روحه تترك جسده، حتى أنها لم تُلاحظ طلال الذي مرٌ بجوارها وترك الحُجرة بأقدامٍ تهرول. هرعت قمر بسُرعة صوٌب جسد لؤي ودموعها تزداد انهمارًا، وضعت أناملها المُرتجفة على جسد لؤي وبدأت تناديه لعله يستجيب لها ويُخبرها أنه بخير، كانت يداه مليئة بدماءه لكنها لم تشعر بالاشمئزاز وهي تتشبث بها وتحاول أن تُشجعه على الصمود حالما تأتي سيارة الإسعاف. - لؤي ... لؤي بالله عليك رُد عليا .... لؤي... زادت حدة بُكاءها وهي تدعوه للحديث معها وتتشبث بنظراته الجاحظة وكلماته المتُقطعة التي قال معها : - أنا... آ..آسف غامت عينيه مرة واحدة وارتخت أصابعه تمامًا مما جعل ضربات قلبها تزداد أكثر خاصة وهي تُراقب أنفاسه التي بدأت تختفي تدريجيًا، انهمرت دموع قمر أكثر وبقيت تُحركه بهستيرية تزامنًا مع مجيء يُسرى التي كانت تؤمن الطريق في الخارج وتُشتت بعض الحُراس حتى تنتهي قمر من مُهمتها. تجمدت يُسرى مكانها على حافة الباب وهي تراقب بركة الدماء التي تُلطخ الحُجرة وكأن مذبحة القلعة أعيدت بها، تصلٌب جسدها أكثر وهي ترمق قمر تجلس وسط بركة الدماء هذه تتشبث بيد لؤي الذي كان ساكنًا تمامًا.... ما إن داهمهما صوٌت هذا الحارس حتى شعرا وكأن هذه هي النهاية، لا يوجد معهما أية أسلحة، ولا يوجد أحدٌ لإنقاذهما، فالجميع الآن يحتاج لمن يُساعده، لذلك فعلى الجميع أن يتوٌلى مهمة مُساعدة نفسه. ازدرد خالد ريقه بهلعٍ وهو يرفع يده باستسلامٍ كما فعل مُعتز هو الآخر، بعد بُرهة من الصمت والتحديق بهذا الحارس، انحنى خالد بجذعه صوٌب مُعتز بعد أن أتته فكرة ربما تنجدهما مما يُمكن أن يحدث : - نفذٌ ما سأقوله ... لدي خٌطة اقترب خالد أكثر من أذن مُعتز وبدأ يهمس له بصوتٍ خافتٍ بالكاد يُسمع، بينما شدد الحارس قبضته على سلاحه وهو يقول : - يلا اتلحلح انت وهو .... وثب خالد عن الأرض ويليه مُعتز الذي أخفض يديه ليقول بارتباكٍ حاول جاهدًا أن يجعله مرِحًا : - إيه يا رياسة .... معقولة يعني ... هتقبض على زمايلك قوٌص الحارس حاجبيه بإبهامٍ من حديثه غير المفهوم والذي جعله يسأل : - زمايلي مين ؟ آشار خالد على نفسه ثم على مُعتز وهو يُجيب : - نحن ... نحن زُملائك رسم بسمة مُزيفة على ثغره وهو يُنهي الحديث لعله يؤثر على الحارس ويستميله لخدعتهما، لكن الحارس بقي محافظًا على نظراته الصارمة وهو يقول : - أنا شوفتكم بعنيا وانتو بتضربو علينا تصبب العرق على جبين مُعتز وهو يبادل نظراته المرتبكة صوٌب خالد ثم يُعيدها مجددًا نحو الحارس كي يواصل كذبتهما : - نضرب على مين بس ... دا إحنا كنااا ... رمق خالد بنظرة عابرة جعلته يخطتف بعض الأفكار ثم يُعيد نظراته صوٌب الحارس متفوٌهًا : - كنا بنضرب على ناس تانيين .... ناس كانو بيحاولو يدخلو الفيلا بدأت الشكوك تُحيط بالحارس الذي سألهما : - الناس إللي كانو معاكم ؟ أومأ مُعتز رأسه وهو يُجيب بحماقة : - أه هُما... تلقى ضربة على كتفه من خالد الذي نبهه بأنه يكاد يفشي عن أصدقائهما؛ أدرك مُعتز فورًا ما كاد يرتكبه من حماقة مما جعله يُعدٌل من نبرته وهو يقول : - لــ...لأ ... مش هما ... ناس تانيين كانو بيحاولو يدخلو الفيلا عشان يسرقوها لاحت بينهم فترة طويلة من الصمت والنظرات المُتشككة التي يقذفها الحارس اتجاههما إلى أن قال : - بس أنا أول مرة اشوفكم هنا تلعثم خالد قليلًا قبل أن يحاول التبرير له : - هذا لأنها أول مرة لنا في الحِراسة قطٌب الحارس حاجبيه وهو يُشير على خالد مُعلقًا : - وهو في حارس بيتكلم كدة ؟ تدخل مُعتز بالحديث ليُحيِك كذبتهما : - أصله حارس مُثقف أنهى الحديث بابتسامة بلهاء لم تؤثر بذاك الحارس مُتصلٌب الرأس والذي بدأ يُستمال لكذبتهما لكن لا تزال هناك بعض الشكوك تساوره وتجعله يعزم على التأكد منها : - أنا هكلٌم طلال بيه واسأله عليكم ... مش عايز اسمع صوٌت أومأ كليهما إيجابًا بضرباتٍ قلبٍ ترتعد من الخوف، فإذا انكشفت كذبتهما، فلن يُمرر الحارس ما حدث على خيِر. وضع الحارس الهاتف على أذنه بعد أن أجرى مكالمة بطلال والتي لم يتلقى منها أية إجابة، فكيف سيتلقى الإجابة وطلال بالداخل يُحاول الهرب، وعلى الأحرى، ترك الهاتف الخاص به داخل مكتبه. أغلق الحارس هاتفه بيأسٍ قال معه بصرامة : - طلال بيه مش بيرد ... يعني أنا مُضطر احبسكم لغاية ما اعرف إنتو مين قالها وهو يُشهر سلاحه مجددًا أمامهما مما جعل قلبيهما يزداد اضطرابًا وهلعًا، حتى لوٌح خالد بأصابعه نفيًا وهو يقول : - لا لا ... أرجوك ... السيد طلال أخبرنا أن نلتقي بواحدٍ من الحُراس اليوم ... وأخبرنا أنكم ستُخبروننا أين تقع حُجرتنا التي سنبيت فيها أضاف مُعتز على حديثه مؤكدًا كلماته : - أيوة فعلًا ... وبالآمارة قالنا إن في حارس كدة عنده دقن وطويل ... هو إللي هيوٌرينا الأوضة بتاعتنا تعمٌد أن يقول الصفات الخاصة بهذا الحارس الذي أمامهما لعله يرضخ لهما ويُصدق كذبتهما، رغم التوتر البادي على وجهيهما. أخفض الحارس سلاحه بعد فترة من الصمت والتحديق بهما، بدأ حديثهما يؤثر بعقله الذي أخذ يقنعه أنهما أتيا للمساعدة، فلم تُصب رصاصاتهما أيٌ من حُراسه حتى، فربما كانا يُطلقان الرصاصات على هؤلاء الدخلاء الذي أضحى الجميع يعرف عنهما ولا يستطيعون مهاتفة الشُرطة حتى لا تعرف الأسرار الكامنة والخطيرة المُتدثرة داخل المنزل. أومأ الرجل بهدوءٍ وصلابة وهو يُشير بأصابعه بحدة : - طيب ... تعالو عشان اوريكم أوضتكم ... بس ... هدومكم فين ؟ توتر خالد قليلًا وهو يُحدق بمُعتز لفترة وجيزة ثم يلتفت مجددًا صوٌب الرجل راسمًا على وجهه علامات المسكنة وهو يقول : - نحن لا نملك أية أمتعة ... فنحن مساكين ... ابتعنا تلك الملابس بصعوبة أضاف مُعتز على حديثه لعله يُثير عاطفة الحارس : - أه والله ... إحنا غلابة أوي ... دا حتى اللبس ده مستلفينه همهم الحارس بلامبالاة وآشار لهما مُجددًا أثناء كلماته الجافة : - تمام ... تعالو ورايا ما إن التفت الحارس حتى رسٌم خالد بسمة شيطانية وهو يتحرك خلف الرجل ثم يرفع سلاحه_ الخاوي من الأعيرة _ ويهوي به مباشرة على عُنق الحارس من الخلف. تأوه الحارس بصوتٍ مكتومٍ قبل أن يرتمي بجسده الضخم على الأرض فاقدًا للوعي؛ زادت بسمة خالد الماكرة والمنتصرة وهو يقول : - أخبرتك أننا سننجح شاركه مُعتز تلك السعادة القصيرة قبل أن يقطعها بجدية : - هنعمل إيه دلوقتي ؟.... لازم نروح ننقذهم أحنى خالد جذعه لينتشل السلاح من قبضة الحارس ثم يرفع جذعه مُجددًا ليقول باطمئنان : - لا تقلق ... أنا أثق بأنهم سينجحون ولن يتضرر أحد ما كاد يُنهي حديثه حتى وجد هاتفه يهتز بجيبه مما يعني أن هناك مكالمة طارئة يجب عليه أن يجيب عليها، أخرج الهاتف ليجد اسم زوجته يُزين الشاشة؛ آجابها بسُرعة لعله يسألها عمَ يحدث معهم بالداخل، ولأنه اشتاق حبيبته أيضًا ويُريد معانقتها خاصة في هذه الظروف. - نعم حبيبتي ... تلاشت لهفته مرة واحدة وحلٌ محلها الصدمة وهو يستقبل الصياح والدموع من الجهة الأخرى والتي اختلطت مع صوٌت زوجته المتوٌسل الباكي : - أيوة يا خالد ... اتصل بالبوليس والإسعاف بسُرعة.... قبض وهدان على السلاح بعد أن اخترق جسد إسلام وجعل صدمتهما تصل عنان السماء، فلم يكونا يتوقعان أن يجدا واحدًا آخرًا من المتنقلين، وليس أي أحدٍ هذه المرة، فهذا الرجل يحمل الشر والحقد بعينيه وربما يرتكب جريمة بحقهما دون أن يرف له جفن. أشار بالسلاح على إسلام الذي اخترق جسد وهدان ولم يكن يعرف ماذا سيفعل، فهو لا يستطيع العودة إلى جسده ولن يستطيع الانتقال إلى جسد داليا حتى لا تتلقى هي تلك الرصاصة التي على وشك ان يُطلقها وهدان. أطبقت داليا على شفتيها بغضبٍ عارمٍ انتهى بانتفاضة جسدها وانتقالها إلى جسد إسلام لتضحى هي التي تقبض على السلاح ووهدان داخل جسدها ينقض عليها حتى ينزع السلاح عنها ويؤدي مهمته، مهمته التي تتلخص بالقضاء عليهما. تمسٌكت داليا جيدًا بالسلاح وهي داخل جسد إسلام حتى انتفضت مجددًا ليعود إسلام إلى جسده ويضحى هو الذي يتعارك مع وهدان ويُطلق رصاصاتٍ طائشة بهذا السلاح مما أحدث شقوقًا بالجدار وتهشمٍ لبعض المزهريات والتماثيل. اقتربت داليا من جسدها الذي اخترقه وهدان وبدأت تحاول إزاحته عن إسلام الذي كان يقبض على رقبته ويصدم جسده بسور السُلم عازمًا على إلقاءه من أعلى، انتفض وهدان وهو بداخل جسد داليا ليجد نفسه يعود مجددًا إلى جسده وينقض على إسلام الذي كان يُشهر سلاحه أمامه على أمل أن يُنهي ذلك العراك بأية طريقة. كاد وهدان يُلقيه من حافة السور لولا إسلام الذي انتقل إلى جسده في اللحظة الأخيرة ليضحى هو الذي يقبض على رقبة وهدان عازمًا على إلقاءه من السور، لم يكن يُريد إسلام أن يُسجن داخل هذا الجسد إذا فارق وهدان الحياة وهو يستحوذ على جسده، لهذا السبب حاول الابتعاد عن وهدان حتى يُبعده عن السور ثم يعود إلى جسده مرة أخرى، لكن وهدان كان على استعدادٍ أن يُسجن داخل جسدٍ من جسديهما إذا كان الثمن هو القضاء عليهما للأبد، فهو مُبرمج على ذلك بمعنى أصح. انقض وهدان على إسلام الذي احتل جسده، جعله يصطدم بالجدار حتى يُسدد له المزيد من اللكمات التي جعلت إسلام يتأوه بألمٍ مع تلك الدماء المنبثقة من جسد وهدان الذي اخترقه، التقطت داليا مزهرية كانت توضع على الطاولة وكادت ترفعها لتهوٌي بها على وهدان لعله يفقد الوعي وينتهي أمره، لكنها ترددت خوفًا من أن يلقى حتفه وهو داخل جسد إسلام، لهذا السبب انتقلت إلى جسد وهدان وأضحت هي من يتلقى اللكمات وإسلام يلتقط المزهرية ويرفعها لأعلى. انتفض وهدان وهو داخل جسد إسلام ليجد أنه انتقل عنوة إلى جسد داليا وأضحت تلك المزهرية بين يديه، وهذا ما كانا يُريدانه بالضبط. رسم وهدان بسمة ماكرة على ثغره وهو يرثي هذين الأحمقين من وجهة نظره ويهرع بكل ما أوتي من قوة صوٌب إسلام عازمًا على تهشيمها برأسه، لولا إسلام الذي جذب جسد وهدان الذي اخترقته داليا وجعلها على وشك أن تتلقى تلك الضربة، لكن... كان هذا ما خططا له في الخفاء، فما إن هوى وهدان بتلك المزهرية على جسده الذي اخترقته داليا، حتى وجد نفسه ينتفض فجأة ويعود إلى جسده الذي كاد يتلقى تلك المزهرية لولا انتفاضته السريعة والتي جعلت أقدامه تتعركل ويلتوي كاحله وهو على حافة السُلم. ارتفع صوٌت تأوهه وهو يسقط من أعلى الدرجات ويتدحرج عليها أمام نظراتهما المذهولة. انسٌل إسلام درجات السُلم بُسرعة ووراءه داليا التي كانت تحاول تنظيم أنفاسها وهي تحني جذعها بالقُرب من إسلام الذي كان يتحسس نبضه. - ده مات قالها إسلام بخيبة أملٍ وهو يرمق داليا التي واجهته بنفس النظرات، فقد ارادا أن يتحدثا معه ويفهما سبب انقلابه عليهما ورغبته بقتلهما، آرادا أن يجتذباه لصفهما بما أنه واحدٌ منهم، لكن يبدو أن القدر جعله يسقط في براثن أخطاءه، وربما كان ضحية لكيانٍ أكبر منه جعله يسعى لارتكاب الجرائم. رفع إسلام جسده بيأسٍ ليُقرر بعدها تجاهل الأمر ومحاولة إنقاذ صديقهما، التفت صوٌب داليا ليُخبرها : - يلا نشوف لؤي لم يكد يتحرك خطوة واحدة حتى داهمهما صوٌت طلال الذي أوقف مسيرتهما بكلماته المُتهكمة : - يعني معقولة تسيبو صاحب البيت ... وتروحو للؤي تيبس جسد إسلام مكانه ونمٌت بداخله رغبة مٌلحة للفتك بطلال وتفجير رأسه، فمنظر جابر الغارق بدماءه لا يترك ذهنه أبدًا، ولا يترك ذهن زوجته التي وقفت خلفه تُسدد نظراتها المقيتة صوٌب طلال. قبض إسلام على سلاحه ليرفعه أمام طلال كي يُهدده : - لؤي فين ؟ تجاهل طلال سلاحه وتقدم ببرودٍ صوٌب إسلام حتى وقف أمامه مباشرة يرميه بقهقهاته الشيطانية السمجة وكلماته المُستفزة : - متخافش عليه ... هو في مكان أحسن دلوقتي تصاعدت ضربات قلب داليا وبدأت الدموع تتلألأ بعينيها عندما ترجم عقلها كلماته المُبهمة بطريقة كادت تجعل دموعها تُشكل أنهارًا : - إنت عملت فيه إيه ؟ صرخت داليا بتلك الكلمات ليتجاهل طلال كلماتها مُحافظًا على بروده كالعادة : - هو إللي اختار ... وشكلكم كمان هتختارو زيه اشتعلت نظرات إسلام وهو يُشدد القبض على سلاحه ضاغطًا على الزناد حتى كاد يُطلق منه الرصاص. - إنت إنسان زبالة ... وأنا هوٌريك إللي زيَك نهايتهم بتبقى إزاي أنهى حديثه بضغطه على الزناد بعد أن أخفض ذراعه قليلًا عازمًا على اطلاق رصاصة تُصيب قدمه حتى لا يتسبب بقتله، فيكفي وهدان الذي قُتل بالخطأ أثناء شجارهما معه، لم يأتوا هنا من أجل القتل والدمار، كل ما أرادوه هو إنقاذ صديقهما والعودة إلى حياتهم الهادئة الخالية من المصائب، لكن يبدو أن مصائبهم لن تتركهم قبل أن تُغرقهم بوحل جرائمها، وتُلطخ هدوئهم وبرائتهم. لم يُصدر السلاح سوى صوٌت تكة خافتة لم ينطلق منها أي من الأعيرة؛ لاحت الصدمة على وجهيهما بعد أن تأكدا أن الأعيرة النارية قد نفدت جِراء هذا العِراك الذي نشب بينهما وبين وهدان والذي أرغمهما على إطلاق النيران بكثرة وبصورة عشوائية، على الأغلب أن هذه العشوائية جعلت أعيرتهم النارية تنفد. تعالت قهقهة طلال الماكرة وكأنه يستلذ بصدمتهما وقلة حيلتهما أمامه، بعد أن تأمل صدمتهما، وضع يده بخصره ليُخرج السلاح الذي انتشله من واحدٍ من الحُراس وتأكد أنه يحتوي على الأعيرة النارية. رفع السلاح أمامهما وألصقه برأس إسلام الذي تيبَس جسده وشعر أن النهاية قريبة ... قريبة للغاية، فكان طلال يقول بمُكرٍ وهو يضع إصبعه على الزناد : - اتشاهد على روحك يا دكتور .... ___________________________ بات العالم مجنونًا، وأنا الذي ظننت نفسي عاقلًا، أكتشف أنهم ساقوني معهم إلى هذا الجنون.... تهرول أقدامهما على سفحة الطريق محاولاتان ألا يلتفتا وراءهما حتى لا يزداد هلعهما حينما يكتشفا أن الحُراس يُلاحقونهما وربما يُطلقوا عليهما الأعيرة النارية التي من شأنها أن تُطيح بهما. لم تتوقف ريتا عن الركض وهي في تلك الرُدهة حتى تلاشت الإضاءة وأضحى الممر مُظلمًا وكأن الأرواح تسكنه، جذبت ريتا يد شمس حتى يختبأا في إحدى البقاع يتنفسان الصُعداء مع قطرات العرق المُنسابة عليهما والتي أغرقت وجهيهما تمامًا. التقص ظهريهما بالحائط ليُحاولا التقاط أنفاسهما لبُرهة من الزمن قطعتها ريتا بُسرعة وهي تنتشل السلاح من داخل الحقيبة التي ترتديها شمس، وضعت كاتم الصوٌت وأحكمت غلقه ثم اقتربت بفوهة السلاح من الباب لتُطلق رصاصة لم يصدح صوٌتها لكن مفعولها كان واضحًا حينما وجدا الباب يتم فتحه. كانت تشعر ريتا منذ البداية أن تلك الحُجرة تحتوي على المزيد من الأدلة بسبب انطواءها في بُقعة مُعتمة هي وبقية هذه الغُرف، لكنها اختارت هذه الغُرفة بصورة عشوائية. ما كادت تدلف الحُجرة حتى قطعها اهتزاز الهاتف الخاص بها لتُخرجه فورًا وتجد اسم كوكي يُزين الشاشة، فهي تعلم أن كوكي قد استحوذت على جميع الكاميرات وهي الآن تراقبهم من بعيد. - أيوة يا كوكي .... جحظت عينيها في صدمة وهي تقول : - إيه ؟!... طيب طيب أنا هتصرف أنهت المكالمة بهلعٍ لتلتفت نحو شمس حتى تُخبرها بتقرير : - مخيمر وإحسان في مشكلة .. أنا هروح الحقهم... خليكي إنتِ هنا، ولو لقيتي حاجة في الأوضة صوٌريها وابعتيها لكوكي أومأت شمس بموافقة لتهرول ريتا بعدها حتى تخرج من تلك البُقعة المظلمة عازمة على الهرولة بحذرٍ دون أن ينتبه لها الحراس، فهي تُريد أن تنقذهما قبل فوات الآوان. دفعت شمس باب الحُجرة ببطءٍ وأطرافٍ مرتجفة، حاولت تهدئة نبضات قلبها وهي تتوٌغل أكثر داخل الحُجرة وتضغط على أحد الأزرار التي من شأنها أن تبعث الإضاءة الخافتة التي تجعلها قادرة على الرؤية. لكنها ما إن فتحت الأضواء حتى أطلقت شهقة مدوية كادت تجعلها تبصق قلبها، فما تراه أمامها كفيلٌ بجعلها تتناسى المُهمة وتفرٌ بأقصى ما لديها من هذا المكان، ما تراه أمامها قد يجعلها تغيب عن الوعي أو ربما تتقيأ حتى تُفرغ ما بأحراشها. العديد من بُقع الدماء كانت تُغطي الأرضية والجُدران، أما الجدار، فكان مُعلق به خزانة خشبية عتيقة يظهر بداخلها العديد من مِقصات التشريح بجوارها منشارٌ للعظم ومِبضع " أداة لقطع الجلد " ومطرقة وإزميل، وسكينٌ للتشريح ومدقة وملقط وغيره من الأدوات التي تجعل عينيها جاحظة والصدمة تعتلي جنباتها. أما بمُنتصف الحُجرة، فكانت هناك طاولة طويلة أشبه بالفراش غير المُريح، لم يخلو هذا الفراش من بُقع الدماء ومسندٌ للرأس لا تعرف ما فائدته لكنها ترى سُترة بيضاء مُعلقة وراء الفراش وكذلك القفازات المطاطية على طاولة معدنية تحتوي أيضًا على نظارة وقائية . وما جعلها تكاد تتقيأ وتشمئز من ذاتها أكثر هو ما يوجد على تلك الطاولة المعدنية، فهي تستطيع رؤية العديد من الزُجاجات الكبيرة المملوئة بالفورماليد الذي أخذ اللون الأصفر وظهر بداخله مجموعة من الأعضاء المُنفصلة، كالقلب والعينين والكلية والأذن وغيرهم من الأعضاء التي تم تفريقها بصورة مُنفصلة. وضعت شمس يدها على صدرها لتُهديء من روعتها وهي لا تتوقف عن الولولة والرغبة العارمة بالبكاء، ازداد ارتباكها وخوفها أكثر وبدأت ترتجف مكانها كلما حاولت مقاومة خوفها ورغبتها المُلحة بالرحيل من هنا. حاولت استجماع قواها والتقطت أنفاسها بصورة تكرارية حتى بدأ الهدوء يسري بكيانها، طفقت تُطمئن نفسها داخل رأسها وهي تُخرج هاتفها بُسرعة وتلتقط العديد من الصور لما تحتويه تلك الغرفة عازمة على تثبيت الصورة قدر الإمكان رغم ارتجافة يدها. تنفست الصُعداء لآخر مرة بعد أن تأكدت من نجاح مُهمتها خاصة بعد أن أرسلت الصوٌر إلى كوكي التي بدورها ستقوم بمهاتفة الشُرطة وإرسال الأدلة لهم، تقهقهرت بضع خطواتٍ للوراء حتى أمسكت المقبض وفتحت الباب بُسرعة وكأنها تحاول الهرب من وحشٍ كاسرٍ، لكن ما لا تعلمه أن هروبها من الوحش الكاسر المُزيف، سيجعلها تتقابل مع وحشًا كاسرًا آخرًا، ولكن على أرض الواقع. أطلقت شهقة مدوية جعلت جسدها يتيبس أمام هذا الظل الضخم وتلك العينيان المُرعبتان اللتان صاحبتا هذا الحارس الذي استمع إلى حركتها داخل الحُجرة وقرر أن ينتهي منها قبل أن تفضح أمرهم، قام بتعمير سلاحه ووضع إصبعه على الزناد استعدادًا لإطلاق النيران أمام نظرات شمس وقلبها الذي يكاد يهوي من شدة الهلع.... توقف مخيمر عن الحِراك ما إن وجد داغر يقف أمامه برفقته اثنين من حُراسه يُشهران أسلحتهما على كلٍ من إحسان ومخيمر الذي أشهر سلاحه هو الآخر ونظراته المتوٌعدة الصارمة لم تترك وجهه. بدأ إحسان يتلفت حوله في هلع ويشعر أن الخطر يحوم حولهما ولن يجعلهما يهربان من هنا على قيِد الحياة، لكن مخيمر لم يكن يبدو عليه الخوف وهو يُحدق بداغر ويتشبث بالسلاح جيدًا. تقدم داغر نحوه بنظراتٍ باردة حدج بها مخيمر وهو يقول مُدعيًا الاستذكار والاشتياق : - ضُرغام طلع عنده حق .... طلعت فعلًا زي أبوك .... ضعيف اتكأ على آخر كلمة حتى يُثير الغضب داخل مخيمر الذي كبت على أنيابه وهو لا يزال مُتشبثًا بالسلاح والنيران تتقاذف من عينيه، اقترب داغر نحوه أكثر ليواصل كلماته بتمنٍ زائف : - كان نفسه تبقى زيه... تعرف تاخد حقك من غير ما تخلي شوية عيال هبلة يمشوك على كيفهم لم يتحمل مخيمر أكثر من هذا خاصة بعد أن بدأ داغر بنعت أصدقاءه الذين أضحوا عائلته وجميع معارفه، هذا ما جعل النيران تتقض من عينيه وهو يقول : - أنا محدش بيمشيني على كيفه - أنا بقى همشيك باغته داغر بتلك الجملة تزامنًا مع انقضاض الحارس على مخيمر من وراءه وضربه بواسطة سلاحه الثقيل الذي هوى على مؤخرة عُنق مخيمر مما جعله يتأوه من الألم ويسقط على الأرض عنوة دون أن يفقد وعيه، فالضربة لم تكن بهذه القوة، لكنها نجحت بجعله يترك السلاح عنوة ويرتمي بجسده على الأرض لينحني الحارس خلفه ويقوم بتكبيل حركته كما فعل الحارس الآخر مع إحسان الذي نادى على مخيمر بقلقٍ فور أن وجده يسقط على الأرض وإحساس الألم يُفتك به. ركع كل من مخيمر وإحسان على الأرض قبالة داغر الذي كان يرمقهما بابتسامة متشفية لا تخلو من الانتصار، ركع داغر على رُكبتيه ليوجه نظراته صوٌب مخيمر حتى يؤكد حديثه ويُشعره بمزيدٍ من العجز لعدم اتخاذه طريق شقيقه المُجرم، كان يُربت على كتفه تربيتة شامتة قال معها : - أدي أخرِت إللي مش بيمشي في الطريق اللي مكتوبله تعلقت نظرات مخيمر الحاقدة بداغر وهو يراه يرتفع عن الأرضية ليُشير بعينيه صوٌب رجاله حتى يُنفذوا ما يجب أن يتم تنفيذه، ما إن تلقى الحارسين تلك الإشارة حتى قاما بتعمير أسلحتهما وتوٌجيهها مباشرة صوٌب رأس مخيمر ونظراته الحاقدة، وإحسان الذي أغلق عينيه باستسلام وشفتاه لا تتوقفان عن الدُعاء والتضرع كما لو كانت هذه نهايته. ازدادت ضربات قلبيهما وهما يستقبلان هذا القدر المحتوم ويُمنيان نفسيهما بأن القدر يحمل لهما مفاجئة كُبرى، تلك المفاجئة بدأت فور أن وجدا رصاصة لا يدريا من أين أتت لكنها استقرت بكتفٍ واحدٍ من الحُراس الذي كان واثبًا خلف إحسان يستعد لقتله. تلك الرصاصة اتضح أن مصدرها هو ريتا التي أتت في اللحظة المناسبة وأطلقت رصاصة اتجاه واحد من الحُراس مُستغلة مهارتها السرية بإطلاق النيران. اضطربت الأوضاع بعد هذه الرصاصة وانتهز مخيمر الفُرصة ليركل الحارس الواثب خلفه ركلة أطاحت السلاح الذي يتشبث به، بينما وثب إحسان هو الآخر وبدأ يركل الحارس الآخر بقدمه بسهولة ويُسر خاصة وأن هذا الحارس كان يتلوٌى ألمًا بسبب تلك الرصاصة التي تلقاها. اشتعل الغضب بعيني داغر وكاد يُخرج سلاحه ويصٌوب رصاصاته برأس مخيمر لولا ريتا التي باغتته بحركة مفاجئة من الخلف وآحاطت رقبته بذراعها وسلاحها مصوٌب على رأسه مباشرة. حاول التملص من قبضة ريتا وهو يقول بثباتٍ يُريد من خلاله إثارة حفيظتهم رغم أن الحقيقة أنه يشتعل غضبًا : - بردو مش هتعرف تعمل حاجة .... عشان عُمرك ما هتبقى بقوة ضُرغام قالها ليُثير حنقه لكن مخيمر فاجئة بثباته وهو ينتشل السلاح عن الأرض ويقوم بتعميره بشُعلاتٍ تتقض من عينيه، اخترق أذنيهم صوٌت سيارة الشًرطة وهي تقترب من هذه البناية، تلك الأصوات جعلت روح الحُرية تتغلغل داخل داغر وهو يُعيد مرفقه للوراء كي يركل ريتا ركلة جعلتها تتقوٌص من الألم وتبتعد عنه عنوة. انتهز داغر الفُرصة واستل سلاحه مجددًا وكان عازمًا على إطلاق النيران على مخيمر والقضاء على ثلاثتهم لولا مخيمر الذي سبقه بخطوة وأطلق رصاصة آصابت رُكبة داغر وجعلته يسقط على الأرض مًدرجًا بدماءه، بينما يسقط السلاح منه عنوة. كان داغر لأول مرة يشعر بالعجز وهو يكتم ألمه ويحاول الزحف صوٌب السلاح ليتخلص منهما، تقدم مخيمر نحوه ليضغط بقدمه على يد داغر حتى كاد يُهشم عظامها، كانت كلمات داغر تتغلغل في رأسه وتختلط مع كلمات شقيقه الذي دائمًا ما ينعته بالضعف والسذاجة، تلك الكلمات جعلت الغضب يتقض أكثر من عينيه وكلماته تخرج من جوفه بغلٍ دفين : - أنا يمكن مش زي ضُرغام ... بس أنا مش ضعيف أنهى حديثه بركلة قوية آصابت صدر داغر وجعلت ألمه يزداد أضعافًا، ومع ازدياد صوٌت سيارة الشُرطة، قامت ريتا بجذب مخيمر من يده والهرولة بعيدًا عن تلك الحجرة لعلها تستطيع اللحاق بشمس قبل أن يحدث لها شيئًا.... تحاول التقاط أنفاسها مجددًا وقطرات العرق تتصبب على جبينها بهلع، تقهقرت للوراء بعيدًا عن هذا الحارس حتى التصق ظهرها بالجدار ولم تعد تعلم إلى أين ستذهب، فلا يوجد مفرٌ من هذا القدر المحتوم، لا يوجد مفرٌ من هذه الرصاصة التي ستُرديها صريعة خلال بضع ثوانٍ، توقف عقلها عن التفكير في تلك اللحظة كما توقف جسدها عن الحِراك وكأنه يستعد لإلقاء نفسه من الهاوية. باتت أفكارها تتلخص في حياتها ما بعد الموت، وهل ستموت شهيدة أم أنها أتت للسرقة ولن تنل الشهادة، باتت تُفكر في عائلتها التي ستفتقدها أم أنهم لن يبكوا عليها سوى بضعة أيامٍ ثم سينسونها مع الوقت. توقفت أفكارها السلبية عند تلك النقطة، وهي ترى هذا الرجل الضخم يكاد يضغط على الزناد ويُفجر تلك الرصاصة برأسها، تحوٌلت أفكارها في أقل من ثانية، من الرغبة في الموت شهيدة، إلى الرغبة في النجاة مهما تطلب الأمر، وجدت يديها تعبث تلقائيًا داخل الحقيبة بأصابع مُرتجفة لعلها تجد ما سُيسعفها بتلك المُعضلة، لكنها لم تجد سوٌى الأدلة التي كانت تجمعها وزجاجة تحتوي على شيءٍ ما تعرفه جيدًا، فكيف لا تعرف عنكبوتها الفريد من نوعه الذي تعتبره تميمة حظها وتأخذه معها في جميع مشاويرها المهمة. حدقت بتلك الزُجاجة لأقل من ثانية، ورآت أنها حلها الوحيد للنجاة، غمغمت بأسف بقرارة نفسها قبل أن تُنفذ خطتها التي تعلم جيدًا أنها ستبكي طوال الليل على التضحية بمخلوقها العزيز : - أنا أسفة يا زغلول قالتها بقرارة نفسها وهي تفتح الزجاجة بسُرعة وتُلقي عنكبوتها الكبير ذو الثمانية أرجلٍ على وجه الحارس الذي انتفض جسده في هلع وأطلق رصاصة طائشة أحدثت ثٌقبًا في الجدار، ليستمر بعدها في الصُراخ والتحرك بهستيرية حتى يتخلص من هذا الكائن المُرعب. حمدت شمس ربها في قرارة نفسها وشعرت بالضيق أيضًا على تضحيتها بصديقها العزيز، لكنها واصلت الهرولة بضربات قلبٍ لا تتوقف عن الطرق بصدرها خاصة بعد أن استمعت لصوٌت سيارة الشُرطة وهي تقترب أكثر من هذه البناية. أثناء هرولتها، اصطدمت بجسد ريتا التي كانت تهرول بالاتجاه العكسي، لكنها ما إن وجدت شمس قبالتها حتى جذبتها بُسرعة وأخذت تهرول معهم صوٌب الباب وسط الطلقات النارية التي بدأت تتبادل بين الشُرطة وأفراد هذه العصابة التي على الأحرى تم إلقاء القبض عليهم.... نجحوا أخيرًا بالعودة إلى السيارة بجروحٍ طفيفة تكاد تكون معدومة لكنها لا تُقارن بالخوف والهلع الذي عاشاه بتلك اللحظات القليلة، ما إن وجدتهم كوكي يستقلون السيارة حتى أخبرتهم بلهفة : - أول ما بعتو الصوٌر اتصلت بالبوليس علطول ربتت ريتا على ظهرها بثناء وشُكر بينما كانت شمس في حالة من الصمت والنظرات الحزينة لا تخلو من وجهها. - مالك يا شمس ؟ سألتها ريتا بحيرة فوجدت شمس تنفجر بها والدموع تكاد تُغرق وجهها : - أنا عُمري ما هسامحكم .... أنا بسببكم اضطريت أضحي بزغلول أنهت حديثها بنبرة صارخة ربطت معها ذراعيها بشفتها التي أصبحت ممتدة أمامها لمترين، أحاطتها كوكي بذراعها حتى تُهديء من روعها بينما كانت تسأل ريتا بحيرة : - زغول مين ؟ بقيت عوالم الضيق مُرتسمة على وجه شمس وهي تُجيبها : - العنكبوت بتاعي كبتت كوكي ضحكتها حتى لا تبدو كمن يسخر من حديث شمس، لأنها تعلم كم تتعلق بتلك المخلوقات، لهذا السبب زادت من ضمها وهي تواسيها : - خلاص متضايقيش ... إن شاء الله تلاقي واحد غيره قطع حديثهم صوٌت السيارة التي بدأت تتحرك بقيادة مخيمر، بينما وردت مكالمة هاتفية لإحسان الذي وجد مُعتز يتصل به، آجاب على المكالمة فورًا ببعض اللهفة التي لم تترك وجهه بسبب نجاحهم أخيرًا بهذه المهمة : - أيوة يا زوز ... إيه مال صوٌتك ؟... اتسعت حدقتيه مرة واحدة وجالت الصدمة في عينيه حتى بدأت تختلق مع الحسرة أثناء قوله : - لــــؤي !!!.... __________________________ أتدرك تلك اللحظة التي تضحى فيها مُرغمًا على النهاية، رغم أنك تفعل ما بوسعك حتى لا تلقى هذه اللحظة، وحتى لا تعرف كيف ستنتهي حياتك هكذا دون أن تستعد ؟؟ كانت هذه حالتهما وهما مُتيبسان أمام فوهة السلاح الخاص بطلال يحاولان بكل جُهدٍ المحافظة على ما بقي لهما من قوة، يعلمان جيدًا أنهما إذا تحركا خطوة واحدة فسينتهي الأمر وستنطلق تلك الرصاصة لتخترق رأسيهما، ويعلمان أيضًا أنهما إذا وقفا مكانهما فسوف تُصيبهما الرصاصة أيضًا ولكن ربما يحظيا ببعض الوقت. بسط إسلام ذراعيه أمام داليا المُتدثرة خلفه تحتمي به من نظرات طلال الشيطانية التي تُذكرها بأيامٍ تُجاهد حتى تنساها، كانت تُريد الصُراخ بوجهه والانقضاض عليه كما ينقض الأسد على فريسته، لكنها تجد لسانها مُلتصقٌ بحلقها وقدماها متيبسان بالأرضية. التصقت فوهة السلاح برأس إسلام الذي لم يتخلٌى عن نظرته الحاقدة وهو يستقبل كلمات طلال الماكرة وتهديده الصريح بأنه سيقتلهما كما قتل صديقهما، حاول إسلام أن يُهديء من روعه وهو يتشبث بقبضة داليا المُثلجة التى ظهر ارتجافها مليًا ولم يختلف كثيرًا عن الارتجاف الذي سرى بأوداجه، أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه ليُهديء من ضربات قلبه ويستبدل خوفه بالدُعاء والابتهال، فطلال قد تشبث أكثر بالسلاح وألصق إصبعه بالزناد ليقوم بـ..... انطلقت رصاصة عابرة جعلت الدماء تتفجر ويتناثر على وجه داليا التي صرخت في رعب، كما انتفض جسد إسلام الذي لم تكن تلك الطلقة من نصيبه لحُسن حظه، فتلك الرصاصة لم تُصب سوى طلال الذي تفاجأ بها تُصيب ذراعه مما أدى لسقوط سلاحه على الأرض، وارتفاع صوٌت أنينه. التفت إسلام وراء ظهره كما فعلت داليا حتى ترى من الذي أنقذهما وأطلق تلك الرصاصة بطريقة ماهرة، رفعا حاجبيهما ما إن وجدا الفاعل الذي كان آخر من يتوٌقعاه. - عزرائيــــل !! نعم، كان هو، عزرائيل، أو حرب، لكنه يُفضل عزرائيل، ملك الموت، وقاتل اللحظات الحميمة، وكان هذه المرة يقف أمامهم بشحمه ولحمه، لم يكن روحًا عابرة ككل مرة، بل يقف بشموخٍ على حافة باب القصر يرميهما بنظراته المُختلة ويُطلق رصاصة أخرى آصابت قدم طلال بمهارة تبعها بقول : - مش هما اللي هيتشاهدو على روحهم قالها وهو يقترب أكثر صوٌب جسد طلال المسجي على الأرض تزامنًا مع صوٌت سيارات الشُرطة التي بدأت تقتحم المكان وتُلقي القبض على المجرمين بعد حصولهم على العديد من الأدلة. لازالت عوالم الحيرة تلوح على وجه كلٍ من داليا وإسلام اللذان تعجبا من مجيء حرب في تلك اللحظة وإنقاذهما !! فشخصٌ مثله كان من الممكن أن يقتلهما بدلًا من أن يُساعدهما. قام حرب بتعمير السلاح وتصوٌيبه على رأس طلال لعله يُنهي ما أتى من أجله، فكان يرميه بنظراتٍ حاقدة وكلماتٍ تعمد تقليد طلال بها، حتى يُثير حنقه : - اتشاهد على روحك يا_ قطعه إسلام وهو يجذب ذراعه بعيدًا عن طلال قبل أن يتهوٌر ويُفجر رأسه، ففي جميع الأحوال، لن يستطيع طلال الهرب بسبب إصابته ولن يستطيع حتى قتلهم، أي أن الشُرطة يجب أن تقوم بالقبض عليه ليتم محاكمته بعدالة بدلًا من قتله دون أن يحصلوا على معلوماتٍ منه عن تلك المُنظمة. - بالله عليك لا تسيبه ... هو خلاص هيتقبض عليه قالها إسلام بتوٌسلٍ وهو يقبض على ذراع حرب مانعًا إياه من إطلاق النيران، لكن حرب أصرٌ على قراره وهو يهتف بحدة : - ابعد عني ... لازم اخلص عليه لم يبتعد إسلام عنه وبقي مُتشبثًا بذراعه وهو يقول : - ما كُنت خلصت عليه من بدري ... جاي تفتكر تخلص عليه لما البوليس وصل رماه حرب بنظراتٍ مختلة قال معها : - منا كان لازم أخليه يتعذب الأول أنهى الحديث بابتسامة مريضة لم يتعجب إسلام منها أبدًا، فهو يكاد يتيقن أن الذي يتشبث بذراعه ما هو إلا مريضٌ نفسيٌ يجب وضعه بإحدى المصحات، إلى أنه في النهاية، أقنعه بأن الشُرطة ستقبض عليه مُتلبسًا ولن يستطيع الهرب منها أبدًا، لم تؤثر تلك الكلمات على حرب، لكنه رحل مُرغمًا ما إن رآى عناصر الشُرطة تقترب من جسد طلال وتنزعه عن الأرض ليتم وضعه بإحدى المُستشفيات حتى يتم بعدها مقاضاته. كانت الأوضاع تسري بصورة طبيعية وكاد يرحل إسلام وداليا عن تلك البُقعة ليُعاودا البحث عن لؤي لأن هذا ما أتوا من أجله، تصلبت أقدامهما مرة واحدة مع قلبيهما الذي كاد يخترق أضلعهما بسبب هذا المنظر الذي يتمثل أمامهما مباشرة، فهناك سريرٌ أبيضٌ أضحى مُلطخًا بالدماء بعد أن تسطحت عليه تلك الجُثة !!! ________________________ يبقى الأمل موجودٌ حتى مع انعدام الفُرص وانعدام الرغبة في المواصلة، فها هُم داخل إحدى المشفيات العريقة يكاد النُعاس ينهش أعضائهما بسبب استياقظهم طوال الليل حتى أشرقت الشمس واقتربت الساعة من التاسعة صباحًا، الجميع يقف بالقُرب من حُجرة العمليات ينتظر خروج الطبيب حتى يُطمئنهم على لؤي، فهو في حُجرة العمليات لقرابة الثمانِ ساعات وقد احتاج للكثير من الدماء والعديد من العمليات الجراحية حتى يعالج ويعود إليهم سالمًا. كانت تستند كوكي بإرهاقٍ على كتِف مُعتز يكاد النوم يغشاها وهي تُغلق عينيها قليلًا وتجاهد نفسها حتى تبقى مُتيقظة حتى تطمئن على زوج صديقتها العزيزة، آحاطها مُعتز بذراعه ليُمسد على خصلاتها البرتقالية بطريقة جعلتها تشعر بالنُعاس أكثر، وبعد فترة طويلة من الصمت قررت أن تلهي نفسها وتتحدث مع زوجها في أمورٍ طارئة لربما يُشاركها الحديث ويجعلها تتناسى هذه الغُمة. - أنا روحت للدكتور امبارح .... وقالتلي الشهر إللي جاي هقدر احدد نوع الـbaby رسم بسمة هادئة على ثغره وهو يستقبل كلماتها التي تُشعره أن الأمل لا يزال موجودًا بتلك الحياة، على الأقل هناك خبرٌ سعيدٌ بدلًا من تلك الكوارث التي تطرق على رؤوسهم كما تطرق على الطبول، لم ينبس ببنت شفة بعد حديثها ليجدها تقول بلهفة وتقرير : - أنا عرفت هنسمي البيبي إيه ؟ أنهت حديثها ببسمة مُتلهفة لتعتدل في جلستها وهي تواصل قرارها : - لو ولد ... هنسميه جابر ... ولو بنت ... هنسميها... صمتت برهة عن الحديث لتستشف نظراته المُتلهفة والتي جعلتها تواصل : - هنسميها جيهان ... على اسم مامتك زادت بسمة مُعتز وهو يضمها مُجددًا لتستكين بصدره وهو يقول بسُخرية واستذكار : - قصدِك على اسم الكلبة بتاعتِك مش كدة ؟ بدأت تلهو بُخصلات شعرها وهي تقول ببساطة : - إيه المُشكلة يعني ؟ .... الكلبة هبقى اقولها يا جيجي ... وبنتنا هقولها يا جيهان، أنا كدة كدة دايمًا ادلع الكلبة بتاعتي أومأ رأسه بموافقة ومسايرة لحديثها الذي يخرج منها بطفولية وبراءة، يتذكر جيدًا كم كانت في حالة من الصدمة حينما اكتشفت بالصُدفة أنها أسمت كلبتها نفس الاسم الخاص بوالدة مُعتز التي تعلم جيدًا كم أنها انسانة عظيمة زرعت الكثير من القيِم والمباديء بقلب مُعتز الذي يُشبهها تمامًا، لهذا السبب قررت تعويضه وتسمية ابنتها باسم والدته حتى يتذكرها دائمًا وأبدًا. بعد فترة أخرى من الصمت، رفعت كوكي رأسها لتواصل حديثها حتى لا يُداهمها النوم، فكانت تسأل بفضول : - هو إنتو عملتو إيه ؟... روحتو اتخانقتو معاهم ؟ تذكر مُعتز رصاصاتهم الطائشة وصياحه المذعور هو وخالد الذي ساعده لخداع هذا الحارس وايهامه أنهما أفرادٌ جديدة من الحرس، لم يشأ أن يُخبرها أنه كان كالفرخ المبلول في تلك المعركة لهذا السبب اتبع نصيحة إسلام وهو يقول : - أه طبعًا اتخانقنا ... دول كانو حتى خايفين مننا رفعت كوكي حاجبيها بتفاجؤٍ قالت معه : - بجد !! ... اعتدلت أكثر في جلستها حتى تقابل عينيه بنظراتها المتلهفة التي سألت معها : - طب قولٌي عملتو إيه ؟ رسٌم بسمة هادئة على ثغره وهو يُجاريها الحديث بصدقٍ : - ماشي ... بصي حبيبتي..... يجلس مخيمر على أحد المقاعد بألمٍ يعتصر معدته ويجعله يعتقد أنها ستتمزق، كان يحاول قدر الإمكان أن يكتم صوٌت أنينه حتى داهمه طيف ريتا التي أتت بعد أن ابتعات له أحد الأدوية وأعطته إياه بسرعة ومعه قنينة من المياه، فهي قد لاحظت شعوره بالألم خاصة بعد تلك المعركة، شعرت بالشفقة اتجاهه فآرادت مساعدته بأية طريقة حتى أخبرها أنه يأخذ إحدى الأدوية التي نسي إحضارها معه. وضع قُرصًا من الدواء داخل فمه ليتجرع بعدها الكثير من المياه، ويبقى صوٌت أنينه لفترة حتى أغلق عينيه وحاول تجاهل هذا الألم الذي يعلم أنه سيزول مع بدء مفعول المُسكن. جلست ريتا جواره بنظراتٍ قلقة حتى وجدت حركته تهدأ مما سيسمح لها بسؤاله عن سبب شعوره بهذا الألم. - مالك ؟ تنفس مخيمر الصُعداء وهو يُجيبها بصدق ونبرة بدت مُطمئنة : - عندي قُرحة في المعدة ... بس متقلقيش، هبقى كويس زادت كلماته من قلقها حتى سألت بفضول : - وإنت عندك المرض ده من زمان ؟ نفى مخيمر برأسه وهو يُجيبها بتذكرٍ اختلط بألمه : - من ساعة ما أخوية ضرب عليا نار جحظت عينيها في صدمة مع تصريحاته الصادمة والتي أوقدت العديد من الشكوك داخل رأسها، فهي لم تنسى ما كان يقوله داغر في ذاك المعمل وكأنه كان يعلم مخيمر سابقًا، ويعرف أحد آقاربه. - أخوك إللي هو... قالتها باستنتاجٍ قطعه مخيمر بتأكيد : - أيوة ... ضُرغام ... إللي داغر كان بيتكلم عنه ازدادت صدمتها وبدت وكأنها جاهلة أمام حقيقته تمامًا، فكيف لشقيقه أن يضحى مُجرمًا وهو يجلس بينهم بأريحية، ولا حتى يظهر عليه أنه يستطيع أن يحمل سلاحًا رغم نظراته الحاقدة التي استرفدتها وهو يرمق داغر ولا يشعر بالخوف رغم تكالب الخطر عليهم. - يعني إنت أخوك كان قتال قُتلة ... طب... طب ومامتك وباباك ؟ كان الفضول يُغطي كلماتها لكنه آراد أن يفصح عن حقيقته لعله يُزيح القليل من همومه، فكانت كلماته متألمة نابعة من فؤاده أثناء قوله : - ماما سابتنا من زمان .... اتخلت عننا ... وبابا بقى تنهد بحرقة وهو يرفع جذعه لأعلى ويواصل : - ضُرغام أخوية قتله .... وكان عايز يقتلني أنا كمان تيبست ملامحها من كثرة الصدمة وشعرت كم أنه يعاني بحياته، فلا يكفي تشوٌهاته الجسدية التي تجعله عُرضة للتنمر، بل أن شقيقه قاتلٌ مغوار ووالدته خائنة ووالده أقرب الداعمين إليه يلقى حتفه غدرًا، حياته لا تخلو من الصِعاب ومع ذلك تراه صامدًا شاردًا طوال الوقت يعامل الجميع بهدوءٍ ولُطفٍ رغم النيران المُتقدة بداخله، كم وٌبخت نفسها على سوء معاملته سابقًا، فهو لا يستحق تلك الحياة أبدًا. - عشان كدة قولتلِك قبل كدة تحسٌني علاقتِك بأهلِك .... عشان ممكن تصحي في يوم متلاقيش حد جنبِك... وساعتها هتتمني لو كانو موجودين حتى وهما بيضايقوكي وبيتحكمو بيكي أحنت رأسها بخجلٍ ما ان استقبلت كلماته وشعرت بالخزي من حديثه، فهي تنتهز أية فُرصة حتى لا تبقى مع عائلتها، تنتهز أية فُرصة حتى تُخالف تعليماتهم وتتبع أهواءها الشخصية رغم أنها متأكدة أنهما يسعيان بجُهدٍ حتى تحيا حياةً تليق بها. بعد بُرهة من الصمت، أدرك مخيمر أنه ملئها بالضيق بسبب حديثه الذي لم يأتي في وقته، فهم محاطون بالأوجاع ولا يُريد هو أن يضيف المزيد على أوجاعها، لهذا السبب عدٌل من نبرته وهو يُغير الحديث ببعض المرح والاستذكار : - تعرفي بقى ... أنا أصلًا من انجلترا ... وعيشت هناك طفولتي .... وأول ما جيت مصر مكنتش عارف اتكلم عربي خالص رفعت حاجبيها بذهولٍ وهي تعتدل في جلستها متفوٌهة : - بتهرز !!... طب واتعلمت عربي بقى إزاي ؟.... تستند بظهرها على الحائط بجوار حُجرة العمليات وبرفقتها إسلام الذي بدا على وجهه الإرهاق ناهيك عن تلك الكدمات التي زيَنت أسفل عينيه نتيجة عراكه مع وهدان، كانت طوال هذه المُدة تحمد ربها أنهم خرجوا من تلك المحنة سالمين وانتهوا أخيرًا من طلال وأتباعه، أخيرًا ستحظى بحياةً هادئة لا يُعكرها صفوٌ ولا تشوبها شائبة، لكنها أيضًا كانت تٌفكر في حرب الذي أتى فجأة ولا تعلم سبب إنقاذه لهما. - تفتكر عزرائيل كان جاي يقتل طلال ولقانا موجودين بالصُدفة ؟.... أصل مفيش حاجة تانية تفسر إللي عمله قالتها باستنتاجٍ آضاف عليه إسلام بتأكيد : - وليه ؟... مش يمكن كان جاي ينقذنا ؟ - لأ ... مش أنا إللي أنقذ حد قطع حديثه هذا الصوٌت الجهوري الغليظ الذي جعلهما ينتفضان بفزع ويلتفتان نحو حرب الذي أتى من العدم فجأة، وكان يقترب نحوهما بنظراته الحادة وكلماته المُرعبة : - لولا وجودكم كان زماني خلصت عليه رفع حدقتيه لأعلى ليُحدق بهما بصورة شيطانية جعلت إسلام يقول بمزاح : - ومخلصتش علينا بالمرة ليه طالما هي سايبة بالنسبالِك لوٌى حرب ثغره بتهكمٍ واستخفافٍ قال معه : - مش بقتل ناس ضعيفة زيُكم اقتربت داليا بأذن إسلام حتى تهمس له ببعض الاطمئنان : - هو تقريبًا بيقل منا ... بس طالما ده السبب إللي خلاه ميقتلناش ... يبقى الحمد لله إنه بيقول علينا كدة قطع حرب حديثها بكلماتٍ مُهددة : - بس عارفين لو اسمي اتجاب في التحقيقات هعمل فيكم إيه ؟ ازدردا ريقهما في هلعٍ وهما يحاولان طمئنته : - متخافش ... إحنا أصلًا منعرفكش قالها إسلام بارتباكٍ آضافت عليه داليا بتأكيد : - أيوة فعلًا .... إحنا أول مرة نشوفك دلوقتي أساسًا بقيت نظراته الثاقبة تُحدق بهما وقدماه تبتعدان عنهما بهدوء تزامنًا مع قوٌله المُهدد : - تمام ... لو قولتو عكس كدة ... خليكم فاكرين إني حواليكم في كل حتة رفع إصبعيه وآشار بهما نحو عينيه ثم عليهما حتى يُخبرهما أنه يُراقبهما طوال الوقت، فما هي إلا لحظات حتى اختفى مرة واحدة من أمامهما وكان اختفاءه كإزاحة صخرة ثقيلة عن صدريهما ليتنفسا بعدها بأريحية تزامنت مع قول إسلام الشبه مُتيقن : - علي النعمة شكلة عفريت وعامل فيها بني آدم.... على الرغم من أنها لم تُشارك معهم في تلك المُهمة إلى أنها لم تتأخر حينما أخبرها إحسان أنهم بالمشفى بنتظرون خروج لؤي والاطمئنان عليه، جلست بالمقعد المجاور لإحسان بعد أن لاحظت إرهاقه الشديد ووجهه الشاحب الخالي من الألوان جراء ما رآاه في تلك المُهمة، فالخوف الذي أحس به كفيلٌ بجعل النوم يغيب عن عينيه لعدة أيام، خاصة وأن هذه أول مرة له يخوض فيها مثل هذه التجارب، لا يعلم أن جميعهم يعتبرون هذه المُهمة صغيرة بالنسبة لما سبقها من مُهمات. - أنا قولتلك متروحش معاهم ... إفرض يعني كان حصلك حاجة قالتها سُمية بعِتاب لإحسان الجالس بجوارها يشعر بالسعادة البالغة لأنها تخاف عليه، ويرد عليها بتبرير : - عايزاني اسيبهم يعني وهما محتاجيني .... دا أنا حتى لازم أردلهم شوية من إللي عملوه معانا رفع نظره ليرمقها بهيامٍ قال معه بابتسامة هادئة : - ده كفاية إنهم ساعدونا نرجع لبعض تاني .... والناس كلها دلوقتي بقيت عارفة إنك أعقل منهم كلهم رسمت بسمة خجولة على ثغرها وهي تتذكر كيف ساعدوهما وأثبتوا لشقيقها أنها ليست مجذوبة، أبعدت نظرها عنه وهي تبتسم تلك الابتسامة لفترة وهي في حالة من الصمت الذي قطعته بقولها القلق : - بس أنا بردو كنت خايفة عليك ... مكنتش هستحمل لو جرالك جاحة تراقصت العصافير بصدره بسبب كلماتها الهائمة التي جعلته يُبادلها نفس هذه الابتسامة ويقول : - متخافيش عليا ... أنا كويس ... وهبقى كويس أكتر لما هنبقى مع بعض في بيت واحد تلاشت بسمتها مرة واحدة وحلٌ محلها سخونة عارمة وكأنها دلفت أحد الأفران، تلعثم الحديث داخل جوفها وهي تجاهد لتقول : - هـ...هنبقى ... إنت قصدك إيه ؟ كان ارتباكها وخجلها حافزًا له حتى يبتسم أكثر أثناء قوله : - بقول إللي هيحصل .... أنا خلاص طلبت إيديك من مرعي أخوكي ... وحددنا كمان معاد الخطوبة سقط فكها في ذهولٍ مع شهقة عالية أطلقتها من فمها وكادت تُصفق معها بصبيانية وهي تقول بعدم تصديق : - إنـ...إنت بجد عملت كدة ؟.... أنا مش مصدقة رد عليها بنفس لهفتها : - وإيه اللي يخليكي متصدقيش ؟.... أنا وعدتِك إننا هنتجوز بعد التثبيت علطول ... ولولا الظروف اللي حصلت كنت اتجوزتِك من بدري تدرج وجهها باللون الأحمر الخجول وهي تقول بصوتٍ خافتٍ لم تكن تُريده أن يسمعها لكن صوٌتها بدا مسموعًا وواضحًا بالنسبة له : - أنا بحبك أوي بدأت نبضات قلبه تتعالى بسعادة وهو يرد عليها بنفس طريقتها : - وأنا كمان بحبك اكتفت بالصمت بعد هذه الكلمة البسيطة الكفيلة برفرفتها عاليًا بين الطيور والفراشات، أحنت رأسها في خجل واكتفت بالصمت حتى لا تجد نفسها تنقض عليه وترتمي بصدره، وجدته محافظًا على صمته لبُرهة من الوقت حتى قال بلهفة : - بالمناسبة السعيدة بقى دي .... هغنيلِك أغنية جديدة كان على وشك الغناء مجددًا وتلويث سمعها بصوٌته الناشز لكنها قطعته بسُرعة قبل أن تنقلب اللحظة الحميمية التي كانت بينهما : - يوه ... دا أناا... أنا نسيت اعمل حاجة ضرورية جدًا تركت مقعدها بُسرعة أمام نظراته الحائرة التي لا تفهم سبب رحيلها بسرعة وبهذه الطريقة،هل يمكن أنها تتهرب من استماعها لغناءه ؟؟ _____________________________ يشعر بنصلٍ رفيعٍ يثقب ذراعه لكن ألمه لم يكن يتساوى مع الألم الذي ينحرٌ جانبه الأيمن من بطنه، لا يزال ملمس السكين يُصيبه بالألم ويجعله عاجزًا عن الاعتدال مُستسلمًا للاستلقاء بإعياء على ذاك الفراش. بدأت الرؤية تتضح بعد فترة وبدأت أذناه تلتقطان صوٌت الصافرات الخافتة التي أصدرتها الأجهزة التي تُظهر مؤشراته الحيوية ومُعدل نبضاته، اختلط هذا الصفير الخافت بصوٌت بكاءها الهاجر ودموعها التي خلقت أنهارًا استطاع أن يستشف من خلالها كم الحزن الذي تعانيه. عجز عن الاعتدال في جلسته فقرر الاستلقاء، عجز عن طمئنتها بحديثه فقرر أن يُجاهد كي يرفع ذراعه بثقلٍ ويتحسس وجنتها الرطبة برقة جعلتها تتوقف عن البكاء وتلاحظ استيقاظه أخيرًا. عادت روحها إلى جسدها وهي ترى عينيه المفتوحتين وأنامله التي تتحسس وجنتها بحنان، قبضت على كف يده بلهفة وهي لا تتوقف عن سؤاله عن أحواله ثم تواصل البكاء بقلقٍ اختلط مع فرحتها العارمة، فهي لا تُصدق أنه عاد إليها بعد أن كادت تنفطر من الألم عليه. - ششش... متعيطيش أنا كويس قالها بصوتٍ خافتٍ لا يخلو من الإجهاد عندما وجدها لا تتوقف عن سؤاله عن أحواله، أبعدت يدها عن أنامله لتُكفكف دموعها وهي تردف بحسرة : - معيطش إيه بس ؟..... دا أنا عيطت عليك اكتر ما عيطت على موفاسا رمقها بإبهامٍ بسبب ردة فعلها التي جعلته يسأل : - موفاسا مين ؟ أدركت قمر حماقة حديثها فحاولت دفعه لتجاهل ما قالت : - متاخدش في بالك ... المهم ... إنت كويس ؟ تقدمت بجذعها وهي تسأله بقلقٍ ليُطلق لؤي زفرة خافتة أعربت عن نفاد صبره من هذا السؤال الذي آجابه ألف مرة : - يا حبيبتي منا قولتلك مليون مرة إني كويس كذبٌت قمر حديثه وكأنها تعرفه أكثر من نفسه، فهي تراه مٌستلقٍ على الفراش بجسدٍ مُنهكٍ وملامح شاحبة، ناهيك عن تلك العملية الجراحية التي أجريت له والتي كانت صعبة بعض الشيء : - متضحكش عليا ... الدكتور قال إنهم اضطرو يشيلولك المرارة عشان اتضررت رسم بسمة هادئة على ثغره وهو يحاول تهدئتها ببعض المرح : - وإيه المُشكلة لما يشيلو المرارة ..... على الأقل مش هتلاقي حاجة تفقعيهالي اغتاظت من لكنته الساخرة التي جعلتها تضربه ضربة بسيطة على كتفه وهي تنهره : - إنت بتهزر يا لؤي ؟... دا أنا كُنت هموت عليك .... وكنت عمالة افكر في ابننا اللي هيتربى من غير أبوه تجهم وجهه إثر حديثها الذي جعل الصدمة تجتاح كيانه وتجعله يقول : - ابننا !! ... هـ...هو إنتِ حامل ؟ كانت الفراشات تتراقص بفؤاده بعد التقاطه لهذا الخبر بينما كانت قمر تضرب جبهتها وهي تلعن غباءها متفوٌهة : - أوف ... أنا ازاي قولت الخبر هنا .... أنا كنت عايزة اعملِهولك مفاجأة لما نروٌح تغيٌرت نبرتها الي التوٌسل وهي تقول : - طب بُص ... انسى إللي قولته ده، واعتبر إني مقولتش إني حامل ... ماشي ازداد ألمه وهو يقهقه على حديثها لتمُر بينهما بُرهة من الصمت الذي أعرب من خلاله عن سعادته البالغة بهذا المولود الذي سيأتي ويتوٌج قصتهما الوردية. تلاشت سعادتها بعد فترة الصمت هذه لتتقدم بجذعها مجددًا حتى تصبغ حديثها بأهمية وهي تقول : - أنا عارفة إن إنت مبقتش ظابط .... بس في حاجة مهمة أوي لازم نسلمها عشان نخلص تمامًا من طلال وإللي زيه انتبه إلى لكنتها الجدية والتي بثت الشكوك بداخله وجعلته يُحدجها بنظراتٍ مُترقبة سأل معها : - في إيه ؟ تنهدت قمر لتستجمع كلماتها ثم آعادت جذعها للوراء بحثًا عن هاتفها المتدثر في حقيبتها، مدٌت هاتفها بضعة أمتارٍ بالقُرب من عيني لؤي حتى تُخبره : - أنا حققت مع طلال قبل ما يحصله حاجة في السجن ... وخليته يقول مين إللي في المُنظمة ومكان اجتماعاتهم فين ... ___________________________ أسدلت السماء ستارها وعاد الجميع إلى تلك الحُجرة التي سينتهي عندها كل شيء، فها هو إسلام يسترخي بظهره للوراء على فراشٍ صلبٍ وجواره داليا تسترخي مثله بعد أن وٌضع على رأسها خوزة بحجم الرأس يتفرع منها العديد من الأسلاك. نبضات قلبيهما تضرب بسرعة وأنفاسهما تتهدج خوفًا، لكن هذا لن يمنعهما من المواصلة، لن يتحملا المزيد من الكوارث، يجب أن يتخلصا من تلك اللعنة إلى الأبد. وثب مخيمر أمامهما كي يملي عليهما تعليماته التي أملاها عليهما في آخر مرة حاولا التثبيت بها، ما إن انتهى من إلقاء تعليماته حتى التفت داليا برأسها نحو إسلام لتجده يرميها بنظراتٍ مشجعة هدأت القليل من ضربات قلبها. توقف الزمن في تلك اللحظة، وبدا أن حياتهما ستتغير مئة وثمانون درجة حينما صدح صوٌت مخيمر الآمر : - شغٌل الجهاز.... يُتبع ❤💕 ___________________________ تطورات القضية 1- مستوطنون اسرائيليون يقتحمون مزارع فلسطينيين ويُصادرون مواشيهم. 2- اسرائيل تكتشف سر صناعة صواريخ حماس في الأنفاق. 3- نتنياهو لم يوافق على مطالب حماس بوقف إطلاق النار وإعادة إعمار غزة مقابل صفقة تبادل الأسرى، كما قال خلال لقاءٍ له " النصر الكامل في غزة ( أي السيطرة عليها ) هو السبيل الوحيد لضمان اتفاقيات سلام تاريخية " 4- أصبحت خيارات الطعام في غزة محدودة وارتفعت أسعار الطعام بشكل مبالغ به، وقال أحد سكان مدينة جباليا أنه يتناول وجبة واحدة في اليوم، أحيانًا تكون طبقًا من الأرز وفي أيامٍ أخرى يتناول أوراق الشجر والنباتات. 5- مستوطنون اسرائيليون يقومون بالبصق على قسيس في القُدس القديمة ويوجهون الشتائم والألفاظ النابية له. 6- مُحتجون اسرائيليون يمنعون دخول المعونات الإنسانية لغزة عبر معبر آشود ويُطالبون حكومتهم بعدم السماح لأي معونات غذائية أن تخترق الحدود وتدخل إلى قطاع غزة..... ( لا تنسوا القضية ) ___________________________ أتمنى تكونو قريتو الفصل على أقل من مهلكم لأنه أطول فصل أكتبه في حياتي وفي الرواية دي، دا غير إنه مليان احداث كتير وأخد مني وقت كبير، والفصل الأخير هيتأخر أوي وغالبًا مش هينزل الشهر ده لأني مش فاضية خالص. المهم، قولولي رأيكم في الفصل ده وفي الرواية بشكل عام وفي الجزء ده بشكل خاص، ولو في أي أخطاء إملائية نحوية منطقية أو أي نقد على الرواية عمومًا ياريت تعرفوني ومتنسوش الفوت 🥰

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرواح ضائعة " أرواح متنقلة 2 "

المؤلف نوران أشرف محمد
2024/06/15 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 0: المقدمة
2024/06/15
الفصل 17: الفصل السادس عشر ( النصف الآخر )
2024/06/15
الفصل 18: الفصل السابع عشر ( ضيوف غير مُرحب بهم )
2024/06/15
الفصل 19: الفصل الثامن عشر ( بداية المعركة )
2024/06/15
الفصل 20: الفصل التاسع عشر ( تبادل )
2024/06/15
الفصل 21: الفصل العشرون ( كشف المستور )
2024/06/15
الفصل 22: الفصل الحادي والعشرون ( مكبلًا بالأغلال )
2024/06/15
الفصل 23: الفصل الثاني والعشرون ( عفريت !! )
2024/06/15
الفصل 24: الفصل الثالث والعشرون ( البوابة !! )
2024/06/15
الفصل 25: الفصل الرابع والعشرون ( أوقعهم العدو )
2024/06/15
الفصل 26: الفصل الخامس والعشرون ( جسدٌ بلا روح )
2024/06/15
الفصل 27: الفصل السادس والعشرون ( العين بالعين والسن بالسن )
2024/06/15
الفصل 28: الفصل السابع والعشرون ( التثبيت )
2024/06/15
الفصل 29: الفصل الثامن والعشرون ( النهاية )
2024/06/15
الفصل 30: أرواح ضائعة ( الخلاصة )
2024/06/15
الفصل 16: الفصل الخامس عشر ( مشفى المجاذيب )
2024/06/15
الفصل 15: الفصل الرابع عشر ( عصيان نتيجته الدمار )
2024/06/15
الفصل 1: ملخص الفصل الأول
2024/06/15
الفصل 2: الفصل الأول ( عد تنازلي )
2024/06/15
الفصل 3: الفصل الثاني ( قرار إجباري )
2024/06/15
الفصل 4: الفصل الثالث ( طلق !! )
2024/06/15
الفصل 5: الفصل الرابع ( عودة الأخ الضال )
2024/06/15
الفصل 6: الفصل الخامس ( تصفية حسابات )
2024/06/15
الفصل 7: الفصل السادس ( لن تخرج حيًا )
2024/06/15
الفصل 8: الفصل السابع ( خائن !! )
2024/06/15
الفصل 9: الفصل الثامن ( قطعة ناقصة )
2024/06/15
الفصل 10: الفصل التاسع ( لصوص )
2024/06/15
الفصل 11: الفصل العاشر ( وقع بين يديه )
2024/06/15
الفصل 12: الفصل الحادي عشر ( اختطاف جماعي )
2024/06/15
الفصل 13: الفصل الثاني عشر ( جاسوس )
2024/06/15
الفصل 14: الفصل الثالث عشر ( ضربة أفقدته الوعي )
2024/06/15
الفصل 31: الرواية الجديدة
2024/06/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة