بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم بسطوة جبروت قهرك، وبسرعة إغاثة نصرك، وبغيرتك لانتهاك حُرماتك، أنصرنا ووحد صفوف المُسلمين " لا تنسوا الدُعاء لأهالي فلسطين 🤲 ___________________________ كذب من قال أن البشر يفهمون بعضهم، فتلك الكلمات التي نتواصل بها سويًا، ما هي سوى جرامًا صغيرًا مما تكنيه أفئدتنا، ولو استطعنا قراءة ما بجحرونا، ربما تقل الانقسامات بيننا، أو تتزايد... فقد اتصاله بالواقع ولم يجد أمامه سوى الماضي الذي أضحى غارقًا به، تعود ذكرياته إلى كونه مراهقًا بالرابعة عشر من عُمره يتدثر خلف الستار بقلبٍ مكلومٍ وغصة مريرة تتكوٌن بصدره، يرمق والده بعينينٍ تشتعلان لهبًا عازمًا على الفتك به، لكنه كالعادة، يبقى ضعيفًا مذلولًا، يرى تلك اليد المُدللة الوقحة بالنسبة له وهي تعبث بعُنق والده وتلتصق بجسدها العاهر على صدر ما رسم نفسه والدًا عليه، من يحمل اسمه ببطاقته ويرغب بتغييره دائمًا، فوالده ما هو سوى زيرٌ نساءٍ حقير. تزداد نظراته اشتعالًا حتى انقبض صدره وبدأت دموع الحسرة تترقرق على عينيه خاصة وهو يُتابع والدته المُنهارة أمام والده وزوجته الراقصة، فكان صوتها مبحوحًا امتزج بدموعها الحارقة وهي تقول : - بعد كُل إللي عملته معاك يا محمد ... عايز ترميني أنا وابنك في الشارع ؟ كذب والده حديثها بوضاعة : - وأنا قولت إن حد فيكم يمشي ... أنا بقولك إن تيتي بقت مراتي، وليها حق في البيت ده زي ما ليكي ... استمر الجدال بينهما وصوت تلك العاهرة يخترق أذنه ويجعل الرغبة بقتلها وقتل والده تتغلغل بداخله أكثر، انتهى جدال والديه بكلمات محمد القاسية التي أخبر بها زوجته أنه سجل جميع ممتلكاته باسم زوجته الجديدة حتى يستطيع تزوجها، ممُتلكاته التي كانت والدته سببًا بها.... تلك الحقائق كانت ثقيلة على والدته المسكينة والتي سقطت مغشيًا عليها بعد أن داهمها قلبها الضعيف بسكتة قلبية لعدم تحملها ما حدث؛ هرول مُعتز نحوها بصدرٍ مكلوم وجوفه يصرخ باسم والدته تارة ودموعه تنهمر تارة أخرى... بقي شريط الذكريات يُعرض أمام عينيه حتى انتقل إلى بضعة أيامٍ بعد تلك الواقعة، أيامًا كانت سوداء بالنسبة له، فبعد وفاة والدته وهو يقبع بحُجرته مُحتضنًا ركبتيه مُتذكرًا كلماتها الحنونة، ومُتذكرًا أيضًا السبب فيما حدث لها، اشتعلت النيران بعينيه مما جعله يثب عن الفراش بنيرانٍ مُتقدة ورغبة عارمة بالصُراخ، فلم يعد يتحمل الصمت أكثر، خاصة وهو يرى والده يتصرف بطبيعية ويُداعب زوجته الجديدة دون أن يكترث لتلك التي أفقدها حياتها بدمٍ بارد. تحركت قدميه صوٌب والده بأعينٍ حمراء مُلتهبة حتى توقفت أقدامه أمام والده الجالس على أريكة البهو مُحتضنًا تلك التي تزوجها، بقي مُتصلبًا أمام هذا المشهد ونظرات الاشمئزاز تلوح على وجهه وتجتمع مع غضبه الخثيم، لاحظ محمد وثوبه فآشار عليه متفوٌهًا : - مالك يا بني واقف كدة ... تعالى اتفرج معانا على الفيلم قالها بطريقة بدت ودودة لكنها بالنسبة لمُعتز أشبه بسكاكين حادة تجعله يزداد غضبًا، دعمٌت تيتي حديثه بقولها المائع : - ما تيجي يا عنيا ... ولا هتفضل لابسلنا وش الخشب ده علطول كانت كلماتها كالقشة التي جعلت قُنبلته تنفجر أمام كليهما، كبت على شفتيه بغلٍ دفين حتى اندفع كالليث يُلقي وعاء البوشار على الأرض بعُنف أدى إلى تهشم الصحن للعديد من القطع، انتفضت أجسادهما بسبب صوت التهشم الذي تبعه مُعتز بصُراخٍ غاضب : - إنت قتلت ماما .... أنا بكرهك تذمرت تيتي من تصرفاته الوقحة _ بالنسبة لها_ وهذا ما دفعها لتتحدث مدافعة عن زوجها من اتهاماته الباطلة : - في إيه يا حبيبي ... أمك ماتت قضاء وقدر _ قطعها محمد بإشارة من يده حتى تصمت ثم توٌجه بحديثه صوٌب مُعتز محاولًا تهدئة غضبه الكفيل بإحراق الأخضر واليابس : - مُعتز ... إنت دلوقتي راجل وعارف إن مامتك ماتت بأزمة قلبية_ قطع مُعتز حديثه بصُراخٍ ازدادت وتيرته وامتزجت بدموعه المُنهمرة : - كداب ... إنت السبب ... إنت عارف إن عندها القلب ومش هتستحمل إللي عملته ... إنت السبب... انسابت عبراته على وجنته لكن والده كانت ملامحه جافة لا تحمل أيًا من الندم وكأنه لا يعنيه ما حدث، ولا يهتم بما يشعر به حتى، كل ما آراده هو الحصول على المُتعة واللهو ولن يسمح لأي أحدٍ أن يعبث بمِزاجه حتى ولو كان ابنه؛ جذب ذراع تيتي حتى تثب عن الأريكة استعدادًا لدخول الحُجرة، أدلى آخر كلماته بجفاء أمام نظرات مُعتز ودموعه المُنهمرة : - لآخر مرة هقولك ... أمك ماتت موتة ربنا ... ولو لسة فاكر إن أنا السبب ... فاتفلق .. مش عيَل زيَك إللي هييجي يعلمني الأدب.... التفت برأسه نحو تيتي ليهدر بدلالٍ وكأنه بدٌل شخصيته إلى أخرى عابثة لعوبة : - يلا تيتي نكمل سهرتنا في الأوضة ... ابتسمت تيتي بميوعة وتبعته ليصعدا السُلم تزامنًا مع هِتاف محمد بصوتٍ آمر : - هياتم ... تعالي لمي إللي وقع... تابعته نظرات مُعتز المُشتعلة خاصة مع تبلد مشاعره وعدم اكتراثه لما فعل، صحيح أن والده لم يُعنفه ولم يعامله بقسوة، لكنه كان يفعل الأسوأ، كان يقتله يوميًا بالبطيء، وكما قُتلت والدته بسببه، سُيقتل هو الآخر بسبب هذا الإهمال والعذاب، يرى والده يوميًا مع تلك الراقصة التي لا تهتم بوجوده ولا تهتم سوى بالثروة التي ستجنيها، أخذت مكان والدته وسرقت جميع ممتلكاتها بسبب والده الحقير، كل تلك الأفكار زادت غضبه وجعلته يتجه صوٌب حُجرة الطعام بخطواتٍ سريعة مُنتهزًا عدم وجود الخادمة في الجوار، انتشل السكين الموضوع على الطاولة وقبض عليه عازمًا على الانتقام لوالدته وتخليصه من هذا العذاب، كل ما آراده هو نحر عُنق والده الذي تسبب مرارًا ببكاء والدته وتسبب كذلك بتدمير حياته. تحرك خطوة واحده خارج حُجرة الطعام لكن قدماه توقفتا مرة واحدة وكلمات والدته بدأت تزوره وهي تجلس معه في حُجرته حينما كان بالتاسعة من العُمر. - زيزو ... مهما حصل، إياك تأذي حد، حتى لو هُما آذوك... خليك أحسن منهم، دافع عن نفسك أه ... بس إياك تأذي حد، ربنا هو إللي هيحاسبهم مش إنت ارتجفت يداه وهو يحمل السكين وانزلقت الدموع على وجنتيه مع تلك الكلمات التي تتردد بعقله، أدرك أن شيطانه كاد يسوقه للتهلكة لولا طيف والدته وكلماتها التي أنجدته، علِم وقتها أن لا مكان له هُنا، فوجوده يزيد من غضبه، ربما استطاع التحكم بنفسه الآن، لكنه لن يستطيع فعل ذلك فيما بعد؛ سرعان ما ترك السكين مكانه على الطاولة ليهرول بسرعة خارج حُجرة الطعام مُتجهًا لحُجرة نومه، أخرج الحقيبة الجلدية ووضعها على الفراش ليملأها بأوعيته ومُسلتزماته، كانت حركاته سريعة حتى توقف عند صورة والدته، بقي يتطلع لتلك الصورة لبرهة من الوقت انتهت بوضعها داخل الحقيبة وإغلاقها جيدًا. استمع لقهقهاتٍ مائعة تنبعث من حُجرة والده لكنه تفاداها وحاول الحفاظ على هدوءه وهو يرحل عن المنزل بخطواتٍ سريعة قبل أن يُلاحظه والده، لم تُلاحظه سوى الخادمة والتي أخبرها أنه سيرحل دون أن يُخبرها عن وجهته، فهو حتى لا يعرف أين سيذهب. وجد قدماه تتوقفان أمام بناية بسيطة كانت هي حله الوحيد في تلك اللحظة، دق الجرس بضعة دقاتٍ قطعها إسلام الذي فتح الباب مُرتديًا منامته الكاستور وعيناه تطالعان صديقه بغرابة خاصة هذه الحقيبة التي تبدو كحقيبة السفر. - يـ..ينفع أدخل ؟ سأله مُعتز بتقطعٍ وحرج فلم يجد من إسلام سوى إيماءة من رأسه وابتعاده عن الباب ليفسح له المجال، دلف مُعتز منزل صديقه البسيط الذي لا يخلو من الدفء، هذه أول مرة يستشعر بها هذا الدفء الذي لا يجده بمنزله الكبير، جلس على الأريكة بتيهٍ بينما استأذن إسلام ليُلبي معه واجب الضيافة. بقي مُعتز يجول بعينيه في كل مكانٍ كونها أول مرة تطيء أقدامه هذا المنزل، فلم يكن يلتقي بإسلام سوى بالشوارع والأزقة، لكنه لم يتقابل معه مُنذ وفاة والدته وامتنع حتى عن الاتصال به كما يفعلان دائمًا. عاد إسلام ومعه زجاجتين من المياه الغازية ليُعطي واحدة منهما لمُعتز وأخذ الثانية ليتجرع منها القليل ثم يبدأ الحديث ببعض الضيق : - البقاء لله ... كنت عايز آجي العزا، بس مكنش معايا دعوة فمعرفتش أدخل الكمباوند أومأ مُعتز بجفاء وبقيت عيناه تُحدقان بالأسفل لا يعلم ما الذي يفعله، فلا يشعر الآن سوى بالضياع، وما أسوأ هذا الشعور، قطع إسلام صمته ليسأله بفضول : - إنت ليه معاك شنطة سفر ؟... هو إنت سيبت البيت ؟ أنهى حديثه باستنتاجٍ ولم يجد من مُعتز سوى الصمت وإيماءة بسيطة برأسه أكدت له ظنونه، تفاجأ إسلام مما سمِع فسأله بقلق : - سيبت البيت ليه ؟... كدة والدك ممكن يقلق عليك كانت عينا مُعتز شاردة وهو ينفي برأسه ويردف بألمٍ دفين : - مش هياخد باله أصلًا إني مشيت... هو أساسًا ميعرفش عني حاجة شعر إسلام ببعض الإشفاق تجاهه فإقترب نحوه محاوطًا إياه بذراعه لعله يُخفف من أحزانه ويحاول إرشاده وفك عُقدته. - يعني إنت هتفضل هنا معانا ؟ سأله إسلام بلهفة لينفي مُعتز برأسه مُجددًا ثم يقول بقلة حيلة : - مينفعش ... عشان أختك لاحت عوالم اليأس على وجه إسلام لأنه يعلم أنه حديثه صائبًا، فشقيقته لا تزال بالثالثة عشر من عُمرها ومُعتز بالرابعة عشر، أي أنهما ناضجان بما يكفي لألا يبقيا سويًا دون رابطٍ يجمعهما، لكنه أيضًا لا يعلم ما الذي ينوي صديقه على فعله مما جعله يسأل : - هتروح فين ؟ زاد اليأس على وجه مُعتز وهو يقول بتيهٍ وضياع : - مش عارف حالت بينهما فترة من الصمت قطعها إسلام بكلماته المُتلهفة وكأنه وجد الحل أخيرًا : - عندي فكرة ... بابا ممكن يتكلم مع البواب ويديك أوضة السطوح، وأنا هبقى أقعد معاك طول اليوم عشان متبقاش لوحدك... وهكذا انتهت مُعضلته بسبب صديقه وعائلة صديقه التي بقيت تُسانده بدفئها وحنانها الذي لم يستمده من عائلته، علِم محمد باختفاء ابنه لكنه لم يكترث للأمر رغم أن شقيق والده أصرٌ على عودة مُعتز وبقاءه معه بدلًا من والده، ولأن مُعتز يعلم عمه جيدًا ويعلم أنه لا يختلف عن والده، رفض هذا العرض وقرر أن يبقى بتلك الحُجرة البسيطة ويتخلٌى عن أمواله وثروته، كذلك أخبر عمه أنه لا يحتاج لمساعدتهم وأنه سيُسافر القاهرة ويبني مُستقبله بنفسه. توالت عليه الذكريات مجددًا خاصة وهو بالثانوية العامة وبعد أن حصل على نتيجته التي كانت مُرتفعة وأهلته لدخول كلية الحقوق بالقاهرة، كانت هذه بذرة الأمل بالنسبة له، لكن حتى هذه البذرة تم اقتلاعها قبل أن تنبت، سُرعان ما داهمته تلك الذكرى اللعينة والتي كان فيها مع خطيبته بالسنة الثالثة من الجامعة، فهو قد أحب هذه الفتاة وتقدم لخُطبتها بعد أن أنبأ صديقه إسلام وطلب منه أن يأتي إلى الزفاف الذي شاء القدر بألا يتم من الأساس. تذكر كلمات خطيبته السابقة ودموعها المُنهمرة وهي تطلب منه الانفصال بعد أن نُشرت فضائحها بالجامعة، فضيحة خطبيته التي اعتدى عليها العميد، لكن ما نُشر أن خطيبته هي من سلٌمت جسدها لهذا الرجل اللعين، وقتها تدفقت الدماء بعروقه وأقسم على استعادة حقها والبقاء بجوارها، لكن يبدو أن خطيبته لم تتحمل هذا الكم من الإهانات، فما هي سوى بضعة أيامٍ حتى أتاه خبر انتحارها وانتشر بين جميع الطلاب. فقد آخر ذرة تعقلٍ لديه في تلك اللحظة، فتراكمات الماضي على ما حدث جعلته يرغب بالفتك بالجميع خاصة من ينتهكون أعراض النساء كما يفعل والده، وجد جسده ينساق إلى مكتب العميد بغضبٍ تصاعد ووصل لذروته، لم يشعر بجسده وهو ينقض على العميد ويلكمه العديد من اللكمات التي أدت ببقاء العميد لفترة طويلة بالمشفى، كما أدت أيضًا إلى انفصاله من الجامعة وتدمير حُلمه للأبد. توالت المزيد من الذكريات لتنتقل بين بحثه عن وظيفة وعمله كسائقٍ لفترة طويلة حتى تلاقى مع تلك التي آعادت الحياة إلى وردته الذابلة، فقد قرر أن يسير بجوار الحائط ويُحافظ على هدوءه مهما كانت الأسباب، فما يُريده فقط هو العيش بسلام، لا التلوى بويلات العذاب. انتهت ذكرياته بضحكاتها الرقيقة وعبثها مع ابنتهما والذي كان واقعًا يتمثل أمامه، فها هي كوكي تجلس على مقعدٍ بجواره وعلى قدمها ابنتهما بسملة، تمسك كوكي بيدي صغيرتها برقة وتحركها وكأنها ترقص، كانت تُحرك قدماها وتُغني بصوتٍ رقيقٍ وكلماتٍ أجنبية تتلوها بطريقة طفولية وهي تلعب مع صغيرتها وتطمئنها بأن والدها سيعود لهما، فكانت الصغيرة تُقهقه ببراءة وتتجاوب مع كلمات كوكي وكأنها تفهمها. وبين هذا كله، كانت عيناه تُفتحان بوهنٍ وثقلٍ جعل الرؤية تتشوش أمامه لفترة، استطاع تمييز طيفها وخصلاتها البرتقالية التي لا يستطيع العيش بدونها، بل ولا يستطيع العيش بكل ذرة بجسدها وروحها، وجد شفتاه تبتسمان بتلقائية وهو يُتابع زوجته تُلاعب صغيرته ببراءة أسرته، لم يكن يعلم إذا كان ما يتمثل أمامه حُلمًا أم أنه أخيرًا عاد إلى أرض الواقع، حاول تحريك شفتيه حتى تنتبه زوجته لكن جسده لا يزال واهنًا لا يستطيع الحِراك، بقيت محاولاته تزداد أكثر حتى خرج صوته واهنًا مُتقطعًا : - نا.. ناجـ ..تس جحظت عينا كوكي بعدم تصديقٍ لهذه الكلمة التي اخترقت أذنها وظنتها وهمًا من أوهامها، فلا أحد يُناديها بهذا الاسم سوى شخصٌ واحدٌ فقط؛ رفعت رأسه نحوه بنبضات قلبٍ تتسارع رويدًا، فما إن استشعرت أصابعه التي تحاولان التحرك وعيناه المفتوحة نصف فتحة مصوٌبة نحوها، حتى وجدت نفسها تشهق بصدمة كاد قلبها ينخلج من موضعه، فبعد مرور ستة أشهرٍ ونصف، ها هو أخيرًا يفتح عينيه ويناديها بهذا الاسم الذي افتقدته، ها هو يعود لها بعد هذا الغياب الطويل. وثبت عن المقعد فورًا بنبضات قلبٍ تتصاعد وصوتها يخرج من جعبته بسعادة بالغة : - ز..زيــــزو ... ترقرقت دمعاتها بسعادة جعلتها تعدو خارج حُجرة المشفى وتصيح بغير تصديقٍ لأصدقائها الذين ينتظرون دورهم خارج حُجرة المشفى. - زيزو فاق ... زيزو فاق يا قمر... زيزو فاق يا شمس... بقيت تُردد هذه الجُملة بعدم تصديق انتقل إليهم ومن ثم إلى الأطباء الذين هرعوا فورًا داخل الحُجرة ليطمئنوا على المريض الذي آفاق من غيبوبته أخيرًا.... ____________________________ - يووه ... الموبيل فصل شحن قالتها داليا بتذمرٍ بعد أن اصطفت سيارة إسلام أمام المشفى المرادة عازمًا على السؤال عن تلك المُتنقلة ومحاولة إخراجها من هُنا كي يتأكدا أنها واحدة منهم، كان إسلام يتحرك جوارها صوٌب باب المشفى يطُمئنها بحديثه الذي كان يحمل شيئًا من عدم الاكتراث : - هي كلها ساعة زمن وهنمشي ... لما نروٌح إبقي اشحنيه في البيت تأففت بضيقٍ وبقيت تتجوٌل بجواره وتسأله بإلحاح : - معاك الموبيل بتاعك ... أصل ماما ممكن تتصل بيا تنهد إسلام بنفاد صبر ليتوقف عن السير مُلبيًا طلباتها المتوٌسلة، بقي يعبث بجعبته ويُحرك يديه على بنطاله دون أن يستشعر الهاتف بين تلك الأقمشة، قطب حاجبيه بحيرة في البداية لكن حيرته تحوٌلت إلى استنتاجٍ حينما قال : - مش عارف فين ... تقريبًا نسيته في البيت زفرت الهواء من جوفها بخيبة أملٍ قطعها إسلام بحديثه الواثق : - يا داليا بقولك كلها ساعة زمن وهنرجع ... الدنيا مش هتخرب يعني في الساعة دي ... ________________________ اعتجت الحُجرة بالجميع بعد أن تركها الطبيب مُطمئنًا على مُعتز وحالته بعد هذا الإغماء، كانت كوكي تقف بجواره وبسملة ترتكن على قدميه ليقوم هو بمُداعبتها بمرحٍ واشتياق، لا يعلم كم بقي نائمًا على فراشه لكنه يُلاحظ كم كبرت صغيرته وبرزت عينيها الزرقاء التي تُشبه عينا والدتها وشعرها الأسود الذي بدأ ينمو، كانت تجلس قمر على الأريكة وجوارها شقيقتها شمس، بينما يجلس لؤي على المقد المجاور لمُعتز من الجهة الأخرى وجواره جابر، وجميعهم يطمئنون عليه ويتحدثون معه بمرح حتى سألهم مُعتز بتيه : - هو أنا نايم بقالي قد إيه ؟ تدخلت قمر لتجُيبه بمرح : - ست شهور ... يعني مش هتقول عايز أنام تاني لآخر السنة قهقهوا بمرحٍ على دُعابتها لتستمر الأحاديث بينهم حتى فُتح الباب ودلف ميجو بهدوءٍ بعد أن اتصلت به شمس وأخبرته عن إفاقة شقيقه، بقي يتحرك داخل المشفى بهدوءٍ ونظراتٍ تتجنب النظر لأعينهم، لم يبدو على وجهه السعادة بقدر ما بدا عليه الندم والحرج، فكيف يُظهر سعادته وهو من تسبب في بقاءه قعيدًا طيلة هذه الفترة. توقفت أقدامه أمام فِراش مُعتز مباشرة ليرفع رأسه قليلًا ويُخبره بنبرة باهتة حاول معها إخفاء شعوره بالذنب : - حمد الله على السلامة أدرك مُعتز مكنون نظراته وعلِم ما يكنيه داخل صدره، لكنه مع ذلك حافظ على هدوءه واكتفى بإيماءة رأسه وكلماته الخافتة الخالية من معاني الاشتياق وحتى الغضب : - الله يسلمك في تلك اللحظة، انفتح باب الحُجرة ليدلف من خلاله رجلين من رجال الشُرطة يحملان حفنة من الأوراق لاستكمال القضية، فتلك الواقعة هي جريمة يُعاقب عليها القانون، اضطرب ميجو وتصبب العرق من جبينه، آراد الهرب والرحيل بسُرعة، لكنه ظنٌ أنه بتلك الحركة سيزيدهم شكًا، تسمرت أقدامه مكانها وبقي جالسًا على أحد المقاعد يسب نفسه على مجيئه، فكان الأجدر أن تلقي الشرطة القبض عليه وهو مُتدثرًا ببيته حتى لا يقع بشُرزمة المواجهة. - حمد الله على السلامة يا أستاذ مُعتز... قالها الضابط بعملية ابتسم مُعتز على إثرها ورد عليه بوٌد، استكمل الضابط حديثه بذات الصرامة آخذًا الأوامر من لؤي الذي أوصاه بالاهتمام بتلك القضية، فهو لن يهدأ قبل أن يُعاقب الفاعل. - احنا جالنا بلاغ إن في حد اتهجم عليك وضربك على دماغك ... تقدر توٌصفلنا بالظبط مين إللي عمل كدة ظهر الارتباك على وجه مُعتز بعد أن أدلى الضابط كلماته، لا يعلم لمَ ينعقد لسانه ويمتنع عن الإدلاء بالحقيقة، فهو يتذكر آخر شجارٍ بينهما ورغبته بإلقاء القبض على شقيقه حتى يُعاقب، وعندما أتت الشُرطة، وسنحت له الفرصة بالانتقام منه، وجد لسانه ينعقد ويمتنع عن الإجابة، لا يعلم إن كان هذا بسبب شعور الأخوة الذي يُداهمه، أم بسبب نظرات الندم التي يلقاها على عيني ميجو لربما هي إشارة لتغُيره للأفضل. تحلٌى بالصمت لبُرهة من الزمن يُبادل فيها حدقاته ما بين نظرات لؤي المُترقبة الصارمة ونظراتهم المُتلهفة ونظرات شقيقه الحرجة التي آحالت لون وجهه للون الأصفر، انتهت نظرات مُعتز أمام الضابط كي يُخبره بتردد : - لــ..لأ يا حضرة الظابط ...مـ...مفيش حد اتهجم عليا ... أنا اللي اتكعبلت ووقعت على دماغي تفاجأ ميجو من حديثه وبدأت الألوان تعود إلى وجهه مُجددًا، آعاد الضابط سؤاله لعل الغيبوبة أثرت على ذاكرته وجعلته ينسى بعض الحقائق، فالغيبوبة بالفعل أثرت عليه، لكنها جعلته يُدرك بعض الحقائق وليس يفقدها. - حضرتك متأكد يا أستاذ مُعتز ؟ أخذ مُعتز نفسًا عميقًا ثم أطلقه وهو يوٌجه نظراته نحو الضابط ليُخبره بثقة : - أه متأكد ... محدش ضربني ... أنا إللي وقعت أومأ الضابط إيجابًا ليتشكر مُعتز بعدها ويطلب من زميله أن يُغلق المحضر، كانت نظرات لؤي تزداد اشتعالًا في تلك اللحظة وقد بدا أنه يوٌد الفتك بمُعتز وتوبيخه على هذا الجُبن، فهو يكاد يكون مُتيقنًا أن ميجو وراء ما حدث لسببٍ يجهله، لكن الواقعة كانت بمنزله، وهو قد لمح من بعيدٍ تلك المزهرية التي اصطدمت بجسد مُعتز، لمح الدماء عليها مما أكد له أن هذه الضربة مُفتعلة عمدًا. ما إن رحلت عناصر الشُرطة حتى تقدم لؤي من فٍراش مُعتز هادرًا ببعض التوبيخ : - مُعتز ... مين إللي عمل كدة ؟... الفيلم إللي قولته ده مش داخل دماغي أكد مُعتز على حديثه الكاذب بثقة : - أنا إللي وقعت يا لؤي ... وبعدين خلاص جات سليمة، مش عايز افتح بقى في الموضوع ده زفر لؤي الهواء من جوفه بغضب ثم وثب عن المقعد ليترك الحُجرة قبل أن يُفجر رأسه، لكنه قبل أن يرحل، إقترب نحو ميجو ليهمس بأذنه متوٌعدًا : - حسابك لسة مخلصش بصق تلك الكلمات ثم ترك الحُجرة وتبعته قمر وشقيقتها بعد أن ألقيا السلام على مُعتز، تبعهم جابر كذلك ليحضر الطعام ويتناولوه سويًا بينما قررت كوكي الرحيل هي الأخرى لتُبدل الحفاضة الخاصة بابنتهما، كان ميجو على وشك اتباعهم لولا كلمات مُعتز التي أوقفته وجعلته يبقى لبعض الوقت حتى يتحدثا سويًا، فهناك الكثير من الأحاديث يُريد أن يقولها ميجو لكنه لا يستطيع بسبب ندمه، وهناك أيضًا العديد من الحِسابات التي يُريد مُعتز غلقها كي يبدأ معه صفحة جديدة. مرٌت بُرهة طويلة من الصمت بينهما وكل منهما لا يدري كيف يبدأ، اختصر ميجو هذه المسافات بسؤاله : - ليه مشتكتش عليا ؟... مش كُنت عايز تعاقبني ؟ قالها ببعض الاندفاع الذي ذكرٌ مُعتز بآخر جدالٍ بينهما، فهو حتى الآن لا يعرف سببًا منطقيًا على عدم إخبار الشرطة عنه، ومع هذا السبب ترك العِنان لفؤاده بأن يُجيب أسئلته بدلًا من عقله الذي أضحى لا يكترث له مؤخرًا : - سمعتك .... سمعتك وإنت ندمان تذكر في تلك اللحظة هذه الكلمات التي قالها ميجو مؤخرًا وهو راقدٌ على فراشه، لم يتذكر سوى آخر كلماتٍ قيلت له وهو في غيبوبته منها كلمات ميجو التي بقيت محفورة في صميم قلبه وكم آراد الرد عليها لكنه وجد جسده يمنعه من الحديث كما يمنعه من الحِراك أيضًا. انفجرت ينانبيع الندم مجددًا داخل ميجو مما جعله يهرع ليجلس بجوار مُعتز ويبدأ الحديث معه متأسفًا : - أنا آسف ... أنا معرفش عملت كدة إزاي، أنا عُمري ما كنت عايز آذيك ... أنا بس... لم يدري كيف يفصح عن حقارته وخوفه من خُسارة أمواله، كيف يُخبره أن طمعه ووضاعته جعلته يرتكب جُرمًا كهذا وينتقص ستة أشهرٍ من حياة شقيقه هباءً، بقي في حالة من الصمت حتى قطعه مُعتز بعاطفة أخوية تعكس ما يدور بخٌلده : - خايف تخسر كل حاجة ... عارف الإحساس ده حاول الاعتدال بجلسته وتجاهل هذا الصُداع الذي يُداهمه رغم التئام جرحه، ساعده ميجو على الاعتدال ليوٌجه مُعتز نظراته نحوه محاولًا إرشاده عن طريق اقتطاف بعضًا من قراراته الماضية : - وأنا عندي 14 سنة كنت عايش في عز وأبهة ... بس في لحظة واحدة قررت أرمي كل ده ورا ضهري وأبدأ من الصفر ... مكنتش خايف من الخُسارة، رغم إني عانيت كتير ... بس في الآخر وصلت للي أنا عايزه أخفض ميجو رأسه مُبتعدًا بنظراته عن مُعتز ليُعيد ترتيبات عقله ويُفكر بحديثه جيدًا، فعادة ما يحتاج المرء أن يتخلٌى عن حياته القديمة حتى ينعم بحياة أخرى أفضل، عاود النظر إلى مُعتز ليُخبره آخر قراراته وما حدث معه بتلك الأيام الصعبة، فكان صوته يحمل العزيمة والثقة التي لن يتراجع عنها أبدًا : - الأيام إللي فاتت خلتني اكتشف حاجات كتير .... خلتني أكتشف إنك مُهم بالنسبالي، وإن لو خلوني اختار أخ، فانا مش هلاقي احسن منك اتسعت بسمة مُعتز بامتنانٍ لحديثه حتى رفع يده ليُربت بها على كتِف ميجو وهو يرشده بأبوة : - طول ما إنت عايز تتغير ... فاتأكد إني هفضل في ضهرك بادله ميجو بابتسامة أخرى ربتت على جروحه الداخلية وآزاحت غُمة الندم التي طغت على حياته، بدلتها باحساسٍ آخرٍ لم يشعر به من قبل، شعور الحياة النظيفة الخالية من الذنوب والتي سيسعى جاهدًا للوصول إليها رغم العوائق، وفي النهاية، ترك حُجرة مُعتز بأملٍ مُتجددٍ داخله وابتسامة عريضة مرتاحة تُلطخ وجهه. تقابلت عينيه بشمس التي كانت جالسة أمام الحُجرة تنتظر شقيقتها التي كانت تتحدث مع لؤي وتحاول التهدئة من روعه، ما إن لمحت نظراته حتى بادلتة بابتسامة هادئة ونظراتٍ تحمل بعض الخجل الذي لا تعلم سببه، بادت ترتبك بالفترة الأخيرة كلما لمحته أمامها، أما عنه، فكان يعارك فؤاده يوميًا حتى يعترف لها، كان ينتظر فقط أن يفيق شقيقه ويتأكد أنه بخير، فهو يُصارع للوصول إليها خاصة بعد أحاديثهما الأخيرة. - مُعتز سامحك ؟ سألته بفضولٍ لأنها من ألحت عليه بالمجيء وطلب العفو منه، فهي الوحيدة التي تعلم الحقيقة ولا تُخبر بها أحدًا، بل تسعى جاهدة لإصلاح الشروخ التي نبتت بينهما. أومأ رأسه إيجابًا على حديثها لتتسع ابتسامتها بسعادة لأجله ثم تبتعد بنظراتها عنه لكنه لم يكتفي بهذا الرد، فهو الآن في قمة سعادته ويرغب باحتضانها والطير بها عاليًا، ولأنه يعلمها جيدًا، حاول إخفاء وقاحته بعض الشيء وهو يقول بامتنانٍ نابعٍ من فؤاده : - شُكرًا يا شمس ... حقيقي معرفش كنت هعمل كدة إزاي من غيرِك لم يبدو على وجهها سوى نفاد الصبر من تلك الكلمات التي يقولها دائمًا، فهي قد سئِمت من شُكره وامتنانه الذي يحجب به ما يُريد قوله بالفعل. - يووه .. إنت هتفضل تشكُر كدة لحد إمتى ؟ خرجت إجابتها بعفوية بدت حمقاء بالنسبة لها، فهي الآن تتدرج بثوب الخجل وتسب نفسه على انزلاق الحديث من جوفها ككل مرة، ربما الاندفاع والتهوٌر بالحديث هي صفة متوارثة في عائلتهم، سُرعان ما أدركت اندفاعها وطريقتها الوقحة في الحديث مما جعلها تعتذر بقولها : - أنا أسفة مكنش قصدي ... أنا بس يعني_ قطعها بسُرعة لأنه لم يعد يطيق الصبر أكثر، قرر أن يُهدم السد الذي بناه بينهما حتى لا يجدها ترحل عنه، فإخفاء المشاعر الحقيقية هي أصعب ما يقوم به الإنسان. - بحبِك كانت تلك الكلمة النابعة من شفتيه كفيلة بضخ الدماء لأوردتها وإصابتها بشللٍ جُثماني، فكانت تطالعه ببلاهة ووجهٍ خالٍ من الألوان لا يُصدق ما يُقال أمامها، بقيت نظراتها تطالعه ببلاهة حتى واصل هو حديثه بنفس ذات اللهجة الحميمية : - بحبِك يا شمس .... وعايزنا نتجوز، عايزنا نفضل مع بعض طول العمر ... نفسي أحضنِك وأضمِك جوايا عادت لواقعها بعد أن عبثت كلماته بعقلها وجعلتها تسأله ببعض الحدة : - تحضني !! ... عايز تتجوزني عشان تحضُني ؟ حقًا ؟ أهذا ما وصل إليه عقلكِ ؟ هذا ما كان يُفكر به وهو يستمع إلى سؤالها والذي آجاب عليه فورًا دون أن يُرتب حديثه : - لأ طبعًا .. عايز أبو... عايزِك .. عايزِك تبقي علطول معايا حمد ربه أنه لم يُكمل الكلمة وأمسك لسانة باللحظة الأخيرة، لا يعلم حقًا كيف يعرض عليها الزواج بطريقة خالية من الوقاحة، فهو يُجاهد حتى لا يفصح عمَ يُريد قوله بالفعل. بقي يُتهته بالحديث يحاول العثور على الكلمات المناسبة حتى قطعها بلكنة مباشرة غير قابلة للنقاش : - بصراحة بقى، أنا خلاص هكلم عمو هلال وهطلبك منه ... مش قادر اشوف الشفايف دي وما..ما... قطع كلماته للمرة الثانية وهو يسب نفسه بقرارة نفسه، فتلك الكلمات لا يجب أن يقولها لفتاة كشمس، بل لا تنفع سوى مع الفتيات التي يتعرف عليهن بالمِلهى الليلي. بقي يُتهته بالحديث حتى لاحظت شمس تلعثمه فاتسعت بسمتها بمرحٍ وخجلٍ ثم قررت الانصراف قبل أن يظهر خجلها للعيان. - أنا هروح أشوف قمر ... تركته وكادت تتحرك بعيدًا تُلملم شتات نفسها، لكنها قبل أن تبتعد استدارت نحوه وأخبرته بكلماتٍ قرعت الطبول بفؤاده : - ميجو ... أنااا...موافقة اكتفت بتلك الكلمات البسيطة ثم التفتت لتتحرك بعيدًاعنه وهي تعض على شفتها السُفلية بحرجٍ وسعادة بالغة تعتمرها، فإن كان هذا حُبًا، فهي تعترف به الآن، هي أيضًا تُحبه، وتهتم لأجله لا بدافع الصداقة، بل بدافع الحُب الذي تُغطيه بالصداقة. كان قلبه يتراقص فرحًا في تلك اللحظة، يشعر أن آمانيه تحققت دون أن يبذل مجهودًا، يشعر بفرحة انتصارٍ جيشٍ على عدوه بعد صراعاتٍ مريرة، أسند ظهره على الحائط وبدأ يغوص بأحلام اليقظة مُتخيلًا حياته معها وأطفالهما الصِغار يعبثون بالمنزل ويُصدرون الضجيج حولهما. عاد إلى الواقع مرة واحدة ليتذكر تهوٌره بالحديث وتلك الكلمات التي كاد يتفوٌه بها والتي جعلته يسب نفسه بقول : - شفايف !!... حد يقول كدة يا مُتخلف؟ ... __________________________ مهما ضاقت بك الحياة، وتأزمت أحوالك، تذكر أن اللحظات الصعبة تُشبه الحُمى، تشعر أنها تأذيك، لكن أذيتها تنتهي في النهاية... ها هُم يجتمعون مرة أخرى بعد أن أتى جابر ومعه العديد من الشطائر التي تقاسمها بينهم وبدأوا يتناولونها داخل حُجرة المشفى حتى تنتهي الفحوصات ويعودوا إلى منازلهم، صوت قهقهاتهم كاد يخترق الجُدران ووجوههم المرحة أكدت أن الغُمة انزاحت وعادت إليهما بسماتهم المُختفية. استأذن ميجو وعاد إلى منزله حتى لا تتلاقى عينيه بعيني لؤي مُجددًا، أما عن شمس، فكانت في عالمٍ آخرٍ لا تنسجم مع أحاديثهم ولا تُفكر سوى في تلك الكلمات التي اخترقت أذنها مُنذ دقائق، حتى أن وجهها بدأ يتخذ من الأحمر وشاحًا، وقلبها يتراقص من السعادة التي لا تعلم كيف تُعرب عنها في وقتٍ كهذا. انتقلت مُخيلاتها إلى عدة أعوامٍ قادمة تتخيل فيهم نفسها برداء زفافها وأصوات البهجة والسعادة تموج حولها، تتخيل صوت المأذون وهو يُعلن زفافهما وصوت الزغاريد تصدح بجوار أذنيها، بل وصلت تخيلاتها حتى إلى كعكة الزفاف وما سيتم تناوله من الطعام، فربما جوعها اختلط مع ذكرياتها في تلك اللحظة. قطع وصلة المرح صوت مُعتز الذي تلفت حوله متسآلًا : - هو إسلام وداليا فين ؟... هما ميعرفوش إني فوقت ؟ سألهم ببعض التيه لأنه يعلم جيدًا أن صديقه لن يتركه في وقتٍ كهذا، بل سيطير من السعادة إن علِم أن صديق طفولته وحياته استيقظ من غيبوبته التي لازمته لعدة أشهر. - داليا مش بترُد ... وإسلام كمان زيها قالتها قمر وهي تمسك هاتفها وتتصل بداليا للمرة التي لا تعلم عددها، حتى أنها أخذت الرقم الخاص بهاتف إسلام من زوجها واتصلت به هو الآخر وأيضًا لا يُجيبها. أدت إجابتها إلى تفاقم القلق بأفئدتهم، فهذه أول مرة لا يُجيبا فيه على هواتفهما، خاصة وأن الساعة قد شارفت على الحادية عشر صباحًا وإسلام وداليا لا يناما أبدًا بهذا الوقت خاصة بأقوات الدوام. تبادلت الأسئلة بينهم لفترة إلى أن وجه مُعتز رأسه اتجاه جابر ليطلب منه : - ما تدخل جوة حد فيهم تشوفلنا هما فين ... أحسن يكون حصلهم حاجة ظهر القلق واضحًا على حديثه مما جعل جابر يوميء برأسه موافقًا ويتقدم بمقعده إنشاتٍ قليلة ليأخذ بعدها نفسًا عميقًا حوٌل نظراتهم المترقبة والقلقة. ________________________ كان إسلام بهذا التوقيت يقف بجوار داليا أمام موظف الاستقبال الذي سيدلهم على حُجرة المتنقلة، حمحم إسلام قبل أن ينصب قامته ويتسآل بتهذيب : - المريضة إللي اسمها سُمية عبد العظيم في عنبر كام ؟ تفحص الموظف حفنة من الأوراق قبل أن يعاود النظر صوٌب إسلام ليسأله : - حضرتكم من معارفها ؟ توتر إسلام قليلًا وبادل نظراته لداليا ثم عاود التحديق بالرجل مؤكدًا على حديثه بكذب منعًا للشكوك التي من الممكن أن تتلبسه إذا انكشف أمرهما. - إ..أه أه ... إحنا من معارفها همهم الرجل مُتفهمًا ثم أخرج ورقة ما ليضعها على الطاولة ثم انتشل القلم وبدأ يدوٌن على تلك الورقة تنفيذًا للإجراءات : - اسم حضرتك ؟ انتفض جسد إسلام مرة واحدة ليحل جابر محله والذي استمع إلى سؤال الرجل وآجابه بتلقائية : - اسمي جابر همهم الرجل بلامبالاة وهو يدوٌن الاسم بالورقة ظانًا أن الذي يقبع أمامه يُدعى جابر بالفعل، بينما كانت داليا بالجهة الأخرى ترمق إسلام بحيرة ليس لخطأه بل لأنها تعلم أن جابر الآن حلٌ محله لسببٍ لا تعلمه. وجه الرجل سؤاله لداليا استكمالًا للاجراءات فسألها : - واسم حضرتِك ؟ وقبل أن تُجيبه داليا، وجدت جسدها ينتفض ليحل محلها إسلام، فيبدو أن إسلام لم يُرد ترك جسده في تلك اللحظة ولن يستطع العودة لأن جابر هو من قام بالتنقل، فلا يوجد أمامه سوى الانتقال إلى جسد داليا حتى يُخبر الرجل اسمه الحقيقي. غفل تمامًا عن كونه بجسد داليا وظنٌ أنه عاد إلى جسده وهو يُجيب الرجل على سؤاله ببلاهة : - إسلام .. إسلام سيد توقف الرجل عن الكتابة وبقي يُطالع إسلام الذي اخترق جسد داليا بغرابة جعلته يسأل : - حضرتِك اسمِك إسلام !؟ لم تستطع داليا العودة إلى جسدها فبالتالي اخترقت جسد إسلام لتُجيب الرجل بحماقة جعلته يزداد تيهًا : - لا لا لأ ... اسمي داليا ... وهو إسلام قالتها وهي تُشير على جسدها دون أن تدري أنها الآن داخل جسد إسلام وليس جسدها، فسرعان ما وجهت بصرها نحو جسدها حتى تلعثمت بالحديث وحاولت العودة مجددًا وإصلاح ما فسد، لكن جابر كان يصرٌ على اختراق إحداهما فوجد نفسه داخل داليا بينما كان الرجل أمامهما يكاد يفقد صوابه وهو يسأل : - يعني حضرتِك اسمِك إيه دلوقتي ؟ ولثاني مرة آجابه جابر بتلقائية أوقعتهم في كارثة : - اسمي جابر تدخلت داليا لتُصحح حديثه وداخلها يسب جابر على حماقته هذه : - لأ لأ ... هو مش اسمه جابر قطب الرجل حاجبيه بحيرة وهو يسأل متجاهلًا كونها تُشير على فتاة وتنعتها بفتى، مما جعله يجاريها بالحديث بسؤاله : - أومل اسمه إيه ؟ اخترق إسلام جسد داليا في محاولة منه للعودة إلى جسده مُجددًا، لكنه ما إن عاد حتى استمع إلى سؤال الرجل وظن أنه يتحدث عن جسده مما دفعه للإجابة بثقة : - اسمه إسلام تدخلت داليا للمرة التي لا تعلم عددها لعلها تُصحح الموقف، لكن توترها أدى إلى المزيد من الإجابات المُتسرعة الحمقاء : - أيوة أيوة .. هو إسلام وأنا داليا .... قصدي هو داليا وأنا إسلام بقي الرجل يرمقهمها بحيرة حتى ترك القلم على الطاولة مستئذنًا، عادت داليا أخيرًا إلى جسدها وعاد إسلام إلى جسده هو الآخر وبقي يتعارك مع داليا ويسب جابر بنفس الوقت : - مش وقته ييجي دلوقتي .... وبعدين لما تدخلي جسمي قولي إن اسمِك إسلام مش داليا غضبت داليا من نبرته الاتهامية فوضعت يدها على خصرها كي تعاتبه مثلما عاتبها : - يا سلام ... دا على أساس إنك كُنت بتعمل كدة، ما إنت كمان اتلغبط تنهد إسلام بنفاد صبرٍ وقرر إنهاء هذا العِراك حتى لا يستمع إليهم أحد، فكان يقول برجاء : - حصل خير ... ادعي بس أنهم يكونو مخادوش بالهم من العك إللي حصل ده ردت داليا عليه بثقة لا تعلم من أين أتتها : - وهياخدو بالهم من إيه ... إحنا مش شكلنا مجانين بينما كان الرجل موظف الاستقبال على الجهة الأخرى يضع الهاتف على أذنه ليُجري تلك المكالمة بالغة الأهمية : - أيوة يا دكتور شادي ... في اتنين واقفين قُدامي شكلهم كدة مجانين ... طيب تمام أنهى الرجل تلك المكالمة ليتجه صوٌب إسلام وداليا ويُشير لهما على أحد المقاعد متفوٌهًا : - اتفضلو اقعدو على بال ما آجي رمقه إسلام ببعض الحيرة والشك بينما وثبت داليا مكانها لم تتحرك قيد أنملة ولم تُنفذ تعليماته، أو بالأحرى، لم تلحق تنفيذها، فسُرعان ما داهمتهما أذرع العديد من الممُرضين مُرتديين الملابس البيضاء ويحاوطونهما من كل حدبٍ وصوٌبٍ وكأنهم يُلقون القبض عليهما أو اختطافهما. بدأت داليا بالهِتاف مُعترضة بينما كان إسلام يحاول دفعهم بعيدًا عنهما مُخبرًا إياهما أنهما ليسا بمجاذيب، ولكن كالعادة، لم ينصت إليهما أحد وقرروا عرضهما على الطبيب حتى يُقرر هو رغمًا عنهما.... ______________________ بدأت السماء تنحدر إلى أسفل لتُعانق الأرض في مشهد غروبٍ تشرئب له الأذهان، تتلطخ السماء بلونٍ بنفسجيٍ مُختلطًا مع برتقاليٍ جعل السماء كلوحة فنية خلابة، وفي تلك الأجواء الهادئة، كان مُعتز داخل منزله أخيرًا بعد أن أذن له الأطباء بشرط حصوله على بعض الراحة والتزامه ببعض الأدوية حتى يعتاد جسده على الحياة من جديد، قرر أن يرتاح بمنزله ويرفض عزيمة الغداء التي من المُفترض أن تُقام بمنزل قمر مع البقية. كان ميجو معه بالمنزل يتحدث معه فيما حدث بتلك الأيام السابقة ويُخبره أيضًا عن القرارات التي أخذها وأهم قرارٍ وصل إليه في تلك الأيام، يسترخي على أريكة البهو بعد أن أخبر مُعتز عن قرار زواجه بشمس وعن محاولته للتغيير، فكان حديثه أشبه بمن يُريد الذهاب إلى أحد الأماكن ولا يعرف الطريق. - فيها إيه يعني لما اتجوز ؟... دا أنا حتى بطلت السجاير عشانها قالها وهو يضع لفافة التبغ داخل فمه وينفث دُخانها في الهواء تزامنًا مع نظرات مُعتز المُستنكرة وعدم تصديقه لما يقول، فكان يستطرد بسُخرية : - أه ما هو واضح ... بعدين إنت هتقول لأهلها إيه لما يسألوك عن شُغلك ... هتقولهم طبال !! أحس ببعض الغضب من لكنة السُخرية الطاغية على حديث مُعتز؛ اعتدل بجلسته ليهتف بمدافعة عن وظيفته العزيزة : - وفيها إيه يعني طبال ؟... ثانيًا أنا مش ذنبي إني اتولدت في كباريه، ومش ذنبي إني طلعت حشاش ... ومش ذنبي إني طلعت طبال قالها بطريقة عاطفية درامية جعلت مُعتز يواصل سُخريته مُقلدًا حديثه : - ومش ذنبك كمان إنك حبيتها أومأ ميجو رأسه موافقًا ببلاهة ليسترخي بظهره للوراء مُجددًا في فترة الصمت التي قطعت حديثهما وقطعها صوت مُعتز الذي حمل في طياته القليل من الإرشاد والتساؤل : - مبدئيًا كدة ... إنت لازم تشوفلك شُغلانة تانية .... شغلانة الطبال دي متأكلش عيش اعتدل ميجو في جلسته ليسأله بأهمية : - شغلانة إيه ؟ آجابه مُعتز بنفس طريقته الإرشادية : - أي حاجة .... مفيش أي حاجة بتعرف تعملها غير الطبل ؟ فكرٌ ميجو هنيهة قبل أن يقول بثقة : - لأ في ... بعرف الم النُقطة .... دا أنا عليا لمة نُقطة ياض يا زيزو ... مقولكش بقى، بتلم كدة في أقل من ثانية حرٌك أصابعه ممثلًا كلماته مما آصاب مُعتز بخيبة الأمل وجعله يُغلق عينيه لفترة ثم يفتحهما مُطلقًا تنهيدة قصيرة تبعها بقولٍ يحمل القليل من الحدة : - نُقطة إيه ؟... وهي النُقطة دي هي إللي تأكل عيش ... أنا بقولك أي شُغلانة تانية برة الكبارية ... أهلها لو عرفو إنك شغال في كبارية الجوازة هتبوظ أوقدت كلماته القليل من الهلع داخل صدر ميجو، فهو لم يُفكر أبدًا بهذه المُعضلة، ولم يكن يعرف أن والدة شمس صارمة ولن تقبل بهذه الزيجة إذا انكشفت حقيقته أمامهم، لهذا السبب يجب عليه أن يتغير بأقصى سُرعة قبل أن تتسنى له الفُرصة بطلب يدها، ولأنه أعطى موعدًا بالفعل لوالدا شمس، فعليه أن يبدأ التغيير فورًا. - طب إنت دراستك إيه ؟... ولا إنت مدرستش أساسًا كانت نبرة مُعتز تهكمية جعلت ميجو يرفع سُبابته لأعلى مُكذبًا حديثه بتكبر : - مين ده إللي مدرسش .... دا إللي قُدامك ده خريج من الكاستر فوار بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف رمقه مُعتز باشمئزازٍ وداخله يُكذب حديثه مئة بالمئة، فهو حتى لا يستطيع نُطق اسم معهد الموسيقى بشكلٍ صائب، فكيف له أن يحصل على شهادة منه ؟ يكاد يجزم أنه تخرج بعد عدة سنوات، أو ترك الدراسة بعد أول عام. دفعه دفعة بسيطة قال معها بتهكم : - مش لما تعرف تقول اسمها الأول توقف عن الحديث بُرهة لينتقل إلى نُقطة أخرى في محاولة منه لتغيير جذوره، أخذ نفسًا عميقًا ثم أطلقه ليسأل بعدها : - سيبك من الشُغل دلوقتي .... لازم قبل ما تتقدملها، تكون شخص مُلتزم، أو على الأقل شبه مُلتزم يا سيدي ... يعني تكون بتصلي، تقرا قرآن، كدة يعني ... كل ما تقرٌب من ربنا كل ما هتكبر في نظرهم ... وأهو بالمرة تكفر عن ذنوبك قطب ميجو حاجبيه بغرابة يكاد يتيقن أنه لا يفهم أي كلمة مما يقولها مُعتز، أو ربما يفهم ولا يفهم طريقة التنفيذ، لهذا السبب سأل ببعض التيه : - ودي أعملها إزاي دي يا سطا ؟ وضع مُعتز يده على ظهره بعاطفة أبوية تُعرب عن دور الأب الذي يتخذه اتجاه ميجو، فكان يقول بنبرة هادئة موٌجهة : - خلينا الأول في الصلاة والباقي بييجي واحدة واحدة استرجع ميجو بعض الذكريات وهو يقول : - يااه، إنت عارف أنا آخر مرة صليت فيها كانت إمتى ؟... كنت في تانية تالت، وكنا بنلعب كرة في الشارع لغاية ما الجُمعة أذنت، كنت هطنش زي كل مرة بس الواد مايكل قالٌي إني لازم أروح أصلي معاهم ... زادت عوالم الغرابة على وجه مُعتز وهو يُطالعه ويشفق على حاله، فهو مُنذ نعومة أظافره ولم يقُم أحدهم بتوٌجيهه. - مايكل !! ... إنت روحت صليت في الكنيسة ؟ سأله بتشككٍ وبعض السُخرية التي تبعت حديثه الأشد غرابة، يكاد يجزم أن ميجو لا يعلم قيد أُنملة عن دينه، ولا يستخدم دينه سوى بالحِلفان، أي أنه مُسلمٌ بالبطاقة فقط، وهذا ما يجب عليه تغييره الآن، لكنه على الأغلب سيأخذ العديد من الوقت والجُهد. انتهى الحديث بينهما عندما مدٌ مُعتز يده لينتشل لفافة التبغ ويُُدثرها بمطفأة السجائر ثم يطلب من ميجو أن يتوضأ ليُساعده هو فيما سيفعله بعدها مؤديًا دوٌر الشقيق المثالي على أكمل وجه.... _______________________ على جهة أخرى، كانت الفتيات تجتمعن بحُجرة المعيشة التي أغلق بابها حتى يتسنى لهن إزاحة غطاء رؤوسهن، حيث كان الرجال يجلسون بالبهو منهم لؤي وخالد وجابر فقط، بينما كانت كوكي وابنتها ويُسرى وقمر وشمس يجلسن سويًا بهذه الحُجرة. توٌلت قمر زمام الحديث بقولها بجدية : - صحيح مقولتلكوش التحقيق إللي عملناه مع الناس إللي خطفونا انتبهت النظرات نحوها لأنها وأخيرًا ستُخبرهن عمَ حدث بتحقيقها مع أولئك المُجرمون واستخدامها للتنويم المغناطيسي لاستخراج الحقيقة من أفواههم، دائمًا ما تُقرر أنها ستُخبرهن لكن ذاكرتها الضعيفة وتلك الظروف التي يمرٌوا بها تجعلها تتغافل عن إخبارهن بتلك الواقعة التي مرٌ عليها أكثر من ستة أشهر. - لقينا حاجة غريبة أوي ... تقريبًا كدة حادثة الخطف دي كانت متدبرة قطبت كوكي حاجبيها وهي تسأل : - يعني إيه متدبرة ؟... ومين أساسًا إللي هيكون عايز يخطفنا ؟ تنهدت قمر لتستجمع كلماتها ثم تُعاود الحديث بجدية وتفسير : - معرفش ... الراجل إللي انا حققت معاه كان بيقول إنه واخد أوامر من واحد اسمه ... اسمه تقريبًا جلال .. طلال حاجة كدة استطردت يُسرى ببعض الاستنتاج : - وده مين ده كمان ؟.... تفتكري ليه علاقة بالمُنظمة إللي كانت بتلاحقنا من كام سنة ؟ لوٌت قمر شفتيها بجهلٍ قالت بعده : - الله أعلم ... بس أنا حاسة إن في حد قاطرنا بدأ الشك يتغلغل بينهن ويجعل الحديث بينهن يتواصل ويُرهق عقولهن التي تتمنى لحظة من الراحة، لحظة واحدة فقط دون أن يقطعها أية كارثة. انتبهت يُسرى لتحديق شمس وشرودها غير المُعتاد، فهي الوحيدة التي لم تُشارك بأي من أحاديثهن وبقيت في عالمها الآخر الذي جعل التوتر يظهر على وجهها وربما جميع أنحاء جسدها، دفعتها يُسرى بمرحٍ لتنتشلها من تلك العُزلة بكلماتها : - ما تقول حاجة يا كابتن ... ولا إنتِ ملكيش إلا في الحشرات ؟ كانت تتوقع أن تستمع إلى مدافعات شمس المُستميتة عن حشراتها وتبدأ بسرد معلوماتها العلمية الغريبة، لكن ما حدث أن الصمت كان هو إجابة شمس مع نظرة الشرود التي لم تُمحى من عينيها، تلك النظرة جعلت القلق يغتابهن حتى تقدمت كوكي لتسألها : - ? what s wrong with you دعُمت يُسرى سؤال كوكي بسؤالها لعل شمس تفصح عما يجول بخُلدها : - مالِك يا شمس ؟... حد ضايقِك في حاجة ؟ نفت شمس برأسها ثم حاولت ترك مُستنقع عُزلتها وشرودها وهي تتوٌجه بأنظارها نحوهن وترسم ابتسامة هادئة غطت قلقها حتى لا يفهمنها بطريقة خاطئة : - محدش عملٌي حاجة ... بس أنااا ... بترت حديثها في محاولة مُستميتة للعثور على الكلمات المُناسبة دون أن يظهر حرجها وارتباكها من الأمر بُرمته، زاد صمتها من فضولهن وبقيت الأعين تتربص لها حتى أردفت أخيرًا بعد نفسٍ عميقٍ أخذته وأطلقته في الهواء : - ميجو متقدملي ما إن بصقت تلك الكلمات حتى أطلقت قمر شهقة غير مُصدقة بينما بُهتت عوالم يُسرى لأنها لا تعلم إن كان هذا الخبر جيدًا أم لا، فجميعهن يعلمن ميجو جيدًا ويعلمن أيضًا كم تغيرت أحواله بالفترة السابقة، لكنهن لا يعلمن أن شمس تكاد تكون سببًا في هذا التغيير وهي لا تعرف هذا من الأساس. - يا بت مش تقولٌي من بدري ... ألف مبروك، أومل مالك مقلضمة كدة ليه ؟ سألتها يُسرى ببعض المُرح بعد خروجها من دوامة حيرتها؛ تلاشت بسمة شمس الزائفة وهي تُجيبها بارتباكها الذي كانت تُخفيه حتى لم يعد جسدها قادرًا على احتماله : - منا خايفة أوي ... مش مُتخيلة إني هتجوز وافتح بيت وابقى مسئولة عن حد.... ومش عارفة ماما هتوافق إني اتجوز ميجو أصلًا ولا لأ، أنا مُستحيل أقولهم إنه بيشتغل في كبارية، ولا إن مامته رقاصة آحاطتها قمر من الجهة الأخرى في محاولة منها لبث الطمأنينة داخلها كونها مرٌت بهذه التجربة من قبل : - إن شاء الله ماما وبابا مش هيعرفو حاجة عن الماضي بتاعه، بعدين إنتِ مش قولتي إنه اتغير ؟ أومأت شمس إيجابًا فتدخلت كوكي لتُجيبها بحالمية تعتادها : - يبقى أكيد اتغيَر عشانِك ... ولو إنتِ وقفتي جنبه، هيبقى أحسن بكتير من زمان بثتها كلماتهن ببعض الطمأنينة لتتدارك بعدها الأحاديث ما بين التهنئات والتشجيعات والطمأنينات حتى استطردت يُسرى بسُخرية : - عارفة لو داليا كانت هنا ... كانت هتكرهك في الجواز على المتجوزين وهتقولِك نظريات ومعلومات تخليكي متتجوزيش وتقعدي في بيتكم أكدن على حديثها بسُخرية حتى استنتجن أن داليا لا تزال خارج منزلها لا يعلم أحدٌ مكانها حتى هذه اللحظة، هذا ما دفع قمر لتسأل : - إلا صحيح هي داليا فين ؟... أنا كلمتها تاني وبردو مش بترد، لا هي ولا إسلام ... تفتكرو حصلهم حاجة ؟ سألتهن ببعض الشك فآجابتها كوكي باستفهامٍ وجهل : - جابر قال إنهم في مكان عامل زي company وقال إنهم كويسيين أنهت يُسرى حديثهن باقتراح : - طب ما تيجو نطلع نقول لجابر يدخلهم تاني ونشوف هُما اتأخرو ليه، يمكن معرفش يحدد هما فين آخر مرة، بعدين متنسوش إن كلهم كانو عمالين يدخلو في بعض وكأنهم مش عايزين يسيبو جسمهم لحاجة مُعينة ... بقيت المناقشات تدور بينهن حتى استقرن على الذهاب إلى مجلس الرجال والطلب من جابر للمرة الثانية أن يخترق جسد إحداهما ليعلما سبب هذا التأخير. ارتدت يُسرى حجابها وكذلك قمر وشمس وأضحيا الآن يقفان أمام التلفاز يطلبا بتقريرٍ وبعض القلق أن يخترق جابر جسد إسلام مُجددًا، وبعد المزيد من المُناقشات بينهم، وجدوا جسد جابر يغلق عينيه مُقررًا الانتقال إلى أي منهما.... _____________________________ أعلم أنك ترغب بحياةٍ هادئة خالية من العوائق، لكن يبدو أن الحياة لا تُريد ذلك... انتهى مصيرهما أمام الطبيب الذي آشارت اللافتة إلى اسمه الذي كان " شادي سمير "، طبيبًا نفسيًا من أمهر الأطباء وأكثرهم فصاحة، يجلس أمام كلٍ من داليا وإسلام يتفحصهما بعينيه العسلية وعويناته السوداء، كان يُحاول استقراء ما يدور بخُلدهما من خلال لغة جسدهما التي آشارت إلى كونهما في حالة من التيه والتوتر، وربما القلق أيضًا، لكنه لاحظ نظرات الثقة على وجه إسلام وكأنه يُدرك تمامًا أنه سيرحل عن هنا، فمن ذا الذي يحتجز طبيبًا في مصحة للأمراض العقلية ؟ - يا دكتور والله العظيم إحنا عاقلين .... يعني دا منظر ناس عندها أمراض نفسية قالتها داليا بإلحاحٍ وهي تُشير على نفسها وتُشير على إسلام أيضًا الذي دعُم حديثها بقوله : - أيوة أيوة ... دا أنا دكتور زيي زيك .... مقعولة دكتور يبقى عنده أمراض نفسية ؟ خرج شادي من صمته بكلماته التي بدت مُقنعة : - الدكاترة أكتر ناس مُعرضة للاضطرابات النفسية .... لأن أغلب حياتهم بين المرضى والعيانين وسعات الأموات ... ده غير ضغط الشُغل والمذاكرة .... الحاجات دي كلها ممكن تتسبب في اكتئاب حاد وساعات هلوسة سمعية بصرية .. أو ممكن اضطراب ما بعد الصدمة لو المريض اتعرض لصدمة عصبية نتيجة ظروف عمله بدت نبرته علمية أصمتت إسلام تمامًا وجعلته يُدرك أن لا مجال من اقناع هذا الطبيب بسلامة عقليهما، علِم الآن شعور زوجته التي تتناقش معه وينتهي نقاشهما دائمًا بمثل تلك الحقائق العلمية. أرخى شادي ظهره للوراء وانتشل الدفتر الخاص به وكذلك القلم ثم بدأ يُعدل عويناته ويتطلع إليهما متسآلًا بعلمية : - اسمائكم إيه ؟ آشار إسلام على نفسه وهو يقول اسمه بطريقة صائبة طبيعية تبعته بعدها داليا وآشارت على نفسها بثقة وهي تقول اسمها دون أن تتلعثم كما المرة السابقة، حاول كلاهما الظهور كالأشخاص الطبيعيين حتى يُنفض شادي عن رأسه تلك الشكوك التي تُساوره حيالهما. همهم شادي بلامبالاة ثم انتقل إلى نُقطة أخرى من فحوصاته ليسألهما باستفسار : - أومل مين جابر ؟.... تردد إسلام قبل الإجابة التي جعلها طبيعية صادقة قدر الإمكان : - جابر ده واحد معرفة - طب ليه لما مُنير سألكم على اسمائكم جبتو سيرة إللي اسمه جابر ده ؟ هنا تدخلت داليا لتُجيبه بصدقٍ ضرِب بتوُقعاتهما عِرض الحائط : - أصل هو كان جوة جسمنا ساعتها ما إن بصقت تلك الكلمات حتى تقدم شادي بجذعه للأمام بحاجبين مُقطبين ورغبة عارمة في فهم حديثها الغريب : - جوة جسمكم إزاي ؟ آراد إسلام إخفاء الحقيقة حتى لا ينكشف أمرهما ويتأكد الطبيب أنهما بالفعل أحمقان، لكن داليا تقدمت بجذعها وبدأت الحديث جاهرة عن الحقيقة بحذافيرها. - عشان إحنا_ قطعها إسلام وهو يجذب ذراعها للوراء محاولًا اصماتها بشتى الطُرق : - داليا .. يا داليا ... جذبت داليا ذراعها وهي توٌبخه وتُبرر بثقة : - استنى يا إسلام لازم نقوله الحقيقة عشان ميفتكرناش مجانين يقسم أنه في تلك اللحظة آراد أن يصفعها كفًا حتى تصمت عن الحديث، لكن ربما أن لا حياة لمن تنادي، حيث كانت داليا تفصح عن الحقيقة وشادي أمامهما يوميء برأسه بتفهمٍ لحالتهما لكن بعدم تصديقٍ لما تقول : - يا دكتور إحنا اتعمل علينا تجربة خليتنا نبدل جسمنا بأي حد اتوٌلد معانا في نفس اليوم ... يعني أنا أقدر أبقى إسلام وأقدر أبقى جابر ... وإسلام يقدر يبقى أنا ويقدر يبقى جابر بردو ... والله أعلم ممكن نبقى مين كمان... بقيت تسرد تفاصيل الحكاية وجوارها إسلام يكاد يفقد صوابه وشادي يوميء برأسه ويُغمغم بكلماتٍ خافتة وهو يدوٌن على دفتره : - اضطراب الهوية التفارقية ... بينما كانت داليا تواصل الحديث متفوٌهة : - وبس كدة ... عرفنا بقى إن في بوابة بتوٌصلنا للعالم الآخر... قطع شادي حديثها ليردف بذهولٍ وبعض السُخرية : - بوابة ؟! أكدت داليا حديثه بلهفة وهي تواصل الحديث رغم اعتراض إسلام وتوٌعده لها : - أيوة بوابة ... إحنا بس إللي نقدر نفتح البوابة دي ... واصل شادي تدوٌينه على الدفتر مُغمغمًا : - سكيزوفرنيا... أنهت داليا الحديث أخيرًا بقولها الواثق : - وبس كدة ... قدرنا بقى نتخلص من إللي اسمه ضُرغام ده هو وبطة ورجعنا لأجسامنا تاني أنهت الحديث كما لو كانت تُنهي حكاية تحكيها للأطفالٍ بالروضة، بينما كانت نظرات شادي هذه المرة تنم عن تصديقه الكامل لكونهما أحمقان من الدرجة الأولى، فلا أحد يُصدق هذا الهُراء الذي تقوله تلك السيدة. أغلق الدفتر الخاص به ووضعه داخل جعبته ليثب بعدها عن المقعد متفوٌهًا بعملية : - خليكم هنا ثواني ... استأذن شادي ليرحل عن الحُجرة بينما بقي إسلام مع داليا يوٌجه لها الحديث بتوٌبيخ : - إيه إللي نيلتيه ده ؟... إحنا كدة هنتحجز في السرايا الصفرا طمأنته داليا بثقة العالم الذي قدم بحثًا عن مُستحضرات التجميل وينتظر الدعم من بقية العُلماء : - متخافش ... أكيد هيصدقنا، ما صُحابنا كلهم صدقونا تنهد تنهيدة عميقة حتى لا ينفجر بوجهها وهو يقول مُغيرًا مجرى الحديث إلى آخر بالغ الأهمية : - خلينا في المُهم ... ادخلي دلوقتي جوة جابر واسأليه هو كان عايزنا في إيه ؟ أومأت داليا برأسها موافقة لعلهم يستطيعون مساعدتهم في تلك الكارثة؛ أخذت نفسًا عميقًا ثم أطلقته مُغلقة عينيها مُركزة على تلك الطاقة المُتدثر داخلها، لكن قبل أن تُبادر هي بالانتقال حدث ما لم تتوٌقعه ... انتفض جسدها مرة واحدة ليحل جابر محلها وتتغير نظرات داليا إلى أخرى مليئة بالتيه جعلته يتلفت حوله لمعرفة ماهية هذا المكان الذي يُشبه عيادة لكنه في نفس الوقت يُشبه مكتبا عاديًا. - هو في إيه ؟... إنتو فين كل ده ؟ لم يتحمل إسلام كبت غضبه من جابر الذي تسبب في شك الطبيب بهما، فما إن استشعر روح جابر داخل جسد زوجته حتى تغافل عن كونها زوجته وقرر أن يُلقن هذا الذي يُدعى جابر درسًا يُعلمه كيف يتصرف فيما بعد : - إنت يا غبي ... مش قولتلك قبل كدة لما تدخل حد فينا تتصرف وكأنه إنت ... خليتهم يشُكو فينا ... أمسكه إسلام من ياقة ملابسه، أي ياقة ملابس زوجته، ليُقربه نحوه ويجعله يضطلع على نظراته الغاضبة التي زادته رهبة وهلعًا : - لا مؤاخذة يا إس ... أنا بس اتلغبط ومعرفتش اعملو إيه ترك إسلام ياقة قميصة ليتنهد مُجددًا يحاول استعادة هدوئه كي يسأل : - كنت عايز مننا إيه ؟ تذكر جابر ما آتى لأجله فآجاب بسُرعة : - كنت جاي اقولكم إن مُعتز فاق وبيسأل عليكم .... كمان لؤي بيه حقق مع المُجرمين إللي خطفو جماعتك والباقيين، وعرف إن حادثة الخطف كانت متدبرة اجتاحت الحيرة وبعض الهلع نظرات إسلام وهو يقول : - متدبرة إزاي ؟.. آجابه جابر بجهلٍ : - الله أعلم ... بس لؤي بيه بيقول إنه هيحقق في الحوار ده وهيقولكم أومأ إسلام رأسه موافقًا ثم وضع يده على كتف زوجته التي اخترقتها روح جابر، وجه نظراتٍ جادة صوٌب جابر ليُخبره بتقرير : - اسمع يا جابر .... لما ترجع قولهم إن أنا وداليا في مُستشفى الأمراض العقلية وتقريبًا كدة فاكرنا مجانين، بس ان شاء الله هنخرج منها ... تمام ... يلا بسُرعة هات داليا قبل ما إللي اسمه شادي ده ييجي أومأ جابر بموافقة لأنه من بادر بالتنقل في نفس اللحظة التي آرادت فيها داليا الانتقال إلى جسده، وكان يعلم إسلام هذا لأن جسد داليا انتفض قبل أن تُبادر بحركة الانتقال. عادت داليا مُجددًا إلى جسدها وعادت ملامحها الهادئة ونظراتها المُختلفة تمامًا عن نظرات جابر، كانت الأوضاع تبدو في حالة من الروتينية قبل أن يتجها ببصرهما صوٌب شادي الذي يقف بينهما بملامح حائرة وتأكيداتٍ عديدة لما يدور بذهنه، فكانت نظرات الشك تتبادل بينهما لأنه واثب مُنذ فترة طويلة وشاهد ما حدث بحذافيره، أي شاهد إسلام وهو يتحدث مع زوجته على أنها جابر. ارتبكت نظرات داليا وإسلام وأضحى موقفهما في مأزقٍ يؤكد لهما أنه لا مجال للخروج من هذا المكان، فكانت داليا تسأل بتوتر : - هـ..هو ... شافني وأنا جابر ؟ آجابها إسلام بحسرة : - ده شاف وسمع.... ___________________________ انتفض جابر على الجهة الأخرى ليعود بين أصدقاءه ورفاقه داخل منزل لؤي، كانت النظرات موٌجهة نحوه في ترقبٍ، فكان لؤي يُحدجه من اليمين وخالد من اليسار، ويسرى تثب أمامه مباشرة بجوارها قمر تعقد ذراعيها وتستطرد في تهكم : - قولنا هما فين بقى عشان داليا لما جات هنا قعدت تشتم فيك ومفهمناش منها حاجة بقيت الأسئلة تنهال عليه من كل حدبٍ وصوٌب حتى تقدم جابر بجذعه ليُبادل حدقاته بينهم بحثًا عن طريقة مُناسبة لإدلاء الحقيقة، فما سيقوله الآن سيُضاف إلى سجِل كوارثهم التي لا تنتهي. - أنا تقريبًا عرفت هُما فين ؟ لطخت الحدة والاندفاع وجه لؤي وهو يقول وكأنه يستجوٌب أحد المُجرمين : - هما فين ؟.. انطق ... حمحم جابر قبل أن يقول موٌجهًا الحديث لجميعهم : - إسلام وداليا محجوزين في .... مستشفى المجانين.... يُتبع 💕❤ ___________________________ لمحة تاريخية عن القضية أعلنت الجيوش العربية دخول الحرب ضد الكيان الصهيوني الذي تكوٌن من 100 ألف جُندي مُدرب داخل جيوش نظامية، بينما كان الجيش العربي يتكوٌن من 25 ألف جُندي فقط وكانوا يعتقدون أنهم في مواجهة مع مُجرد مجموعة من العصابات مما جعلهم ينصدمون من الهزيمة. ارتكب بعدها الكيان العديد من المذابح مثل مذبحة اللد والرملة والطنطورة ضد المدنيين أثناء هذه الحرب، وفي أغسطس 1948، بعد هزيمة الجيوش العربية، تم طرد المزيد من الفلسطينيين، وقام الكونت " بيرنادوت " مبعوث الأمم المُتحدة بزيارة فلسطين ومُخيمات اللاجئين في الأردن، وكان سيُحاول مساعدتهم لكنه أُغتيل من قِبل عصابة " اشتيرن " الصهيونية، وقائد هذه العصابة سيتوٌلى منصب رئيس الوُزراء فيما بعد. احتل الصهاينة 85% من القُدس خارج البلدة القديمة، كما حاول اليهود استمالة المسيحيون من قُرة " البصة " حتى ينضموا إليهم ضد المُسلمون ليُنفذوا خطة الانقسام داخل الشعوب الفلسطينية، إلى أن خططهم قد لاقت فشلًا ذريعًا بعد أن رفض الفلسطينيون المسيحيون عروضهم السخية ورفضوا التخلي عن إخوانهم المُسلمون. في 11 ديسمبر، أصدرت الأمم المُتحدة قرار 194 والذي يقرٌ بحق أي لاجيء تم طرده من بلاده بالعودة إليها متى آراد ذلك، وكان يوجد وقتها العديد من الفلسطيين اللاجئين الذين يحملون مفاتيح منازلهم التي طُردوا منها على أمل أن يعودوا إليها مُجددًا، لكن في عام 1950، أصدرت اسرائيل قرارًا يقرٌ بحق العودة الاسطوري، الذي قالت فيه أن أي يهودي له الحق في العودة لاسرائيل التي مثلت امتداد لدولة اسرائيل منذ 2000 عام " قانون عودة اليهود " أي أن الفلسطينيون الذين ترعروا في أرضهم لا يحق لهم العودة واليهود الذين لا يعلمون شيئًا عن هذه الأرض لهم حق الذهاب إليها متى آرادوا ذلك. في يوليو 1949، استوٌلى الكيان الصهيوني على 78% من الأراضي الفسطينية واعترفت الأمم المتحدة بحدودها وسمتها " الخط الأخضر "، إلى أن أملهم في التطهير العرقي للعرب لا يزال قائمًا حينما سافر دافيد بنجوريان بولندا وهو المؤسس الرئيسي لدولة اسرائيل، أقرٌ دايفيد بنجوريان أنهم .... ( يُتبع ) ____________________________ من الفصل اللي جاي هنرجع للمُغامرات تاني، فياريت تقولولي رأيكم في الفصل ده وفي الرواية بشكلٍ عام ولو في أي نقد وحاجات اتلغبط فيها في الرواية ياريت تقولولي، ومتنسوش الفوت 🥰
نوران أشرف محمد