الفصل الأول ( عد تنازلي )

الفصل الأول ( عد تنازلي )

25 0

بسم الله الرحمن الرحيم " استودع الله الذي لا تضيع ودائعه ديني ونفسي وأمانتي وخواتيم عقلي وبيتي وأهلي وأحبتي ومالي وجميع ما أنعم الله به علي " _____________________________ تثب أمام المرآة المتهالكة عاجزة عن تفسير ما أمامها، فكأنها أمام وهمٍ يختلقه عقلها ويقنعها به، وما الوهم إلا حقائق يقنع بها الانسان نفسه بأنها مُجرد أكاذيب لا صلة لها بالواقع، لكنه يسقط من أعلى ارتفاعٍ ما إن تُداهمه تلك الأوهام وتجعله يفقد صوابه، فلو كان صدقها منذ البداية لما أوصله عقله إلى تلك المرحلة. اختفت ألوان وجهها وهي تُحدق بذاك الوجه الغريب ويدها تتحرك على خصلات شعرها التي أضحت قصيرة للغاية، تحسست بعدها وجهها وبشرتها الخشنة المائلة للسُمرة وتلك الندبة التي تتكون على رقبتها، بل وهذه الملابس البالية التي تدل على الفقر، فهي الآن داخل جسد رجلٍ غريب، وعلى الأغلب ينحدر مستواه الاجتماعي إلى القاع وربما أسفله. بقيت ضربات قلبها تتصاعد في خوفٍ وداخلها يسب حظها وانتقالها الدائم إلى أجساد الرجال، فلو كانت روحها تتبدل بالعديد من الأجساد، لمَ لا تتبدل مع الفتيات ؟ ولمَ تتبدل بالأساس رغمًا عنها ؟ كادت على وشك الانهيار حتى اكتشفت أنها تستطيع التحكم بقُدرتها ويُمكنها العودة إلى جسدها مجددًا؛ لهذا السبب أغلقت عينيها وسرقت نفسًا عميقًا تغلغل قفصها الصدري ثم أخرجته لتواصل التركيز على تلك الطاقة وتضغط على عقلها بقوة كي تجعل روحها تستجيب لتعليماتها. أطلقت الهواء من جوفها مجددًا مع هالة من خيبة الأمل بدأت تجتاحها لعدم مقدرتها على العودة، فعلى الأغلب أن صاحب هذا الجسد هو من بدأ التبديل وهو الذي يجب أن يستعيد جسده مجددًا، تتسآل حقًا إذا كان صاحب هذا الجسد سيستطيع التحكم بتلك الطاقة أم أنه لا يعلم عنها شيئًا، لكنها متيقنة أنها في جميع الأحوال ستعود إلى جسدها مع مرور أربعة وعشرين ساعة، هذا ما يجعلها تتحلٌى ببعض العزيمة لتواصل اليوم بذاك الجسد على أن تعود مجددًا إلى حياتها الطبيعية. هكذا انتهت قرارتها لتتحرك بعيدًا عن المرحاض وتبدأ السير داخل تلك البناية التي يبدو أنها ليست صالحة للعيش بداخلها، فلا يوجد سوى أثاث بالٍ غير متناسق مترامٍ في الأطراف مع العديد من الأدوات القديمة والعشوائية مما جعلها تجول ببصرها في كل مكانٍ كي تستكشفه وكأنها تكتشف أحد المتاحف. - جابر ... تعالى كُل معانا عيش وملح اخترق أذنها هذا الصوت من مجموعة من الرجال المتجمعين في حلقة بأحد الأطراف وأمامهم طاولة خشبية صغيرة ومستديرة وُضع عليها مجموعة من الصحون المعدنية التي احتوت على أكلاتٍ شعبية مُتعارف عليها، فكان أول صحنٍ يحتوي على الباذنجان المقلي والآخر يحتوي على أقراص الطعمية الصغيرة والآخر يحتوي على بطاطا مقلية وآخر صحنٍ يحتوي على الفول، والخُبز موٌزع بينهم على الطاولة فوق إحدى الجرائد. بقي الصوت يُنادي والنظرات تصوٌب نحوها مما جعلها تشعر بالتيه، فهي لا تزال جاهلة باسم صاحب هذا الجسد وماهية حياته، لكنها بعد فترة انتبهت إلى كونهم ينادونها بذاك الاسم مما أكد لها أن اسمها الآن هو " جابر ". تحركت بخطواتٍ هادئة صوٌب الرجال حتى جلست بجوارهم متربعة على قدميها تلتقط الخُبز وتبدأ بتقطيعه وتناول بعض اللُقيمات ببطء، لا تعلم لمَ الطعام مِذاقه غريبٌ عليها، فرائحة الزيت الملوٌث تكاد تخترق أنفها رغم أنه لا يؤثر كثيرًا على المِذاق، فقط يجعلها تظن أنها تتناول طعامًا ملوُثًا ويبدو أن الجميع هنا مُعتادٌ عليه مما يعني أن هذا الجسد يتناول من هذا الطعام يوميًا. - هتعمل إيه في عملية إنهاردة ؟ أتاها هذا السؤال من أحد الرجال مما جعلها تلتفت نحوه وتسأل بوجوم : - عملية إيه ؟ شقت الابتسامة ثغر الرجل بعد أن ظنٌ أن صديقه يمزح معه، فهو لا يعلم أنها بالفعل لا تفهم مقصده، فهي لا تزال تعتقد أن اسمها داليا وأنها خبيرة علاقاتٍ زوجية، ليست هذا الرجل الذي لا تعلم من هو حتى. - عملية عم جورج إللي المعلم عطهالك بدل عملية المًنتزه إللي بوٌظتها لا يزال التيه يلوح على وجهها وهي تسأل بصوتٍ مرتجفٍ بعض الشيء : - وأنا ... هعمل إيه في العملية دي ؟ ازدادت قهقهات الرجل الساخرة بعد أن تأكد أن صديقه يمزح معهم، فكيف لا يعلم ما الذي سيفعله بعد سويعاتٍ قليلة ؟ آحاطه بذراعيه ليُجيبه بسُخرية : - هتروح تركبله نجف قهقه بعد حديثه المازح كما قهقه البقية على مزحته التي صدقتها هي وعاودت تناول الطعام إلى أن باغتها الرجل بالإجابة الحقيقية : - هيكون هتعمل إيه يعني .... هتسرقه طبعًا ما إن أدلٌى تلك الجملة حتى بدأت بالسُعال وكادت تبصق ما بفمها من طعامٍ من شدة الصدمة، أهذا الجسد سارق !! استمرت تسعل لفترة حتى ضرب الرجل على ظهرها إلى أن استعادت أنفاسها تزامنًا مع كلمات نفس الرجل : - مالك ياه ... السرقة خضتِك ولا إيه ... مهياش أول مرة يعني زادت كلماته من صدمتها ووٌدت لو تذهب الآن إلى الشُرطة حتى تُبلغ عن جميعهم، لكنها إذا فعلت هذا ربما ستبقى حبيسة هذا الجسد لفترة وجيزة من الممكن أن تتكرر طالما صاحب الجسد لا يستطيع التحكم بالطاقة ولن يرغب بالطبع بتقضية ما تبقى من عُمره بالسجن. استعادت أنفاسها وحاولت الصمود حتى لا يشك أحدهم بأمرها، فكانت لا تزال تجلس مكانها بعوالم شاردة لا تعلم ماذا تفعل، فإذا جارتهم وواصلت اليوم بهذا الجسد ستُجبر على السُرقة وترتكب جُرمًا هي لا تُريد ارتكابه، لهذا السبب وثبت عن الأرض تحاول الهرب منهم والعودة إلى تلك الحُجرة المقيتة حتى انتهاء اليوم. لكن يبدو أن الرياح تأتي بما لا تشتهيه السُفن، ففور قيامها وجدت قبالتها رجلًا يبدو بالعقد الخمسين وعلى وجهه علامات القساوة خاصة تلك النظرات المُشتعلة المصوٌبة نحوها مباشرة حتى كادت تقتلها، وعصاه الخشبية التي كان يتكيء عليها زادت شعورها بالرهبة، فكأنها الآن تقف أمام مجرمٍ من الدرجة الأولى. - الواد ده بيعمل إيه هنا ؟ قالها شفيق وهو يُشير على داليا التي تلبسٌت جسد جابر ولا تعلم لمَ يُشير عليها ويبدو أنه يحمل الضغينة اتجاه هذا الجسد. كلماته المهيبة ولكنته الحادة جعلتها تُتهته بالحديث وتزداد رهبة حتى بدأت معدتها تتوٌعك وأطرافها تفقد الشعور بهم، بقيت على هذه التهتهة حتى تدخل أحد الرجال والذي كان يتحدث معها مُسبقًا والمدعو ببلال لكنهم يُنادونه بابلو بسبب تشبهه بهذا المُجرم المشهور والمدعو ببابلو اسكوبار. - داا ... كان جاي يفطر وهينزل يقلب رزقه ... مش كدة يا جابر ؟ قالها بابلو لشفيق ثم وجه نظراته نحو داليا التي ازدادت تيَهًا لكنها أومأت رأسها في النهاية حتى تهرب من نظرات شفيق الحادة : - أه أه ... أنا فعلًا كنت ... همشي دلوقتي قالتها بكذبٍ واضحٍ جعلها تُغير من خططها وتُرغم على ترك المنزل بهذا التوقيت، لكن هذا سيضحى أفضل، على الأقل ستبتعد عن ذاك المنزل المُهتريء وتطوف في الشوارع تؤدي بعض الأعمال التي يؤديها المشردين حتى تحصل على قوت يومها. عظيم ... أصبحت الآن داخل جسد لص ومشردة أيضًا، يالهذه الحياة !! تحركت صوٌب الباب كي تفتحه بهدوء وتترك البناية لتقف أمام الباب تستنشق بعضًا من الهواء مع أشعة الشمس التي لفحت وجهها، كان الجو حارًا اليوم والشمس ساطعة لذلك أول ما قررته هو أن تبحث عن مكان تستظل به من أشعة الشمس قبل أن تحرقها. لكن الحياة تصفعها مجددًا وتضع عقباتها أمامها، فما إن خطت خطوة حتى أحسٌت بأقدامٍ تهرول نحوها وتقف أمامها مباشرة. أحسٌت بظلٍ يُغطي جسدها ويبدو أنه يخص رجلًا فارع الطول عريض المنكبين؛ إزدردت ريقها برُعبٍ قبل أن ترفع رأسها ببطءٍ وتواجه وجه هذا الرجل بابتسامته الماكرة وسلاحه المصوٌب على رأسها مباشرة والذي اجتمع مع كلماته المنتصرة والمُهددة بالنسبة لها : - وأخيرًا وقعت تحت إيدي يا جابر ... ___________________________________ أنبوبٌ زجاجيٌ يحتوي على إحدى المواد الكيمائية التي تحمل لونًا يميل إلى الأزرق، عيناه الخضراء مُنصبتان على هذا المحلول لتظهر سُترته البيضاء المعملية كما هذه الجُدران التي تُحيط بتلك الحُجرة، فهو يعمل على أحد المُركبات التي من شأنها أن تصنع دواءً يُعالج الأمراض التناسلية، على أمل أن يعثر فيما بعدٍ على حلٍ لمُشكلة تشوٌهاته الجسدية. وضع الأنبوب فوق الحامل المعدني ليلتفت نحو عدسة المجهر ويبدأ بتحليل مادة أخرى ثم يدوٌن بعض الملاحظات التي ستفيده في أبحاثه. كان بجواره العديد من العُلماء داخل هذا المعمل الكبير الذي انتقل إليه منذ أن أغلق معمل والده وتم ضمه ضمن ممتلكات الدولة، لم تكن نظرات العُلماء مصوٌبة في الكيمياويات التي أمامهم، حيث كانت أفواههم تتغامز عليه مع نظراتهم المُحتقرة المصوٌبة نحوه. - هي دي الدكتورة الجديدة ؟ قالها أحد العُلماء بصوتٍ خافتٍ لكنه وصل إلى مسامع مخيمر الذي يعلم أنه يتحدث عنه، وما أكد حدسه هو إجابة زميله التي حملت قدرًا من السُخرية والاحتقار : - قصدك الدكتور ... بس هو استغفر الله العظيم يارب عامل نفسه حُرمة قطٌب العالم الآخر حاجبيه بازدراء قال معه : - استغفر الله العظيم .. أهي الناس دي هي إللي هتقوٌم القيامة ... " لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء " أكد العالم الآخر على حديثه وهو يواصل النظر إلى مخيمر قاصدًا توجيه كلماته صوٌبه مما جعل نيران الغضب تتفاقم بداخل مخيمر، فهؤلاء الحمقى لا يعلمون أنه خُلق هكذا، وليس هذا ذنبه بأن يختلط جنسه الذكوري مع الجِنس الآخر، وبسبب تشوٌهاته، يعتقد الجميع أنه يتشبه بالنساء. لم يعد يتحمل المزيد من أحاديثهما التي تؤلمه وتُذكره بكونه عالة على المُجتمع؛ لهذا السبب ابتعد على المجهر ليثب داخل الحُجرة حتى يخلع سُترته البيضاء ويرمي هذين العاملين بنظراتٍ مقتضبة قبل أن يترك المعمل بأكمله. تتحرك أقدامه على الطريق بحثًا عن سيارته التي اصطف بها بعيدًا لعدم وجود أماكن قريبة من المعمل، ترك خُصلات شعره الناعمة تنسدل وراءه بعد أن أرجع بعض الخُصلات المُتمردة للوراء، كان يرتدي سُترة صيفية حمراء اللون أسفلها بنطال من الجينز الذي أبرز نحالة جسده وتلك التعرجات التي يُحاول مداراتها قدر الإمكان عن طريق ارتداءه لملابس واسعة.. كان يسير بهدوءٍ حتى أخترق أذنيه صوت رجلٍ يهتف من وراء ظهره بعد أن أطلق صافرة من جوفه : - ما تيجي يا حلوة أغنيلِك غنوة بقي الرجل يسير وراءه مما زاده شعورًا بالغضب، فعلى الأغلب هذا الأحمق قد ظنه فتاة كما يظن العديد من الأشخاص؛ هذا ما جعله يتوقف عن السير ويلتفت وراءه رامقًا هذا الرجل بنظراتٍ ثاقبة أبرزت ملامحه الرجولية والتي جعلت الرجل يُصاب بالصدمة. جحظت عينا الرجل وإزدرد ريقه بحرجٍ ثم رفع يده بأسف لاعنًا نفسه على هذا الموقف، فعلى الأحرى يقول بقرارة نفسه : ما الذي فعلته أيها الأبله ؟ ما هي إلا لحظات حتى هرول الرجل بعيدًا راميًا إياه بنظراتٍ مذعورة جعلت مخيمر يُقهقه قهقهة بسيطة ساخرة من معالم الرجل التي تغيٌرت فجأة، التفت بعدها ليواصل السير ويداه توٌضعان داخل جيبه وكأنه سيتجاهل ما حدث ويواصل حياته ككل مرة. _______________________________ تلك اللحظة التي تنتهي بها من آخر يومٍ من الدراسة بحياتِك لها شعورٌ خاص، فلا مزيد من الالتزامات والمسئوليات حتى تقتحم الحياة العملية بكل مشكلاتها وعوائقها، فيكفي المشكلات التي تغتاب المرء قبل أن يستقر بوظيفة تناسبه وتناسب مجاله الدراسي. لكنها الآن وبعد أن انتهت من آخر عامٍ بجامعتها، أضحت الآن في حالة من الاسترخاء تجعلها تنام أغلب الوقت وكأنها تعوٌض تلك الليالي التي سهِرت بهم حتى تنتهي من هذا العام الدراسي، تستلقي بجسدها على الأريكة بالبهو ويداها تحملان هاتفها الذي يعرض إحدى الصوٌر الخاصة باليرعات، فهذه الحشرة المُضيئة هي حشرتها المُفضلة والتي تقوم بدراستها أغلب الوقت هي وبقية الحشرات. فقد تخرجت من كلية العلوم قسم الأحياء لتُقرر بعدها أن تُجري دراستها على العديد من أنواع الحشرات وتستكشف ما تحمله من أمراض وما أهميتها بهذا العالم، فبالطبع لم يتم خلقها من أجل أن تدعسها الأقدام ويقتلها البشر. - قومي يا شمس حضري معايا الغدا وسيبي الزفت إللي في إيديِك ده ما إن استمعت إلى نداء والدتها الذي أخرجها من استرخاءها حتى تنهدت بتذمرٍ وجوفها بمتليء بالهواء الذي أطلقته متفوٌهة : - يا ماما مش قادرة ... بطني وجعاني أوي كانت تتحجج حتى تتركها والدتها تواصل اللهو والتمتع بالراحة، لكن والدتها باغتتها بحديثٍ صارمٍ برر سبب شعورها بالتوٌعك : - ما طبعًا لازم بطنِك توٌجعِك ... ما هو من الزفت إللي ماسكاه طول اليوم اعتدلت شمس بجلستها وهي تعترض حديث والدتها بدفاع : - وإيه علاقة الموبيل ببطني إللي وجعاني ؟ آعادت والدتها تعليماتها الصارمة وأصرٌت على أن تترك موضعها وتأتي لمساعدتها بإعداد الطعام هادرة بتلك الكلمات التي تقولها دائمًا وأنها ليست الخادمة التي أتى بها والدهم حتى تخدمهم، تلك الكلمات التي علِمت بعدها شمس أنها لن تستطيع مجادلتها فقررت أن تثب وتساعد والدتها حتى ... لم تكد تخطو خطوة واحدة حتى أحسٌت بحبلٍ يتشابك بقدمها ودلوٍ من المياه ينسكب عليها من الأعلى مما جعلها تُطلق شهقة مدوية وتفتح فاهها من هول المفاجأة، التصقت خُصلات شعرها المجعدة برأسها كما تبللت ثيابها بأكملها، وما زادها غضبًا هو صوت قهقهات شقيقها المُنبعثة من وراءها وسبابته المشارة نحوها بشماتة ... أطبقت على شفتيها بغضبٍ جِراء ما حدث وما هي إلا بضع ثوان حتى حاولت الانقضاض على شهاب هادرة بغضب : - أقسم بالله لاخد حقي وهكذا انتهى الحال في ذاك المنزل بين مطارداتٍ بينهما ووالدتهما التي تصيح بكليهما مع شهاب الذي لم تتوقف مقالبه حتى كاد المنزل يتدمر من هذا الهرج والمرج الذي اعتاد المنزل وقاطنيه عليه. ____________________________ بريقٌ خافتٍ اخترق بوق بوق عينيه العسلية التي انعكس عليها أشعة الشمس، أحس بهواءٍ باردٍ يلفح وجهه ويُشعره وكأنه بفصل الشتاء على الرغم من القيظ الشديد الذي غمر هذه الأيام، حاول الاعتدال على فراشه ليجد جسده مُغطى بغطاءٍ أبيضٍ وصوت خافت ينبعث من حوله يُشبه صوت المروحية لكنه يختلف، فهو صوت المُكيف الذي لم يره ولم يُجربه ولو لمرة واحدة.. نزع الغطاء عن جسده بعوالم حائرة تتحسس تلك الحُجرة الغريبة التي يجد نفسه داخلها، فهي ليست حُجرة فاحشة الثراء، لكنها حُجرة بسيطة تتكون من خزانة عريضة قبالتها فِراشٌ كبيرٌ يتسع لفردين وكان يستلقي هو على أحد جوانبه مما أوهمه أن هناك من كان مُستلقٍ جواره. آدار رأسه في عدة اتجاهاتٍ نازحًا تلك الأفكار التي تُخبره بأنه لا يزال داخل أحد أحلامه، فلا يوجد سببٌ منطقي يُفسر وجوده بحُجرة كهذه سوى أنه مخطوفٍ من إحدى العصابات، لكن ما هذه العصابة الرائعة، تضعه داخل حُجرة نظيفة مُكيفة أفضل بكثيرٍ من تلك الحُجرة التي يقطن بها. وثب عن الفراش والغرابة بداخله تزداد أكثر فأكثر، فهو يشعر بشيءٍ غريبٍ ولا يستطيع تحديد سبب شعوره بتلك الغرابة. توقفت أنامله فجأة أمام مرآة الخزانة المقابلة له مباشرة والتي سنحت له الفُرصة برؤية هذا الجسد الذي تلبسه، فما إن رآى صورته حتى سقط فكه في صدمة وبدأت يداه تُمسدان على تلك الخُصلات البنية المموجة التي تصل إلى الرقبة، تحركت يده من على خُصلات شعره وبدأت تُمسد على منامته الوردية المُريحة التي تحمل أحد أشكال الرسوم المتحركة. توقف عقله عن التفكير وبدأ يقتنع تمامًا أنه داخل حُلمٍ من أحلامه، ربما هو حُلمٍ أقرب إلى الواقع، إقترب خطوة نحو المرآة مع فاهه الذي يُغمغم بصدمة : -أنا اتحوٌلت !!... استغفر الله العظيم، إيه إللي بقوله ده ... تحسس وجهه مُجددًا ولا تزال عينيه جاحظة مُحدقة بتلك المرآة ووجهه يفتعل حركاتٍ حمقاء حتى يُصدق أن هذا وجهه... - دالـــيا ... يلا اصحي يا داليا عشان_ كان يُنادي إسلام بتلك الكلمات وهو يتحرك صوٌب الحُجرة حتى توقف عن الحديث ما إن وثب أمام الباب يُطالع زوجته بغرابة وهي تفتعل تلك الحركات الحمقاء أمام المرآة. - بتعملي إيه ؟ انتفض جابر إثر كلماته التي سرقت ألوان وجهه؛ اعتدل في وقفته وهو يُجيب من يقف يجواره بتهتهة : - لـــ ...لا ولا حاجة .. أنا بشوف حاجة كدة تجاهل إسلام حديثه وأردف بصرامة وهو يترك الحُجرة : - طب يلا عشان هنروح البحر كمان شوية ترك إسلام الحُجرة تزامنًا مع جابر الذي أومأ رأسه بهدوءٍ وهو لا يزال يشعر بالتيه، فهو الآن كالغريب الذي وطأت أقدامه دولة غريبة لا يفقه حتى كيفية التعامل داخلها، وكأنه لايزال طفِلا يتعلم المشي. استجمع قواه العقلية بعد فترة وتنهد تنهيدة طويلة تبعها ببث نفسه بعض الثقة على أمل مواصلة اليوم بصورة طبيعية، فلا أحد بالطبع سيُصدق أنه كان رجلًا، فهو لا يعرفهم حتى، سلم أمره وأوهم نفسه أنه بذاك الجسد حتى يحميه خالقه من الأهوال التي يُقابلها بحياته، مما يعني أن عليه التأقلم على تلك الحياة الجديدة التي يبدو للوهلة الأولى أنها هادئة... ترك الحُجرة وبدأ يتحرك بالرُدهة حتى توقف عند المطبخ ذا الصيحة الأمريكية التي تجعله مُندمج مع البهو، وجد إسلام قبالته يجلس أمام الطاولة ويمسك بين يديه شطيرة يتناولها بنهم، كاد يتجاهله لكن إسلام ناداه : - تعالي افطري قبل ما ننزل لم يعترض جابر على حديثه حتى لا يُثير الشُبهات ولأنه يتضور جوعًا؛ تحرك صوٌب المطبخ مُلبيًا نداء إسلام ليفتح بعدها البراد باحثًا عن طعامٍ يقوم بإعداده على الفطور، ولأنه لا يفقه شيئًا عن الطهي فكان يبحث عن أبسط وأسهل المأكولات تحضيرًا، وما كاد يُخرج الخُبز حتى باغته إسلام بقوله : - عملتلِك ساندوتشات معايا هتلاقيهم في الميكروويف انتبه جابر لحديثه مما جعله يفتح فمه ببلاهة لكونه يجهل معنى هذه الكلمة التي قالها إسلام : - ها ... قولت فين ؟ اعتقد إسلام أنها لم تسمع كلماته فآشار بأصابعه نحو جهاز التسخين الكهربائي وهو يُعيد كلماته : - في الميكروويف بقول تحركت حدقتا جابر صوٌب هذا الجهاز مُربع الشكل الذي يُشير عليه إسلام، هذا ما أكد له أن الشطائر داخل هذا الجهاز الذي لا يفقه حتى كيف يفتحه، فكانت يداه ترتجفان وهي تتحسسان الجهاز بحثًا عن الطريقة التي يفتحه بها، كانت عيناه تُحدقان خلف الجهاز حتى أردف إسلام ببعض السُخرية : - مش عارفة تفتحيه ولا إيه ؟ كان إسلام يعلم أن داليا دائمًا ما تتعارك مع هذا الجهاز حتى تقوم بفتحه، فهي لا تزال جديدة على هذا المنزل وتلك الأجهزة الغريبة، لكن جابر لم يكن يعلم بتلك المعلومة وظن أن أمره سينكشف حالما يُخبر إسلام أنه لا يستطيع فتحه؛ لهذا السبب طغى الارتباك عليه وهو يقول : - إيــه... لأ أنا عارف ... قصدي عارفة بس ... توقف عن الحديث بحثًا عن حُجة ليقولها حتى ابتعد عن الجهاز متفوٌهًا : - في حاجة وَقعِت فبدوٌر عليها رمقه إسلام بغرابة ونظراتٍ متشككة خاصة بعد أن لاحظ تلك اللهجة التي يتحدث بها، فكان يُعلق بتساؤل : - وَقعِت !! ... إنتِ لحقتي تلقطي اللهجة أدرك جابر من حديثه أنهما ليسا من تلك البلدة؛ هذا ما جعله يُتهته بالحديث أكثر ووجهه قد تحوٌل إلى اللون الأصفر من شدة الارتباك، إزدرد ريقه وهو يحاول رسم ابتسامة على وجهه قال معها : - عادي يعني ... أعملك شاي ؟ حاول تغيير الحديث بذاك السؤال أمام إسلام ونظراته التي تزداد غرابة، فهذه ليست زوجته التي يعرفها، هناك ما هو غريبٍ بتصرفاتها، خاصة معالم الارتباك التي تغتابها مع كل سؤال وكل كلمة يقولها. بقي إسلام في حالة من الصمت والترقب أمام جابر الذي تلبس جسد زوجته وبدأ بإعداد الشاي على الطريقة القديمة التقليدية، فكان يستخدم البراد الطبيعي بدلًا من الإلكتروني وهو يعلم جيدًا أن داليا أكسل من أن تُعد الشاي بتلك الطريقة. إنتهى من غلي المياه وبدأ سكب الشاي في أكوابٍ زُجاجية أمام إسلام الذي يُراقب ما تفعله زوجته ببعض الشك، وجده يضع ملعقتين من السكر داخل أحد الأكواب ويُحرك الملعقة الصغيرة حتى تذوب حُبيبات السكر، مدٌ إسلام يده بطريقة مفاجئة ليلتقط قدح الشاي ظانًا أن هذا هو كوبه، فزوجته التي يعلمها لا تضع السُكر على شايها، لكن جابر تصرف بتلقائية ووضع ملعقتين من السُكر مجددًا داخل قدح الشاي الآخر مما جعل إسلام يسأل بحيرة : - إنتِ من إمتى بتشربي الشاي بسُكر ؟ توقفت يد جابر عن الحركة ليُدرك أنه إرتكب خطئًا آخرًا، فهذا الجسد الذي يتلبسه لا يُشبهه بأي من الصِفات، مما سيجعل بقاءه داخله دون أن ينكشف يكاد يكون مستحيلًا، ومع هذه الحقيقة حاول الصمود مجددًا والتهتهة بالحديث أثناء قوله : - لأ مش بحط سُكر ليا ...ده .. ده ليك إنت رماها إسلام بنظراتٍ متشككة قال معها وهو يُشير على شايه : - أنا الشاي بتاعي أهو ... صباح الفُل خرجت كلماته بصورة مرحة أربكته وجعلت حُبيبات العرق تتصبب من جبينه حتى رسم بسمة على شفتيه قال معها : - أه صحيح ... شكلي نسيت التفت بعدها بسُرعة حتى لا يُلاحظ إسلام نظرات الكذب على وجهه، لكن إسلام لاحظ يده على تُمسد على عُنقه من الخلف وصوت أنفاسه اللاهثة يصل بخفوت إلى مسامعه، مما يعني أن جسد زوجته الآن ساخنٌ كاللهب والحرارة تنبثق منه مما يجعل حُبيبات العرق تترصب على جبهتها. ترك إسلام مقعده عازمًا على التأكد من تلك الشكوك التي بدأت تقتحم عقله، يجب أن يعلم إن كانت هذه زوجته أم لا، فقد أخبرتهم ريتا من قبل أن هناك المزيد من المُتنقلين مثلهما، فربما هذا أحد المتنقلين الذي تلبس زوجته العزيزة ويخشى إظهار نفسه خشية من نعته بالجنون، فربما بقية المتنقلين لا يعلمون بتلك الموهبة التي لديهم أو التي أصبحت لديهم. إقترب من جسد زوجته من الوراء ليُحاوطها من خصرها ويستند بذقنه على كتفها مما جعل جابر الذي تلبس جسدها يشعر بالقشعريرة تسري بأحراشه، حاول كذلك كبح أنفاسه اللاهثة ومحاولة الصمود حتى لا ينكشف أمره، فكان مستكينًا لا يتحرك مكانه يستمع إلى حديث إسلام الأشبه بفحيح الثعلب بالنسبة له على الرغم من أن الحقيقة أنه كان يتحدث بصوتٍ رخيمٍ هاديء : - فاكرة يا داليا عيد جوازنا إللي عملناه السنة إللي فاتت ؟ ... عملناه في الشقة دي لم يكن يعلم جابر أن إسلام يستدرجه بتلك الأحاديث الكاذبة وظن لوهلة أنها حقيقة، فهو لا يعلم أن إسلام ماهرٌ بالكذب ولا يستطيع أي شخصٍ التفرقة بين حديثه الحقيقي والكاذب، فملامح الهدوء تُرتسم على وجهه في كلتا الحالتين مما جعل جابر يُصدقه ويرسم ابتسامة زائفة على وجهه وهو يقول مُدعيٌا الاستذكار : - أه طبعًا فاكرة .. هو ده يوم يتنسا تجهم وجه إسلام بعد حديثه الذي أكد له أنها ليست زوجته، ومع ذلك آراد التأكد أكثر فسأل مجددًا : - طب فاكرة بقى أنا قولتلِك إيه في اليوم ده مثلٌ الهيام بحديثه حتى يقتنع جابر أكثر ويعتقد أنهما كانا يتشاركان لحظاتٍ رومانسية كزوجين بالعام الماضي، لا يعلم حتى أن زواجهما لم يمر عليه سوى ثلاثة أشهرٍ فقط. زادت حرارة جسده تزامنًا مع ارتباكه الذي إزداد أكثر مما جعله يُبعد ذراع إسلام المطوٌق لخصره حتى يبتعد عنه متحججًا بأية حجة تساعده على الهرب : - أيوة فاكرة بس ممكن أروح أعمل حاجة الأول ؟ قالها بدلالٍ زائفٍ لاحظه إسلام فورًا ولاحظ كذلك أنه يتهرب من الإجابة، فما إن ابتعد جابر عنه حتى رماه بنظراتٍ ثاقبة كنظرات الصقر وداخله يقين بأن التي أمامه لم تكن داليا، بل هو متيقنٌ كذلك أن هناك رجلٌ تلبسها، فحركاته وطريقة مشيته وهيئته المشعثة أثبتت له ذلك، فقد كان مكانه بأحد الأيام، لكنه لن يسمح بذاك الجسد أن يستوطن زوجته طويلًا، يجب أن يعلم أين هي الآن ... _____________________________ هناك عدة أنواعٍ من الفرار، فرار من الواجبات، فرار من الحياة الإجتماعية، فرار من المنشآت التعليمية و ... فرار من مجرمون لا تعلم لمَ يتبعونك !! تهرول بأقدامها بين الطُرقات الضيقة ووجهها يحمل تقاسيم الرهبة والهلع، فخفقات قلبها تكاد تضحى مسموعة من شدة إرتفاعها. ينتشر الضجيج من حولها كلما إقتربت أكثر نحو الأسواق الشعبية وهؤلاء المجرمون لا زالوا وراءها لا يستطيعون اللِحاق بها بسبب سُرعة ركضها، وهي كذلك لا تعلم كيف يركض ذاك الجسد بهذه السُرعة الفائقة، فهي في حياتها الحقيقية لا تقدر على صعود بناية مكونة من أربع طوابق وتستخدم المصعد حتى لا تشعر بالإرهاق، أما بتلك الحياة، فهي تهرول منذ نصف ساعة ولم تتخامل سرعتها حتى الآن. قطع طريقها مجموعة من النساء يتجولن بين الأسواق لكنها دفعتهن بحدة جعلت صوت صرخاتهن يتعالى أكثر حتى عم الهرج والمرج في الأرجاء، تكاثر الرجال وراءها وطفقوا يطلقون طلقاتٍ عابرة من أسلحتهم جعلت الجميع يختبيء كي لا تُصيبهم تلك الطلقات. لم تتوقف عن الركض وقلبها يكاد يقف من هوٌل الموقف، وجدت أمامها بناية غير مكتملة البناء فقررت الصعود لأعلى كي تحتمي بداخلها وتختفي عن أنظارهم، لكن حظها العثِر جعل الرجال يشاهدونها وهي تصعد البناية ويقوموا باتباعها. كادت تصعد بالمصطبين حتى تبتعد عنهم إلى أن وجدت نفسها بالطابق الثاني، توقفت بضع ثوانٍ تنظر للرجال بنظرة عابرة ثم تنظر أمامها وتكتشف أنها إذا واصلت الصعود إلى سطح البناية فستجدهم وراءها يكيلون لها الأهوال؛ لهذا السبب قررت أن تتوقف عن الصعود وتحاول الهرب قبل أن تطولها تلك الرصاصات الطائشة. تحركت بسرعة نحو أحد الشُقق غير مُكتملة البناء لتقف داخل بهوها تحديدًا عند النافذة، وجهت بصرها لأسفل لترى المسافة بين هذا الطابق والأرضية التي لم تكن بهذا الطول، خاصة وهي ترى أسفلها مباشرة عربة كبيرة تحتوي على مجموعة هائلة من الرمال مما ستمنعها من تلاحم جسدها بالأرض وإصابتها بالكسور، أو بمعنى أدق، إصابة هذا الجسد النحيل الذي تتلبسه بالكسور. حسنًا، لا يوجد وقت للتفكير الآن، عليها القفز بسرعة خاصة بعد أن رآها أحد الرجال وأمر البقية بأن يتبعوه داخل هذا المنزل. تصاعدت نبضاتها في تلك اللحظة وكانت تخشى القفز من هذا الإرتفاع، فهو لم يكن مرتفعًا، لكنه أيضًا لم يكن منخفضًا، فربما المسافة تُقدر بمترين أو أكثر بقليل، لكنها إن لم تقفز، فعلى الأغلب ستلقى حتفها وتترك المجال لروحٍ أخرى أن تتبلس جسدها الحقيقي للأبد !! سرقت نفسًا عميقًا ثم أطلقته لتقاوم خوفها وارتجافة جسدها وتصعد بقدمها فوق النافذة ثم ... غمامة كثيفة من الرمال لطخت السماء فور اختراق هذا الجسد الثقيل كُثبانه، تشعر بأعضاء جسدها تتحطم وهي تستلقي على بطنها فوق الرمال التي بدأت تدثرها. رفعت جسدها قليلًا وهي تتتأوه بألمٍ وتقول : - أه ياني أه ... قال وأنا إللي عاملة فيها السقا وبنط بقلب جامد بقيت تتأوه بألمٍ وهي تشعر أن أضلع صدرها تكاد تتهشم من شدة إرتطامها بتلك الرمال الكثيفة التي لا تعلم كيف كانت تُشبه الأرض الصلبة وهي ترتطم بها، ما إن رفعت جسدها عن الرمال حتى بدأت بالسُعال بعد أن اخترقت ذرات الرمال جوفها كما اخترقت جسدها بالكامل، فهي الآن تُشبه كتلة متحركة من الرمال. استطاعت القفز من تلك العربة لتُنفض ثيابها وتواصل سيرها بعيدًا عن هذه العصابة، بل بعيدًا عن تلك المنطقة الغريبة قبل أن تلقى حتفها، لكن يبدو أن الحياة ستُفاجئها ككل مرة، فما إن رفعت وجهها عن الأرض حتى شهقت بُرعبٍ لتُحتقن أنفاسها وتتوٌسع حدقتيها. وجدت فٌوهة السلاح مصوٌبة نحو رأسها مباشرة وتلك الابتسامة الماكرة المنتقمة والتي أضحت غاضبة تُرتسم على ذاك الرجل الغليظ الماثل أمامها؛ تراجعت بضع خطواتٍ للوراء كي تحاول الهرب مجددًا، لكن هذه المرة هي هالكة لا مُحالة، فما إن التفتت حولها حتى وجدت المزيد من الرجال يُحاوطونها ويُشهرون أسلحتهم على رأسها حتى رفعت يدها باستسلامٍ لقدرها وداخلها يتمنى لو تصرخ وتنفجر بالبكاء كالطفل الرضيع، فربما هذه هي آخر لحظة بحياتها !! ... ________________________________ خُصلات شعرها البُرتقالية تنسدل على كتفيها وهذه اليد الرقيقة تحاوطها وتداعب خصلاتها بحنان، فكانت الابتسامة تتزين على ثغره وهو يُحملق بعينيها الزرقاء متأملًا ابتسامتها الساحرة بعشقٍ يفيض بداخله ويزداد يومًا عن يوم، فلطالما كانت أمنية حياته أن يتزوج من فتاة يُحبها كي يُدللها يوميًا على الرغم من أن والده كان أرعنًا يُعامل والدته معاملة جافة وكثيرًا ما يخونها، ولأنه كان يمقت والده، لذلك قرر أن يضحى مُخلصًا عاشقًا لأي امرآة ستقتحم حياته وتُزهر أفنان حياته بورودٍ وردية خلابة. ضمها نحوه وهما يجلسان على الأريكة وكانت يديها تُمسدان على معدتها المُنتفخة تنتظر بلهفة هذا الطفل كي يأتي ويتوٌج علاقتهما، فكان مُعتز يردف بابتسامة مُتغزلة على ثغره وكلماتٍ متسآلة : - تعرفي إيه الفرق بينِك وبين النت ؟ لم تكن تعلم الإجابة لكنها تعلم أنه يُغازلها لذلك اتسعت ابتسامتها وهي تسأل بدلال : - إيه ؟ - النت 4G وإنتِ 4me لم تكد تُظهر ابتسامتها الحرجة حتى ظهر إسلام من العدم وانقض عليه كالاسد، فهو لا يطيق تغزلاته ولا عشقه المبالغ به والذي يُصيبه بالتقيؤ؛ فكان يمسكه من تلابيبه هادرًا بتهديد : - قسمًا بالله فلرتاية تانية وأكون راميك من البلكونة ... ما هي مش ناقصة مُحن على الصبح تذمر مُعتز وهو يحاول إبعاد قبضة إسلام عنه متفوٌهًا : - يا أخي بقى كل شوية تقطع لحظاتنا الرومانسية هتف إسلام بوجهه بنبرة قاطعة : - بلا رومانسية بلا مهلبية .... مش عايز اسمع فليرتات ومُحن تاني ترك تلابيبه ليبتعد بضع إنشات كي يسأل بجدية : - لؤي فين ؟ عدٌل مُعتز من هِنداب نفسه ولا زالت عوالم التذمر تلوح على وجهه أثناء إجابته : - هتلاقيه في البلكونة أومأ إسلام وكاد يتجه نحو الشُرفة لكنه أردف بأمر : - خليك هنا إنت وكوكي عشان عايزكم في حوار قطب مُعتز حاجبيه بحيرة وهو يسأل : - حوار إيه ؟ اختصر إسلام الإجابة بقوله : - هتعرف بعدين هدر بتلك الكلمات ليتجه صوٌب الشُرفة، فما إن اختفى عن ناظريهما حتى عادت ابتسامة مُعتز المُتغزلة تزامنًا مع التفاته مجددًا نحو كوكي التي كانت تبتسم ابتسامة خجولة بسبب حديثه الهائم : - كنا بنقول إيه ... سرقت نفسًا عميقًا تغلغل صدرها ليُصيبها بشذراتٍ من الراحة والسلام، فرائحة البحر وهذا الهواء النقي المُجتمع مع تلك النسمات يجعلها توٌد الاستلقاء على الفراش وإغلاق عينيها، مُنذ فترة طويلة وهي لم تحظى بتلك الراحة، خاصة بالفترة الأخيرة التي كثرت بها الأحداث المجنونة والعديد من الكوارث، فيكفي زفافها الذي انتهى بكارثة جحيمية. ارتشفت رشفة من شايها ثم عاودت تأمل السماء برفقة لؤي الذي يقف قبالتها ومعه كوبٌ من الشاي يسنده على سور الشُرفة ليرتشف منه عدة رشفات وهو يتأمل معها البحر والأجواء الهادئة الشاعيرية التي لا يحظى بها سوى نادرًا، فكان يستمع إلى حديثها الذي كان : - يااه ... بقالي كتير أوي محستش بالراحة ... مع إني زمان كُنت شايفة إن حياتي مملة ... بس دلوقتي .. بقول يارتني أرجع للحياة المملة دي وماشوفش إللي شوفناه الفترة الأخيرة ارتشفت رشفة أخرى من شايها ثم واصلت الحديث بأمل : - ياريت نفضل في الهدوء ده وميكونش في مشاكل تاني لم تكد تنهي حديثها حتى اندفع إسلام نحوهما هاتفًا : - تعالو بسرعة عشان في مُصيبة تبادلت النظرات ما بين قمر ولؤي حتى أردف لؤي بحسرة : - شكل الراحة مش مكتوبالنا ترك كوب الشاي على سور الشرفة ليجذبه إسلام كي يأتي معه لاجتماعٍ طارئٍ عليهما القيام به، فما إن ترك لؤي الشُرفة حتى تبعته قمر وداخلها هالة من القلق على تلك المشكلة التي يتحدث عنها إسلام، فيبدو أن الراحة لن تأتيهم أبدًا، بل أن الراحة لا تعرف طريقًا لحياتهم من الأساس ... ____________________________ تجمعوا كالحلقة حول بعضهم داخل بهو المنزل القابع بالأسكندرية، فهناك أمر طارئ عليه أن يُخبرهم إياه وإلا تعرضت حياة زوجته للخطر، فهو مُتيقنٌ من تلك الشكوك وعليه أن يفصح بهم وإلا تعقدت الأمور أكثر ... - في إيه يا إسلام ... عايزنا في إيه ؟ سأله لؤي بقلقٍ ليتعجب من التفات اسلام حول نفسه وكأنه يتأكد أن لا أحد يسمع، أو بالمعنى الأدق، مُخترق جسد زوجته ... - ركزو معايا عشان إللي هقوله مهم جدًا قالها بصوتٍ خافتٍ زاد من رهبتهم وقلقهم مما هو قادم، فكان يتحدث إسلام بصوتٍ يكاد يصل إلى الهمس وهو يقول : - إللي هناك دي مش داليا ما إن أدلى تلك الجملة حتى تبادلت نظراتهم بحيرة وعدم تصديق، فكيف يقول أنها ليست داليا وهي أمامهم تتحرك بجسدها وهيئتها المُعتادة، قطع معتز هذه الحيرة بسؤاله : - إزاي يعني لا مؤاخذة ... أومل إللي جوا دي تبقى مين ؟ ... قرينها هتف آخر كلماته بصوتٍ مرتفع جعل إسلام ينهره وهو يقول بهمسٍ حتى لا يصل مسامعه إلى ذاك الدخيل : - إسكت يا حيوان ... أنا قصدي إن إللي جوا دي ... جسم داليا ... بس إللي جوا جسم داليا ... مش داليا إزدادت حيرتهم أكثر وطفقوا يتبادلون النظراتٍ بتيهٍ أبرز حيرتهم من حديثه الذي لا يستطيع ذهنهم استيعابه، فحتى الفاقد لعقله لن يُصدق مثل هذا الهُراء ... - إسلام ممكن please تفهمنا ؟ طلبت منه كوكي برجاءٍ ليتقدم هو بجذعه ويبدأ التفسير بجدية وصوتٍ هامس : - بُصو ... إللي هناك دي ... لا يُمكن تبقى داليا ... أنا كلمتها عن عيد جوازنا السنة إللي فاتت ومكنتش فاكرة تدخلت قمر لتُبرر لها ببلاهة : - طب ما يمكن مش فاكرة فعلًا ... ما كلنا بننسى نهرها إسلام بصوتٍ خافت : - بننسى إيه ... إحنا السنة إللي فاتت مكناش متجوزين أصلًا ضربت قمر جبهتها بتذكُرٍ قالت معه : - أه صحيح .. دا إنتو متجوزين من تلات شهور تقدمت كوكي بجذعها قليلًا وكانت ترغب بالتقدم أكثر لولا بطنها المنتفخة من جنينها القابع داخل أحراشها، كانت تُقطب حاجبيها وتسأل بجدية : - طب والعمل ؟ قطع لؤي إجابة إسلام بإجابة صارمة : - إحنا نتكلم مع إللي جوا جسم داليا ده ... ونفهم منه هو مين، وداليا فين ... استحسنوا اقتراحه ووثبوا من مقاعدهم فيما عدا كوكي التي بقيت جالسة تتابعهم من بعيد، تحركوا كعُصبة واحدة نحو من اخترق جسد داليا وطفقوا يطوفونه بطريقة أرعبته وجعلت أوصاله ترتجف ... - ففـ ...في إيه يا جماعة ؟ ... إنتوو... بتبصولي كدة ليه ؟ هتف بها من اخترق جسد داليا أمام نظراتهم المًترقبة والتي قطعها إسلام بابتسامة مرعبة أردف معها : - ما تيجي يا حبيبتي تقعدي معانا ... تردد من اخترق جسد زوجته للحظات لا يُريد الإقتراب نحوهم لشعوره ببعض الخطر، فتلك النظرات وحدها تُصيبه بالقشعريرة... أحاطه إسلام بذراعه لتزداد رهبته خاصة مع كلمات إسلام التي تبدو ودودة رغم ما تكنيه من مُكر ... - تعالي بس متخافيش ... أجلسه إسلام على الأريكة ليقف هو قبالته بنظراتٍ حاقدة وجواره مُعتز يرمقه بغرابة يليه لؤي الذي كانت نظراته متوعدة وهو يقترب بجذعه نحو من اخترق جسد داليا متفوٌهًا بنبرة خافتة مُهددة : - هو سؤال واحد .. ومش هكرره ... إنت مين ؟ تصبب من اخترق جسدها عرقًا وأخذ يُبادل نظراته بينهم ولسانه لا يستطيع الحديث، فهو لا يعلم ما الذي أتى به داخل هذا الجسد، ولا يعلم ما يُمكن أن يحدث له بينهم، وحتى لا يعلم كيف يُخبرهم الحقيقة .. - أ.. أنـ..أنا .. أنا داليا قالها بارتباكٍ واضح أكد شكوكهم خاصة لؤي الذي تفاقم غضبه وجعله يمسك من اخترق جسدها من تلابيبه ويهتف بوجهه : - ولاا ... إحنا عارفين إنك مش هي ... فيا تتكلم وتقول الحقيقة يإما هعملها معاك تدخل إسلام كي يدفع لؤي بعيدًا عن جسد زوجته بحدة : - بس يا لؤي ... دا جسم مراتي بردو ... خليني أنا هتصرف معاه استجاب لؤي لحديثه وابتعد عن جسد داليا كي يقترب إسلام نحوه ويمسك جسد زوجته متفوهًا بحدة : - اسمع يلا ... قول الحقيقة دلوقتي ... إنت ...فين ؟ فتح من اخترق جسدها فمه ببلاهة وعدم فهمٍ لهذا السؤال، بعدها آجاب بما توصل إليه عقله : - هاا .. أنا أهو شدد إسلام من قبضته وهو يدفعه للأمام والوراء ويهتف : - مش قصدي إنت ... قصدي جسمك فين ؟ ... وإنت مين ؟ توٌسل له وهو يُحاول التملص من قبضة إسلام بقوله : - خلاص هقولكم أنا مين بس سبني ابتعد عنه إسلام وبقي يُطالعه هو وبقيتهم بترقبٍ شديد. - أنا اسمي جابر الحرامي ... وصحيت لقيت نفسي هنا هتف جميعهم بنفسٍ واحد : - حــرامي !! عدٌل جابر من هِندام نفسه وهو يهتف بفخر وابتسامة تُزين ثغره : - أيوة .. أصل أنا حرامي لاحت عوالم البلاهة على وجوههم من ذاك الأحمق الذي يعترف على نفسه بهذه البساطة، فهو لا يعلم أن القابع أمامه هو ضابط ومن الممُكن أن يُلقي القبض عليه بعد هذا الإعتراف الأحمق .... تقدم نحوه إسلام ليهوي بيده على كتفه متفوٌهًا : - ماشي يا عم الصريح ... ممكن بقى تِرجع لجِسمك وتجبلنا داليا ؟ بقي يُبادل نظراته بينهم بتيهٍ لا يعلم كيف يفعل هذا، فكان يهتف بحيرة وهلعٍ من نظراتهم الثاقبة : - أا..أعمل إيه ؟ .. أنا جيت هنا بالغلط والله ... ومش عارف جيت إزاي هدأ إسلام من روعه وهو يُربت على كتفه متفوٌهًا بنفاد صبرٍ من توٌسلاته وبعض الجدية حتى يعلم ما عليه فعله : - خلاص ... ركز معايا كويس اعتدل جابر ليُمعن التحديق بإسلام الذي كان يقص عليه طريقة العودة إلى جسده بيديه اللتان تُمثلان الشرح جيدًا، فكان يُغلق عينيه ويقول : - غمض عينك ... وخُد نفس عميق ... وركز كويس على الطاقة إللي جواك ... عشان دي لو اتحكمت فيها هتعرف ترجع نفذ جابر تعليماته وأغمض عينيه ليسرق نفسًا عميقًا يحاول معه تنفيذ ما يقوله إسلام، سادت حالة من الصمت لوهلة وهم يتبعونه بنظراتهم لعله سيختفي وتعود داليا إلى جسدها ... لكن ما حدث هو ... فتح جابر عينيه ليسأل ببلاهة : - هو يعني إيه طاقة ؟ ضرب إسلام جبهته من حماقة هذا الذي اخترق جسد زوجته، فيبدو أن إعادة الأمور كما كانت ستضحى أصعب مما يتخيله، خاصة وهُم متيقنون أن التبديل أتى من ناحية هذا الأحمق. - الواد ده شكله أغبى من مُعتز قالها لؤي بسخرية جعلت معتز يتذمر ويتشاجر معه لفترة قصيرة قطعها إسلام بحدة وتساؤل : - بس إنت وهو ... إحنا لازم نفكر هنرٌجع داليا إزاي ؟ تدخلت قمر بالحديث لتُدلي اقتراحها : - هو إنتو مش قولتو إن التبديل بيقعد أربعة وعشرين ساعة بس ؟ أومأو رؤوسهم إيجابًا فواصلت ادلاء اقتراحها بثقة : - يبقى خلاص ... إحنا نستنى الأربعة وعشرين ساعة .. وأكيد داليا هترجع استحسنوا هذه الفكرة وقرروا الإنتظار لعل داليا ستعود وحدها، لكن جابر قطع حديثهم بتفجيره لتلك القُنبلة ببعض التردد : - لأ ... ما هي كدة مش هترجع انتبه الجميع لحديثه وبوادر القلق بدأت تلجم وجوههم .. - يعني إيه مش هترجع ؟ هتف إسلام بذاك السؤال ببعض الحدة ليزدرد جابر ريقه قبل أن يُفسر الحقيقة بارتباك : - أصل أنا عليا تار ... والمعلم جعبري حالف ليموتني انهاردة ... فـ...لو داليا جوة جسمي ... يبقى هما هيقتلوها خلال كام ساعة... يُتبع 💕❤ رأيكم في الفصل ولو في أي حاجة مش مفهومة أو خطأ إملائي ياريت تقولولي، وبالنسبة لمواعيد النشر فهي مش مُحددة وغالبًا مش هنتظم أوي بسبب الدراسة بس هحاول أنزل كل تلات أو أربع أيام لو لحقت أكتب. المهم قولولي رأيكم ومتنسوش الفوت 🥰

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرواح ضائعة " أرواح متنقلة 2 "

المؤلف نوران أشرف محمد
2024/06/15 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 0: المقدمة
2024/06/15
الفصل 17: الفصل السادس عشر ( النصف الآخر )
2024/06/15
الفصل 18: الفصل السابع عشر ( ضيوف غير مُرحب بهم )
2024/06/15
الفصل 19: الفصل الثامن عشر ( بداية المعركة )
2024/06/15
الفصل 20: الفصل التاسع عشر ( تبادل )
2024/06/15
الفصل 21: الفصل العشرون ( كشف المستور )
2024/06/15
الفصل 22: الفصل الحادي والعشرون ( مكبلًا بالأغلال )
2024/06/15
الفصل 23: الفصل الثاني والعشرون ( عفريت !! )
2024/06/15
الفصل 24: الفصل الثالث والعشرون ( البوابة !! )
2024/06/15
الفصل 25: الفصل الرابع والعشرون ( أوقعهم العدو )
2024/06/15
الفصل 26: الفصل الخامس والعشرون ( جسدٌ بلا روح )
2024/06/15
الفصل 27: الفصل السادس والعشرون ( العين بالعين والسن بالسن )
2024/06/15
الفصل 28: الفصل السابع والعشرون ( التثبيت )
2024/06/15
الفصل 29: الفصل الثامن والعشرون ( النهاية )
2024/06/15
الفصل 30: أرواح ضائعة ( الخلاصة )
2024/06/15
الفصل 16: الفصل الخامس عشر ( مشفى المجاذيب )
2024/06/15
الفصل 15: الفصل الرابع عشر ( عصيان نتيجته الدمار )
2024/06/15
الفصل 1: ملخص الفصل الأول
2024/06/15
الفصل 2: الفصل الأول ( عد تنازلي )
2024/06/15
الفصل 3: الفصل الثاني ( قرار إجباري )
2024/06/15
الفصل 4: الفصل الثالث ( طلق !! )
2024/06/15
الفصل 5: الفصل الرابع ( عودة الأخ الضال )
2024/06/15
الفصل 6: الفصل الخامس ( تصفية حسابات )
2024/06/15
الفصل 7: الفصل السادس ( لن تخرج حيًا )
2024/06/15
الفصل 8: الفصل السابع ( خائن !! )
2024/06/15
الفصل 9: الفصل الثامن ( قطعة ناقصة )
2024/06/15
الفصل 10: الفصل التاسع ( لصوص )
2024/06/15
الفصل 11: الفصل العاشر ( وقع بين يديه )
2024/06/15
الفصل 12: الفصل الحادي عشر ( اختطاف جماعي )
2024/06/15
الفصل 13: الفصل الثاني عشر ( جاسوس )
2024/06/15
الفصل 14: الفصل الثالث عشر ( ضربة أفقدته الوعي )
2024/06/15
الفصل 31: الرواية الجديدة
2024/06/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة