الفصل الخامس والعشرون ( جسدٌ بلا روح )

الفصل الخامس والعشرون ( جسدٌ بلا روح )

20 0

بسم الله الرحمن الرحيم " طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، اللهم فصب عليهم سوط عذاب، اللهم يا قوي يا قهار، اللهم إنه لا يهزم جُندك، ولا يغلب جمعك، اللهم اهزمهم وزلزلهم، إنك قوي عزيز " لا تنسوا الدُعاء لأهالي فلسطين 🙏 ___________________________ لطالما كُنت المُبتسم في وجه الحياة حتى انفجرت دموعي وخلقت أنهارًا، لطالما كنت هادئًا أكبح آلامي، حتى بت أشكي أوجاعي ليلًا ونهارًا....فهل لهذه الأيام من نهاية، أم أنها ستلتهمني وتجعلني سرابًا ؟... تيبست الأجساد وازداد الوجوم على وجوههم، هذا الخبر كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، قصمت ظهر آمالهم وطمأنينتهم، تبدلت حيرتهم إلى خوفٍ وارتباكٍ كفيلٍ بُفقدانهم لصوابهم، ومع ذلك حافظوا على نظرة الوجوم والثبات أثناء استقبالهم لتلك الصدمة التي لا يُريد عقلهم تصديقها، كيف تم اختطافهما ؟ ولمَ في هذا الوقت بالتحديد ؟ لمَ يمنعهم القدر دائمًا من تحقيق ما يرغبون بتحقيقه ؟ بقيت الأفكار تحوم حول رأسهم وهم يرتمون على الأرائك لأكثر من ساعتين في حالة من الصمت والانهيار، أتى لؤي من حيث ذهب وكانت عوالمه تنضب بالغضب والصرامة، أخذوا يلحون على إسلام أن يخترق إحداهما لكن محاولات إسلام دائمًا ما تبوء بالفشل، لم يتوقف عن اعتصار عقله أكثر من مرة حتى كاد عقله ينفجر ويجعله ينفجر بوجوههم أمام الحاحاتهم التي لم تتوقف : - مش عــارف ... مش عارف ادخل ولا واحد فيهم زفر بحرقة بعد حديثه، وكان زفيره أشبه بدُخانٍ هاجرٍ يقذفه تنينٍ غاضب، ارتمى إسلام على الأريكة بينما كانت قمر تقول باستنتاج وقلقٍ جثيم : - كدة معناه إنهم متخدرين .... ريتا قالتلي إن التخدير والنوم العميق بيمنعو عملية التنقل آضاف لؤي على حديثها باندفاعٍ حمل حنقه من هذا المُختطف الذي يعلمه جيدًا : - أكيد لازم يخدروهم ... تلاقيهم عارفين المعلومة دي ... بس أنا وحياة اللي خلقني ما هسيبهم قالها بصوٌتٍ جهوري أخرج إسلام من شروده وجعله يهتف بتهكم : - هتعمل إيه ؟ .... هتثبت إزاي إن إللي اسمه طلال ده هو إللي ورا كل حاجة ؟... ومين أصلًا إللي هيصدقك ؟ مين إللي هيصدق إن طلال بيه الدكتور المشهور... يهدد ناس زيِنا... اشتعلت النيران داخل قزحتيه وهو يواصل الحديث ويقترب نحو لؤي الذي واجهه هو الآخر بنظراتٍ مُتحدية استمع فيها لكل كلمة متألمة نابعة من فؤاد إسلام وهو يصرخ بوجوههم : - هتقـــولهم إيه ؟... هتقولهم إننا متنقلين ؟ هتقولهم إن علينا لعنة عشان كدة الحيوان ده بيلاحقنا .... حاول تنظيم أنفاسه وهو يواصل الحديث بندم : - كنت عارف إن ده إللي هيحصل ... عشان كدة كنت مُصر على التثبيت .... عشان هما لو وصلولنا... محدش هيصدقنا، ومحدش هيساعدنا أنهى حديثه بُصراخٍ ودموعٍ تكاد تُذرف من عينيه نتيجة الخوف، يعلم جيدًا ما ينوي طلال فعله، يعلم أن كل ثانية تمُر عليهم ستقل فُرصة نجاة زوجته وصديقهم، وهو بين كل هذا، يعجز عن العثور عليها وإثبات أن ذلك الحقير يتبعهما، فحتى نرمين لم تذكر اسمه ولم يُثبت بعد أنه كان يُحرضٌها، وأولئك الذين اختطفوا زوجته ورفاقها سابقًا بعد أن أفشوا باسم طلال، قامت الشُرطة بالقبض على رجلٍ آخر يحمل نفس الاسم وألبسته تلك التُهمة، والأغرب أن الرجل اعترف على نفسه وقال أنه من دبٌر حادثة الخطف من أجل المال وانتهاك حُرمتهن. هذا بالطبع مُدبٌر، كل شيءٍ دبٌره هذا الحقير حتى يُبعد الشُبهات عنه، حتى هجومه على منزلهما لم يستطع أحدٌ اثباته خاصة وهو قد اقتحم المنزل من الباب بصورة طبيعية، هذا الحقير لن يجعل الشُرطة تتبعه أبدًا، ولن يجعل أي شخصٍ يعتبره مُجرمًا طوال حياته، وإسلام يعرف هذا كله، ويعرف أنهم لا يقدرون على مواجهته لذلك آراد إنهاء الأمر من جذوره، ويبدو أن هذا أيضًا لم ينجح. ارتمى إسلام على الأريكة باستسلام لترتمي يُسرى جواره وتبدأ التربيت على ظهره لعلها تواسيه قليلًا : - متقلقش يا إسلام ... ان شاء الله هيرجعو بالسلامة لم ينبس إسلام ببنت شفة وبقي صامتًا يحبس دموعه قدر الإمكان حتى أحس بطيف لؤي يقترب نحوه وكلماته الصارمة التي أخلفت وراءها عينان حمراوان تطلقان شرارًا مع رغبة عارمة بالمواجهة وخوٌض التحدي : - طلال وإللي معاه هيتجابو .... وهتشوفهم بيتعدمو كمان ... حتى لو فيها موتي... _________________________ رؤية مشوشة تجعل جسدها يدور بعدم اتزان، حاولت الوثوب عن تلك الأرضية الصلبة تتحسس جبهتها وكأنها ستستطيع التخفيف من هذا الصُداع، بدأت الرؤية تتضح رويدًا لتجد نفسها داخل حُجرة صغيرة يحفها اللون الأزرق الباهت والأرضية الصلبة الباردة، مررٌت يدها على كاحلها لتتحسس هذه السلاسل الحديدية التي تُعيق حركتها وتجعلها مُكبلة بالحائط كما يُكبل الخروف من قدميه بجذع الشجرة، لم تكن ترتدي حذائها فكانت قدماها حافيتان باردتان وشعرها مُشعثٌ وكأنها كانت في عِراك، عراكٍ لا تتذكر منه شيئًا، تتذكر فقط أنها آرادت الذهاب لمتجر الأجهزة الكهربائية واعترضها مجموعة من الرجال، ولا تدري ما حدث بعدها، وما سبب مجيئها إلى تلك الحُجرة الضيقة ؟ توقفت أفكارها حينما لمحت جسدًا مسجيًا جوارها على بُعد أمتارٍ قليلة، حالته لا تختلف عن حالتها، نفس تلك السلاسل ونفس تلك الحالة المُهترئة، حاولت التحرك قليلًا لتتبين ماهية هذا الرجل حتى أدركت فورًا أنه جابر : - جابر ... جابر .. بقيت تنادي عليه ليستيقظ من تلك الغفوة ويبدأ التململ قبل أن يثب عن الأرض بفقراتٍ تتضارب ببعضها وكأن ظهره على وشك الانفصال عن جسده، فرٌك عينيه بأصابعه ليمحي هذا التشوٌش ويوٌجه نظراته نحو داليا التي كانت ترمقه بقلق. - إنـ..إنتِ كويسة ؟ سألها بقلقٍ وهو يعتدل في جلسته يرغب فقط بالاطمئنان عليها، فهو يتذكر هؤلاء الرجال الذين اعترضوا طريقها وأوقعوها في تلك المكيدة، وربما محاولاته لانقاذها أوقعته معها مرة أخرى، فهو لا يزال يتذكر احتجازهما في تلك الحُجرة بالاسكندرية. أومأت داليا رأسها بهدوءٍ دون أن تنبس ببنت شفة، ليس لأنها لا تقدر على الحديث، بل لأنها ليست متأكدة إذا كانت بخيرٍ أم لا، فمن يُحتجز بحُجرة كهذه ويضحى بخير ؟ - إسلام قالي إن ده ممكن يحصل ... بس متوٌقعتش يحصل بالسُرعة دي قالتها داليا بعد فترة من الصمت ليعتدل جابر بجلسته ويستند بظهره على الحائط يحاول أن يتواصل مع تلك الطاقة وإنبائهم بما يحدث، وحتى هذا لم يقدر على فعله، يشعر بالشلل يُحيط بأحراشه وصُداعٍ جثيمٍ يمنعه من التفكير ويجعله يشعر بالإرهاق دون أن يتحرك حتى، فلازال أثر المُخدر يغمر جسديهما. - مش قادر اتواصل مع إسلام بصق تلك الجملة بيأس بعد العديد من المحاولات لتُضيف داليا على حديثه بنفس تلك اللمحة المُستسلمة : - أنا كمان .... حاسة إني مشلولة ... و..وخايفة أوي أنهت حديثها بنبرة مُرتجفة ودموعٍ بدأت تُذرف من عينيها، حرٌك جابر رأسه بإجهادٍ ليتقابل مع عينيها العسليتين ويبدأ بمواساتها بصوتٍ هاديءٍ رخيم : - متخافيش ... كله مقدر ومكتوب، لو اتكتبلنا نخرج من هنا هنخرج بدأت تلتقط أنفاسها بصعوبة حاولت معها كبح دموعها المُنهمرة قدر الإمكان وهي تتسآل بخوف : - تـ...تفتكر هيعملو فينا إيه ؟ كان جابر عكسها تمامًا، فلم يكن يذرف من الدموع ولو قطرة واحدة، بل كانت ملامحه هادئة راضية كما كانت بالضبط أثناء اختطافها معه في مخزن جعبري. - مش مُهم ... بلاش تفكري كتير .... عشان التفكير مش هيعمل حاجة غير إنه هيخليكي تخافي أكتر لم تتحرك داليا وبقيت ساكنة تمامًا وهي تستمع إلى حديثه، بل حتى كلماته الهادئة دفعتها للهدوء قليلًا هي الآخرى. بعد فترة وجيزة من الصمت، بدٌل جابر نبرته إلى المرح الطفيف وهو يقول : - وأنا عيِل صُغير، المعلم شفيق كان بيوقفني على التلتوار استرزق .... وفي كل مرة كنت بنسى إني المفروض أبيع بلالين وافضل ابُص على العيال وهي مع أهاليها ... كان نفسي أوي أبقى مكانهم أنهى حديثه ببعض الألم الذي تلاشاه فورًا وهو يواصل بنفس المرح والاستذكار على أمل أن يُبدد خوفها : - وفي مرة لقيت عيَل صُغير بيلف الكورنيش وعمال يدوٌر على أمه .... صعِب عليا، ومكنتش عايزه يبقى زيي في الآخر... روحت سيبت البلالين إللي بسترزق منها وجريت عشان اساعده يدوٌر على أمه ... اتسعت بسمته وهو يواصل باستذكار : - وفعلًا لقيت أمه بتدوٌر عليه على يمة الشط .... وشكرتني عشان ساعدت ابنها، عرضت عليا فلوس كمان بس أنا رفضت ... كان بالنسبالي إني أشوف سعادة الولد وهو بيرجع لأمه أفضل من أي حاجة تانية في الدُنيا ... ضرب على فخذه أثناء مواصلة حديثه : - بس طبعًا المعلم شفيق هزقني عشان ضيَعت البضاعة ومجبتش فلوس تنهد تنهيدة عميقة ليُحدق بعدها في السقف مواصلًا الحديث لداليا التي تغافلت عن تلك المُعضلة وبدأت تتفرس حديثه وتُفكر فيه أيضًا. - ياريته كان شافني دلوقتي وأنا معايا محل وساكن في عمارة نضيفة ... مع ولاد ناس أنهى حديثه ببسمة هادئة دفعتها للابتسام هي الأخرى لتراه يواصل الحديث بطمأنينة : - كل حاجة بتعدي ... حتى لو صعبة أسبلت داليا بأجفانها وهي تُحدق بالأرضية في صمت وتواصل المحاولة للتواصل مع تلك الطاقة دون أية فائدة، فرغم أن المُخدر بدأ ينتهي مفعوله، إلى أنها لا تقدر أيضًا على التواصل مع إسلام وإخباره عمَ حدث، تعلم جيدًا أنهم اكتشفوا اختفائهما وبدأوا البحث عنهما، فالساعة الآن يبدو أنها اقتربت من الرابعة فجرًا، المِعاد الذي ينام فيه الجميع، عداهما... انفتح باب الحُجرة مرة واحدة لتنتفض أجسادهما تزامنًا مع دخول طلال بملامحه القاسية عديمة الرحمة ورجاله الأربعة ضِخام البنية، تقهقهر جسد داليا للوراء حتى باتت مُلتصقة بالجِدار تحاول إبعاد أنظارها المُرتبكة عن نظراتهم القاسية، بينما كان جابر لا يزال في حالته الساكنة ونظراته المتحدية التي وجهها نحو طلال مباشرة. ارتسمت بسمة ماكرة شيطانية على ثغر طلال وكأنه يستلذ برؤيتهما في تلك الحالة. - أسفين على الطريقة إللي جيتو بيها ... بس أنا حذرٌتكم كتير قبلها، وقولتلكم كمان ... يا تيجو بمزاكم ... يا هجيبكم غصب عنكم أنهى الحديث بكلماتٍ مُهددة دفعت داليا للخروج من صمتها والحديث بلكنة أقرب للصُراخ : - إنت عايز إيه ؟... إحنا عملنا إيه عشان تعمل كدة ؟ تأتأ طلال بصوٌته دلالة على الاستنكار ليقترب بعدها بوجهه نحو داليا مُستلذًا برؤية دموعها الجافة وعينيها الحمراء ليطرق على الحديد وهو ساخن بكلماته : - إيه يا دكتورة ... معقولة نسيتي عملتو إيه زمان ؟ زاد ارتجاف داليا وهي تندفع بوجهه بعد أن فهِمت المغزى من حديثه، فبالطبع يتحدث عمَ حدث سابقًا : - إحنا معملناش حاجة .... ضُرغام هو إللي فِضل ورانا ... وهو إللي عمل كدة في نفسه أومأ طلال برأسه باستخفافٍ وهو يبتعد بجذعه عن داليا متفوٌهًا : - هو فعلًا عمل كدة في نفسه .... قولتله قبل كدة يخلص عليكم علطول ... بس دايمًا مكنش بيسمع مني ... تجوٌل أمامهم بضع خطواتٍ قال معها بلؤم : - يا خسارة .... مات هو ومراته بسبب شوية أغبية زيُكم ... وأنا بقى... توقف عن السير ليرميهما بنظراتٍ حادة متوٌعدة قال معها : - مش هكرر نفس غلطته ... بس بدل ما اخلص عليكم ... هجبركم تشتغلو معايا تصاعدت ضربات قلب داليا وكادت دموعها تنهمر مرة أخرى، بينما تصلب جسد جابر وبقيت نظراته المُستحقرة والحاقدة موٌجهة صوٌب طلال يريد فقط أن تنزاح هذه السلاسل الحديدية لينقض عليه كالثور الهائج. بعد فترة وجيزة من الصمت إقترب طلال بخطواته نحوهما وعيناه تنضبان بالشرر وهو يقول : - للأسف مش هقدر اشتغل عليكم انتو الاتنين مرة واحدة ... لكن متخافوش، إللي هيحصل في الأول ... هيحصل في التاني زادت كلماته من رهبتهما رغم الثبات الذي يجاهدا حتى يُظهراه أمام طلال، فإظهار الخوف يعني الاستسلام، وهما لا يريدان الاستسلام، ولا يُريدان الخضوع لهذا الأرعن. - فيا ترى بقى نبدأ بمين .... رفع سُبابته ليُشهرها نحو جابر باحتقارٍ قال معه : - الحرامي بتاع اسكندرية .. حرٌك إصبعه صوٌب داليا ليواصل حديثه : - ولاا_ قطعه جابر بسُرعة وصوتٍ واثقٍ مع رغبة عارمة بإقاف ما ينتوي قوله : - إبدأو بيا ... التفت جابر نحو داليا ليرميها بنظرة عابرة مُطمئنة زادت من ضربات قلبها وخوفها، آعاد نظراته الواثقة صوٌب طلال ليُعيد قُراره مرة أخرى : - لو عاوزين تبدأو بحد ... فابدأو بيا أنا نمت قهقهة شيطانية على ثغر طلال وهو يُربت على فخذ جابر ربتة ماكرة سببت قشعريرة واشمئزازًا بجسد جابر، وثب طلال عن الأرض متفوٌهًا بتقرير : - زي ما تحب ... ثم آشار بآصابعه نحو رجاله ليملي عليهم أوامره : - خدوه ... وخدروٌها تاني ما إن أدلى أوامره حتى انقض الرجال على جابر لينتشلونه عن الأرض بعد أن باغتوه بصاعقة كهربائية جعلت داليا تحاول التملص من تلك القيود وهي لا تتوقف عن الصُراخ والسب والبكاء، حاولت الذهاب بجسدها إلى أولئك الرجال وهم يرفعون جسد جابر عن الأرض بعد أن فكوٌا وثاقه، لكن جسدها الهزيل منعها من تهشيم هذه السلاسل لتنهمر دموعها ويزداد صُراخها وسُبابها. تراهم يتركون الحُجرة جاذبين معهم جسد جابر ليجرانه على الأرض ثم أحست برجلينٍ يُكبلان حركتها ويحقنانها بمُخدرٍ جعلها تدور حول نفسها قبل أن تسقط مغشية عليها لا تعلم ما الذي سيفعلونه بجابر.... __________________________ أضحينا في زمنٍ نطلب فيه المساعدة من العجزة، فالقادرون على المساعدة لا يقومون بها... كان كالعاجز الذي يتكيء على عُكازه ويرغب بإنهاء سباقٍ والركض لأميال، عاجزًا عن البحث دون أية أدلة، وخائفًا مما سيحدث إن طالت فترة بحثهم، فها هما أسبوعين كاملين يمُرٌان عليهم دون العثور على أي أثرٍ لذاك الحقير طلال وغريمه الذي عرِف من إسلام أن اسمه يبدأ بحرف الدال، فإسلام لا يتذكر هذا الاسم الذي أخبره إياه حرب، ولا يرغب حتى بمقابلته مُجددًا، ربما بسبب تشوٌش عقله الذي يمنعه من الانتقال، وربما بشعوره بالمسئولية اتجاه ما حدث وكأنه السبب. أنهى لؤي تفحُص الأوراق دون أية فائدة، جميع أوراقه سليمة وكأنه ملاكُ يسير على الأرض، طبيبٌ ناجحٌ بمشفى عريقة يتكالب عليها عُلية القوم، لا أثر لشُبهة جنائية وربما لم يطيء مركز الشُرطة ولو مرة واحدة، ليس متزوجًا لكنه أرملً لسيدة لقيت حتفها بسبب مرضٍ خطيرٍ لا علاج له، ليس لديه أبناء والجميع يشيد بكثرة علاقاته ومعارفه الذين يغرقون البلاد. ألقى لؤي تلك الأوراق على الأرض بغضبٍ تبدد معه بذرة الأمل، هو متأكدٌ أن هذا الحقير هو من كان يُهدد إسلام وداليا وجابر، لكنه لا يجد ثغرة يثبت بها حديثه، ولا يعرف كيفية العثور على تلك الثغرة. قطع شروده وانهماكه بالبحث، صوٌت الباب الذي فُتح ودلف منه أحد الضُباط الأقل رُتبة ليُخبر لؤي أن اللواء يُريده بمكتبه؛ ترك لؤي ما يفعله ملبيًا دعوة النداء واثبًا من مقعده ليتٌبع هذا الضابط حيث مكتب والده، اللواء عبد الصبور. توقفت قدماه أمام عبد الصبور بعوالم الوجوم والغضب الطفيف الذي لم يترك أثره عن وجهه، هذا الغضب كان يظهر أضعافًا على وجه عبد الصبور وهو يرمق لؤي بشزر كما لو أن لؤي أحد أعداءه، فما ارتكبه لؤي بتلك الأيام لم يكن هيِنًا ليُمرره عبد الصبور بهذه البساطة. - أهلًا يا حضرة الظابط ... ممكن اعرف إيه القوات إللي إنت بعتها تدوٌر ورا الدكتور طلال ؟ سأله بحدة وصوٌت جهوري لم يُحدث أثرًا بملامح لؤي الجامدة وهو يُجيب : - أنا بأدي واجبي يا سيادة اللوا بدا حديثه مُهذبًا وواثقًا لكن عبد الصبور اندفع بوجهه بغضبٍ عارم : - شُغلِك إنك تدوٌر ورا ناس من غير إذن النيابة ؟.... شُغلك إنك تعتدي على خصوصية الناس بسبب أوهام في دماغك_ قطعه لؤي باندفاعٍ يمُاثل اندفاع وغضب والده : - دي مش أوهام ... إللي اسمه طلال ده هو إللي خطف داليا وجابر - ومين قالِك إن هو إللي خطفهم ؟ ... عندك دليل ؟ أخفض لؤي رأسه وهو يُفكر بالإجابة التي لا يعثر عليها من الأساس، فحتى كاميرات المراقبة التي التقطت تلك الظلال وهي تختطف داليا وجابر لم تُظهر أية أدلة بسبب الظلام الدامس والجودة القليلة، بقي لؤي في حالة من الصمت حتى عاود عبد الصبور حديثه على أمل أن يعترف لؤي بخطأه ويكف عن التدخل بحياة طلال وإلا تضرر عملهم، فطلال لديه العديد من المعارف بالداخلية ويستطيع بسهولة أن يوقف لؤي عن العمل، وعلى الأحرى، هؤلاء المعارف هم من جعلوا عبد الصبور ينتبه لأمره ويحاول إيقافه. - عندك دليل ؟؟ .... هل في سبب مُعين يخلي الدكتور طلال يخطف صُحابك ؟ نعم، بالطبع يوجد، لكن هذا السبب لا يُمكن الإفصاح عنه، فببساطة، لا أحد سيُصدقه، وربما يتهمونه بالجنون والهذيان. تنهد لؤي تنهيدة عميقة قبل أن يرفع رأسه نحو عبد الصبور محاولًا أن يثبت اصراره بصرامة : - مفيش ... بس عن قُريب هلاقيه تجاهل عبد الصبور اصراره وآراد إنهاء الأمر بقراره الحاسم : - وانا مش هستنى لما حضرتك تلاقيه ... إنت هتمضي دلوقتي على تعهد بعدم التعرض للدكتور طلال ... وإلا تسلٌم شاراتك وتُخرج من هنا، وهيتم تحويلك للتحقيق بصق تلك الكلمات وهو يُخرج ورقة مصيرية ويضعها على مكتبه بجوار القلم، رمقه لؤي بنظراتٍ حانقة مُعارضة جعلته متيبسًا في موضعه لا يسعه التحرك، ولا يسعه الرفض أيضًا، الصمت فقط هو ما اتخذه أمام نظرات عبد الصبور الحادة والتي جعلته يُعيد أوامره بصوتٍ جهوري : - اتفضل امضي يا حضرة الظابط زادت تلك الكلمات من غضب لؤي واصراره على العثور على ذاك الحقير وغريمه، أطبق على شفتيه بحنقٍ ضمٌ معه قبضته بقوة ليرمي عبد الصبور بنظراتٍ مليئة بالاصرار قبل أن يندفع خارج المكتب رافضًا أن يمضي على تلك الورقة اللعينة وعازمًا على مواصلة البحث حتى ولو تسبب بُفقدان وظيفته.... ___________________________ فتح عينيه بثقلٍ وجسدٍ مُنهكٍ أصبح كعجوزٍ بالثمانين من عُمره، أبعد إسلام جسده عن الأريكة ليلعن نفسه للمرة المئة، فهو لا ينام سوى ساعة أو ساعتين باليوم منذ ما حدث مع زوجته وصديقه، يعتصر عقله طوال اليوم حتى يتواصل معهما ودائمًا ما يُبدد الفشل محاولاته، حتى أنه في ليلة اختفائهما بقي مُتيقظًا طوال اليوم حتى غفى عنوة بالثالثة أو الرابعة فجرًا، ولا يتذكر سوى استيقاظه بالثامنة صباحًا يلعن نفسه لأنه استسلم للنوم العميق وربما كان ليستطيع انقاذهما بتلك الساعات التي غفا بها. ومنذ ذاك اليوم وحياته تسير بالعكس، يبقى مُستيقظًا طوال اليوم حتى برزت هالة من السواد أسفل عينيه، ناهيك عن عينيه الجاحظة بسبب القهوة التي لم يتوقف عن شُربها، حتى أن طعامه لم يعد يجد الشهية لتناوله وثيابه أضحت مُهترئة من قلة الاعتناء بنفسه. للوهلة الأولى، تظن أنه فقد فقيدًا ويتحسر عليه في تلك الأيام، لكن الحقيقة أصعب من فُقدانه لفقيدٍ، فشعور أنك ستفقد أحدهم إذا لم تقوم بالمساعدة أصعب بكثيرٍ من تلقيك صدمة فُقدان أعز معارفك. اعتدل في جلسته لينحني بجذعه ويواري رأسه بين رُكبتيه مُغطيًا إياها بكفيٌه الاثنين، يحاول أن ينازح هذا الصُداع الذي يُباغته بسبب قلة النوم والإرهاق النفسي، رفع رأسه لأعلى ليلتقط القليل من الأنفاس ثم يُغلق عينيه ويحاول للمرة المليون أن يتواصل مع هذه الطاقة اللعينة، وكما يحدث كل مرة، بآت المحاولة بالفشل وجعلت غضبه وحنقه يزداد أكثر، ليس فقط ممن خطف زوجته وصديقه، بل من تلك القُدرة اللعينة أيضًا. كانت مُستلقية على ظهرها في تلك الحُجرة الصغيرة الباردة، تصارع من أجل أن ترفع جسدها بضع أمتارٍ عن الأرض قبل أن يباغتها هذا الصداع والإرهاق ويجعلانها تخر مُجددًا وتغيب عن الوعي. الرؤية مشوٌشة لا تجعلها قادرة على تمييز محتويات الحُجرة ولا لون جدارها، جسدها أضحى أكثر هزالة بسبب قلة تناولها للطعام، فلا يدخل لها سوى وجبة واحدة طوال اليوم وهي لا تتناول منها شيئًا سوى مرة واحدة كادت فيها تموت جوعًا. كان الألم ينهش ذراعها المليء بالثقوب جِراء هذه الأدوية والمُخدرات التي يحقنونها إياها عنوة حتى تتغيب عن العالم، ومن شدة شعورها بالعُزلة والدوٌار أصبح عقلها يهمهما أن كل ما حولها ما هو سوى كابوسٌ سينتهي عمَ قريب وستجد نفسها في منزلها مرة أخرى بعد أن أجرت عملية التثبيت وأضحى كل شيءٍ على ما يُرام، بل أنها أحيانًا تستيقظ من تلك الغفوة وتستمر بالصُراخ والهذيان حتى يأتي أحد الحُراس ويحقنها مُجددًا لتغفو عن العالم. هذا اليوم، وبعد مرور أسبوعين كاملين دون أن يُساعدهما أحد، قررت أن تحاول مُجددًا وتجرب التواصل مع هذه الطاقة، ستحاول قدر الإمكان أن تهِم الحُراس أنها لا تزال مُغيبة عن العالم حتى لا يحقنونها بتلك المواد مُجددًا. أخذت نفسًا عميقًا ثم أخرجته قبل أن تضغط على عقلها بما تبقى لها من قوة، بقيت تضغط وتضغط حتى تحوٌل وجهها إلى اللون الأحمر، لكنها في النهاية وبعد محاولاتٍ عديدة، استطاعت الخروج بروحها ليسقط جسدها على الأرض كجُثة هامدة. رسمت بسمة مُنتصرة على ثغرها قبل أن تتحرك بُسرعة عازمة على الخروج من هنا والبحث عن أية أدلة تجعلها تعرف أين هُما، وتبحث أيضًا عن جابر لتتفقد أحواله. تحركت بانسيابية على الرُدهة تتلفت بوجهها يمينًا ويسارًا حتى وجدت حُجرة مُغلقة قررت أن تدلفها لعل جابر داخلها، لكنها ما إن دلفت هذه الحُجرة حتى وجدتها مليئة بالأجهزة والمُعدات وبعض الأدوية التي يتم حقنها بها يوميًا وطوال الوقت، تركت تلك الحُجرة بيأسٍ لتواصل السير في كل مكانٍ بهذا المبنى العتيق وتقتحم الحُجرات لتجدها خالية مُقتظة بالقذارة وبُقع الدماء. بعض الحُجر كانت مليئة بالخُرداوات وبعضها كان فارغًا يُشبه تلك الحُجرة التي تقطنها، والبعض الآخر كانت حُجرًا صغيرة ضيقة شديدة الظلام لدرجة تجعلها تُصاب بالعمى، هكذا بقيت تتنقل بين الحُجرات والطُرقات بحركاتٍ سريعة وأنفاسٍ مُضطربة، فهي لا تعلم كم العواقب التي ستنالاها حينما يكتشف الحُراس أنها تركت جسدها. توقفت أقدامها داخل حُجرة تحتوي على مجموعة من الرجال، تحديدًا رجلين، كان هذين الرجلين يتناولان الشطائر بنهمٍ ويتسامرانٍ بوقاحة عن جاذبية النساء الذين يُعاشروهن، تجاهلت داليا حديثهما الوقح وقررت أن تترك الحُجرة وتتركهما وشأنهما، لكن ما يبٌس جسدها هو تلك الحقيبة البلاستيكية الموضوعة على الطاولة، تلك الحقيبة الخاصة بأحد المطاعم المُتخصصة بوجبات الفطور، لا يُهم إن كانت مُتخصصة بطعام الفطور أو غيره، ما يُهم فقط، هو أن هذه الحقيبة تحمل عنوان المتجر الذي ابتاعوا منه الشطائر، أي أن هذا العنوان ربما يضحى طرفًا بمعرفة أصدقاءها عن مكانهما، فهو على الأغلب قريبٌ من تلك البناية وربما كاميرات هذا المطعم تجعلهم يتتبعون واحد من هؤلاء الرجال. هكذا انتهت أفكارها لتهرول بأقصى ما لديها نحو حُجرتها مُجددًا كي تعود إلى جسدها وتنتقل بسُرعة إلى جسد إسلام.... كان على الجهة الأخرى لا يزال غارقًا في بحور يأسه حتى وجد جسده ينتفض مرة واحدة، تغيرت ملامح إسلام إلى أخرى مرتبكة وآصابع مرتجفة أثناء هرولة داليا صوٌب حُجرة النوم لتُخرج أحد الدفاتر الخاصة بإسلام وتنتشل أحد الأقلام حتى تدوٌن بسُرعة وبخطٍ أقرب للركاكة بسبب ارتجافة آصابعها. - مدينة الفردوس، مركز المدينة التجاري، نور .... الساعة الثامنة صباحًا ... كتبت وصفُا موٌجزًا لهذين الشابين اللذان كانا داخل الحُجرة ثم تركت القلم وأخذت الورقة وبقيت تقبض عليها وهي تتمدد على الفراش حتى تعود إلى جسدها مرة أخرى. انتفض جسده ليثب بُسرعة عن فراشه الذي لا يعلم كيف أتى له، كانت الصدمة تُلطخ ملامحه وتجعل وجهه أصفرًا كأكواز الذُرة، تناقضت مشاعره لدرجة تجعل صدمته تزداد أضعافًا، فهو لا يعلم إن كان سيسعد لأنه استطاع التواصل مع داليا أخيرًا، أم سيزداد ذعرًا لأنه تأكد أنهما ليسا على ما يُرام، وربما إن تأخروا أكثر لن يستطيعوا العثور عليهما مُجددًا. لاحظ تلك الورقة بين يديه ليرفعها اتجاه عينيه ويقرأ تلك الكلمات التي ظهر عليها الارتجاف؛ اتسعت حدقتي عينيه وهو يقرأ هذا العنوان ويُدرك فورًا أنه عنوان أحد المطاعم، لكن أوصاف الرجال ربما تبدو خيطًا آخرًا يُساعدهم للعثور على زوجته وجابر. وثب بُسرعة عن الفِراش ليهرع نحو الخزانة ويُخرج منها ما تقابله يداه من أوعية، ألقى بسُترته الرمادية على الفراش يليها بنطاله الأسود وبدأ بتبديل أوعيته بأقصى ما لديه من سُرعة. انتهى من تبديل أوعيته ليُخرج الهاتف الخاص به مُجريًا لإحدى المكالمات ذات الأهمية القُصوى : - لؤي .... أنا عرفت طريقة نلاقي بيها داليا وجابر .... __________________________ يًصبح الظلام أكثر عُتمة حينما تضحى وحيدًا، ولا تعرف طريقة للنجاة... صوٌت أزيز الباب اخترق أوزاره وجعله يحاول الاعتدال رغم الجروح التي تتكالب على جسده والدماء الجافة التي تنبثق من أنفه وفمه، يترنح في جلسته وهو يحاول الاعتدال ويُجاهد كي يفتح عينيه، يحاول أيضًا تحريك يديه وأرجله المُكبلين بقسوة بتلك السلاسل الحديدية، بصر أمامه هذين الرجلين الضخمين وهما يقتربان نحوه وينتشلانه عن الأرض. آراد إبعادهم والصُراخ بهم لكن آلامه تجعله يئن بدلًا من الصُراخ، كان الضوء ثقيلًا على عينيه بسبب بقاءه في تلك الحُجرة المُعتمة لأيامٍ متتالية لم يشهد بهم سوى العذاب، يشعر في كل يومٍ بأحدهم يقوم بضربه وجرحه بالمدية، بل ويسمع سُبابهم بأذنه وصراخهم به بأن يرضخ لأوامرهم ويتبنى أفكارهم، يتبنى مباديء تلك المُنظمة اللعينة التي ليس لديها هدفٌ واحدٌ سوى السيطرة وارتكاب الجرائم المروعة، وهو لم يتوقف عن الإنكار والرفض حتى زادت جروحه وحُرم من الطعام لعدة أيام. يعلم جيدًا أنهم سينتهوا منه ويُخضعوه لهم حتى يعيدوا ما فعلوه معه لكن مع داليا، وهي بالطبع لن تتحمل ما واجهه وربما تفقد صوابها عندما يقترب منها أولئك الرُعناء محاولين انتهاك شرفها. لهذا السبب قرر أن يصرٌ على صموده ويتحمل ألوان العذاب حتى لا يتركوه ويبدأو بداليا، فربما سينقذه أحدهم قبل أن يفقد صوابه ويجد نفسه خاضعًا لهم عنوة. أمسكه الرجلان وألصقا ظهره بالحائط حتى يتوقف عن الحِراك وينظر إلى وجه طلال الذي دلف الحُجرة على أمل أن يراه خاضعًا لهم، لكن ما وجده هو نظرة الإنكار والاشمئزاز التي يتعمد جابر رميها بوجه طلال. ركع طلال على رُكبتيه ليضحى مواجهًا لعيني جابر حتى يقول له بصوتٍ هاديءٍ يحمل الشر داخله : - قولتلهم إنك هتُقع من أول قلم ... رسم بسمة مُتهكمة على ثغره وهو يواصل : - بس شكلك كدة هتخلينا نستخدم الأسلوب التاني زادت نظرات الاشمئزاز على وجه جابر حتى بصق على وجه طلال بصقة جعلت نثراتٌ من لُعابه تستقر على وجنة طلال. أطبق طلال على فكيه بحنقٍ قبل أن يمحو أثر تلك البصقة بنظراتٍ تتقض بالشرر، تأوه جابر بصوٌتٍ مكتوم بسبب ركلة أحد الرجال التي استقرت على خصره تحديدًا على أحد الجروح الغائرة التي خلفتها آثار التعذيب، أمسكه طلال من ياقة قميصه شبه الممُزقة كي يدفع وجه جابر قبالة وجهه حتى يستمع جيدًا إلى وعيده : - أنا مش عارف إنت جايب الصمود ده منين ... بس مسيرك هتُقع، وهتركع تحت رجلي تترجاني .... إنت والحُرمة اللي جات معاك دفعه بقوة ليرتطم بالحائط دون ردة فعل، فهو قد تناسى شعور الألم بسبب اعتياده وحقنه بتلك المُمنوعات من أحد الرجال، تلك الممنوعات لا تُصيبه سوى بالدوار وعدم الاتزان، لكنها لا تمنع شعوره بالألم، بل تزيده أضعافًا. عانقت رأسه الأرض مع ذاك الدوار الذي أخذ يداهمه، لا تزال الرؤية مشوٌشة بالنسبة له، لكنه استطاع أن يرى طلال يجذب عصا خشبية يتفرع منها المسامير الصغيرة الحادة، أعطى طلال هذه العصا لواحدٍ من رجاله، ثم آشار بعينيه على جسد جابر المسجي قبل أن يترك الحُجرة في صمت، متجاهلًا صوٌت الركلات والضربات الموجعة وكذلك صُراخ جابر المكبوت.... _________________________ بدأت الشمس بإسدال ستارها وكان هذا اليوم حافلًا ببصيص من الأمل والبحث، فما إن أخبرهم إسلام عن طرف الخيط الذي وصل له حينما اتصل بداليا، حتى هرع فورًا صوٌب المطعم برفقة لؤي الذي أمر المالك بفتح كاميرات المراقبة ورؤية من أتى إلى المطعم بالثامنة صباحًا، وبعد أن التقطت الكاميرات شابًا ضخم البنية ذا لحية بسيطة مُنمقة وشعرٍ أكرتٍ قصير، آشار إسلام على صورة هذا الرجل مُتذكرًا تلك المواصفات التي دوٌنتها داليا بالتفصيل في تلك الورقة. أمر لؤي بعض رفاقه بمعرفة هوية هذا الرجل حتى استطاعوا معرفة أين يسكن ومتى يعود إلى منزله، فقد انتظروا العديد من الساعات حتى وجدوه يصعد درجات السُلم وهو يُدندن بكلمات أغنية منتهزًا وجوده وحده بتلك البناية، أو هكذا كان يعتقد. داهمه لؤي بانقضاضه كالثور الهائج على الرجل ودفعه بقوة ليلتصق ظهره بالجدار؛ اتسعت حدقتي الرجل في ذهولٍ وهو يتابع نظرات لؤي المُشتعلة ويجد رجلًا آخرًا خلفه يحمل نفس هذه النظرات ولم يكن سوى إسلام، وكذلك نظرات قمر المُرتبكة لأنها أصرٌت على المجيء معهما حتى تستطيع استجواب الرجل. ضغط لؤي بذراعه على رقبة الرجل وهو يُلصقه بالجدار حتى كاد يُصيبه بالاختناق، أخذ يهتف بوجهه بصوٌتٍ جهوريٍ مُهدد : - وديتوهم فين ؟ ... انطق بدل ما اخليك متعرفش تتكلم بعد كدة لم يتخلٌى الرجل عن صموته وثباته أمام نظرات لؤي المُشتعلة وغضبه الجبار الذي أخمدته قمر بوضعها لأناملها بهدوءٍ على كتِف لؤي متفوٌهة : - لؤي ... سيبه، أنا هتكلم معاه هدأت نيران لؤي قليلًا وهو يستجيب إلى قمر بينما أخرج إسلام هاتفه ليُسجل كل لحظة وكل أدلة سيحصلون عليها. ثبته لؤي على الحائط حتى تستطيع قمر أن تستقر بعينيها على خاصته وترميه بنظراتها الثاقبة التي جعلته يهيم ويتغيَب عن العالم مرة واحدة، بقيت عيناه تطوفان في عالمٍ آخرٍ وأمامه قمر تسأله بهدوء : - لما خطفتو داليا وجابر ... أخدتوهم على فين ؟ دون أن ينتبه الرجل، بدأ يسرد عليهم عنوانًا تفصيليًا لأحد الأماكن التي يذهب إليها يوميًا، سجٌل إسلام حديثه حتى انتهى منه وأغلق الهاتف ليهرول خلف لؤي الذي انسٌل الدرجات بسرعة عازمًا على الذهاب إلى ذاك العنوان وإنقاذ داليا وجابر قبل أن يتم تغيير موٌضعهما.... _____________________________ يدانٍ غليظتانٍ تقبض على ذراعه وتجذبه كالماشية على رُدهة طويلة دون اكتراثٍ لحالته الصحية المتدهورة والدماء التي تتدفق من جسده، كانت الرؤية لا تزال مشوشة أمامه وعقله لا يُسعفه ولا يساعده أبدًا على التواصل مع تلك الطاقة، حتى عندما يفيق من تلك المُسكرات لا يستطيع ترك جسده بسبب جروحه التي تمنعه، يستطيع فقط أن ينتقل إلى جسدٍ آخر، لكنه لا يريد ذلك حتى لا يُعرضهم للوجع الذي يتعرض له. ثبته الرجلان على مقعدٍ ظهره مُسترخٍ للوراء حتى يستطيع الاستلقاء، قاموا بتوٌصيد رسغيه جيدًا وكذلك قدميه حتى لا يحاول المقاومة والفرار، تقدم أحد الرجال الذين يرتدون أزياء العُلماء وهم لا يمتلكون ولو ذرة ضمير واحدة، قام هذا الرجل بإيصال بعض الأسلاك والمجسات بجسد جابر تحديدًا عند جبهته، بينما يقوم رجلٌ آخرٌ بحقنه بأحد أنواع الممنوعات التي تجعل رأسه تزن أطنانًا وجسده يخور نسبيًا. دلف طلال هذه الحُجرة بعد أن أسدلت السماء ستارها تمامًا ولم يبقى سوى عُتمة الليل التي تساعدهم على تأدية ما يأملونه، إقترب طلال نحوه بخطواتٍ رتيبة حتى توقف مباشرة خلف جسد جابر لُيربت على كتفه تربيتاتٍ بدت مُطمئنة لكن حقيقتها أبعد ما يكون عن الاطمئنان. كان جابر لا يزال يحتفظ بآخر ذرات مقاومته وهو يحاول التحرر ونزع رسغيه عن تلك الأحبال التي تُكبلهما، لكن ربتة طلال جعلت جسده يستكين قليلًا ونظراتٍ الحنق تتمثل على وجهه : - محدش هييجي ... عشان لو كانو هييجو كانو جُم من بدري تعمٌد طلال أن يعبث بعقله كجزءٍ من خطته في تحطيمه تمامًا حتى يرضخ لهم، لكن جابر لم يتخلٌى عن نظراته المقيتة وصمته الذي دفع طلال لمواصلة الحديث بمُكرٍ وهو يتجوٌل حول جابر : - تعرف يا جابر ... أنا لحد دلوقتي مستغرب إنت ليه مُتمسك بشوية الأغبية دول .... دا هُما ذات نفسهم عُمرهم ما اعتبروك واحد منهم ازداد الحنق على وجه جابر بينما واصل طلال حديثه بعد أن قهقه قهقهة متهكمة : - أصل هيعتبروك واحد منهم إزاي .... دا إذا كان أهلك ذات نفسهم اتخلو عنك ورموك للحرامية وكلاب السكك واصل الدوران حوله وحديثه بدأ يأخذ شكل السموم : - إوعى تفتكر إن الشويتين إللي بتعملهم دول عشان تبقى ابن ناس هيجيبو نتيجة .... عشان لو كُنت فاكر إن ده إللي هيحصل تُبقى حمار ... وحمار كبير أوي كمان أنهى حديثه ببسمة ساخرة ليقترب بعدها من أذن جابر ويواصل بفحيحٍ أشبه بفحيح الأفعى : - العالم عُمره ما هيقدٌر واحد زيِك .... وهتفضل طول عُمرك وحيد ... وصحابك دول مش هيعبروك_ لم يعد يتحمل جابر المزيد من الأحاديث ووجد نفسه يصرخ بصوتٍ مُرتفع كاد يتحشرج معه صوٌته : - كفاية بقى .... ابعد عني ... ابعد عننا تصاعد صدره لأعلى وأسفل وهو يحاول التقاط أنفاسه واستعادة ثباته، ابتعد طلال عنه بنظراته الماكرة والتي تحوٌلت مرة واحدة إلى الغضب الطفيف، وقف على مقربة من جسد جابر ليردف بوعيد : - مش هتخرج من هنا غير وإنت راكع تحت رجلي ... خليك فاكر الجملة دي كويس أنهى حديثه بإشارة لأحد الرجال حتى يقوم بالضغط على أحد الزرار ويبدأ جسد جابر بالاهتزاز والانتفاض وصوٌت انينه يتعالى مع صوٌت الكهرباء المُتزبزبة، حافظ طلال على ثباته متجاهلًا أنينه وهو يواصل الحديث بخُبث : - قولتلك محدش هيعبرك ... إنت بالنسبالهم ولا حاجة ازداد انتفاض جسده واهتزازه بعشوائية حتى تحوٌل وجهه إلى اللون الأحمر من كثرة محالاوته لكبح آلامه، أغلق الرجل الجهاز ليستكين جسد جابر ويبدأ العرق بالتصبب من أعلى جبهته بعد أن تحوٌل جسده إلى كتلة من النيران. حاول جابر التقاط أنفاسه بصعوبة وداخله يُكرر : عليك أن تصمد ... عليك أن تصمد، هكذا ظل يُكرر حتى لا يستمع إلى كلمات طلال السامة والتي يحاول من خلالها بثه عدم الثقة بمن حوله وبأن خضوعه لهم هو الحل الأمثل، وما إن يتأكد طلال أن محاولاته تبؤ بالفشل حتى يأمر رجاله بتشغيل الجهاز مجددًا لتعود هذه الزبزات ويعاود جسده بالانتفاض وإصدار صيحاتٍ متألمة. وبعد ثلاثة مراتٍ متتالية، بدأ جسده يزداد هزالة، وقواه تخور تدريجيًا، بدأ يلتقط أنفاسه بصعوبة ولا زال يشعر بلسعات الكهرباء حتى بعد غلق الجهاز، انحدرت عيناه لأسفل تلقائيًا نتيجة إرهاقه لكنه يُقاوم ويفتحهما مُجددًا مُرددًا بداخله تلك الكلمات التي لا يتوقف عن ترديدها والتي تحوٌلت إلى الدعاء والابتهال الذي لم يتوقف عنه منذ جاء إلى هُنا. إقترب طلال نحوه أكثر وبدأ صبره ينفد من هذا العنيد، رماه بنظراتٍ غاضبة مليئة بالاصرار والتهديد أثناء قوله : - ها يا جابر .... عايزنا نكمل ؟ ولا هتعمل إللي هنقولك عليه ؟ كان الحنق على عيني جابر وهو يطالع طلال ويكتفي بالصمت لعدم مقدرته على الحديث، فالصداع يكاد يُمزق عقله، وغثيانه يزداد حتى شعر أنه بحاجة للتقيؤ، ناهيك عن هذا الشُلل الذي يُحيط بجسده حتى لسانه. ترجم طلال صمته إلى المعارضة وعدم الرضوخ، هذا مع جعل إصراره يزداد أضعافًا وهو يبتعد عن جسد جابر ويُشير بأصابعه نحو أحد الرجال وهو يوٌجه حديثه إلى جابر : - إنت إللي اختارت رفع الرجل من درجة الصاعقة بأمرٍ من طلال، ليزداد انتفاض جابر وصراخه الذي لم يستطع كُتمانه أكثر من ذلك، حتى أن دموعه لم تستطع الثبات وانهمرت عنوة من عينيه ووجهه الذي تحوٌل إلى جمرة من اللهب، تحشرج صوٌته إثر صُراخه ولا يزال طلال يقف أمامه يرمقه يتشفِ وعدم اكتراث، بقي ينتفض لعشر دقائق حتى اقتحم الحُجرة أحد الرجال دون أن ينال الإذن، فيبدو أن لديه أمرٌ طاريءٌ يجب إيصاله بسُرعة: - طلال بيه ... الشُرطة تحت ومحاصرين المكان ارتعد طلال وأمر الرجل بإغلاق الجهاز بُسرعة أثناء قوله : - إيه !! ... يلا، يلا بسرعة ... لم الرجالة واطلعو من هنا.... ترك الحُجرة وترك جابر داخلها ليهرول بأقصى ما لديه نحو الباب الخلفي وضربات قلبه تصدح في خوف، فإذا تم كشفه في مكانٍ مشبوهٍ كهذا سيكون السجن أقل عقوبة ينالها.... ____________________________ سيأتي اليوم الذي تكتشف فيه أن حياتك السابقة كانت نعيمًا بالمقارنة مع حياتك الآن.... تُحرك رسغيها ليحتكا ببعضهما بقسوة جعلت الكدمات الزرقاء تُحيط رسغيها كالسوار، لم تتوقف عن تحريك رسغيها وقدميها بقلبٍ ينبض من الهلع خوفًا من أن يتم كشفها ويتم حقنها مُجددًا بتلك المواد المُخدرة، تصاعدت ضربات قلبها أكثر كلما زادت من فرك رسغيها وازداد يأسها بسبب محاولاتها الفاشلة. كادت قطرات الدموع تنساب على وجنتيها لكنها كبحتهم بكل طاقتها وحاولت المحافظة على ما تبقى من عزيمتها لتتخلص من هذه القيود اللعينة. أوقف حركتها صوت اطلاق النار الذي دوٌى خارج الحُجرة مباشرة، كان من المُفترض أن ترتعد وتزداد خوفًا، لكن العكس هو ما حدث، حيث كانت تلك الطلقات كالقشة الي ستتعلق بها وتجعلها تنتهي من هذا الكابوس. ارتخى جسدها مرة واحدة وتوقفت عن محاولاتها التي لا فائدة منها، راقبت الباب بعينيها آملة أن يقتحم أحدهم الحُجرة ويُخلصها ويُخبرها أن جابر بخير وتم إنقاذه أيضًا. تعلقت بهذه الشعرة حتى داهمها صوٌت الباب وهو يُفتح بقوة كادت تجعله يتهشم لمئة قطعة، وجدت أحد عناصر الشُرطة يُشهر أمامها السلاح لكنه يخفضه ما إن وجد جسدها مسجي على الأرض بحالة مُهترئة، أفسح الضابط المجال للؤي الذي لم يكن يرتدي زي الشُرطة كبقيتهم لكنه كان يحمل سلاحه ويهرع صوٌب داليا ليحاول أن يفُك وثاقها. ظهر إسلام هو الآخر وكان يحمل أحد الأسلحة لكنه لم يكن يستخدمه، فقط يحمله من أجل الحماية ليس إلا، كانت نظرات الخوف على وجهه مما جعل داليا ترمقه بحيرة، ربما هذه أول مرة ترى الخوف في عينيه، وجدته ينحني بجذعه ليُساعد لؤي على فك وثاقها وتحريرها من ذاك المكان. - إنتِ كويسة ... عملولِك حاجة ؟ سألها إسلام بصوٌت مُرتعدٍ يحمل الحدة والاندفاع، وما كان من داليا سوى أنها أومأت برأسها وحاولت الوثوب وهي تقول بصوتٍ مُرتجف : - جابر .. لازم نلحق جابر احتدت نظرات لؤي ما إن ذكرت اسم جابر مما جعله يسأل : - هما عملو فيه إيه ؟ كادت دموعها تنهمر وهي تُجيبه بجهلٍ وصوتٍ مُرتجف : - مـ...معرفش ... هـ..هما أخدوه جاهدت أكثر في تلك اللحظة حتى لا تنهمر دموعها وهي تتذكر ما حدث وتباغتها الأفكار السلبية بأن مكروهًا قد آصابه، ساعدها إسلام على الوثوب وكانت تترنح في مشيتها ولا تستطيع التوازن بسبب تلك الممنوعات التي لا يزال أثرها على جسدها، قبض إسلام على ذراعها وبدأ يُحركها بُسرعة خارج الحُجرة وراء لؤي الذي يُشهر سلاحه أمامه تجنبًا لأية رصاصة تُصيبهم. آشار لؤي بأصابعه على إسلام وداليا حتى يتبعانه بُسرعة قبل أن تبدأ الطلقات النارية بالتبادل، وما إن هرول إسلام جاذبًا معه جسد داليا الهزيل حتى اختبأ ثلاثتهم خلف أحد الجُدران يختبئأن خلف لؤي الذي بدأ إطلاق الأعيرة النارية على بعض المُجرمين الذين يتعمدون اسقاطهم طرحى، ما إن هدأت الطلقات النارية حتى آشار لؤي بآصابعه مُجددًا ليُعاودوا السير في تلك الرُدهة وأعينهم تتلفت في جميع الاتجاهات بحثًا عن جابر. توقف لؤي أمام إحدى الحُجرات وأطلق رصاصة على قفل الباب جعلته يتهشم وينفتح الباب تلقائيًا، ركله بقدمه حتى يستطيع الولوج ويجد أمامه حُجرة صغيرة فارغة مليئة بالأدوات الكهربائية والأسلاك الشائكة، ابتعد عن تلك الحُجرة وواصل السير والبحث في الرُدهة التي أضحت خالية بسبب فِرار المجرمين، أطلق النيران على بابٍ آخر ليجد حُجرة صغيرة فارغة لا تحتوي على أي شيء. كاد اليأس يلوظ بهم وهم يواصلون البحث في تلك البناية مُتعددة الغُرف، بقيوا يتنقلون بين الحُجر الفارغة تارة والمليئة بالخردوات والأجهزة البالية تارة أخرى، واصلوا بحثهم حتى توقفوا أمام حُجرة ذات باب سماوي اللون تُعتبر آخر حُجرة في هذه الرُدهة. رفع لؤي سلاحه وأطلق منه رصاصة آصابت الباب وجعلته ينفتح كالأبواب السابقة، ركل الباب مُجددًا بقدمه ليتفاجأ بأن تلك الحُجرة لم تكن خالية كالحُجرات السابقة، بل كان هناك جسدٌ مسجي يرقد على مقعدٍ مُسترخٍ للوراء ورسغاه مُكبلان بالأحبال مع تلك الأجهزة والأسلاك المُتصلة بجُمجمته وآصابعه. أخفض لؤي سلاحه وهرول بُسرعة صوٌب جسد جابر الذي انبثق منه الدماء الجافة والجروح المُتقرحة، تصاعدت ضربات قلوبهم وهم يقتربون نحوه وينزعون تلك الأسلاك ويحلٌون وثاقه. تابعت داليا ما يحدث من بعيد بقلبٍ يكاد يخرج من موضعه، تراه مغرورقًا بالدماء والجروح الغائرة تنتشر بجميع أنحاء جسده، ناهيك عن وجهه الشاحب وشفتيه الزرقاوان كالبحر، لم يتوقف إسلام عن مناداته باسمه وضربه على وجنتيه حتى يفيق، كما فعل لؤي أيضًا. - جابر .. جابر ... جابر اصحى لم يتوقف عن مناداته وضربه على وجنته دون أية فائدة، فلا أنفاس تخرج منه ولا معالم للحياة تظهر على وجهه وجسده المُلطخ بالدماء الجافة نسبيًا. تصاعدت ضربات أفئدتهم وقد تحوٌلت ندآتهم إلى صرخاتٍ متوُسلة ودموعٍ مكبوحة، بقي إسلام يُحرك جسده لعله يفيق ويناديه لكنه لا يلقى سوى الصمت المهيب، كذلك انفجرت داليا في تلك اللحظة وبدأت تنهمر دموعها وصرخاتها المتوٌسلة على جابر حتى يستمع لها. توقف إسلام عن تحريكه ما إن لمح بعينيه زجاجة خالية كانت تحتوي على نوعٍ من الممنوعات يعرفه جيدًا، تحسس ذراع جابر بعينيه حتى وجد علامات الحقن تُغرقه، الحقن بهذا النوع من الممنوعات الذي يُصيب بالهزيان وعدم القُدرة على الاتزان والتحكم بالعقل، أي عدم القُدرة على التنقل !! ما إن توٌصل إلى هذا الاستنتاج حتى هُدمت حصونه وخرٌ جسده حتى ارتمى على رُكبتيه، تيبس جسده على الأرض ولم يعد قادرًا حتى على نُطق كلمة واحدة، لاحظت داليا توُقفه عن المحاولة فأخذت تُحركه وسط شهقاتها وتوٌسلاتها : - إسلام ... إسلام شوفه ... شوفه عشان خاطري ... إسلام اعمل أي حاجة ... ارتفع صوٌتها واختلط بدموعها المُنهمرة وهي تلِح على إسلام أن يفحصه كوٌنه طبيبًا يستطيع ذلك، لكنها وجدته مُتصلبًا مكانه ودمعة مُتمردة تسقط على وجنته مع شهقاتٍ يحاول كبحها قدر المُستطاع، كذلك توقف لؤي عن تحريك جابر واستند على مقعده برغبة عارمة بتهشيم هذا المكان ليُخفف من وطأة غضبه وقهرته. - يا إسلام بقـــولك شوفـــه صرخت داليا بتلك الكلمات ما إن لمحت اليأس يطغي على وجهيهما، وما كانت كلماتها سوى دفعة لإسلام حتى يخرج من صمته ويُصارحها بالحقيقة المؤلمة : - خلاص يا داليا .... جابر مات !!... يُتبع ❤💕 _____________________________ تطورات القضية 1- 20 قتيلًا وإصابة 150 في قصف اسرائيلي استهدف نازحين ينتظرون مساعدات. 2- وزير الخارجية دافيد كاميرون يُنادي بوقف إطلاق النار وإقامة هُدنة فورية والتفاوض من أجل استعادة الأسرى. 3- عائلات اسرائيلية تحتشد أمام حدود غزة استعدادًا لإقامة مستوطنات اسرائيلية بحملهم لشعار " القمع، الاستيطان، الفوز ". 4- القِسام تُعلن عن هجومين كبيرين أدا لمقتل وإصابة عشرات الجنود الاسرائيلين. 5- أصدرت لجنة محكمة العدل الدولية المكونة من 17 قاضيًا، ستة إجراءات طارئة تأمر فيها اسرائيل " باتخاذ جميع التدابير في حدود سُلطتها " لمنع الأعمال التي يُمكن أن تؤدي لإبادة جماعية، لكنها لم تُطالب بوقف إطلاق النار ولم تجعل تلك الإجراءات إلزامية. 6- بايدن أخبر نتانياهو أنه لا يُمكن أن تستمر الحرب لمُدة عام... ( لا تنسوا القضية ) ________________________ عارفة إن الفصل يمكن يكون كئيب بس أنا أساسًا مش بحب النهايات السعيدة، فتوقعو أي خازوق عادي. المهم، قولولي رأيكم في الفصل وفي الرواية بشكل عام والجزء ده بشكل خاص، ولو في أي أخطاء إملائية أو نحوية أو منطقية أو أي نقد على الرواية ياريت تقولولي ومتنسوش الفوت، وبالمناسبة فاضل 3 فصول بالظبط والرواية تخلص خالص 🥰

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرواح ضائعة " أرواح متنقلة 2 "

المؤلف نوران أشرف محمد
2024/06/15 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 0: المقدمة
2024/06/15
الفصل 17: الفصل السادس عشر ( النصف الآخر )
2024/06/15
الفصل 18: الفصل السابع عشر ( ضيوف غير مُرحب بهم )
2024/06/15
الفصل 19: الفصل الثامن عشر ( بداية المعركة )
2024/06/15
الفصل 20: الفصل التاسع عشر ( تبادل )
2024/06/15
الفصل 21: الفصل العشرون ( كشف المستور )
2024/06/15
الفصل 22: الفصل الحادي والعشرون ( مكبلًا بالأغلال )
2024/06/15
الفصل 23: الفصل الثاني والعشرون ( عفريت !! )
2024/06/15
الفصل 24: الفصل الثالث والعشرون ( البوابة !! )
2024/06/15
الفصل 25: الفصل الرابع والعشرون ( أوقعهم العدو )
2024/06/15
الفصل 26: الفصل الخامس والعشرون ( جسدٌ بلا روح )
2024/06/15
الفصل 27: الفصل السادس والعشرون ( العين بالعين والسن بالسن )
2024/06/15
الفصل 28: الفصل السابع والعشرون ( التثبيت )
2024/06/15
الفصل 29: الفصل الثامن والعشرون ( النهاية )
2024/06/15
الفصل 30: أرواح ضائعة ( الخلاصة )
2024/06/15
الفصل 16: الفصل الخامس عشر ( مشفى المجاذيب )
2024/06/15
الفصل 15: الفصل الرابع عشر ( عصيان نتيجته الدمار )
2024/06/15
الفصل 1: ملخص الفصل الأول
2024/06/15
الفصل 2: الفصل الأول ( عد تنازلي )
2024/06/15
الفصل 3: الفصل الثاني ( قرار إجباري )
2024/06/15
الفصل 4: الفصل الثالث ( طلق !! )
2024/06/15
الفصل 5: الفصل الرابع ( عودة الأخ الضال )
2024/06/15
الفصل 6: الفصل الخامس ( تصفية حسابات )
2024/06/15
الفصل 7: الفصل السادس ( لن تخرج حيًا )
2024/06/15
الفصل 8: الفصل السابع ( خائن !! )
2024/06/15
الفصل 9: الفصل الثامن ( قطعة ناقصة )
2024/06/15
الفصل 10: الفصل التاسع ( لصوص )
2024/06/15
الفصل 11: الفصل العاشر ( وقع بين يديه )
2024/06/15
الفصل 12: الفصل الحادي عشر ( اختطاف جماعي )
2024/06/15
الفصل 13: الفصل الثاني عشر ( جاسوس )
2024/06/15
الفصل 14: الفصل الثالث عشر ( ضربة أفقدته الوعي )
2024/06/15
الفصل 31: الرواية الجديدة
2024/06/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة