الفصل السابع ( خائن !! )

الفصل السابع ( خائن !! )

22 0

بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم عليك بالصهاينة المُعتدين فإنهم لا يُعجزونك، اللهم زلزل الارض تحت أقدامهم وشتت شملهم " لا تنسوا الدُعاء لأهالي فلسطين 🙏 _____________________________ طالما الجميع يراني مُجرمًا، فساظل مُجرمًا حتى أنال منهم... يقف مُتصلبًا أمام فوهة السُلاح يُعاود التفكير في حياته الواهنة، حياته التي لم يستطع فيها أن يبدأ بداية جيدة خالية من الذنوب، لم يستطع حتى التأقلم مع رفاقه الجُدد وبناءٍ بيتًا دافئًا، قطرات العرق تتصبب على عينيه مُخلفة وراءها رؤية مُشوشة تجعله ينتبه أكثر لضيق الموقف، فحتى إنه لا يستطيع الصُراخ كي لا يكشف أمرهم، ولا حتى يستطيع الهرب، ففي جميع الأحوال سيلقى حتفه قبل أن يُحقق جميع أحلامه. كم أدرك أن الحياة قصيرة في تلك اللحظة، كم لعن نفسه لأنه يُفكر بالغد وما سيفعله دون أن ينتبه لحقيقة أن الحياة فانية ولا أحد يعرف أن الموت يطرق الأبواب فجأة دون استئذان. أغلق عينيه باستسلامٍ مع صوت تعمير السلاح الذي زلزل كيانه، تمتم الشهادة بقرارة نفسه وهو يبتلع ريقه ويكاد يبصق قلبه من شدة الخوف، لكن ما حدث أنه بدلًا من أن يبصق قلبه، بصق روحه !! صوت ارتماء جسده على الأرض أوقد انقباضة داخل هذا الحارس الذي يقف قبالته، اتسعت حدقة جابر وهو يقف مشدوهًا أمام جسده المسجي ونظرات الرجل الحائرة، سقط فكه في ذهول لعدم معرفته بأن تلك القُدرة حقيقية، فهو يستطيع التنقل بروحه كما أخبروه سابقًا. جثى الرجل على الأرض يتحسس نبضات جابر المتوقفة والتي أوهمته أنه أضحى جثة هامدة، ظن أن فؤاده توقف من شدة الرهبة لذلك لم يكن مُتعجبًا ووثب عن الأرض ليُجري مكالمة هاتفية ملئتها الصرامة : - تعالو شيلو الجُثة دي من هنا ... لأ، مات لوحده... ترك الحُجرة وهو لا يزال يتحدث بالهاتف والغضب يعتمره، فوجود لصٍ كهذا داخل إحدى الحُجرات يعني أن هناك المزيد من أمثاله، ما إن ترك الرجل الحُجرة حتى عاد جابر بسرعة إلى جسده حتى يهرب من هنا قبل مجيء الرجل مُجددًا، قرر أن يُحذر أصدقاءه بسرعة قبل أن يقبض عليهم أفراد هذه العصابة. _________________________ أحس بالاختناق بسبب هذا الذراع الغليظ الذي يُحيط بعُنقه ويُعيق تنفسه بأريحية، تأهبت حواس لؤي وأخرج سلاحه فورًا ليوٌجهه مباشرة على رأس الرجل المُحيط بإسلام، لكنه تفاجيء بمحاوطته بالرجال من جميع الجوانب، فيبدو أن أحدهم قد أخبرهم أن هناك دُخلاء. قبض الرجل أكثر على عُنق إسلام الذي كان يُحاول التملص من قبضته وعلى وجهه علامات التوُسل والهلع، قرٌب فوهة السلاح على جُمجمته حتى يخفض لؤي سلاحه ويستسلم لهم. أطبق لؤي على أسنانه وهو يخفض سلاحه ويرفع يديه في استسلامٍ أرغم عليه، لكن داخله كان يسب إسلام بأفظع السُبابات لأنه لم يستخدم سكينه ويتخلص من هؤلاء الحُثالة، فقط يقف كالطير المُبتل بعدما كان يتحدث كالاسد المُفترس. إقترب مجموعة من الرجال نحو لؤي ليُكبلوا حركته لكن لؤي لم يسمح لهم وحرك مرفقه حركة سريعة جعلته يصطدم بأنف أحد الرجال ويجعل الدماء تنسل منه مع صوت تأوهاته، سادت حالة الهرج والمرج بعد تلك اللحظة مما سمح لإسلام بالتملص من قبضته وركل الرجل في معدته ركلة جعلته يتأوه في صمت، هرول إسلام سريعًا نحو لؤي لكن أحد الرجال أعاق حركته ورفع سلاحه على وجه إسلام مرة أخرى. انقض لؤي على ذاك الرجل ودفع ذراعه مما أوقع السلاح على الأرض، لكمه لؤي لكمة قوية جعلت جسد الرجل يرتد إلى أحد الجوانب ليسمح للؤي أن يركله في معدته ركلة أخرى أوقعته على الأرض، بينما كان إسلام يُشارك بحركاتٍ عشوائية شاهدها بأحد الأفلام، فصحيح أن شقيقته بارعة في الفنون القتالية، لكنه كان العكس تمامًا، فقد كان يلعب كرة السلة في صِغره بعد أن رفض ممارسة الفنون القتالية متُعللًا بأن قوٌته فطرية ولا يحتاج لتلك الرياضة، كم كان يلعن نفسه في تلك اللحظة بسبب هذا القرار الأحمق، فلولا هذا القرار لما مارس عليهم بعض الحركات القتالية واستعرض قوته، إنما الآن، هو يتعارك معهم كما تتعارك السيدات مع بعضها. دوٌي صوت أعيرة نارية أركان المكان ليصم آذانهم ويجعل لؤي يُخرج سلاحه مجددًا ويلتفت وراءه حيث بُقعة إطلاق النار، لكنه ما إن التفت وراءه حتى انتهز الرجال تلك الفُرصة وقام واحد منهم بضرب لؤي على رأسه بقوة جعلته يفقد الوعي ويتأوه في ألم. ناداه إسلام بقلقٍ وكاد يذهب ليطمئن عليه لكن الرجال كبلوا حركته وأرغموه على الاستسلام حتى لا يسقط صريعًا، بعدها التقطوا لؤي عن الأرض، وقام أحدهم بإطلاق النار على الباب حتى ينفتح بعد أن حاولوا فتحه مرارًا بدون فائدة، فإسلام ولؤي كانا حريصين على إغلاق الباب جيدًا حتى لا يستطيع أحدهم توٌغل الحُجرة..... ___________________________ انقبضت أوزاره مع صوت الباب الذي انفتح لينطلق منه هذه الوحوش البشرية، ابتلع ريقه في هلعٍ وكان يتلفت بعينيه عن منفذٍ للخروج، وجد قدميه تُهرولان نحو الشُرفة لعله يختبيء بها قبل أن يراه الرجال، فهو مُتيقنٌ أنهم يشعرون بوجوده. لسوء حظه وجد جابر يقفز أمامه من الشُرفة العلوية ويردف بصوتٍ مسموعٍ مُتحمس : - مش هتصدق إللي حصل، أنا كنت خلاص هوٌدع، بس فجأة لقيت روحي بتطلع لغاية ما بقيت عفريت .... أنا مش مصدق بجد ... أنا بعرف أخلي روحي تطلع كاد يحاول خالد اخراسه لكن الأوان قد فات، فلهيب من النار اخترق أذنيه بسبب صوت الزناد الذي يُشبه صوت البراكين، احتقن وجه جابر وارتجفت خواصه وهو يرمق الرجال يصوُبون السلاح على كليهما ويُجبرانهما على الخضوع، التصق خالد بجسد جابر ليردف بسُخرية وصوتٍ هامسٍ يحمل الهلع : - أظن أنك لن تحتاج لمعرفة كيف تنتزع روحك من جسدك ... فهي ستُنتزع وحدها قبض الرجل على ذراع خالد أولًا ليجذبه داخل الحُجرة ويجذب جابر وراءه، ركع خالد على الأرض ليجد إسلام يجلس جواره هو ولؤي الذي كان يضع يده على رأسه ويتألم بصوتٍ خافت، فقد بدأ يفيق من غفوته ويُدرك أن خطتهم فشلت مجددًا، فدائمًا ما تفشل خُططتهم أو تُنفذ بطريقة خاطئة. - هو دا إللي هخلص عليهم ومش هياخدو مني غلوة وعملتلي فيها توم كروس !! ... دا إنت حتى مطلعتش المطوة من جيبك قالها لؤي باستهجانٍ وسُخرية من إسلام الذي أخذ يُتهته ويردف بارتباك : - ممــ..ما .. ما هو أنا ملحقتش، الموضوع جيه فجأة وأنا مُكنتش مستعد .... لو كُنت مُستعد كان زماني خلصت عليهم أشاح لؤي بوجهه نحو إسلام لعدم تصديقه وعدم رغبته أيضًا بالمجادلة مع هذا الطاووس، بينما كان جابر يقترب نحوهم ويسأل باستفسار : - هما هيعملو فينا إيه ؟ آجابه خالد بصوتٍ خافت : - أمامهم اختيارين ... أما يقتلوننا ... أو يُعذبوننا ثم يقتلوننا زادت تلك الكلمات من هلع جابر وأصمتته بقية الجلسة، فحتى تنقله من روحه لن يُجدي نفعًا، ففي جميع الأحوال سيلقى حتفه معهم أو ربما تظهر مُعجزة وتنقذهم من هذه التهلكة. ___________________________ تقرض أظافرها بتوترٍ كلما تمر الدقائق والثواني، فهي الآن داخل السيارة مع قمر ويُسرى التي تتوٌلى أمور القيادة، فهن يعلمن جيدًا أن الخطة سيتم تنفيذها الآن، ولأن لؤي أمرهن بعدم التدخل قررن أن يبقين داخل السيارة على أن يتدخلن إذا تعقدت الأمور، كذلك أخبرهن لؤي أن يتصلن بالشُرطة إذا مرٌت ساعتين دون أن يأتوا من الداخل. كانت تجلس قمر بجوار يُسرى تسألها عن القيادة وتُجيبها يُسرى وهي تُشير على بعض الأماكن والأزرار، تدخلت داليا بحديثهن لتردف بقلق : - يا بنات ... أنا حاسة إنهم اتأخرو ... تقريبًا فات أكتر من ساعتين تقدمت داليا بجذعها ليتوٌسط المقعدين الأماميين، آجابتها قمر بطمأنينة وهي لا تزال تعبث بمُحركات السيارة : - التدوٌير بياخد وقت، بعدين لؤي لسة مبعتش الإشارة لم تُخفف تلك الكلمات من قلق داليا مما جعلها تسأل مجددًا : - منا خايفة يكونو مش عارفين يبعتو الإشارة بدأ القلق يتسرٌب داخل يُسرى فاقترحت عليها : - طب ما تدخلي جوة إسلام وتشوفي إيه الموضوع استحسنت داليا اقتراحها فتراجعت للوراء تزامنًا مع كلماتها المُقررة : - حلو ده ... أرخت ظهرها للوراء لتأخذ نفسًا عميقًا وتُمعن التركيز في تلك الطاقة حتى... انتفض جسدها انتفاضة بسيطة أعربت عن انتقال روحيهما، فكان إسلام يحتل جسد داليا ويتلفت حوله ليتأكد من خلاصه من تلك العصابة، فما إن تأكد حتى زفر الهواء من فمه بأريحية لم تلحظها يُسرى أو قمر، انتبه بعدها إلى سؤال يُسرى الذي يحمل الفضول والقلق داخله : - اتأخرتو ليه ؟.... لسة بتدوٌرو على الفلاشة ؟ لم ينبس إسلام ببنت شفة في البداية وبقي صامتًا يُفكر في الإجابة المناسبة، فلا يُمكن أن يُخبرهم أن الخطة على وشك الفشل وأنهم الآن بين قبضة العدو الذي بالطبع سيُفتك بهم، يكاد يكون متيقنًا أنهم سيتخلصون من تلك العصابة دون تدخل النساء، لهذا السبب قرر حجب الحقيقة حتى لا تسخر منه يُسرى وقمر وينعتونهم بالفشل كما يعتقد. - أ..أه لقينا الفلاشة سألت قمر باهتمام : - طب مجيتوش ليه ؟ تردد إسلام قليلًا قبل أن يُزيف الحقيقة بثقة طاغية : - ما إحنااا ... لسة لاقيين الفلاشة وكنا خلاص هنهرب سألت يُسرى مجددًا لترضي فضولها وتجمح قلقها : - يعني إنتو كويسين ... حد عملكم حاجة ؟ أرخى إسلام ظهره للوراء وهو يُجيب بتعالٍ وثقة : - أه طبعًا إحنا كويسيين ... إنتِ فكرانا إيه، دا إحنا ضربناهم وقطعناهم، دول حتى بقو خايفين مننا وساعدونا نهرب كمان على الجهة الأخرى كانت داليا داخل جسد إسلام وأمامها العديد من أفواه الأسلحة المصوٌبة على رؤوسهم وتشعر بيديها مكبلتين وركبتيها متوٌرمتين من كثرة المكوث على تلك الأرضية الصلبة، أحست بلؤي الذي يحاول إحلال العُقدة لكن الرجل المُلثم يمنعه ويدفعه بقوة ليرتمي على ظهره ثم يُشدد من تكبليته أكثر، استشرعت أيضًا صوت الرجل الغليظ وهو يتصل بزعيمه ويُخبره عن أولئك الدُخلاء الذين سيلقون حتفهم عما قريب. انتفض جسدها حالما عادت بروحها داخل السيارة لتجد كلًا من قمر ويُسرى يجلسان بلامبالاة وراحة لا تعرف أين مصدرها، كانت علامات الذعر تلوح على وجهها مما رأته والذي جعل قلبها يدق بُسرعة خوفًا مما سيحدث لهم بالداخل، لاحظت قمرعوٌدتها إلى جسدها فأردفت بعِتاب : - محصلهُمش حاجة أهو يا ستي ... إسلام قالنا إن كل حاجة تمام تحركت داليا من مقعدها صوب الباب وهي تقول باندفاعٍ وتقريرٍ حمل ذعرها : - إسلام بيكدب عليكم .... انزلو بسرعة عشان هُما في خُطر لم تفتح قمر الباب لتسأل بتردد وقد بدأ الذعر والخوف يتسرٌبان إليها : - إيه !! ... طـ...طب إحنا هنعمل إيه ؟ ... هـ..هنساعدهم إزاي ؟ توٌقفت يد داليا عن الحِراك لتقول : - إحنا ستات ... محدش هيشك فينا، بعدين إحنا هنبلغ البوليس قبل ما ندخل نساعدهم أنهت حديثها تزامنًا مع فتحها للباب وولوجها من السيارة لتتبعها يُسرى ثم قمر وداخلهن صواريخًا تضرب صدورهن من شدة الرهبة والخوف. __________________________ خطواتهن الهادئة تتحرك على الأعشاب الصفراء حتى توقفن مُباشرة عند بوابة البناية، فهي بناية عريقة ليست مُكتملة البناء تتكوٌن من عدة طوابق يفصل بينها درجاتٍ مُتعرجة صعبة الصعود والانسلال، تقدمت داليا أولًا من أحد الحُراس بخطواتٍ هادئة وقلبٍ مُرتعد لكنها مع ذلك حافظت على صلابتها وهي تقف أمام فوٌهة سلاح الرجل الذي تأهبت حواسه وأردف بهمجية : - إنتو مين ؟ تقدمت قمر لتثب بجوار داليا التي حاولت الحديث بصوتٍ هاديء : - إحنا كُناا.. لم تُكمل حديثها بسبب نظرات قمر التي صوُبت على أحد الرجال فجعلته يزيغ بعينيه ثم يسقط على الأرض غارقًا في سُباتٍ عميق، وفي نفس تلك اللحظة استمعن إلى ضربة يُسرى التي أتت من خلف الرجل الآخر بعد أن استخدمت أحد العصي الملقية على الأرض لتهوي بها على رأس الرجل الثاني مما جعله يسقط مغشيًا عليه. آشارت داليا بعينيها نحو الملُثمان ففهمت يُسرى وقمر إشارتها وقررا تنفيذ ما تبقى من الخطة التي اتفقا عليها في طريقهن إلى هنا. حاول لؤي الاستناد على جابر حتى يعتدل في جلسته ويضع يده في الخفاء داخل جعبة إسلام حتى يسرق السلاح الأبيض المُتدثر داخل سرواله والذي لم يُلاحظه الملثمون، أمسك السلاح الأبيض بكلتا يديه وبدأ يُمرر النصل على الحِبال محاولًا الحفاظ على هدوءه قدر الإمكان حتى لا يُلاحظ الرجال ما ينتوٌي فعله. في نفس تلك اللحظة دخل مُلثمان بينهما تقف داليا تُمثل أنها مُكبلة بين أيديهما وعوالم الذعر على وجهها، فهذان المُلثمان لم يكونا سوى قمر ويُسرى، فكانت قمر تهتف بخشونة أجادت تمثيلها : - اترزعي قُدامي قالتها بحدة وهي تدفع داليا حتى وقعت على الأرض بقوة وداخلها تتوٌعد لقمر التي بالغت في التمثيل، التفت بقية المُلثمين نحو يُسرى التي أخبرتهم بصوتٍ غليظٍ أنهما وجدا داليا تحاول اختراق المخزن، أما عن داليا، فكانت تركع على الأرض بجوار إسلام وتُخرج سكينًا يتدثر داخل سروالها وكانت قد أخذته من حوزة أحد الملمثان اللذان نالا منهما. مررت السكين على الحبال التي تُكبل إسلام وهي تهمس بنبرة مُعاتبة : - هو ده إللي كل حاجة تمام ؟ لاحت السُخرية على كلماتها مما دفع إسلام ليقول بتعالٍ : - إحنا لسة بنسخن على فكرة... لو كنتو استنيتو شوية كنا خلصنا عليهم علٌقت داليا على حديثه بسُخرية : - قصدك هُما إللي هيخلصو عليكم قطع حديثهما صوت قمر الغليظ مع قدمها التي ركلت داليا حتى تُقلد أفراد هذه العصابة، فقد كانت تصيح بخشونة وغضبٍ زائف : - مش عايز اسمع صوت تأوهت داليا إثر ركلتها لتوٌجه بعدها نظراتٍ نارية صوٌب قمر تُخبرها أنها ستُحاسبها على تلك الركلة، كان لؤي بالجهة الأخرى يبدو عليه الغضب وهو يقول بصوتٍ هامس : - إيه إللي جابكم ؟ كان قد لاحظ وجود قمر بين الملثمين لأنه يعرفها جيدًا ويعرف تلك الطريقة التي تتحدث بها، كما أنه استنتج أن الأخرى هي يُسرى وأنهن خالفا تعليماته وتركا السيارة، فهو من الأساس لم يُخبرهن بالمجيء إلى مكانٍ كهذا لولا الحاحاتهن التي لم تتوقف، آجابته داليا بنفس تلك اللكنة الهامسة بعد أن ألقت السكين بالُقرب من خالد الذي التقطه وبدأ يُقطع تلك الحِبال في الخفاء. - دخلت جوة إسلام وعرفت إنكم في خطر، فكان لازم نتدخل على جهة أخرى كانت تقف يُسرى أمام خالد مباشرة تكبح نظراتها الخائفة قدر الإمكان وهي تتُابعه مكبلًا مسجيًا على الأرض، لاحظت أنه يُحاول فك قيده لذلك بقيت أمامه تراقبه بنظراتٍ عاشقة ورغبة بمنع المُلثمين الآخرين من الإقتراب ومعرفة ما يفعله خالد. لم تستطع التحمل أكثر فهوٌت بأقدامها على الأرض لتثب أمامه مباشرة وتلجمه بنظراتها الآسرة التي عرفها مباشرة ولم يستطع منع لسانة الذي أردف بتفاجؤ : - هل ...هل هذه أنـ_ قطعت يُسرى حديثه وهي تضع إصبعها على فمها كي تمنع حديثه وتردف هي بصوتٍ خافتٍ عاشق : - أتيت لإنقاذك يا حارس قلعتي مدٌت يدها خلف خُصره لتنتشل السكين في الخفاء وتسحبها سريعًا داخل جعبتها، لكن لسوء حظها لاحظها أحد المُلمثين ورفع سلاحه حتى كاد يُطلق أحد الطلقات على رأس يُسرى، لكنها سبقت حركته وركلت يده بمرفقها مما جعل السلاح يسقط على الأرض، وقبل أن يصيح الرجل وينقض عليها، كانت هي تثب بسرعة عن الأرض وتركله في معدته بقدمها حتى وثب لؤي هو الآخر وانقض على الرجل من الخلف ليجذبه من ياقة ملابسه ويُلقيه على طاولة خشبية جعلته يرتطم بقوة على رأسه ويُغشى عليه، كاد يُساعده الرجل الآخر لكن قمر منعت حركته وسلطت نظراتها الثاقبة على عينيه مما جعله يرتطم بالأرض فاقدًا للوعي. نجح الجزء الأول من خطتهن ووثب جميعهم عن الأرض بعد أن انتشل لؤي الأسلحة من الملثمين ومدٌ واحد منهم لخالد باعتباره الوحيد الذي يستطيع حمل الٍأسلحة وعدم استخدامها بحماقة، أحنت قمر جذعها لتمد يدها نحو داليا وتساعدها على الوثوب متفوهة بذعر : - يلا بسُرعة نمشي من هنا بينما كانت داليا تُحدجها بنظراتٍ نارية متوٌعدة : - بتضربيني يا قمر !! ... هو ده إللي اتفقنا عليه ؟ بررت قمر لنفسها بثقة : - أعملِك إيه يعني ... منا لازم أعمل زيهم ما كادت تتحرك خطوة أخرى حتى دوى صوت الطلقات النارية في كل مكانٍ تزامنًا مع أصوات سيارات الشُرطة التي بدأت بالاقتحام كي تبدأ معركة أخرى. احتمى لؤي خلف الباب من تلك الطلقات بينما أخفض البقية جذعهم وكانت قمر تهتف بذعر : - هو إيه إللي جابهم دول ... مش المفروض الشُرطة بتيجي في الآخر ؟ أطلقت صرخة مدوية من جوفها بسبب تلك الرصاصة الطائشة التي كانت قريبة من رأسها، صاحت داليا وهي تحني جذعها وتحمي رأسها من تلك الطلقات : - هنعمل إيه دلوقتي ؟ آجابها إسلام بصوتٍ مُرتفعٍ حتى تسمعه بين تلك الطلقات : - هنفضل مستخبيين لغاية ما الشُرطة تساعدنا رفضت يُسرى اقتراحه بخوف : - على ما الشرطة توٌصلنا هنكون جُثث أمسك لؤي السلاح جيدًا وهو يقول بصرامة : - لازم نخرج من هنا ... إحنا خلاص معانا الفلاشة قال هذه الجملة بعد أن أكد له جابر بأن الذاكرة الوميضية بحوزته وأنه أعطاها للؤي حتى يحتفظ بها جيدًا، أي أن مهمتهم قد تمت بنجاح وبقي فقط أن يهربوا من تلك النيران. وثب لؤي عن الأرض ليقترب نحو الباب ويُشير عليهم باتباعه، فتح الباب بتروٍ وهو يُشير بسلاحه والبقية يسيرون خلفه وكان خالد يقف بآخر المسيرة وأمامه إسلام ويُسرى، يتلفت لؤي يمينًا ويسارًا قبل أن يتقدم خطوة ويُشهر السلاح أمامه حتى يُدافع به عنهم، أخفض الجميع جذعهم ليتجنبوا تلك الطلقات العابرة التي جعلتهم يتراجعون ويحاولون العثور على مهربٍ أكثر آمانًا. يهرولون بين الممرات متجاهلين أصوات الطلقات النارية التي تصدح في الأجواء، كانوا على وشك الهرب لكن ما حدث فجر جميع التوقعات. دوى صوت قُنبلة داخل المخزن جعلت صرخاتهم تتعالى ورائحة الأدخنة تنبعث في كل مكان، تزايدت الطلقات النارية مع هذا الضباب الذي غمر الممر وجعل ذعرهم يزداد أكثر، هذا الضباب الذي جعلهم يفترقون ويهرولون في اتجاهاتٍ متعددة تجنبًا للإصابة بتلك الطلقات النارية. تشبثت يد يُسرى بخالد وهما ينسلان الدرج بسرعة كادت تتعركل معها يسرى أكثر من مرة، لكنها تماسكت قدر الإمكان حتى تعود إلى منزلها سالمة وتحتسي قهوتها وتقرأ إحدى الروايات في هدوءٍ ورخاء، لكن ما حدث ألجم حركاتهما، حيث صرخ خالد بتألمٍ بعد أن أصابته إحدى الطلقات النارية. ارتمى بجسده وراء السُلم المتهالك لا يزال يتأوه بألمٍ ويُسرى جواره تكاد تذرف الدموع وهي لا تزال تتمسك بقبضته، أرخى خالد ظهره للوراء ليضع يده على كتفه موٌضع الإصابه ويتحسس هذه الدماء الساخنة التي تنبعث من جسده متجاهلًا صوت الطلقات النارية التي لا تزال تصدح في الأرجاء، حاولت يُسرى جذبه وهي تقول مُترجية : - يلا ... يلا يا خالد بقي خالد مكانه على الأرض يحادثها بطريقة درامية تُشبه ما يحدث بالأساطير : - لا أستطيع ... ارحلي من دوني ... هيا يا زهرتي، أخبري الجميع بقصة حُبنا كادت الدموع تُذرف من عينيها وهي تترجاه بصوتٍ باكٍ ونفس طريقته في الحديث : - أنا لن أتركك يا حارس قلعتي ... سأبقى هنا وأموت بجوارك أنهت حديثها بدرامية تُشبه دراميته ليُضيف عليها بإصرار : - لا تتركي أبنائنا يا زهرتي ... إبقي معهم من أجلي، وأخبريهم كم كان والدهم عظيمًا بقيت تقبض على يده حتى قطع إسلام تلك المسرحية الهزلية بطريقة ساخرة مُحتدة جذب معها ذراع خالد الآخر : - إخلص يا عم روميو ... تأوه خالد وهو يثب عن الأرض عنوة ويهتف بتذمر : - لمَ قطعت لحظتنا يا هذا ؟ آجابه إسلام وهو لا يزال يجذبه خارج المخزن حيث البقية : - لحظة إيه يا أبو لحظة ... دا إنت شوية وكُنت هتقولها أكون أو لا أكون.... _____________________________ يتراجع للوراء بأنفاسٍ ضيقة وقلبٍ يكاد يترك موضعه، لم يكن من المُفترض أن يتم كشفه بتلك الطريقة، لم يكن من المُفترض أن يراه السائق ويصيح بصوتٍ مُرتفعٍ لبقية زُملاءه مما دفع مُعتز للركض بأقصى سُرعة حتى كاد يتعثر، فكان يصيح بصوتٍ مُرتفعٍ مُحذِر: - بسرعة يا ميجو التقط ميجو إشارته وهرول بسرعة البرق صوٌب السيارة حالما استمع بقية الرجال إلى صياح السائق وولوجه من السيارة مصوٌبًا فوهة السلاح على مُعتز حتى توقفت أقدامه أمام سيارتهم مُباشرة، استطاع ميجو أن يستقل السيارة لكنهما لم يستطيعا تحريكها بسبب هذا الجسد الرابض أمامهما. أحنى ميجو جذعه خوفًا من السلاح كما فعل مُعتز هو الآخر، فكان ميجو يسأل بخوفٍ : - هنتحرك إزاي ؟ آجابه معتز بصيحة مُرتعدة تزامنت مع صوت الطلقات التي بدأت تدوٌي مع اقتراب الرجال نحوهم ومطالبتهم بتكبيل مُعتز ومعاقبته عمَ فعل، بدأ مُعتز باللطم على وجنته وسب ميجو بقرارة نفسه لتسببه بكل هذه الضوائق، فلولا ظهوره فجأة لما كان الآن على فراشه يتنعم بفنجانٍ من القهوة مع زوجته وابنته الرضيعة والتي على الأحرى لن تُقابله مرة أخرى، هذا ما كان يجول بخاطره كلما إقترب الرجال نحوهما حتى أوشك أحدهم على فتح باب السيارة بفوهة السلاح المصوٌبة على رأس مُعتز من خلف الزُجاج. توقف الزمن عند هذه اللحظة وبدت النهاية وشيكة لولا مجيء سيارات الشُرطة في الوقت المناسب وإلقاءها القبض على تلك العصابة التي لم تستطع الهرب بسبب إطارات السيارة الفارغة، ما إن تأكد ميجو من نجاته حتى هلل بسعادة وعانق مُعتز عناقًا أخويًا لأول مرة يشعر به، فلولا شقيقه لما تخلص من تلك المشكلة للأبد، حتى أنه قرر أن يتوقف عن تلك التجارة الضالة التي لا يجني منها سوى المشاكل..... ___________________________ عادت الأمور لطبيعتها ولم تعد أجسادهم كما هي، فكانت الرهبة لا تزال تُلطخ وجوههم مع بعض الكدمات التي تركت أثرها على بعضهم خاصة خالد الذي ربط ذراعه بجبيرة بيضاء وهو بيجلس معهم بالمنزل الخاص بمُعتز، فدائمًا ما يحتفلون بعد هذه المعارك والخطط كما لو كانوا ضباطًا انتهوا من عملية عسكرية صعبة، وهي بالفعل عملية صعبة، لكنها ليست عسكرية أبدًا، بل هي أشبه بالعمليات التي يُجريها أفراد عصابة تتكون من الهواة والحمقى، فيما عدا لؤي الذي يكاد يفقد صوابه بسبب كثرة المُشكلات التي يتسببون بها. ارتمت كوكي على الأريكة بجوار مُعتز بوجهٍ يحمل معاني القلق، وضعت أناملها الرقيقة على كتفه وأخذت تسأل : - اتأخرتو ليه ؟... I was so worried about you " كنت قلقة عليكم " رماها بابتسامة هادئة حنونة وهو يُربط على أناملها بعشق كاد يجعل إسلام يتقيأ وهو يرمقهما من بعيد، خاصة عندما وجد مُعتز يرفع أصابع كوكي كي يُقبلها على يدها ثم ينظر إلى عينيها بنظراتٍ ساحرة جذبتها إلى أعماق قلبه. - إنت عارف إن أنا مش بحب إنك تبعد عني قالتها بضيقٍ وأعينٍ تكاد تُذرف الدموع مما جعله يباغتها بعشقٍ جارف: - وأنا عُمري ما بعدت عنِك ... عشان إنتِ محفورة في قلبي آشار على صدره مع آخر كلماته مما جعل إسلام يلتقط الوسادة فورًا كمحاولة لإيقاف هذا العشق المبالغ به قبل أن يتقيأ. - وربنا لو ما بطلت مُحن لاكون رميك إنت ومراتك من البلكونة .... هي ناقصة فقعة مرارة تأوه معتز إثر الاصطدام الذي سرقه من غُمرة عشقة وجعله يهتف بتذمر : - في إيه يا إس ما تسبني اتغزل بمراتي شوية .... وها قد بدأ الشجار بينهما مما جعل قهقهات كوكي تتعالى وهي تُحاول كبتهم كما فعل البقية، أتت قمر من الداخل في تلك اللحظة لتراهما يتعاركان ككل مرة لكنها تجاهلت صبيانيتهما وجلست بجوار كوكي كي تُخبرها : - بقولِك يا كوكي ... بسملة عمالة تعيط وأنا مش عارفة أعملها إيه ما إن أدلت تلك الجملة حتى لطخ الذعر جنبات وجه كوكي وجعلها تلتفت نحو قمر وتثب على الأريكة متفوهة : - بوسي !! ... I forgot to change her diapers " نسيت أن أبدل حفاضاتها " في جهة أخرى داخل حُجرة الطعام التي يصل طولها إلى بضعة أمتارٍ قليلة لكنها مع ذلك تحتفظ بتراثها العصري ونظافتها الدائمة، كانت تقف داليا أمام الموقد ترفع جذعها لأعلى حتى تلتقط بعض الصحون من أعلى الرف، فقد كان الفتيات يقفن في المطبخ يتولن إحضار المُقبلات فيما عدا قمر التي قررت تركهن حتى تلهو مع بسملة، كما أن كوكي استأذنت هي الأخرى حتى تطمئن على زوجها الذي لم يأتي معهم، فجميع الرجال كانوا بالمشفى يطمئنون على خالد ثم يُجرون القليل من الإجراءات والتحقيقات حتى انتهت هذه القضية بعد أن دقت عقارب الساعة التانية بعد مُنتصف الليل، ومع ذلك قرروا الإحتفال دون أن يكترثوا لهذا الوقت المتأخر. - بقولِك إيه يا دودو .... خالودي عيد ميلاده قرٌب وأنا عايزة أجبله رواية بكرة قبل المناقشة قطبت داليا حاجبيها وهي تجذب أحد الصحون المُستديرة وتُفرغ بداخله بعض المُكسرات ثم سألتها بحيرة : - مناقشة إيه ؟ آجابتها يُسرى بسُرعة ولهفة : - المناقشة إللي بنعملها كل أسبوع ... أصل إحنا كعيلة يعني، بنقرا كلنا رواية واحدة، بنقرا أول فصل مع بعض، بعدها كل واحد فينا يتوقع نهاية الرواية ... وإللي التوٌقع بتاعه يطلع صح، هو إللي بيكسب وبيختار الرواية إللي بعدها... دا حتى غُفران ونديم بقو يقرو معانا، ويمكن دي أول سنة يقرو فيها روايات أنهت حديثها بحماسٍ جعل داليا ترمقها ببعض الإعجاب المخفي، فهي تشعر أنها تستمع لأحد أكبر إنجازاتها التي أعجبتها حقًا، فعلى الرغم من الجنون الذي يُحيط بأفراد تلك العائلة إلى أن خالد ويُسرى يتشاركان اهتماماتهما سويًا كما لو كانا شخصًا واحدًا، كم أعجبها ترابط هذه الأسرة وودت لو أضحت حياتها مع إسلام تسير على نفس تلك الوتيرة رغم الإختلافات الوبيلة بينهما، فكلاهما يمُثلان السيارة والشجرة، لا يلتقيان سوى بالاصطدام. - المشكلة إني مش فاضية خالص بُكرة، لازم أكتب جزء كبير في روايتي عشان المعرض قرب وأنا لازم أسلم الرواية .... كمان إسلام قالي إن في واحد بيبيع كُتب فاتح جنب العيادة بتاعتِك، عشان كدة عايزة أطلب منِك تشتريلي الرواية إللي هقولِك عليها وأنا هديلِك تمنها أيقظتها يُسرى من شرودها بتلك الكلمات الجادة مما جعل داليا تضع الصحون على صينية معدنية مُستديرة وتوافق على اقتراحها بوٌدٍ حمل معه اللامبالاة : - ماشي ... بكرة هبقى اشتريهالِك وأنا رايحة ... اسم الرواية إيه ؟ اتسعت بسمة يُسرى وهي تُجيبها بثقة : - لا تُخبري ماما حادثتها داليا ببلاهة بعد أن فهِمت حديثها بطريقة خاطئة : - لا متقلقيش مش هقول لحماتي ... ها اسم الرواية إيه بقى ؟ تلاشت بسمة يُسرى ما ان استقبلت هذا الرد الأحمق مما جعلها تهتف ببعض الاندفاع والتأكيد : - يا بنتي الرواية اسمها لا تُخبري ماما فتحت داليا فاهها وهي توميء برأسها وتُصدر صوتًا من جوفها يدل على فهمها أخيرًا لاسم هذا الكتاب، بقي الحديث يدور بينهما حتى انتهيا من إعداد المُقبلات وكانا على وشك ترك حجرة الطعام. ابتعد ميجو عن النافذة بعد أن كان يُراقب تلك الفتاة التي تقطن بالشقة المجاورة له، لا ينكر أن شخصيتها الغريبة جذبته، لكنه لم يصل إلى مرحلة الإعجاب حتى، بل إنه يُشبهها بكتلة من الإزعاج تسير على الأرض، ومع ذلك لا يزال عقله يُفكر بها ويريد أن يفهم سبب مجيئها لتلك البناية التي أخبره مُعتز مُسبقًا أنها لعائلة إسلام وأصدقاءه فقط، وهذا يعني أن تلك الفتاة لها صلة بهم بطريقة أو بأخرى وهو يجب أن يعرف تلك الصلة. - إلا قولي يا زوز ... هي مين البنت إللي ساكنة في الشقة إللي قُصادي ؟ سأل ميجو وهو يجلس بجوار مُعتز على الأريكة، كان يرمقه مُعتز في باديء الأمر بخليطٍ من الحيرة والشك لكنه في النهاية أجابه بصدق : - بنت !! ... إللي ساكنين في الرابع تقريبًا حج هلال وبنته ومراته وابنه .... يبقى إنت أكيد قصدك على شمس أخت قمر شمس ... تردد هذا الاسم داخل عقله حتى يُحفر جيدًا داخل ذهنه، فهو اسم مكونٌ من ثلاثة أحرفٍ فقط ويُشير إلى كونها مُشرقة تملأ الحياة بأشعتها المتوٌهجة، لكنك إذا إقتربت نحوها، فسوف تحرقك أشعتها، وهذا ما يحدث معه كلما إقترب نحوها واستمع إلى ثرثرتها العلمية التي تُصيبه بنفاد الصبر. - إنت بتسأل عنها ليه ؟ باغته مُعتز بهذا السؤال ليفيق من غفلته ويُجيبه ببعض الارتباك : - لا مفيش أصلي.... شوفتها وأنا طالع الشقة عشان كدة بسأل حدجه مُعتز بشكٍ وعدم تصديقٍ لحديثه، فهو لا يعلم شقيقه جيدًا، وكلما تقرٌب منه كلما زادت شكوكه حياله، فهو يعلم أنه يُدخن السجائر المُذهبة للعقول ووالدته راقصة وهو على الأحرى يعمل معها بهذا المكان الماجن، بل حتى إنه يُتاجر بتلك الممنوعات وللتو أنقذه من إحدى العصابات، ومع كل تلك الصفات السيئة لا يزال يتمسك به على أمل أن يُبدله للأفضل، وحالما يتبدل حاله، يجب أن يبتعد عنهم خاصة النساء، لهذا السبب باغته بلكنة تحذيرية حملت معها التهديد : - إياك تقرٌب منها ... وإياك تقرٌب من أي ست هنا في العُمارة.... هو محدش قالك قبل كدة عن غض البصر تدخل إسلام بنقاشهما كي يردف بسُخرية بعد أن نبتت قهقهة على ثغره : - غض البصر !! ... إنت بتقول الكلام ده لابن الرقاصة واصل إسلام قهقهته بسُخرية جعلت الدماء تتدفق بعروق ميجو مما جعله يتقدم بجذعه ويُدافع عن والدته كما لو أنه يُدافع عن حقوقها في مُنظمة حقوق الإنسان : - مالها يعني الرقاصة .... على الأقل بتشقى وبتشتغل وكانت بتصرف عليا وانا عيل صُغير أنهى حديثه بنظراتٍ مُقطبة أعربت عن استياءه من سخرية الجميع من والدته الراقصة، فحتى وإن كانت راقصة ستظل الأعظم في نظره، على الأقل لم تُلقيه بدور الأيتام وتتخلٌى عنه كما تفعل العديد من الراقصات. - أول مرة أشوف ابن رقاصة بيطبل لأمه قالها إسلام بسخرية لتجحظ عينا ميجو بعد أن فهمه بطريقة خاطئة، فلا أحد يعلم أنه يعمل بهذا الملهى الليلي ويقوم بالتقريع خلف والدته الراقصة. - إيه ده !!... إنت عرفت منين إني بطبل لأمي في الكبارية ؟ ما إن أدلى تلك الكلمات حتى انفجر الجميع في الضحك إلى أن أمسكوا معدتهم وقوٌسوا ظهورهم حتى أن وجوههم بدأت تأخذ اللون الأحمر. - إنت بطبلها بحق وحقيقي !! قالها لؤي بدهشة فأضاف إسلام على حديثه بسُخرية : - الراقصة والطبال على الحقيقة انفجر الجميع بالضحك بعد تلك الدعابة فيما عدا ميجو الذي يتابعهم بنظراتٍ مُشتعلة ورغبة عارمة بالفتك بهم، لكنه أخذ قراره وقرر الانسحاب من تلك الجلسة قبل أن يُفجر رأس أحدهم، فهو يكره أن يتلقى السُخرية من وظيفته ووظيفة والدته التي يظنها وظيفة عادية لا تُخالف المباديء والمعايير الأخلاقية، فهو ترعرع على أن الرقص هو مُجرد فنٍ يُمتع العين وأن الخمور ما هي سوى وسيلة للتسلية، فماذا تتوقع من شخصٍ نشأ في بيئة لا تخلو من المجون وانعدام الأخلاق ؟ ترك الأريكة بنظراتٍ غاضبة مُقررة قال معها : - لا.. إنتو ناويين تهزرو وأنا مليش خُلق للحوار ده كاد يرحل لكن مُعتز جذبه من ذراعه وأعاده مجددًا إلى المُقعد محاولًا تهدئته بوٌد : - إقعد إقعد خلاص هنسكت تكون الهواء داخل جوفه كثمرة من الطماطم خاصة مع وجهه الأحمر الغاضب، زفر كتلة الهواء الساخن من جوفه ليستسلم بعدها لتوٌسلات معتز ويعاود الجلوس على الأريكة تزامنًا مع هدوء قهقهاتهم وبقائهم في فترة من الصمت لوهلة. - ما تدخل يا إسلام جوة داليا تشوف بيعملو إيه كل ده ... أصل مش معقول يعني كل ده بيحضرو شوية تسالي رفض إسلام اقتراح لؤي بنبرة قاطعة مُبررة : - لا يا عم ... أنا كل ما بدخل جسمها الاقيني في وضعية غريبة، أنا خايف أدخل جسمها الاقيها في الحمام انتبه ميجو على حديثهما مما جعل الحيرة تغتابه بشدة، فكيف يستطيع إسلام أن يخترق جسد زوجته ؟ وكيف يُمكن أن يضحى هذا ممكنًا من الأساس ؟ تقدم بجذعه وعوالم الاهتمام تلوح على وجهه وهو يسأل : - هو إزاي يعني لا مؤاخذة هتدخل جسم مراتك عشان دماغي حدفت في حتة تانية ظن أنه ترجم حوارهما بطريقة خاطئة لكن إسلام فاجئه بتأكيده على تلك الظنون التي يعتقد أنها خارج نطاق المنطق : - لا إنت فهمت صح ... أنا وداليا جسمنا بيتبدل مع بعض_ قطع جابر حديثه وهو يرفع ذراعه ويهتف بثقةٍ كما لو كان يُخبره أنه اخترع دواءً لعلاج السرطان : - أيوة أيوة وأنا كمان .... أنا كمان ببدلو جسمي معاهم... وإحنا التلاتة نقدر نتحولو لعفاريت إزدادت الحيرة داخل عقل ميجو مما جعله يشعر وكأنه سيفقد صوابه، فكانت أسئلته تحمل التيه وهو يقول : - د..ده إزاي يعني ؟ آحاطه مُعتز بذراعه وهو يقص عليه باختصار : - دي قصة طويلة أوي ... كل الموضوع إن_ قطع حديثه خطوات النساء التي أتت سويًا أخيرًا ومعهن صحون التسالي والمُقرمشات حتى تبدأ سهرتهم الحقيقية، ابتعد مُعتز عن ميجو لينتشل الصحون ويضعها على الطاولة ثم يفتح التلفاز على أحد الأفلام الكوميدية التي ستُرطب على قلوبهم بعد هذا اليوم الشاق، فقد اتفق الجميع أن يأخذ إجازة من العمل حتى ينعموا بالقليل من الراحة بعد هذه المشقة. كانت البهجة تُحيط بجلستهم وتجعل قهقهاتهم تصدح في الأرجاء، لكن نظرات ميجو الحائرة لا تزال على وجهه بعد هذه الكلمات، يرغب بمعرفة المزيد عن تلك القُدرات العجيبة التي يمتلكها بعض أفراد هؤلاء الأصدقاء.... ____________________________ خطواتها الهادئة تطرق سفحات الأرض اللامعة بهدوءٍ وارتباكٍ وكأنها تسير على قشر البيض، أشعة الشمس الساطعة تخترق عينيها البنية فتجعلها برٌاقة تُشبه السباع التي تشع عينيها في الليل، فالضوء الذي يسطع من أعين الحيوانات الكالشة يجعلها أكثر مُكرًا ودهاءً، ولا أحد يعلم أن تلك المعلومة ترتبط بالبشر أيضًا. تلفتت يمينًا ويسارًا قبل أن تدخل مكتبه الخاوِ، فهي تعلم أنه لم يأتي للعمل اليوم وعلى الأحرى لن يأتي أبدًا، لذلك انتهزت الفُرصة لتقتحم مكتبه وتنتقم منه على رفضها، فمن هو حتى يرفض جمالها وأناقتها، من هو حتى يُعاملها بلامبالاة وكأنها مجرد موظفة لا أهمية لها بالنسبة له، فهو السبب الحقيقي وراء مجيئها، وإن كان رافضًا لفكرة الارتباط والزواج منها، فعليها أن تقتحم حصون قلبه عنوة وتُدمر حياته حتى لا يجد أمامه سببًا لمقاومتها. فتحت الحاسوب وبدأت تعبث بالأزرار بأعينٍ ثاقبة وقلب مُضطرب، يتصبب العرق من جبينها خوفًا من أن يتم كشفها ويُفتضح أمرها، فلا أحد يعلم سبب مجيئها هذا المكتب، لا أحد يعلم سبب عبثها بهذا الحاسوب وهي ليست مُتخصصة بما يخص الحواسيب. توقفت أصابعها عند أحد المقاطع مما جعل ابتسامة خبيثة تشق ثغرها، بقيت تتأمل هذا المقطع بانتصارٍ كما لو كانت تشاهد نفسها تتسلم إحدى الجوائز، وفي أقل من دقيقة كانت تُخرج ذاكرتها الوميضية وتُدثرها داخل الحاسوب حتى تحتفظ بنسخة من ذاك المقطع الذي يحمل خطتها الشيطانية. أنهت نقل المقطع لتتحرك بسرعة خارج الحُجرة تحاول المحافظة على ثباتها حتى لا يُلاحظ أحدهم ما كانت تفعله منذ قليل، أخرجت هاتفها لتعبث به بأنامل مُتعرقة وجسدٍ يمُثل الارتباك مع كلماتها التي تبعت تلك المكالمة : - أيوة يا مستر مُعتز .... في client عمال يتخانق وبيقول إن واحد من السواقين بتوعنا حاول يسرقه انتفض مُعتز وهب من فراشه الذي كان يستلقي عليه غارقًا في سُباتٍ عميق، لاح على وجهه عوالم الذعر وهو يقول : - طـ ... طب قولي لمجدي يتصرف مثلت الارتباك مجددًا وهي ترد عليه : - مستر مجدي عنده إجتماع مع المُبرمجين اليابانيين عشان الأبليكشن أغلق عينيه لبُرهة يمنع معها سبة كادت تخرج من جوفه وتلعن تلك الحياة التي لا تدعه وشأنه، لكنه فتح عينيه مجددًا ليُجيبها بتقريرٍ ضد رغباته : - تمام ... شوية وهكون في الشركة أغلق المكالمة بعد أن أدلى تلك الجُملة ووثب بعدها عن الفراش كي يستعد، تململت كوكي في نومتها بعد أن لاحظت استيقاظه وشعرت أنه سيترك المنزل، لهذا السبب سألته بصوتٍ واهنٍ يكسوه النُعاس : - رايح فين ؟ آجابها بحنانٍ وهو ينتشل سُترته ويتجه إلى المرحاض : - هروح الشركة هشوف في إيه وجاي ... خليكي إنتِ نايمة وعلى الجهة الأخرى داخل الشركة كانت تبتسم هي في مُكرٍ بعد أن نفذت ما تبقى من خطتها ولم يبقى فقط سوى خطوة أخيرة حاسمة. _________________________ أغلب القرارات التي نتخذها، هي قراراتٌ طائشة لا نعلم نتيجتها... تجلس قمر على مقعد القيادة بعد أن انتهزت فرصة عدم ذهابهما للعمل وطلبت من لؤي أن يُعلمها القيادة، فهو قد قدم على إجازة قصيرة بعد ما حدث بالأمس، وربما سيقطع تلك الإجازة إذا تطلب الأمر، فخدمة المُجتمع أهم من الراحة والاستلقاء. كان بالمقعد المجاور لها مقطبًا حاجبيه بتركيزٍ وربما متضايقًا من أشعة الشمس التي تنعكس على عينيه البُنية وتجعلها أكثر لمعانًا، آشار على المرآة الأمامية كي يُلقي تعليماته التي ألقاها للمرة المئة، فإذا كان يجلس بجوار حمارٍ، لما استطاع القيادة الآن، لكن زوجته أقسمت على جعله يفقد صوابه بغباءها وذاكرتها الأضعف من ذاكرة السمكة. - المراية إللي قُدام دي بنشوف فيها إيه ؟ سألها بصوتٍ يُشبه صوت المُعلمة التي تسأل الصغار بالروضة، وكانت هي كفتاة صغيرة وهي تُجيبه بلهفة وثقة لا يعلم من أين اكتسبتها : - بنشوف فيها حواجبنا ضرب جبهته حتى يمنع نفسه من ضربها على وجهها، خرج صوته منفعلًا وهو يسخر من حديثها وإجابتها الحمقاء : - حواجبنا دي تشوفيها في تسريحة بيتنا ... آشار على المرآة مجددًا وهو يشرح باتكاءٍ على حروفه : - المراية دي ... بنشوف بيها العربيات إللي ورانا تخطت ذراعه وجهها وهو يُشير على المرآة الآخرى المجاورة لها من خارج السيارة، واصل شرحه مرة أخرى على أمل ألا تقطعه بإجاباتها الحمقاء : - والمراية دي بقى_ نسي أن لا حياة لمن تُنادي، فها هي تقطعه مجددًا بإجابة واثقة وكأنها تقود السيارات منذ قديم الأذل : - بنشوف بيها إللي قدامنا سرق نفسًا عميقًا ثم أطلقه حتى لا ينفجر بوجهها كالقنابل، ومع ذلك كان حديثه يحمل نفاد الصبر الذي امتزج بالغضب وربما يتحوٌل أيضًا إلى الجنون : - لأ ... المراية دي بنشوف بيها إللي ورانا بردو ... بس من ناحية الشمال، والتانية بنشوف إللي ورانا من ناحية اليمين اعتدل في جلسته أمام نظراتها المُترقبة ولهفتها بتعلم القيادة، آشار بأصابعه على المكابح ليُخبرها بتحذيرية : - دي الفرامل إياكي تدوسي عليها غير للضرورة ... وجنبها البنزين، هو ده إللي تدوسي عليه عشان العربية تتحرك أومأت رأسها ببلاهة كما لو كانت جروًا يوميء حينما يسمع صوت صاحبه رغم أنه لا يفهم ما يقول، استجابت لتعليماته واعتدلت في المقعد تُمعن التركيز أمامها وتقبض بكلتا يديها على المُحرك وكأنها تستعد للسباق، ساعدها لؤي بتحريك السيارة على أن تواصل هي السير بهدوءٍ وفقًا لتعليماته. بعد القليل من المحاولات، بدأت السيارة تتحرك أخيرًا، تسير بخطواتٍ بطيئة كالكهل الذي يعبر الطريق، كان الطريق خاليًا من السيارات مما سمِح لها بأخذ راحتها بالقيادة، وهذا ما جعلها تُسرع بالخُطى قليلًا حتى ... ارتدت أجسادهما مرة واحدة عقب التوقف المفاجيء للسيارة، التفت لؤي نحوها ليُحادثها ببعض الاندفاع الخارج عن سيطرته : - بتعملي إيه ؟ حاولت طمأنته بحديثها وهي بالأساس تزيد الأمر سوءًا : - أسفة والله غصب عني تحركت خطوتين بالسيارة حتى ارتدت أجسادهما مجددًا عقب توقف السيارة للمرة الثانية، حاول لؤي ارشادها ببعض التحذير : - متدوسيش على الفرامل خرج صوته صائحًا لأنها تتحرك بالسيارة ثم تتوقف مرة واحدة حتى أحس وكأنه سيتقيأ، كانت تهتف بقلة حيلة وأعين تكاد تفيض من الدموع لتخلق أنهارًا لأنها تشعر أن حادثة سيرٍ ستطرق أبوابها. - والله بحاول ... أدارت المقود لعدة جوانب بطريقة عشوائية جعلتهما يترنحان تارة لليمين وتارة لليسار حتى شعر لؤي أنه سيُقفز خارج السيارة، خرج صوته مُرتفعًا وهو ينقض عليها ويهتف بصوتٍ مُرتفع : - وقفي العربية تحوٌل وجهها إلى الأحمر وهي تصرخ بذعرٍ وقلة حيلة : - مش عارفة .... وهكذا استمر الحال بينهما ما بين صُراخٍ وتعليماتٍ لا فائدة منها، فقد ظن لوهلة أن إجازته ستضحى أكثر هدوءًا من تلك الإجازة، لكن كيف يتذوق طعم الهدوء مع تلك الزوجة الطائشة ؟ ___________________________ احتضن القمر شرادق السماء الكحلية ليُخفف من عُتمتها ويوهم الجميع ببريقها الذي يستمده من الشمس بغير وجه حق، فيبدو أن السرقة لا تتأصل بالإنسان فقط، بل هي موجودة بجميع المخلوقات. كانت عيناها ترمقانه كصقرٍ يراقب فريسته من بعيد، تراه مُنهمكًا بمشاهدة أحد المقاطع على هاتفه بلااكتراثٍ لوجودها، ولأنها خبيرة بالعلاقات، آرادت أن تختبره ولو لمرة في حياتها، فإسلام حتى هذه اللحظة يتعامل معها مثلما يتعامل مع أصدقاءه الرجال. - إسلام ... إسلام.. التقطت عينيها هذا المقطع الذي يصب عليه حدقتيه، فكان المقطع عبارة عن رجلٍ يقوم بتنظيف السجاد باستخدام المياه وبعض الطُرق التقليدية، وكان هو يستمتع بتلك المقاطع مما كاد يجعلها تفقد صوابها من كثرة غرابته. - يا إسلام هو فيه حد يتفرج على ناس بتنضف السجاجيد ؟ انتبه إلى سؤالها مما جعله يُجيب وهو لا يزال يُحدق بالهاتف : - إنتِ متعرفيش تنضيف السجاد ده مريح للأعصاب قد إيه قالها مُتخيلًا إحساسه بمشاهدة تلك المقاطع المناسبة لمن يُعانون من الوسواس القهري، فلطالما شكَت بحالته النفسية لكنها لم تتوقع أن يضحى مريضًا أيضًا بالوساس القهري !! - طب ممكن تسيب الموبيل عشان عايزة أقولك حاجة تنهد تنهيدة مُتذمرة وهو يُغلق الهاتف ويلتفت لها حتى يتخلص من طنينها الأشبه بطنين الذُباب. - أديني سبته أهو ... نعم لاح التذمر على كلماته لكنها لم تكترث له وواصلت خطتها حتى تختبر حُبه وتعلم إذا كان يستطيع مواصلة حياته معها أم لا، قررت أولًا اختباره في أبسط الأمور وهي الغيرة؛ رسمت اللامبالاة على وجهها وهي تقول : - العيادة عايزة تجيب دكتور تاني يشتغل معايا ... بس الدكتور بقى إيه، مقولكش، عنده عضلات وعينيه زرقة وحاجة كدة طالعة من السيما مثلٌت الإعجاب وهي تتحدث رغم أن العيادة لن تأتي بمُعالجٍ آخر معها، كانت تتوقع نظرات الغضب على وجه إسلام لكنه فاجأها بلامبالاته وكأنه يستمع إلى نشرة أخبار الفنانين في الهند. تحوٌل إعجابها الزائف إلى الغضب من ردة فعله الباردة وهذا ما جعلها تُطيل التخيل على أمل أن تُحرك مشاعره ولو قليلًا : - وعلى فكرة هو جيه المرة إللي فاتت ... قعدنا نتكلم شوية وكان عايز يتعرف عليا.... وأخيرًا بدأت تعبيرات وجهه تتحرك لكن نظراته بقيت كما هي باردة كالثلج وهو يقول : - بجد !! ... ماشي يا حبيبتي، إبقي فكريني نعزمه على الغدا ... هو اسمه إيه ؟ صكت على أنيابها بغضبٍ جامحٍ جعلها تنفجر بوجهه كأنهارٍ انفجرت بعد تحطم سدها المنيع : - اسمه بارد ومُستفز ومعندوش دم قطب حاجبيه بسُخرية لا تزال تحمل بروده الذي أفقدها صوابها : - إيه الاسم الغريب ده ؟ ... معقولة حد يبقى اسمه كدة ابتعدت داليا عنه لتتقاعس على أحد أركان الأريكة تُربع ذراعيها بتذمرٍ طفوليٍ جعلها تقول : - أنا كنت متأكدة إنك مش بتحبني ... المفروض إن إنت تغير عليا زي الناس الطبيعية .... لكن طلعت بارد ومعندكش دم، أنا غلطانة إني وافقت بواحد زيَك... كانت بوادر العراك تُحيط بها لكنها وجدته يُقهقه بخفة وكأنه يسخر من حديثها، فلطالما كان يسخر من أولئك الذي يغارون على زوجاتهم من أشقائهم وحتى أقارب زوجاتهم، لطالما رآى الغيرة كالمرض الذي يقتحم العلاقات ويُفسدها دائمًا، حاول امتصاص غضبها وهو يقترب نحوها حتى التصق بجوارها على الأريكة. رفع ذراعه اليُمنى كي يُحيطها من رقبتها ويبدأ بمداعبة خُصلات شعرها القصيرة، كانت كلماته هادئة منطقية رغم النيران الضامرة داخل داليا : - هو أنا يعني عشان مش بغير عليكي يبقى كدة مش بحبِك ؟ أومأت رأسها بثقة قالت معها : - أيوة ... عشان الحُب يعني غيرة_ قطع كلماتها بسؤالٍ يعلم إجابته : - إنتِ عارفة أصلًا الغيرة يعني إيه ؟ لم تنبس ببنت شفة فواصل حديثه بسرعة قبل أن تُنظم إجابة لتقولها : - الغيرة يعني شك ... وعدم ثقة في إللي قُدامي .... وأنا بثق فيكي، ولا يُمكن أتخيل إنك تحاولي تقربي من حد تاني .... وعلى فكرة بقى أنا عارف إنِك بتألفي، عشان العيادة بتاعتكم كحيانة وبتدفعلِك بالعافية ارتسمت بسمة خافتة على ثغرها إثر سُخريته الحقيقية، بقيت في حالة من الصمت تستمع لكلماته الحكيمة الهادئة والتي اخترقت صميم قلبها : - أنا وظيفتي إني أدافع عنِك، أحميكي لو حد ضايقِك، أنصحِك لو شايفِك بتعملي حاجة غلط .... مش إني أشك فيكي وأغير عليكي وشُغل المراهقين ده .... إحنا خلاص اتجوزنا وكام سنة وهنبني عيلة، فبلاش بقى جو الهندي ده إللي لحس دماغِك ... أومل خبيرة علاقات زوجية إيه بقى وإنتِ ليل نهار على الهندي ضربته على كتفه ليبتعد عنها قبل أن تنقل شجارها إلى مدافعة عن الأفلام الهندية التي تعشقها. - الموضوع مش أفلام هندية .... بس إنت أقنعتني وأنا كنت ناوية اتخانق معاك قهقه بسُخرية على حديثها وما كاد ينبس ببنت شفة حتى استمعا إلى صوت الجرس يقرع ويخترق طبلة أذنيهما؛ وثب إسلام سريعًا كي يفتح الباب كما دلفت داليا الحُجرة لتُبدل ثيابها تحسبًا لأحد الزيارات المفاجئة التي تطرق أبوابهما فجأة. فتح إسلام الباب ليجد مخيمر يقف أمامه مُرتديًا سترة صيفية واسعة بُرتقالية اللون أسفلها بنطالٌ أسودٌ يتدلى منه سلاسل فضية، ناهيك عن خُصلات شعره الطويلة الناعمة، تبسم إسلام أمامه ليُصافحه بوٌد ويجذبه داخل المنزل ليغلق الباب بعدها. آشار إلى الأريكة كي يجلس مخيمر وينتظر كلاهما القليل من الوقت حتى ظهرت داليا أمامهما بعد أن ارتدت كنزة طويلة غطت أكمامها، فهي وعلى الرغم من عدم ارتدائها للحجاب، إلى أنها تحرص دائمًا على ارتداء ثيابًا مُحتشمة لا تُظهر أكتافها على أمل أن يهديها ربها إلى الحِجاب في يومٍ ما. صافحت مخيمر من بعيد عن طريق ابتسامة ودودة وكلماتٍ هادئة لتجلس بعدها بجوار إسلام وينتبه كلاهما إلى ما سيقوله مخيمر : - أنا دوٌرت على حد هيساعدكم في موضوع التثبيت .... وضع يده في جيب بنطاله ليُخرج ورقة مطوية ويعرضها أمامهما ليواصل حديثه : - وصلت لكام حد كان بيشتعل في معمل ألفريد قبل ما الحكومة تحجز عليه .... الراجل ده عرفني على واحد نقدر نجيب منه أجهزة ممكن نركبها ونعمل التثبيت في أي مكان بسط يده بتلك الورقة نحو إسلام كإشارة منه على رغبته بأخذ الورقة وقراءة ما تحتويه؛ أمسك إسلام بتلك الورقة ولم ينظر إليها حتى، فقط يستمع إلى كلمات مخيمر المُفسرة لما تحتويه هذه الورقة : - الراجل اسمه الحسن عبد القدوس .... كتبتلكم العنوان بتاعه في الورقة دي ... وهو الوحيد إللي عنده الأجهزة _________________________ دقات الساعة تتوالى خلف بعضها لتزيدها توترًا وقلقًا، فقد تخطت الساعة التاسعة مساءً وهو لم يعد حتى الآن إلى المنزل، صوت بُكاء صغيرتها يصدح بجوارها ليُخرجها من غياهب قلقها ويجعلها تنتشل تلك الفتاة الصغيرة التي تحمل دماءها ودماءُ عشقًا أسطوريًا لم يمحوه رمال الحياة، حركت صغيرتها بين كتفيها وطفقت تُهدهدتها وتُحركها تارة لليمين وتارة لليسار، فما إن هدأ بكاءها حتى التقطت هاتفها وشرعت بالاتصال به لعله يخمد تلك النيران التي بدأت تتأجج وتلتهم عقلها. وضعت الهاتف على أذنها تنتظر استقبال المكالمة لكنها تستقبل صمتًا مهيبًا يزيدها توترًا، ففي حالتها هذه، الصمت لا يعني الرضا، بل يعني الاضطراب والقلق. زفرت الهواء من جوفها بضيقٍ وهي تُلقي الهاتف على الأريكة وتعاود هدهدة صغيرتها التي غفت فورًا كالملاك المُستلقي فوق غمامة قُطنية كثيفة، حملت بسملة ووثبت لتضعها على فراشها برقة حتى لا تستيقظ مجددًا وتعاود البكاء، فهي مُنذ أن أنجبت وهي لا تسمع سوى صوت البكاء الذي باتت تعتاده بل تُطرب من أجله أيضًا. أثناء وثوبها داخل الحُجرة تضع الغطاء على صغيرتها، إذ يقطعها صوت جرس المنزل ليجعل البسمة تتلفح وجهها، فبالطبع ها قد أتى وآراح صدرها المُلتاع. تحركت بلهفة وبعض نبرات العِتاب على وجهها، آملة أن تُعاتبه على تأخره وعدم الإجابة على مكالماتها، فتحت الباب بثقة تلاشت مرة واحدة حالما وجدت تلك السيدة تقف أمامها بشفاهها القانية وجسدها المُتعرج الذي يُغطيه ملابس كاشفة تلتصق بجسدها وتجعل شهوات الرجال تُشبه شهوة الكلب حينما يرى أمامه قطعة كبيرة من اللحم. بقيت ترمقها كوكي من أعلاها لأخمص قدمها تتفحصها بعناية وتحاول استنتاج سبب زيارتها لمنزلهم، فهي لا تبدو وكأنها تعرفها ولا تبدو وكأنها من آقارب زوجها، أو من الممكن أن تضحى من آقاربه مثل ميجو، فحياة زوجها اتضح أنها شديدة التعقُد. - مـ... مين حضرتِك ؟ سألتها كوكي ببعض الارتباك مما جعل بسمة خبيثة تُرتسم على ثغر نرمين الواثبة قبالتها عازمة على تنفيذ خطتها الماكرة، لوٌحت بيدها أمام كوكي بسماجة جعلت عوالم التقزز تملأ عوينات كوكي خاصة مع كلمات نرمين التي زادتها تقززًا : - أنا جاية أقولِك متستنيش زيزو ... مش إنتِ بتقوليله زيزو بردو ؟ استشعرت نبرات الاستفزاز على صوتها ما جعل الغضب يتسلل نحوها عنوة، فالغضب كالضيف المُتمرد، لا يرحل سوى أن يُدمر شيئًا ما. - إنتِ ... إنتِ تعرفي زيزو منين ؟ سألتها كوكي بنبرة أقرب للبكاء والنحيب، فهي أكثر هشاشة من أن تجذبها من خُصلاتها وتصفعها صفعاتٍ تُلقنها درسًا على وقاحتها. داعبت نرمين خُصلات شعرها وهي تقول بصوتٍ مدللٍ قصدت به استفزازها أكثر : - أعرفه من زمان أوي ... بس من فترة استنتجت إنه عايز يفضل معايا شوية، واستنتجت كمان إنه بيحبني ... أصل إللي حصل بينا امبارح ملوش معنى تاني غير الحُب سُرقت الأنفاس من قفصها الصدري وباتت قُدرتها على التحمٌل شبه مستحيلة، كبحت رغبة عارمة بالبكاء داخلها وهي تسألها بصوتٍ ملجلجٍ مترددٍ كالطفل الذي يخشي السؤال عن علامة الاختبار خشية من شعور الفشل. - إ...إيه إللي حصل امبارح ؟ ....و .. وإزاي بتقولي كدة على زيزو ! رفعت من صوتها مع آخر جملة رغبة منها في صبٌ جام غضبها على تلك التي تحاول تدمير العلاقة بينهما، فهي قد أقسمت فيما سبق أنها لن تسمح لأحدهم بأن يتدخل بينهما وهي حتى لن تُصدق ما تسمعه عن زوجها، لكن هذه الحية، اختصرت العراك الذي كاد ينشب بخطواتها التي اقتربت نحو كوكي وهاتفها الذي أخرجته ووضعته أمام عيني كوكي الزرقاء الذي انعكس عليهما تلك الفاجعة التي تحدث. اتسع بؤبؤ عينيها وكادت حدقتيها تُنتزعان من محجريهما، تعالت أنفاس صدرها مرة واحدة وشعرت أن العالم يتلاشي داخل دوامة سوداء مكونة من ويلات العذاب، فطيلة هذا الوقت، لم تكن تعلم أن من يكيل لها هذا الكم من العشق يضحى ... خائنًا !!.... يُتبع 💕❤ من الفصول إللي جاية إن شاء الله هتبدأ الأحداث إللي بجد، فعايزة رأيكم في الفصل ده وفي الرواية بشكل عام ومتنسوش الفوت 🥰 وعايزة أقول كمان : إلتزمو بالمقاطعة ومتبطلوش تتكلمو عن القضية الفلسطينية لغاية ما فلسطين تتحرر عشان الفترة الأخيرة الناس بدأت تشوف إن الموضوع مبقاش ليه لازمة وبقيت الناس ترقص وتهيص عادي وناسين المجزرة إللي بتحصل في غزة، هو عادي إن إحنا نرفه عن نفسنا أه، بس مش عادي إن إحنا ننساهم ونبطل ندعمهم، فياريت مرة تانية نلتزم بالمقاطعة وندعي لفلسطين وأهالي فلسطين 🙏

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرواح ضائعة " أرواح متنقلة 2 "

المؤلف نوران أشرف محمد
2024/06/15 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 0: المقدمة
2024/06/15
الفصل 17: الفصل السادس عشر ( النصف الآخر )
2024/06/15
الفصل 18: الفصل السابع عشر ( ضيوف غير مُرحب بهم )
2024/06/15
الفصل 19: الفصل الثامن عشر ( بداية المعركة )
2024/06/15
الفصل 20: الفصل التاسع عشر ( تبادل )
2024/06/15
الفصل 21: الفصل العشرون ( كشف المستور )
2024/06/15
الفصل 22: الفصل الحادي والعشرون ( مكبلًا بالأغلال )
2024/06/15
الفصل 23: الفصل الثاني والعشرون ( عفريت !! )
2024/06/15
الفصل 24: الفصل الثالث والعشرون ( البوابة !! )
2024/06/15
الفصل 25: الفصل الرابع والعشرون ( أوقعهم العدو )
2024/06/15
الفصل 26: الفصل الخامس والعشرون ( جسدٌ بلا روح )
2024/06/15
الفصل 27: الفصل السادس والعشرون ( العين بالعين والسن بالسن )
2024/06/15
الفصل 28: الفصل السابع والعشرون ( التثبيت )
2024/06/15
الفصل 29: الفصل الثامن والعشرون ( النهاية )
2024/06/15
الفصل 30: أرواح ضائعة ( الخلاصة )
2024/06/15
الفصل 16: الفصل الخامس عشر ( مشفى المجاذيب )
2024/06/15
الفصل 15: الفصل الرابع عشر ( عصيان نتيجته الدمار )
2024/06/15
الفصل 1: ملخص الفصل الأول
2024/06/15
الفصل 2: الفصل الأول ( عد تنازلي )
2024/06/15
الفصل 3: الفصل الثاني ( قرار إجباري )
2024/06/15
الفصل 4: الفصل الثالث ( طلق !! )
2024/06/15
الفصل 5: الفصل الرابع ( عودة الأخ الضال )
2024/06/15
الفصل 6: الفصل الخامس ( تصفية حسابات )
2024/06/15
الفصل 7: الفصل السادس ( لن تخرج حيًا )
2024/06/15
الفصل 8: الفصل السابع ( خائن !! )
2024/06/15
الفصل 9: الفصل الثامن ( قطعة ناقصة )
2024/06/15
الفصل 10: الفصل التاسع ( لصوص )
2024/06/15
الفصل 11: الفصل العاشر ( وقع بين يديه )
2024/06/15
الفصل 12: الفصل الحادي عشر ( اختطاف جماعي )
2024/06/15
الفصل 13: الفصل الثاني عشر ( جاسوس )
2024/06/15
الفصل 14: الفصل الثالث عشر ( ضربة أفقدته الوعي )
2024/06/15
الفصل 31: الرواية الجديدة
2024/06/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة