الفصل التاسع عشر ( تبادل )

الفصل التاسع عشر ( تبادل )

24 0

بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم قد طالت الغُمة واشتدت المحنة وعظُم البلاء، ففرج عن أهل غزة يا الله " لا تنسوا الدُعاء لأهالي فلسطين 🙏 _______________________________ سيأتي اليوم الذي ستُحاسب فيه على صمتِك، كما يُحاسب المجرمون على جرائمهم.... انهمار المياه على يديها لم يُشكل فارقًا لما يكنيه فؤادها، فالنزاعات الناشبة داخل رأسها لا تُرطبها المياه ولو كانت مُثلجة. وضعت الصحن الذي قامت بجليه على مِصفاة من المعدن ليتقاطر المياه حتى يجف وحده، أغلقت صنبور المياه لتُجفف يدها بمريولها ثم تنزعها لأنها أخيرًا انتهت من جلي الصحون، فهي بالأساس تقوم بهذا حتى يتوقف عقلها عن التفكير في ذاك التهديد الذي يلاحقهم أينما ذهبوا، تقسم أنها أكثر سذاجة من أن تُهددها مُنظمة لعينة من أعتى المُنظمات وأقواهم، فقط لو أدركوا كم أنها حمقاء لمَا نعتوا أنفسهم بالحمقى لمُجرد تخيٌلهم أنها ستستطيع مُساعدتهم. عادت بذكرياتها لبضع ساعاتٍِ تخُص اليوم المُسبق، اليوم الذي كان من المُفترض أن يتم به التثبيت، أو تجربته على الأقل. لكن تأخر الوقت وازدياد حدة الليل جعلتهم يؤجلون تلك الفكرة باليوم التالي، الذي هو اليوم، فكان هذا اقتراح لؤي الذي أتى المنزل متأخرًا وعوالم وجهه تُنظر بالتخبط، لكنه كعادته الدائمة، أخفى حقيقة ما يكنيه وطلب من قمر أن تأتي معه حتى لا تتأخر أكثر من هذا. لا يوجد فرقٌ إن كان التثبيت سيتم الآن أو البارحة، فهو سيتم أخيرًا في جميع الأحوال، وهذا ما يجعلها تتحمس أكثر، فهي على وشك التخلص من تلك اللعنة نهائيًا... قطع تفكيرها صوٌت الباب الذي يتم فتحه بهدوءٍ ليدلف إسلام المنزل وصوٌت الحقائب البلاستيكية يتخبط بين يديه كأجراس الفنادق قبل التسعينات، وجدت إسلام يقترب نحوها ويضع الحقائب البلاستيكية على الطاولة ببعض العرق الذي ينساب على جبهته، فهو يتبضع لأكثر من ساعة حتى يأتي بطلبات المنزل. ترك إسلام حُجرة الطعام ليستريح على أريكة البهو مُسترخيًا بظهره للوراء لا يقدر حتى على تبديل ثيابه، أو أنه لا ينوي تبديلها من الأساس، فهما سيستقبلان ضيوفًا بعد قليلٍ لتنفيذ تلك المُهمة. فتحت داليا الحقائب لتتفقد ما أحضره إسلام كعادتها، فكانت تقول وهي تُنقب عن محتويات الحقائب بيديها : - جِبت كل حاجة ؟... آجابها إسلام بصوٌتٍ مُرتفعٍ استطاع اختراق نافذة حُجرة الطعام المُطلة على البهو : - هتلاقي كل حاجة عندِك التقطت يدها زُجاجة من الحليب تفوح منها رائحة جوز الهِند المُحلى؛ أدركت على الفور ما تحتويه تلك الزجاجة والذي لم يتوافق مع ما كانت تُريده وهذا ما جعلها تهتف بغضب : - إيه يا إسلام ده ؟... أنا مش قولتلِك تجيب لبن جوز الهند .... جايبلي سوبيا ليه ؟ آجابها إسلام بتبريرٍ وهو ينتشل جهاز التحكم ويبدأ بفتح التلفاز : - ما هي السوبيا لبن وجوز هند، مش هو ده إللي إنتِ عايزاه ؟ زفرت داليا الهواء من جوفها بنفاد صبرٍ وهي تُفسٌر ببعض الحدة : - يا إسلام أنا كان قصدي اللبن إللي بيبقى معمول من جوز الهند قطٌب إسلام حاجبيه وهو يهتف بحماقة : - إيه ده ؟... هو جوز الهند بيتحِلب ؟ لم تشأ أن ترد على حماقته حتى لا تفقد صوابها وقررت أن تتفحص بقية المحتويات حتى التقطت قناعًا للأطفال يحمل شكل أميرة الثلج، هذا القناع زاد من غرابتها وجعلها تتسآل : - وإيه ده كمان ؟ رفعت يدها بهذا القِناع نحو إسلام حتى يراه من خلال النافذة ويتسنى له التبرير بقوله : - إيه ؟... ده الماسك إللي إنتِ قولتيلي عليه ما إن أدلى تلك الكلمات حتى كادت بالفعل تفقد صوٌابها، فهي عندما أخبرته أن يجلب لها قناعًا، لم تقصد هذا القناع. - ماسك !! ... يا إسلام أنا قولتلِك تجبلي الماسك إللي بيفتح البشرة... مش ماسك عيد ميلاد !! رفع كتفيه بلامبالاة وهو يقول بتهكم : - وأنا اعملِك إيه يعني إنتِ محددتيش تجاهلت تبريراته الحمقاء وقررت التغاضي عن تلك الأخطاء الجُهنمية التي يفعلها في كل مرة يذهب فيها للتبضع، فهي لا تتذكر أنه أحضر لها ما تُريده ذات مرة، آخر مرة عندما طلبت منه عصير بُرتقالٍ، وجدته يأتيها بقفصٍ من البُرتقال ويُخبرها أن هذا سيوٌفر لهما الكثير من المال، لكنه لا يعلم أنها أكسل من استخراج العصير من كل هذه الكمية من البُرتقال مما أدى إلى فساد مُعظمه وإعطاء بقيته لوالدتها، فإسلام لا يُحب تناول البرتقال من الأساس. داهمتها عُلبة زرقاء عليها طفلٌ رضيعٌ أشعرها أنهما ينتظران موٌلودًا، أو أن مُشتريات مُعتز اختلطت بمُشترياته، أمسكت تلك العُلبة وهي ترفعها نحو إسلام متسآلة : - هو السريلاك ده بتاع مين ؟ التفت إسلام نحوها ملوٌحًا بيده حتى تترك تلك العُلبة وهو يقول : - سيبيه ده بتاعي لا زالت عوالم الحيرة على وجهها وهي تخفض يدها عازمة على وضع هذه العُلبة جانبًا متغاضية عن كوٌن زوجها يُحب طعام الأطفال، فهو غريبٌ لدرجة تجعلها تتوٌقع أي شيءٍ يفعله. بقيت تضع الأمتعة مكانها حتى انتهت أخيرًا وتركت حُجرة الطعام لتُلبي نداء إسلام الذي طلب منها أن تجلس بجواره كي يتحدثا في أمورٍ مُهمة، فما إن جلست بجواره حتى بدأ هو الحديث بجدية : - أنا كلمت حسن ومخيمر وهما قالولي هييجو كمان ساعتين يركبو الأجهزة قابلته بجسدها وهي تسأل بفضول : - هو إحسان فين ؟ ... قولتله إنه مينفعش يبات لوٌحده في البيت ؟ أومأ إسلام برأسه إيجابًا وهو يقول : - قولتله ... وسألني ليه بس مرضتش اقوله ... أكيد يعني مش هقوله إن في حد بيهددنا وقاطر المُتنقلين كُلهم... ربت على كتفها ليُنهي الحديث بطمأنينة : - قالي هيقعد عند أخوه ... هو كدة كدة اخواته مش سايبينه من ساعة ما فاق لم تنبس ببنت شفة وبدا وجهها ذابلًا يتقاطر منه الخوف الذي استشعره إسلام فورًا فسألها : - مالِك ؟ تحلٌت بالصمت لفترة قبل أن تُجيب : - مش عارفة ... حاسة إننا المفروض نقولهم إن في حد بيهددنا واحتمال يكون من المُنظمة ارتجفت أوصالها وهي تتحدث لأن الخوف والقلق يلتهمانها، تُريد طلب العون لكن في نفس الوقت، تخشى أن يضحى هذا العون سببًا في هلاك أصدقاءها، فهي لا تنسى كيف هددهما طلال وأخبرهما ألا يُخبرا أحدًا عن مجيئه. اقترب إسلام نحوها ليُحيطها بذراعه وهو يقول بنبرة هادئة رخيمة آراد من خلالها إغمارها بالآمان لكن يبدو أن خوفه منعه من تلك الرغبة : - الناس دي مش سالكة ... ومش ضامنين يعملو إيه ... عشان كدة إحنا لازم نتثبت بسُرعة قبل ما يوصلولنا تاني ... زاد من تربيته على كتفها وهو يقول مُطمئنًا : - متقلقيش ... إن شاء الله هنتثبت قبل ما يعملو أي حاجة لا تعلم سبب عدم اقتناعها بحديثه، ليس لأنها أحست أنه يواسيها فقط، بل لأنها أيضًا تتذكر ما مرٌا به مُسبقًا وكيف انتهى بهما المطاف على عتبة الموت، تخشى أن تتكرر تلك الأحداث مُجددًا وتتسبب لهم بخسائر جثيمة، تخشى أن تواجه الموت مرة أخرى ولا تعلم كيف تُبدد هذا الخوف، فهي مُجبرة على مواجهة ما لا تُريد مواجهته دائمًا. قطع تفكيرها عينيها التي التقتطا هذا الخبر المُذاع على التلفاز؛ تجهمت ملامحها واحتُقن وجهها حتى سقط فاهها في صدمة، فهذا الخبر كان بمثابة سكينة نحرت عُنقها. - إسلام .. إسلام الحق قالتها بذعرٍ وهي تُربت على فخذ إسلام الذي كان يعبث بهاتفه غير مباليًا بما يُعرض على التلفاز، لكن ربتاتها جعلته يلتفت نحوها بعوالم متسآلة أجحمتها هي بسُبابتها المُشارة على التلفاز مع كلماتها المذعورة : - بُص بسُرعة ... مش .. مش الراجل ده إللي احنا كُنا بنراقبه امبارح ؟ جحظت عينا إسلام وهو يُمعن التحديق بهذا الخبر الذي يُعلن عن مقتل رجل أعمالٍ شديد الثراء داخل منزله الفسيح باستخدام سلاحه الخاص مما أوهم الجميع أنه مات مُنتحرًا، الجميع عداهما... - إيه الكلام ده ؟... إزاي ينتحر في نفس الوقت إللي قولنا لحرب عليه ؟ غرقت داليا في صدمتها وصمتها حتى تُفكر فيما حدث وتبدأ بربط الأحداث داخل ذهنها، المخرج السري، السلاح المجاور للفراش، عيد الميلاد !! انتهت أفكارها مع تهدج أنفاسها واحتلال السخونة لوجهها، لطمت بيدها على وجنتها بحسرة هتفت بعدها بشعورٍ من الندم والرغبة العارمة بقتل نفسها من شدة حماقتها : - يعني إحنا كُنا بنساعد قتال قُتلة !! ... ده أنا أمي هتروح فيها لو عرفت رفعت من نبرتها مع آخر كلمة لها وهي تكاد تنفجر في البُكاء، فحماقتهما أدت إلى مقتل رجلٍ في ريعان شبابه، صحيح أنهما خارج دائرة الشُبهات تمامًا، لكن يكفي شعور الذنب الذي يلتهمها من الداخل. كان إسلام في حالة من التبلم والتخبٌط هو الآخر، لكنه يرغب بالفتِك بذاك المُخادع وتلقينه درسًا، طفق يقول بأعينٍ شاردة نادمة تتحسر هي الأخرى على حالها : - ياريتني ما قولتله على الباب السري آضافت داليا على حديثه بنفس تلك الوتيرة : - ياريتني ما قولتله على البيچامة السبونچ بوب بقيا على تلك الحالة لفترة وجيزة قطعها إسلام بجدية وحزم : - إحنا مش هينفع نسكُت ... لازم نبلغ عن قتال القُتلة ده باتت نبرته غاضبة جعلت داليا تُضيف عليها ببعض الاستنتاج : - أيوة فعلًا ... أساسًا كان شكله مُختل عقليًا، تحسه كدة من الناس إللي شافت ابوها وأمها بيتقتلو قدام عينيهم فلما كبرو بقو عايزين ينتقمو ويقَتلو في خلق الله_ قطع حديثها المُندفع صوٌتًا مؤكدًا على حديثها بغُلظة : - هما فعلًا اتقتلو قُدام عيني ... انتفض جسد كلٍ من إسلام وداليا ليرتدا للوراء أمام هذا الرجل الغامض ذو العصابة السوداء والنظرات المُرعبة، وجداه يقف وراءهما مباشرة، لا يعلما من أين أتى ولا من أين يعلم عنوانهما، ما يعلمانه فقط، أن هذه روحه المعنوية التي لا يراها أحدٌ سواهما، وياليتهما ما رأياها يومًا. ازدردت داليا ريقها بهلعٍ وهي تتابع ابتسامته الشيطانية التي تبعت استرساله بالحديث : - بس أنا إللي قتلتهم زادت بسمته اتساعًا مما أكد لهما أنهما أمام مُختلٍ عقليٍ بمعنى الكلمة، اقترب إسلام من داليا وهو يهمس بأذنها بهلعٍ يتقاطر من عينيه : - يعني قتال قُتلة وقولنا ماشي ... إنما عاق كمان تجاهل حرب همساتهما ورفع قامته ليواصل حديثه الذي حمل لمحة من التهديد : - عارفين قتلتهم ليه ؟ .... لم ينبسا ببنت شفة فواصل حرب بلكنته المُختلة وهو يصوٌب عينه نحوٌهما مباشرة حتى تنطلق شُعلاته النارية وتخترق أفئدتهما : - كانو عايزين يبلغو عني .... بس ملحقوش تصبب العرق من جبهة إسلام ما إن أدرك تهديده المُبطن، فهو مُستعد لقتل أقرب الأشخاص إليه إذا كان الأمر يعترض حُريٌته. تصلبت أجسادهما كالصنم وهُما يُتابعان حرب وهو يبتعد عنهما تدريجيًا مُشهرًا أمامهما إصبعيه الاثنين مؤكدًا على تهديده قبل أن يرحل : - أنا مراقب كل تحركاتكم ... فلو حد فيكم فكٌر يفتح بوقه ويقول حاجة ... أظن عارفين إللي ممكن يحصل بصق تلك الكلمات ليختفي تدريجيًا كسرب الرياح، ما إن اختفى حتى وضعت داليا يدها على صدرها لتُهديء من روعها بينما كان إسلام يقول باستنتاجٍ بدا يقينيًا : - عليا النعمة شكله شيطان وعامل فيها بني آدم بينما أكملت داليا على حديثه بحسرة والدمع يتقاطر من عينيها : - هو إيه الهم ده ... هو احنا لحقنا نخلص من التهديد الأولاني عشان يطلعلنا التاني !! ... _____________________________ يجلس على الأريكة والوجوم يُلطخ وجهه، يحاول ترتيب هذه الأفكار والمعلومات داخل ذهنه لعله يعثر على لُغز هذه المُعضلة، كان الاختطاف فيما سبق مُدبرًا، والآن علِم أن نرمين تم القائها عنوة بينهم حتى تُدمرهم، بل أن الأمر حتى يتعلق بأصدقاءه. يعلم أن أصدقاءه ليسوا مُخبرين أو سياسيين مرموقيين، بل هُم حفنة من السُذج مهاراتهم الفكرية تكاد تكون أقل من مهارات الانسان الطبيعي، إلى أن قُدراتهم الذهنية تفوق أي شخصٍ بمراحل، ربما هذا ما يجعلهم عُرضة للخطر دائمًا، وبما أنه الوحيد القادر على حمايتهم، لذا عليه أن يبذل أكبر جُهدٍ حتى يعثر على ذاك الذي يتعقبهم ويضمر العداء لهم. قطع شروده مجيء قمر من داخل الحُجرة بعد أن بدٌلت ثيابها إلى أخرى أنيقة تحمل من البساطة ما تحمله من الجمال، كانا على وشك الرحيل من المنزل استعدادًا للذهاب إلى إسلام وداليا حيث ستبدأ عملية التثبيت، فكانت تقول وهي ترفع الحقيبة على كتفها : - يلا يا لؤي أنا جهزت لم يبدو أن لؤي استمع لها، حيث بقي على حالته الشاردة والساكنة بتلك العينان الحادتان، أدركت لوهلة أنه هناك أفكارًا تضايقه ولا يُريد إخبارها بهم، لهذا السبب تركت حقيبتها جانبًا لتجلس بجواره على الأريكة متسآلة بقلق : - لؤي ... في إيه ؟ انتبه لؤي لحديثها فآجابها بتيهٍ وهو يزيغ بعينيه بعيدًا : - في حاجات كتير أوي .... في خطر بيحوم حوالينا واحنا مش واخدين بالنا منه قطبت حاجبيها بحيرة من نبرته الغامضة وحديثه المُبهم الذي جعلها تسأل : - خطر إيه ؟... هو إنت ... هو إنت عارف حاجة ومش عايز تقولها ؟ أنهت حديثها بقلقٍ ما ان اخبرها عقلها أنهم على وشك الاحتراق بنيران الحقد والشر التي كادت تحرقهم سابقًا، وجدته يتنهد تنهيدة عميقة قبل أن يُقرر مصارحتها بعد فترة وجيزة من الصمت : - يمكن اكون عارف ويمكن لأ ... لسة مش متأكد زادت نبرته الغامضة من شعورها بالقلق مما جعلها تقول باندفاع : - يا لؤي قول دوغري فيه إيه وإلا هستخدم معاك التنويم المغناطيسي ما إن داهمته بتلك الكلمات حتى لطخ وجهه الغضب وهو يقول بتهديد : - عارفة لو التنويم المغناطيسي ده استخدمتيه عليا هعمل إيه ؟_ قطعت إجابته بكلماتٍ مُرتعدة متأسفة تراجعت بهما عن قرارها، فهي بالأساس لم تكن لتستخدمه أبدًا، خاصة معه، فهي تعهدت على عدم استخدام التنويم المغناطيسي مع أي من أفراد عائلتها حتى لا تُفقد ثقتهم بها : - عارفة ... أنا أصلًا مكنتش هستخدمه، بس كلامك ده خلاني أقلق، وإنت قولت إن مفيش أسرار بينا، فياريت بقى تقولي فيه إيه من غير لف ودوران سرق نفسًا عميقًا ثم أخرجه كمحاولة للتهدئة من روعه وهو يقول بمبُاشرة : - أنا حققت مع نرمين .... وقالت إن في حد محرٌضها زادت حيرتها بسبب حديثه مما جعلها تقول باستنتاج : - حد مين ؟... هو ده ليه علاقة بموضوع الخطف ؟ أبعد عينيه عنها وهو يؤكد على استنتاجها بشك : - أنا بردو حاسس إن الاتنين ليهم علاقة .... بس الراجل إللي حققنا معاه قال على واحد اسمه طلال ... ونرمين بتقول إنهم اتنين مش واحد ... يعني ده معناه إن طلال ده معاه شريك تاني بيساعده، أو يمكن طلال هو إللي بيساعده بقيت تُحدق به وهي تقول بصرامة : - إحنا لازم نقولهم ... أكيد إللي اسمه طلال ده هيفضل وراهم تاني وهيعوز يعمل حاجة اكبر تقدم لؤي بجذعه ليضع راحة يديه على يديها الباردتين نتيجة القلق، حاول التهدئة من روعها وهو يقول بنبرة واثقة مُطمئنة : - هما خلاص هيعملو التثبيت وهنخلص من ده كله ... وأنا هعمل كل إللي اقدر عليه عشان الاقي إللي اسمه طلال ده وإللي معاه.... ____________________________ جسدٌ مسجيٌ على أريكة طولية يتفرٌع منها العديد من الأسلاك، جسدٌ تم توٌصيله بجهازٍ عريضٍ بحجم الخزانة، هذا الجهاز يستعرض مؤشراته الحيوية وما يدور بعقل هذا المُتنقل الذي سيتم التجربة عليه، تجربة غير آدمية هدفها إرضاء شهوات السُلطة والمجد. يتحرك طلال حول هذا الجسد المسجي الذي عثٌر عليه بعد أن تتبع سجلات من وٌلدوا بنفس اليوم الذي وٌلد به إسلام وداليا وغيرهم من المُتنقلين، تلك الطريقة التي ستسمح له بالعثور على مزيدٍ من المُتنقلين غير هؤلاء الحمقى، لكن البحث لم يكن سهلًا كما توٌقع، فأغلب من وٌلدوا بنفس اليوم أما لقوا حتفهم أو مجهولي الهوية أو هاجروا من البلاد، قلة قليلة منهم فقط هُم من تبقوا ليُشكل بهم مجموعة من المُخبرين السريين لعلهم يستطيعون العثور على وثائق الدولة السرية، مما سيسمح له بتنفيذ بقية خططه الماكرة بسهولة ويُسر. يقف بجواره أحد الأطباء يحمل معه قِنينة زُجاجية صغيرة من المياه ليدثر بداخلها نصلُ رفيعٌ ثم يجذبه حتى يدخل هذا السائل جوف هذه الحُقنة، قرٌب النصل على ذراع الرجل متجاهلًا ارتجافة جسده والعرق المُتصبب من جبينه نتيجة الخوف، متجاهلًا حتى دموعه المُنهمرة وحركاته العشوائية التي خمدت مرة واحدة بسبب هذا المُخدر الذي من شأنه تسكين حركة الجسد وإصابته بالشلل لفترة. ابتعد الطبيب عن جسد المُتنقل ليتجه صوٌب الجهاز ويُمعن التحديق بأزراره مُتنظرًا تعليمات طلال الذي بدأ يدور حول جسد المتنقل الذي كان يتوٌسل بدموعٍ مُنهمرة : - إنتو عايزين مني إيه ؟... والله هعملكم إللي انتو عايزينه بس سيبوني رماه طلال بقهقهاتٍ ماكرة أنهاها بيديه اللتان ربتتا على كتِف الرجل المسجي أثناء قوله : - ما إنت هتعمل ... بس بمزاجنا لم يفهم الرجل المغزى من حديثه حيث بدأ جسده بالانتفاض والاهتزاز إثر هذه الشُحنات الكهربائية التي تغلغلت كيانه، بقي جسد الرجل ينتفض وينتفض حتى آشار طلال على الطبيب أن يتوٌقف كي يسأل بصوٌتٍ جهوري : - اسمك إيه ؟ حاول الرجل التقاط أنفاسه وهو يٌجيب بتقطعٍ : - زيـ.. زياد الدهشـ... الدهشوري لاح الغضب على وجه طلال وهو يُشير مُجددًا للطبيب ليُنفذ تعليماته ويضغط على مكابس هذا الجهاز مُجددًا؛ انتفض جسد الرجل وبدأت أصوات الألم تنبعث من جوفه بكُتمان، تحوٌل وجهه إلى كُتلة من اللهب من شدة احمراره وسخونته، برزت عروق وجهه وازدادت قطرات العرق على جبهته نتيجة هذا الألم المُميت، كان البارحة يجلس بسلامٍ بين أصدقاءه، يمزح معهم ويسخر من المارة دون أن يعلم أن الحال سينتهي به في تلك الحُجرة وهذا العذاب. أوقف الطبيب ما يفعله ما إن تلقٌى إشارة أخرى من طلال الذي ازدادت الحدة على وجهه وهو يسأل بنبرة متوٌجسة مُرتفعة : - اسمـــك إيـــه ؟ لم ينبس الرجل ببنت شفة وبدأت الدموع تنهمر على وجنتيه تلقائيًا، يخشى أن يخبره باسمه فتزداد حدة هذه الكهرباء التي لا يعلم ماهيتها ولمَ يحدث معه هذا ؟ فهو يعلم أن له قٌدرات خارقة، لكنه يقسم أنه لم يستخدمها لأذية ولو نملة. تصاعدت أنفاسه بتثاقلٍ وبدأت حرارة جسده بالارتفاع وكأن الطاقة تكاد تجعله ينفجر، بقي جسده في حالة الارتجاف ودموعه لا تتوٌقف عن الانهمار وهو يُطالع طلال بُرعب ويستمع لسؤاله دون أن ينبس ببنت شفة : - اسمك ... إيه ؟ حاول الرجل التهدئة من روعه وهو يصرخ بنفاد صبر : - إبــعد عني ... إنت عايز مني إيه ؟ أكدت كلماته على أن ما يُريده طلال لم يحدث بعد؛ هذا ما زاد غضبه أضعافًا مما جعله يقبض على يده حتى ابيضت مفاصله ويتجه بعدها صوٌب الطبيب هاتفًا بأمر : - شـــغٌل ... وعلٌي الفولت تابع الطبيب المؤشرات الحيوية بقلقٍ جعله يقول : - بس يا طلال بيه مش هـ_ قطعه طلال بنبرة صاخبة آمرة : - قولتلِك علٌي الفولت استجاب الطبيب لأمره عنوة وعاد ليجلس أمام الجهاز مُحركًا أصابعه بإرغام حتى رفع المِقبس لآخر درجة؛ عادت الاهتزازت تغمر الرجل وصوٌت تألمه قد ازداد أكثر، يحدث كل هذا أمام نظرات الطبيب القلقة والخائفة ونظرات طلال الحادة الخالية من أي مشاعر، فهو على استعداد لتنفيذ رغبته دون أن يكترث بالآخرين. بقيت الاهتزازت تزداد وتيرتها حتى اختفت أصوات الألم وحلٌ محلها السكون التام؛ أغلق الطبيب الجهاز بُسرعة لتخمُد حركة الرجل تمامًا ويتحوٌل وجهه إلى الشحوب، وضع الطبيب يده على رقبة الرجل ليتحسس نبضه ويرى سبب سكونه واختفاء معاني الحياة من وجهه. زادت ضربات الطبيب وهو يبتعد عن الرجل متفوٌهًا بخوف : - مـ...مات ما إن بصق تلك الكلمات أمام طلال حتى شعر وكأن القُنبلة ستنفجر توًٌا، قبض طلال على يده أكثر حتى كادت الدماء تخرج منها، ضرب بيده على الحائط ضربة كادت تُحدث فجوة تتسبب بتهشُم عظامه، بقي يسب ويلعن هذا الحظ بغضبٍ ثم التفت نحو الطبيب باصقًا آخر أوامره بغُلظة وعدم اكتراثٍ لهذا الذي فقد حياته بسببه. - قول للرجاله يرمو الجُثة في أي مُكنة ترك الحُجرة بعدها ليُصفع الباب وراءه حتى كاد ينفصل عن جِدار المنزل، بقي يواصل العدو في ممرات المعمل السري حتى اقتحم حُجرة كان يجلس شريكه بداخلها يحتسي فنجانًا من القهوة بهدوء. لاحظ داغر تلك العاصفة الهوجاء التي اقتربت نحوه وآراد أن يفهم سبب غضبه؛ وضع فنجان القهوة جانبًا ليتسآل بفضول : - حصل إيه ؟... هي الرجالة لسة ملقتش مُتنقلين ؟ لم يكن طلال قد أخبره بما ينوي فعله حتى ينسب الإنجاز لنفسه فقط، وحتى لا يسخر منه داغر بسبب فشله، هذا ما جعله يتحلٌى بالصمت تاركًا المجال لغضبه وشعوره بالفشل أن يُسيطر عليه. اعتدل داغر في جلسته مُردفًا بتهكم : - ما أنا قولتلك خودهم وخلاص ... لازم يعني تسوٌيهم على نار هادية زادت كلماته من غضب طلال مما جعله يهتف بتحدٍ وأعينٍ تزيغ بعيدًا في عالمٍ آخرٍ حقق فيه آماله : - كُنت عايز اديلهم فُرصة ... بس شكلهم مش عايزين الفُرصة دي أنهى حديثه وهو يُخرج جواله على أحد الأرقام حتى يُجري مُكالمة شديدة الأهمية، وربما تُساعده على تنفيذ مُخططاته.... ___________________________ انعكست صورته على المرآة وهو يُصفف شعره بعناية كما لو كان يتجهٌز لزفافه، وضع مُصفف الشعر جانبًا ليُغلغل أصابعه بين خُصلات شعره الكثيفة البُندقية حتى يُعيدها للوراء بحركة أشبه بحركات الممثلين الأتراك بمُسلسلاتهم، رسم بسمة مُتبهنسة على المرآة قبل أن ينثر العِطر على قميصه ويستعد لترك المنزل حتى يذهب إلى وظيفته، فهو قد وجد وظيفة أخرى بخلاف وظيفته في المِلهى وكان هذا أول يومٍ له، ربما ليست وظيفة مرموقة أو مُناسبة، لكنها تقضي الغرض حتى يعثر على غيرها. قطع حركته صوٌت الهاتف الذي أخذ يهتز داخل جعبته؛ توقف عن السير ليلتقط الهاتف ويُجيب على ذاك المُتصل الذي آصابه بالغضب، هذا الصوٌت الذي اخترق أذنه من الجهة الأخرى كان كفيلًا بجعله مُقبلًا على تدمير دولة بأكملها. - عايز إيه ؟ سأله ميجو بوجومٍ وغلٍ ليُجيبه الطرف الآخر بجحافلٍ من الشيطانية والمُكر الذي اعتادهما دائمًا : - قدامك أربعة وعشرين ساعة تنفذ فيهم إللي هقولِك عليه ... وإلااا_ قطعه ميجو بجرأة تلبسته نتيجة رغبته العارمة بالتحرر من ذاك السجن الذي وضع نفسه بداخله، فكان يهتف بحدة ونبرة تُزلل أي أحدٍ فيما عدا طلال : - وإلا إيه ؟... لتكونش فاكر إني عيِل سيس وهخاف من التهديدات بتاعتِك !! رسم بسمة ساخرة ومُستخفة بذات الوقت، فهو أدرك توًٌا أن الطريقة المُثلة لمجابهة أمثاله، هي أن يتصرف بنفس الطريقة التي يتصرف بها، أي يمتهن الاستخفاف بعدوٌه كلما سنحت له الفُرصة، كاد يشتعل طلال من حديثه لكنه لم يُبدِ قيد أنملة من غضبه وقرر المحافظة على لكنته الهادئة المُهددة وهو يقول : - شاكلِك كدة مستغني عن روحِك ... ومستغني عن الـ_ قطعه ميجو مُجددًا قاصدًا إظهار عدم الخوٌف في صوته وهو يقول بصرامة وصوٌتٍ زلزل الجبال من قوٌته : - أنا مبخافش غير من إللي خلقني ... وتهديداتك دي ولا تسوٌى عندي بنكلة .... ويكون في عِلمك بقى .... المكالمات إللي بينا كلها متسجلة، يعني لو أي حاجة حصلت لشمس ولا لأي حد اعرفه هيكون آخر يوم في عُمرِك .... وياريت تنسى الرقم ده بعد كدة عشان دي آخر مرة هحذرك فيها أدلى تلك الكلمات ببعض الاندفاع الذي حَمل كتلة من غضبه، فما إن أفضى ما بجعبته حتى شعر وكأن حِملًا ثقيلًا انزاح عن كاهله، أصبح الآن حُرَا كالعصفور الطليق، لكنه مع ذلك يُداهمه بعض الندم وكأن تلك الكلمات كانت نتيجة غضبه ليس إلا، داهمته أفكارًا متعاركة تُخبره أن ما فعله ضربًا من الجنون، فمن هو حتى يتحدٌى شخصًا كطلال ؟ سُرعان ما نفض هذه الأفكار عن ذِهنه وقرر نسيان ما حدث ومواصلة حياته بهدوءٍ دون أن يخشى نعته بخائنٍ. أما على الجهة الأخرى، حيث جمراتٍ من اللهب تتقاذف من عيني طلال التي اشتعلت بنيران التوٌعد، كان يقبض على الهاتف بقوة كادت تجعله يتهشٌم، من يظن نفسه هذه الحشرة حتى يُفكر بعِصيان أوامره ؟ وكيف يجرؤ على مُهاتفته بتلك الطريقة الوقحة ؟ لاحظ يدانٍ جافتان توٌضعان على كتفه من الوراء يليها صوٌت داغر المُتهكم : - واضح إنك عارف تظبط أمورك اندفع طلال بوجهه وكأن تهكمات داغر كانت كالقشة التي قصمت ظهر البعير : - هدفعهم التمن ... هوٌريهم يعني إيه يعصو أوامري ... مش أنا إللي حبِت عيال زي دول يتفرعونو عليا ربت داغر على كتفه محاولًا موٌساته وهو يتذكر ما حدث في ماضي ورغبة طلال المُستميتة للقضاء عليهم، فهو لا يسعى فقط للسُلطة، بل هُناك شيءٌ آخرٌ يجعله يضمر العداء لهؤلاء الرُعناء من وجهة نظره. - عارف إنك عايز تنتقم لضُرغام وتحافظ على المُنظمة ... بس الموضوع مش بييجي كدة .... لازم تتعلم الهدوء عشان تقدر توٌقعهم واحدة واحدة أبعد يداه عن ظهر طلال كي يُنهي الحديث بشرٍ دفينٍ ومُكرٍ ظاهرٍ للعيان : - ولو على الجاسوس بتاعِك إللي سابك في النُص ... فمتقلقش ... أنا هدفعه التمن .... ____________________________ ها قد أتت تلك اللحظة المُنتظرة، لحظة تجمٌعهم داخل المنزل استعدادًا لبدء تجربة التثبيت، كانوا ينقسمون إلى مجموعة من الفرق، داليا ورفاقها يجلسن على الطاولة يتحدثن في شتى الأمور حالما ينتهي إسلام ومخيمر والحسن بوٌضع الأجهزة وتثبيتها بمُساعدة من مُعتز ولؤي، وإحسان يجلس على إحدى الأرائك يتسامر مع سُمية بمرحٍ وابتساماتٍ مُتلهفة، كما انفرد جابر بعيدًا ليشرُد في عالمٍ آخر مليء بخيبات الأمل والضيق، فهو لا يُريد التثبيت ويريد الاحتفاظ بتلك القُدرة، لكن هذه التهديدات التي باتت تُهاجمه ستدفعه عنوة لإجراء عملية التثبيت حتى تسري حايته في سلامٍ ويُسر. أحس بأحدهم يجلس بجواره على الأريكة يحاول إخراجه من تلك العُزلة وتشجيعه ليضحى جاهزًا، فلم يكن هذا سوى خالد الذي بدأ حديثه بطبيعته المُتملقة والحكيمة : - ما بكِ أيها الفتى ؟ بقيت نظرات جابر تزيغ بشرودٍ حتى آجاب بنبرة باهتة : - مفيش ... أنا بس .... معاوزش أعمل كدة ... معاوزش اتخلٌى عن الحاجة الوحيدة إللي اقدر اعملها أنهى حديثه بيأس ليرد عليه خالد بصوٌته الهاديء : - كيف لا تقدر على شيءٍ آخر وأنت تُدير مِتجر بقالة وتقفز كالقِردة ؟ أنهى حديثه بمُزاحٍ مُتعمدٍ لم يؤثر بجابر ولو قيد أنملة، فهو لا يزال يشعر وكأنه عديم الفائدة حتى بعد أن هجر حياته السابقة وافتتح مِتجرًا للبقالة بمُساعتدهم، أي أنه بدونهم كان ليبقى كالخُردة البالية التي لا أهمية من وجودها، فكان يقول بخزيٍ : - بس أنا كُنت عاوز أكون حاجة كبيرة ومُميزة .... هعملو كدة ازاي من غير ما تكون عندي حاجة تميِزني ؟ همهم خالد بتفهمٍ ليبقى في حالة وجيزة من الصمت الذي قطعه مُستنتجًا : - إذا ... أنت تُريد النجاح أليس كذلك ؟ لم يُجبه جابر واكتفى بإيماءة هادئة أعربت عن تأكيده لاستنتاج خالد. أحس بذراع خالد تُحاوطه بوٌد تبع كلماته الحكيمة : - إذا فلتستمع لتلك النصيحة .... إذا أردت الفِلاحة ... فلتتحمل المِلاحة قطٌب جابر حاجبيه وهو يُمعن التفكير بتلك الحُكمة التي علٌق عليها بسؤالٍ : - الفِلاحة دي إللي جاية من الفُلح ؟ ما كاد يُجيبه خالد حتى داهمهما صوٌت إسلام الذي نادى على جابر حتى يدلف الحُجرة استعدادًا للتثبيت... داخل الحُجرة كان يجلس الحسن على الأرض يُحاول حلٌ عُقد الأسلاك وتثبيت الأجهزة بطريقة صائبة، كان يُساعده في ذلك مُعتز بينما كان مخيمر يقرأ بعض التعليمات ويحاول تطبيقها في ذهنه قبل أن يُطبقها فعليًا، وكان لؤي على جهة أخرى يحاول ضبط المقاعد التي ستوٌصل بأجهزة التثبيت، حيث يوجد بالحجرة مِقعدين كافيين لمن سيقوم بعملية التثبيت. يقف إسلام على آخر ركنٍ بالحُجرة يُراقب ما يفعلونه في صمتٍ وتبهنسٍ كما لو كان ملكًا يُشاهد رعيٌته ينهمكون بالعمل لأجله. - في إيه يا حسن ؟... كل ده بتفُك في الأسلاك ؟ سأله بتهكمٍ ليبتعد الحسن عما يفعله حتى يوٌبخه بغضب : - يا بني آدم أنا قولتلك مليون مرة إن اسمي .. الـ..حسن كادت النيران تنبثق من عينيه مع كلماته مما جعل مُعتز ينتبه لغضبه ويُحاول التهدئة من روعه بقوله : - معلش يا حسن سيبك منه زادت كلمات مُعتز من زمجرة الحسن وغضبه حتى التفت نحو مُعتز لينقل غضبه بأعينٍ أشبه بعيني التنين المُجنح وهو مُقبل على نثر النيران من جوفه : - يووه .... أنا اسمي الحسن ... الـ..حسن ألقى الحسن ما يحمله من أسلاك على الأرض بغضبٍ تزامنًا مع ارتداد جسد مُعتز للوراء خوفًا من نبرته الصارخة والتي انتهت بنزيفٍ حادٍ من أنف الحسن بسبب مرضه؛ وثب بعدها عن الأرض ليُجفف أنفه ويأخذ أدويته بينما كان مخيمر يقترب نحو إسلام كي يُخبره بثقة : - كدة خلاص كل حاجة جاهزة ... سُمية وإحسان هيبدأو الأول مش كدة ؟ أومأ إسلام إيجابًا وهو يقول : - أيوة ... وبعديهم جابر، وأنا وداليا هنكون في الآخر أومأ مخيمر بموافقة ليطلب منه أن يأتي بسُمية وإحسان وكذلك جابر وداليا ويطلب منهم ولوج الحُجرة... صوٌته الناشز غير المُتناسق كاد يجعل جُدران المنزل تتهدم والحشرات تفر مذعورة من هذا الصوٌت، فكان هذا إحسان يتغني بصوٌته الناشز كما لو كان مُطربًا مشهورًا، وأمامه سُمية تستمع إليه عنوة وتُغني معه من فترة لأخرى حتى تُغطي على صوٌته. - سحرتني ولا سحرتلي ... سحرتنــي ولا سحرتلي ... وعيون مش محتاجة تسحرلي ... وعيون مش_ قطع غناءه صوٌت إسلام الذي وثب ليقف جواره مناديًا : - إحسان ... يلا ادخل إنت وسُمية ضمٌ إحسان أنامله وهو يرفعها نحو إسلام متفوٌهًا برجاء : - ثواني بس اكملها الكوبلية ثم التفت مجددًا صوٌب سُمية ليواصل غناءه الناشز : - مش عايزة تسبني بس سابتنــي ... نسيتني وفـ_ ولثاني مرة قطعه إسلام وهو يجذبه عنوة ويقول ساخرًا : - اخلص يا عم عندليب .... أومل لو كان صوتك حلو كنت عملت إيه ؟ كان سيُعارضه إحسان لكنه اكتفى بالزمجرة والصمت أثناء دخولهم لحُجرة التثبيت استعدادًا لمرحلة حاسمة وتجربة نهايتها مصيرية.... ____________________________ مقعدان وثيران انتصفا الحُجرة وعليهما تجلس سُمية وكذلك إحسان على المِقعد المجاور لها، تُحرك سُمية نظراتها حتى تتقابل مع إحسان لترسم له ابتسامة هادئة مُتلهفة كما كان يُبادلها هو الآخر حتى أتى الحسن ليوٌصل الأجهزة برأسيهما وأصابع أيديهما. تقف داليا بجوار إسلام تُقرٌب كفيها نحو فمها بضربات قلبها المُتصاعدة وفمها الذي لم يتوقف عن الدعاء كما يفعل جميعهم، جلس الحسن أمام الأجهزة ووثب مخيمر وراءه حتى يُملي عليه التعليمات، حرٌكت سُمية رأسها بعيدًا عن إحسان لتوٌجهها نحو السقف وتبدأ بأخذ أنفاسٍ طويلة لعلها تُهديء من روعها وتُزيح هذه الأفكار السوداء التي بدأت تنازحها. أغلقت عينيها بهدوءٍ كما فعل إحسان هو الآخر أثناء دعاءه المُنخفض بمرور تلك التجربة على خير... ضغظ الحسن على أحد الأزرار وبدأ يعبث ببعض المُحركات حتى أصدر الجهاز صوٌتًا خافتًا يُشبه صوٌت الرياح العاتية، كان الوضع هادئًا في باديء الأمر حتى بدأت أجسادهما بالاهتزاز تباعًا وكأنهما يتعرضان لصاعقة كهربائية... لم يبدو أنهما يشعران بالألم، فكانت أصواتهما ساكنة وأنفاسهما تبدأ بالانحدار والخفوت تدريجيًا حتى .... بعد بضع ثوانٍ، خفتت حركة جسديهما تمامًا، أضحيا كجُثة هامدة لا حياة بها، بل وشُحبت وجوههما أيضًا مما أوقد نيران القلق داخل بقيتهم، فهذا بالضبط ما حدث لبطة في أول تجربة للتثبيت، هكذا انتهى بها المطاف مسجونة في عالم الأرواح لعدم مقدرتها على العودة إلى جسدها مرة أخرى بسبب تجربتهم للتثبيت عليها. شُحبت وجوههم واختفت الألوان من معالمهم وهم يقتربون بخُطى مُرتجفة صوٌب إحسان وسُمية لعلهما يستشعرا بصيصًا من الأمل، لكن ما وجداه وما خيَب آمالهم هو الصمت ... الصمت والسكون التام حتى.... انتفض الجسدان مرة واحدة لتستيقظ سُمية أولًا وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة كما فعل إحسان هو الآخر؛ عادت البسمة على وجوههم وبدا أن تجربة التثبيت هذه المرة _بعد أن أجري عليها بعض التعديلات_ كانت ناجحة؛ اتسعت بسمة داليا وعادت ضربات قلبها تنتظم بعد أن شعرت وكأنها ستنهار باكية، هرول الجميع نحو إحسان وسُمية حتى يسآلانهما بلهفة ورغبة في الاطمئنان عليهما : - إنتو كويسيين ؟ كان هذا سؤال قمر الذي آجابه إحسان ببسمة واسعة : - أه كويسيين .... أغلق إحسان عينيه ليحاول التحرر من جسده ليتأكد أن التجربة قد أتت ثمارها، بقي يضغط على ذهنه وجسده لعله يتحرر كما يفعل سابقًا، لكن لحُسن حظه، كان التنقل هذه المرة مُستحيلًا، أي أن التجربة ناجحة... اتسعت بسمة إحسان وهو يقول بلهفة وسعادة : - نجحت ... التجربة نجحت، مبقتش مُتنقلة أخيرًا قالها بسعادة وهو يرفع يديه لأعلى بانتصارٍ رغم النظرات الحائرة المصوٌبة نحوه، فلماذا يُحادث نفسه كفتاة ؟ أما عند سُمية، فكانت نظراتها واجمة جاحظة وهي تُحدق بجسد إحسان وتقول بقلق : - سـ.. سُمية ... يا سُمية ما إن قالت هذا الاسم حتى التفت إحسان نحوها لتزداد عوالمه وجومًا ما إن راقب وجهها؛ بدأ يتحسس عوالم وجهه بذهولٍ والصدمة تكتنفه، بل تكتنفهم جميعًا. - هو إيه العك ده .... أنا إزاي دخلت هنا ؟؟ تبادلت نظراتهم في تيهٍ وقلقٍ حتى قطعت داليا هذا الصمت بذعر : - هو إنتو ... اتبدلتو !! كان الصمت سيَد الموقف وكلاهما يُبادلان نظراتهما في صمتٍ قطعه إسلام هذه المرة باقتراح : - طب جربو كدة ترجعو تاني ؟ حاولت سُمية التي اخترقت جسد إحسان الاستجابة لحديثه فأغلقت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا، بقيت تضغط على جسدها بكُل ما أوتيت من قوة إلى أن تحوٌل وجهها إلى اللون الأحمر، ولازالت بعد هذه المحاولات المُستميتة داخل جسد إحسان، رفعت رأسها نحوهم وهي تقول بخيبة أملٍ وحسرة على حالها : - مش عارفة ... مش عارفة ارجع لجسمي تاني.... يُتبع 💕❤ ____________________________ تطورات القضية 1- 80% من السُكان في غزة يواجهون مجاعة قد توٌدي بحياة بعضهم بحلول العام المُقبل إذا استمر الوضع على ما هو عليه. 2- ألاف المُتظاهرين في الأردن تضامنًا مع فلسطين بعد اغتيال صالح العروري. 3- الحرب بين الفصائل والصهاينة تسببت بإعاقة نحو 12 ألف و500 جُندي اسرائيلي. 4- مقتل شاب فلسطيني 17 عامًا بغارة اسرائيلية ببيت ريما شمال غرب رام الله بالضفة الغربية. 5- الرئيس التنفيذي لماكدونالدز يعترف بتضرر مبيعاتهم في الشرق الأوسط بعد المُقاطعة. 6- وفاة الصحفي حمزة الدحوح ابن وائل الدحدوح صحفي قناة الجزيرة بقاذفة اسرائيلية استهدفت خان يونس جنوب غزة... ( لا تنسوا القضية ) ___________________________ ياريت تقولولي رأيكم في الفصل وفي الرواية بشكل عام ولو في أي غلطة إملائية نحوية أي حاجة مأخدتش بالي منها ياريت تقولولي وياريت بردو لو في أي نقد على رواية تقولولي عشان احسن نفسي بعد كدة... وأخيرًا وليس آخرًا، متنسوش الفوت 🥰

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرواح ضائعة " أرواح متنقلة 2 "

المؤلف نوران أشرف محمد
2024/06/15 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 0: المقدمة
2024/06/15
الفصل 17: الفصل السادس عشر ( النصف الآخر )
2024/06/15
الفصل 18: الفصل السابع عشر ( ضيوف غير مُرحب بهم )
2024/06/15
الفصل 19: الفصل الثامن عشر ( بداية المعركة )
2024/06/15
الفصل 20: الفصل التاسع عشر ( تبادل )
2024/06/15
الفصل 21: الفصل العشرون ( كشف المستور )
2024/06/15
الفصل 22: الفصل الحادي والعشرون ( مكبلًا بالأغلال )
2024/06/15
الفصل 23: الفصل الثاني والعشرون ( عفريت !! )
2024/06/15
الفصل 24: الفصل الثالث والعشرون ( البوابة !! )
2024/06/15
الفصل 25: الفصل الرابع والعشرون ( أوقعهم العدو )
2024/06/15
الفصل 26: الفصل الخامس والعشرون ( جسدٌ بلا روح )
2024/06/15
الفصل 27: الفصل السادس والعشرون ( العين بالعين والسن بالسن )
2024/06/15
الفصل 28: الفصل السابع والعشرون ( التثبيت )
2024/06/15
الفصل 29: الفصل الثامن والعشرون ( النهاية )
2024/06/15
الفصل 30: أرواح ضائعة ( الخلاصة )
2024/06/15
الفصل 16: الفصل الخامس عشر ( مشفى المجاذيب )
2024/06/15
الفصل 15: الفصل الرابع عشر ( عصيان نتيجته الدمار )
2024/06/15
الفصل 1: ملخص الفصل الأول
2024/06/15
الفصل 2: الفصل الأول ( عد تنازلي )
2024/06/15
الفصل 3: الفصل الثاني ( قرار إجباري )
2024/06/15
الفصل 4: الفصل الثالث ( طلق !! )
2024/06/15
الفصل 5: الفصل الرابع ( عودة الأخ الضال )
2024/06/15
الفصل 6: الفصل الخامس ( تصفية حسابات )
2024/06/15
الفصل 7: الفصل السادس ( لن تخرج حيًا )
2024/06/15
الفصل 8: الفصل السابع ( خائن !! )
2024/06/15
الفصل 9: الفصل الثامن ( قطعة ناقصة )
2024/06/15
الفصل 10: الفصل التاسع ( لصوص )
2024/06/15
الفصل 11: الفصل العاشر ( وقع بين يديه )
2024/06/15
الفصل 12: الفصل الحادي عشر ( اختطاف جماعي )
2024/06/15
الفصل 13: الفصل الثاني عشر ( جاسوس )
2024/06/15
الفصل 14: الفصل الثالث عشر ( ضربة أفقدته الوعي )
2024/06/15
الفصل 31: الرواية الجديدة
2024/06/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة