الفصل الثاني عشر ( جاسوس )

الفصل الثاني عشر ( جاسوس )

19 0

بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم سدد الرمي، وثبٌت الأقدام، واربط على القلوب، وقوٌي العزائم وحقق النصر يا الله " لا تنسوا الدُعاء لأهالي فلسطين 🙏 __________________________________ كما انفلق الجبل وخرجت الناقة، ستنفلق الصخور ويخرج منها الأمل والضياء... مطرقة صلبة من الحديد تدق على رأسها الثقيل وهي ترفعها بثِقل كما لو كانت فيلًا يُصارع للوثوب عن الأرض، أحست بوجع عُنقها وشعورٌ من النُعاس لا يزال يغمرها ويترك أثره عليها، التفتت بوجهها لتجد داليا بجوارها غارقة في سُباتٍ عميقٍ وجوارها شمس وقمر يكادا يفيقا من النوم ويتسآلا عن ماهية هذا المكان، التفتت إلى الناحية الآخرى لتجد كوكي بجوارها تُحاول إزاحة خُصلات شعرها البُرتقالية عن فمها لتتفحص المكان حولها إلى أن نطقت باجهاد : - إيه ده ! ... ? what is this place آفاقت داليا من غفوتها لتلتفت حولها هي الأخرى وتستنتج أن جميعهن يلتصقن بجوار بعضهن بعضًا وذاك الحبل الغليظ يربط أيديهن وهن جالساتٍ على وسادة كبيرة تتوٌسط حُجرة عتيقة شبه مُعتمة يحفها الكراكيب من كل حدبٍ وصوٌب. - إحنا اتخطفنا ولا إيه ؟ سألت قمر هذا السؤال بذعرٍ فآجابتها شمس بسُخرية وتهكم : - لأ جايين نغيَر جو ... مش ناقصة أسئلة غبية أنهت شمس الحديث بحدة حملت رهبتها من هوٌل الموقف لينتشر بعدها عوالم الذعر بينهن حتى أردفت كوكي بصوتٍ يكاد يضحى باكيًا : - هما هيعملو فينا إيه ؟... I m so scared " أنا خائفة للغاية " حاولت يُسرى طمأنتهن بقولها الواثق : - متقلقوش يا جماعة ... هُما يإما هيعتدو علينا، بإما هيتاجرو في أعضاءنا ... يإما_ قطعتها قمر بتوبيخٍ وصوتٍ مُرتفع : - بس يا حجة سيِبتي رُكبي ... هو لسة فيه يإما تاني تدخلت ريتا بعد أن فاقت من غفوتها وقررت التصرف بسرعة ومحاولة الهرب من تلك العصابة بطريقة حكيمة لا تعلم كيف ستُنفذها مع هؤلاء الأصدقاء : - لازم نعرف إحنا فين عشان نعرف نطلب مساعدة علٌقت داليا لتستنتج بثقة : - إحنا كُنا عند جامعة عين شمس ... يبقى أكيد إحنا قُريبين من عين شمس قالتها لأنها لا تعلم كم من الوقت مرٌ وهن في الطريق بسبب غرقها في سُباتٍ عميقٍ مما يجعل وقتها يتآكل كما الطعام الشهي، وجهٌت قمر بصرها نحو داليا لتُصحح حديثها بحاجبين مُقطبين : - يا داليا جامعة عين شمس مش في عين شمس أساسًا ازدادت داليا غرابة وهي تعترضها : - بجد !... أنا كنت فاكرة إنها زي جامعة القاهرة إللي في القاهرة هنا تدخلت شمس لتُصحح حديثها مجددًا : - لأ ما هو جامعة القاهرة مش في القاهرة أصلًا ... دي في الجيزة نزلت المعلومات على رأس داليا كالسهام بسبب جهلها بجميع الطُرقات، هذا ما جعلها تتقدم قليلًا بجذعها وتستفسر أكثر متجاهلة أساس المُشكلة : - إزاي الكلام ده ؟ ... أومل اسمها القاهرة ليه ؟ قبل أن تُجبها قمر قطعت يُسرى هذا النقاش عديم الفائدة بقولها المُتهكم : - إنتِ جاية تكتشفي مصر دلوقتي ... يا جدعان إحنا مخطوفين ولازم نفكر في طريقة نهرب بيها بدت نبرتها مُحفزة أشعلت بداخلهن الرغبة بالهرب أو رُبما القليل من الرغبة مع وجود بعض الأمل بإنقاذهن، فكانت كوكي تسأل بتمنٍ : - تفتكرو هيعرفو إننا اتخطفنا ؟ كانت تقصد أزواجهن الذين تركوهن دون حتى إعلامهن بالرحيل عن المنزل، كم كانت توٌد إخبار مُعتز على الأقل قبل الرحيل لكنها انساقت كالحمقاء وراء الحاحاتهن واقناعها أنهن لن يتأخرن وأن أزواجهن سيوُقفهن فرحتهن ولن يوافقوا أبدًا. - ولا هيعرفو حاجة ... الرجالة كلها معندهاش دم أساسًا قالتها داليا بتهكمٍ وبنبرة أبرزت مُقتها للرجال رغم أنها متزوجة، لكنها على يقينٍ من أن إسلام لا يُفكر بها ولا تزوره في مُخيلته طوال الوقت كما ترى بالأفلام. عارضت يُسرى حديثها وهي تتقدم بجذعها تُدافع عن قرة عينها الذي على الأحرى يكتب لها الأشعار الآن، فهي تعلم جيدًا كُم يُغرقها من العشق والفتون والأبيات الشعرية التي تتغلغل في قلبها، لهذا السبب بدا صوتها مُحتدًا وهي تُكذب حديث داليا بثقة. - اتكلمي عن نفسِك ... خالودي أكيد زمانه بيفكر فيا دلوقتي وبيحاول يتصل بيا.... انتشرت الموسيقى الصخبة على جهة أخرى داخل منزلٍ يعتج بالأضواء الملونة والمُتنقلة ما بين الأزرق والأحمر والبنفسجي، أصوات الأغنية الشعبية كادت تُحطم الجُدران من ارتفاع صوتها، فلو كانت البناية تحتوي على سُكانٍ آخرين غيرهم لما تم إبلاغ الشُرطة عن الضجيج مُنذ فترة طويلة. كان خالد في مُنتصف الحلقة يتفاعل مع الأغنية الشعبية ويحاول تقليد إسلام الذي يتراقص رقصات شعبية وُيلوح بالهواء بيديه ثم ينحني بجسده ويواصل حركاته بجوار خالد وميجو وكذلك جابر ومُعتز ولؤي الذي يُقهقه ويحاول الاندماج معهم والغناء بجنونٍ مع تلك الأغنية الصخبة. - تلاقيه دلوقتي عايز يمشي ويرجع يقعد معايا ويقولي شعر زي كل مرة - اللـــعنة علـــى الزواج قالها خالد بصُخبٍ وصوتٍ مُرتفعٍ شجعوه عليه وبقيوا يُصفقون بجواره ويُهللون بحُرية العصفور الذي بقي مُكبلًا بالأصفاد الحديدية وها هي الفُرصة لكي يتحرر بعودتهم إلى حياة العذوبية مُجددًا. أنهت يُسرى حديثها الهائم وعادت إلى أرض الواقع وإلى تلك الحُجرة المقيتة وتلك القيود التي تُكبلها هي وصديقاتها لكن الهيام لازال على صوتها حتى قطعتها قمر بضيق : - أنا مش مضايقني إلا حاجة واحدة بس ... إني ملحقتش ألبس الطرحة إللي جيبتها أنهت حديثها بضربة من قدمها على الأرض تبعتها داليا بحديثٍ مُستخفٍ : - هو ده إللي فارق معاكي ؟... أومل أنا أعمل إيه ؟... دا أنا لسة جايبة موبيل جديد من قُريب_ قطعت ريتا حديثهن لتهتف بعملية قبل أن تنجرف الأحاديث إلى مواضيع أخرى تجعل اختطافهن ينقلب إلى جلسة داخل أحد المقاهي : - خلونا نركز يا جدعان ... إحنا لازم نعمل خطة ونخرج بيها من هنا انتبهت الحواس نحوها بعوالم مُستفهمة مُستعدة لتلقي الأوامر، فكانت ريتا تواصل الحديث بنفس اللكنة الواثقة المُستعدة : - أنا بعرف اتواصل بالطاقة ... فهقدر أجيب واحد من الحُراس إللي برة دول عندنا ... بس لازم نقنعه يفُك واحدة فينا عشان تفُك الباقيين استفسرت قمر بسؤالها : - حد زي مين ؟ آجابتها ريتا بعملية : - إنتو فاهمين قصدي ... حد يحاول يسايسه و... قطعت حديثها بنظراتٍ وجهتها نحو كوكي الجالسة بجوارها تُحدق ببلاهة على نظرات ريتا وابتسامتها المُنتصرة والتي سُرعان ما جعلت بقيتهن ينتبهن لمكنون حديثها ويلتفتن نحو كوكي التي ارتابها القلق وبدأ العرق يتصبب من جبينها. - ففـ...في إيه ؟ ... ? what s wrong with you " ماذا بكم ؟ " بقيوا يُحدقن بها في صمتٍ جعلها تستنتج ما يُفكرن به لكن عقلها يُحاول تكذيبه بشتى الطُرق : - no way .. أناا .. مستحيل اعمل كدة حاولت داليا اقناعها بقولٍ : - ليه بس ؟ ... إنتِ الوحيدة إللي تقدري تعملي كدة عارضت كوكي حديثها باستماتة : - بس زيزو مش هيسامحني تدخلت قمر لتحاول اقناعها هي الأخرى : - ما إنتِ لو معملتيش كدة مش هتشوفي وش زيزو تاني نفت كوكي برأسها باستماتة والدموع تكاد تُذرف من عينيها لأنهن يضعنها في مأزق هي لا تعلم إذا كانت تستطيع تحمله أم لا. - لا لأ .. مش هينفع .. ووالله مش هعرف كان حديثها مُتلجلجًا مُرتبكًا لعدم رغبتها بخوض هذه التجربة، بل إنها تظن أن محاولتها ستُفسد كل شيءٍ وربما يضيع مُستقبلها، لهذا السبب تدخلت ريتا حتى تُطمئنها : - متقلقيش .. إحنا كلنا معاكي ... قمر هتنوٌمه مغناطيسيًا أول ما يفُككِ ويقولنا العنوان استمرت الالحاحات تنهال عليها وتضرب رأسها حتى لم تعد تستطيع التحمل أكثر، بدأ يتغلغل إليها بعض الآمان والثقة نتيجة كلماتهن المُحفزة وخطتهن المُحكمة التي من شأنها مساعدتهن على الخلاص، لهذا السبب بعد فترة طويلة من التخطيط والاقناع قررن تنفيذ الخُطة أخيرًا لينتهين من هذا الأمر ويُعاقبن المُجرمين أو حتى يطلبن المُساعدة. أغلقت ريتا عينيها وبدأت تُمعن التركيز وتعتصر عقلها لعلها تستطيع التواصل باطنيًا مع أي طاقة قريبة تُقابلها، فقُدرتها الذهنية تُمكنها من قراءة الطاقة الإنسانية وإمكانية التحكم بها مما يجعل من يقف أمامها تتملكه مشاعر وأحسايس داخلية لا يعلم سببها أبدًا. بعد فترة وجيزة وبعد أن أهلكها عقلها استمعن إلى صوت الباب الذي يتم فتحه بهدوء ليتوٌغل منه رجلٌ مُلثمٌ ذو قناعٍ أسودٍ وسلاحٍ سنايبر يحمله بين يديه، وجد الرجل نفسه يقترب نحوهن بتيهٍ وكأنه إنسانٌ آلي لا يستطيع التحكم بجسده، فقط يسير ويسير حتى ساقته قدميه أمام ريتا مُباشرة، ولأن ريتا تجلس بجوار كوكي، فكانت تضرب كوكي على كتفها حتى تبدأ مُهمتها قبل أن يُدرك الرجل تغيٌبه ويرحل عن الحُجرة. حمحمت كوكي قبل أن تحاول صبغ صوتها برقتها المُعتادة حتى تصبغ الارتجاف الذي يُلازمها من هول الموقف : - هـ...هاي ... إييه... زاد ارتجافها أكثر ولم تكن تعلم من أين تبدأ الحديث؛ انحنت ريتا نحو أذن كوكي وهمست لها ببعض الكلمات مما جعلها تسرق أنفاسًا متتالية وتحاول الابتسام بجاذبية أثناء قولها المُدلل : - هاي ... أنااا ... عايزة أروح التواليت ... ممكن please تفُكني ؟ أنهت الحديث بابتسامة طفولية بريئة وأعينٍ براقة صلٌبت جسد المُلثم وجعلته يمُعن التحديق بعويناتها الزرقاء الخلابة. - أرجوك فُكني ... يعني يرضيك واحدة زيي تفضل قاعدة هنا من غير ما أروح التواليت ؟ قالتها ببراءة زائفة جعلت داليا تكاد تُقهقه من تمثيلها المُبتذل ودلالها المُفرط، أبعد المُلثم عينيه عنها محاولًا المحافظة على جفافه أمام براءتها لكن يبدو أن قواه قد خارت ولم يعد يتحمل تلك العيون اللؤلؤية، لهذا السبب تنهد قبل أن يقول بغلظة : - طيب ... هفكك وتروحي بسرعة لاحت الحماسة على وجه كوكي بينما اقترب نحوها المُلثم ووثب خلفها ليحلٌ وثاقها ثم يبتعد بضعة أمتارٍ عنها لتلتقطه عينا قمر التي تجلس بجوار ريتا من الناحية الأخرى، فجميعهن يجلسن في حلقة دائرة بمُنتصف الحُجرة. صوٌبت قمر نظراتها الثاقبة على الرجل حتى جعلته يتجمد مكانه فاقدًا لمعاني الحياة كالدمية؛ ابتسمت قمر ابتسامة خبيثة بعد نجاحها في مُهمتها لتبدأ يُسرى بسؤاله : - هو إحنا فين ؟ آجابها الرجل بتبلمٍ وتيه : - مصنع العُمري لقطع الغيار .... تبادلت النظرات بينهن في تيهٍ حتى سألت يُسرى للمرة الثانية : - المصنع ده فين ؟ آجابها الرجل بنفس تيهه وجمود ملامحه : - مصنع العُمري لقطع الغيار .... تبادلت النظرات بينهن مجُددًا حتى أردفت ريتا باستنتاج : - شكله ميعرفش العنوان اقتربت قمر نحوها لتسأل بهمس : - يعني أنيِمه ؟ أومأت ريتا إيجابًا فالتفتت قمر نحو الرجل لتصوٌب نظراتها نحوه للمرة الثانية والتي جعلته يسقط على الأرض كما تسقط البناية الشاهقة على أرض مدينة صغيرة. زفرت كوكي الهواء من فمها بأريحية بعد نجاحهن بالخطوة الثانية بالخُطة، اقتربت نحوهن بسُرعة البرق تحاول فك قيدهن بأقصى ما لديها قبل أن يكتشف بقية أفراد العصابة محاولتهن للهرب، فكٌت وثاق ريتا أولًا والتي بدورها فكٌت وثاق قمر حتى ساعدن بعضهن على احلال عُقدتهن والتحرر من تلك القيود. زاغت يُسرى بعينيها حتى وجدت قطعة من الجير ملقية على الأرض بسبب تلك البناية المُهترئة، هرعت نحو هذه القطعة لتلتقطها وتعود إليهن ليتناقشن في الخطوة التالية. خطت يُسرى على الأرض وهي تقول بقيادية بعد أن ركعت أرضًا وركع الجميع حولها في حلقة فيما عدا كوكي التي لم ترغب بالجلوس على تلك الأرضية المُتسخة : - لازم نعرف إحنا فين قبل ما نطلب المُساعدة .... رسمت على الأرض مُربعين وفوق كل مُربعٍ جُملة " مصنع العُمري لقطع الغيار "، بعدها وجهت بصرها نحوهن لتقول بثقة : - أنا عارفة المصنع ده كويس ... كنت بعمل عنه رواية قبل كدة، أصل المصنع ده حصل فيه حادثة كبيرة أوي واتقفل... آشارت بقطعة الجير على أحد المُربعين وهي تواصل الشرح : - الفرع الأول على الطريق الصحراوي، يعني تقريبًا حتة مفيهاش سُكان ... آشارت على المُربع الآخر مُسترسلة : - الفرع التاني بقى ... في حتة مقطوعة في المعادي ... يعني بردو مفيهاش سُكان طرقت بالجير عدة طرقاتٍ على الأرض متفوٌهة باصرار : - لازم نعرف إحنا في أني فرع فيهم... قطبت داليا حاجبيها وهي تسأل باستفسار : - واحنا هنعرف إزاي ... إذا كان الراجل ده ميعرفش ... وأكيد محدش فيهم يعرف غير السواق والزعيم بتاعهم بقيت الفتيات يتناقشن بجدية بينما كانت شمس في عالمٍ موازٍ تُراقب تلك الحشرة السوداء العجيبة ذات الأزرع الست والتكوين الذي يُشبه الخُنفساء. - ما إحنا لازم ندوٌر على أي علامة تقولنا إحنا فين بالظبط سئِمت قمر من تصرفات شقيقتها الغريبة خاصة في هذا الوقت الشائك، هذا ما جعلها توٌبخها بقوٌلٍ : - ما تركزي معانا يا شمس هو وقت الحشرات بتاعتِك دي أبعدت شمس أنظارها عن الأرضية لتوٌجهها نحو قمر حتى تُجادلها بتذمر وصوتٍ معارض : - وأنا اعملكم إيه يعني ؟ ... بعدين أنا ما صدقت لقيت حشرة القبون ... دي حشرة نادرة جدًا، اكتشفوها في صحراء ناميب، واكتشفوا انها مش بتعيش غير في مُناخ صحراوي بسبب هيكلها إللي بيساعدها انها تجيب ماية من الضباب أو الرطوبة_ اتسعت حدقتا يُسرى بعد أن التقطت جزءًا من حديث شمس الذي يُعد بمثابة أحجية ناقصة في هذا اللغز، رفعت نظرها فورًا نحو شمس كي تسألها مُجددًا : - معلش يا شمس عيدي كدة إللي إنتِ قولتيه رفعت شمس قامتها بثقة ثم آشارت على تلك الحشرة العجيبة متفوٌهة بطريقتها العلمية : - بقول إن حشرة القبون دي .. مبتقدرش تعيش غير في المناطق الصحراوية عشان هيكلها إللي_ قطعتها يُسرى فورًا وهي تخط على الأرضية بثقة قالت معها : - يبقى أنا كدة عرفت إحنا فين ... إحنا في الفرع إللي على الطريق الصحراوي تبادلت الابتسامات بينهن في انتصارٍ خاصة بعد أن أدركن كيف علِمت يُسرى بموقعهن، ضربت داليا كتِف شمس بتشجيعٍ متفوٌهة : - برافو عليكي يا بت يا شمس ... طلعت الحشرات بتاعتِك ليها لازمة ابتسمت شمس بفخرٍ من ذاتها ثم وجهٌت بصرها نحو قمر لتُخبرها بتبهنس : - عشان تعرفو بس قيمتي رمقتها قمر ببعض الاستخفاف ثم اقتربت نحو يُسرى كي تستفسر بقولها : - هنعمل إيه بعد كدة ؟ تدخلت كوكي بالحديث لتقترب نحوهن ومعها جهاز محمولٍ صغير الحجم عتيق الصيحة كانت قد أخرجته من حوزة الرجل المُستلقي على الأرض بعد أن قيَدته بمساعدة من ريتا، مدٌت نحوهن هذا الهاتف متفوٌهة : - guys .... أنا لقيت ده انتشلت قمر الهاتف بسرعة من بين أصابع كوكي لتثب عن الأرض هي وبقيتهن لعل هذا الهاتف هو طوق نجاتهن من هذا المأزق، فكانت داليا تهتف بلهفة : - عليكي نور ... كلمي يا قمر البوليس وخلينا نخلص أومأت قمر إيجابًا وطفقت تعبث بالهاتف لبُرهة قصيرة قطعتها بشهقة مُرتفعة نمت عن شفتيها وجعلتهن يُحدقن بها في ذعر : - في إيه ؟ سألتها يُسرى بهلعٍ لعلها رأت اسم المُلثم واكتشفت أنها تعلمه أو أن المُلثم على علاقة بشخصٍ تعرفه أو شيءٍ آخر من هذا القبيل، لكن قمر آجابتها بأعينٍ مُتسعة تحمل الاذبهلال واللهفة : - الحقي يا شمس ... ده عنده اللعبة بتاعت التعبان اللي بياكل تُفاح ويكبر أنهت الحديث بحماسٍ طفولي بادلته شمس بحماسٍ آخر وعدم تصديقٍ لتلك الصُدفة. - إيه ده بجد !! ... وريني كدة مدٌت شمس يدها لترى تلك اللُعبة لكن داليا انتشلت الهاتف لتقطع وصلة الحماقة هذه بقولها : - مش وقت تفاهة إنتِ وهي .. إحنا مخطوفين زفرت الهواء من فمها بنفاد صبرٍ ثم عبثت بالهاتف لبُرهة من الوقت استطاعت خلالهم تدوين رقم الشُرطة ووضع الهاتف على أذنها انتظارًا للإجابة. بقيت النظرات المُترقبة تتبعها تتنظر انتهاءها من تلك المُهمة، لكن ما حدث أن الصمت هو ما لاقته داليا من الجهة الأخرى مما جعلها تُبعد الهاتف عن أذنيها وترمق شاشته الصغيرة التي أظهرت رسالة نصية مُفادها أنها لا تستطيع إجراء مكالمة بسبب انقطاع الاتصال. نفثت الهواء من فمها بخُذلانٍ قالت بعده بيأس : - مفيش شبكة تغلغل اليأس كيانهن وبقين يزفرن الهواء بضيق ويلتفن حول أنفسهن حتى سألت كوكي : - وهنعمل إيه ؟ تجوٌلت ريتا في جميع الاتجاهات وهي تُجيبها بتفكير : - لازم نفكر في طريقة تانية ... رفعت بصرها نحو داليا لتلقاها فكرة أخرى لا تعلم كيف أغفلتها، تلك الفكرة ربما هي ليست جيدة، لكنها خيارهن الوحيد في تلك المُعضلة؛ آشارت على داليا وهي تهتف بثقة : - لقيتها ... إحنا إزاي مفكرناش في كدة ابتعدت عن داليا بضعة أمتارٍ كي تقص خطتها البديلة : - ادخلي يا داليا جوة إسلام أو جابر ... قوللهم إحنا فين وخليهم ييجو ينقذونا .. أو على الأقل يطلبو البوليس بادت الفكرة جيدة لكن الشك لا يزال يدور حول رأس داليا مما جعلها تسأل : - وتفتكري هيعرفو ييجو يساعدونا ؟ تدخلت يُسرى لتُجيبها باندفاع : - على الأقل يعرفو إحنا فين ويكلمو البوليس تنهدت داليا باقتناع ثم أخذت نفسًا عميقًا استعدادًا لتنفيذ مُخططهن بسرعة قبل أن يُفتح الباب ويكتشف أحد المُلثمين خلاصهن من تلك القيود.... ___________________________ خفتت أصوات الضجة تدريجيًا وأضحت الموسيقى الخافتة تتغلغل أركان المنزل بعد أن شارفت الساعة على الثانية ما بعد مُنتصف الليل، ونظرًا لأن اليوم هو إجازة رسمية على الجميع، لهذا قرروا المبيت سويًا حتى آذان الفجر على أن يؤدوا الصلاة في المسجد ثم يعودوا إلى المنزل بخلاف مخيمر الذي سيعود إلى المنزل فورًا دون التوجه إلى المسجد معهم. يجلس ميجو في البهو مُسترخيًا على الأريكة يتجرع المياه الغازية بعد أن منعه مُعتز من تجرع الجعة كما يفعل كل ليلة، كان خالد يجلس بجواره يحمل جهاز التحكم بحثًا عن أحد الأفلام لمواصلة السهرة بدون ملل، بينما كان مخيمر يجلس على أحد المقاعد في هدوءٍ تام ينتظر أن يستقر خالد على أحد الأفلام لمُشاهدتها، فقد أرهقتهم أجسادهم من الرقص وحانت اللحظة ليستريحوا قليلًا ويبدأوا شِقًا آخرًا من سهرتهم. أحنى لؤي جذعه أمام قارورة المياه ليملأ كوبه ثم يعتدل مُتجرعًا ما في الكوب من مياهٍ رطبت حلقه الجاف، أحس بطيف أحدهم يقف قبالته محاولًا بدأ الحديث معه ببعض التردد : - لؤي أناا ... قالها مُعتز ببعض الارتباك الذي جعل لؤي يضع كوب المياه الفارغ جانبًا ويلتفت نحوه متسآلًا : - مالك يا زيزو ؟ أخذ نفسًا عميقًا ثم أطلقه في الهواء محاولًا ترتيب الكلمات داخل عقله قبل أن يقول : - أنا عندي مُشكلة ... مشكلة في الشركة قطب لؤي حاجبيه ببعض القلق وبقي صامتًا حتى واصل مُعتز حديثه بجرأة : - أنا عايز الغي الشراكة مع اللي اسمها نرمين ... بس هي ماسكة عليا شرط جزاء يوٌديني في داهية ... أشاح وجهه بعيدًا عن لؤي ليسترسل مُستنتجًا : - حاسس إن وراها حاجة ... يعني الأول قولت إنها بتحاول تقرب مني ... بس دلوقتي حاسس إنها بتراقبني، خايف لتكون من شركة منافسة وعايزين يسرقو شركتي خرج لؤي من غُمرة صمته بعد أن داهمته أسباب قلق مُعتز من تلك الحية، فبقاءها حتى هذه اللحظة داخل شركته يعني أنها أتت لتحقيق هدفٍ آخر، وضع يده على كتِف مُعتز ليُربت عليه تربيتة خفيفة تبعها بقولٍ مُطمئن : - ابعتلي اسمها كامل وأنا هعرفلك أصلها وفصلها ... ولو طلع كلامك صح هخلصك منها ابتسم مُعتز ابتسامة مُمتنة تشكره من خلالها على تلك الخدمة، فلا يعلم هو كيف سيتخلص من تلك الحية دون مساعدة لؤي ومركزه الذي يُساعدهم دائمًا في حل المآزق.... وثب جابر أمام النافذة وجواره يقف إسلام يتأمل معه هذه النجوم التي تُزين السماء مع هذا القمر المُضيء، لكن الحقيقة وراء هذه اللحظة يختلف تمام الاختلاف عن التأمل، فكان إسلام يحاول اقناعه للتثبيت حتى يرفع عنهم عناء البحث عن مُتنقلٍ آخر. - إنت ليه مش موافق ؟ سأله إسلام بعد أن طفح كيله من اقناعه ورغبته بمعرفة أسباب رفضه للتخلص من تلك اللعنة_ من وجهة نظره_ لكن جابر آجابه باقتناعٍ تامٍ ولكنة تنم عن معاناته الدائمة وشعوره باللاأهمية : - عشان مش عاوز أرجعو زي الأول ... مليش لازمة تنهد بعُمق ثم واصل الحديث محنيًا رأسه لأسفل : - أنا من غير القُدرة دي مكنتش هبقى هنا ... مكنتش هعرف يعني إيه عيشة نضيفة وناس مُحترمين ... وإنت في الآخر جاي تقولي أتخلص منها ؟ ... القدرة دي هي الحاجة الوحيدة إللي بقيالي تدخل إسلام ليُحاول اقناعه مُجددًا : - ما احنا هنفضل موجودين، وحياتك مش هتتغير_ قطعه جابر بإصرارٍ وبعض الحدة : - لأ هتتغير ... هرجع جابر الفاشل إللي مش بيعرف يعمل أي حاجة سئِم الشعور بالفشل الذي لازمه منذ نعومة أظافره، فالكلمات السامة الموٌبخة لزمت أذنه وجعلته كالتائه في مُستنقعٍ لا يعرف الرحمة مما حوٌله من شخصٍ طبيعيٍ إلى آخر لا يشعر سوى بالنقص والمهانة، وما إن ظهرت تلك القدرة حتى عادت له حياته، أضحى يشعر بالتميُز، يشعر أن وجوده في ذاك العالم ومولده في ذاك اليوم بالتحديد هي هبة من خالقه ولا يُمكن أن يتخلٌى عنها، فهو لا يزال جاهلًا بعواقبها ولا يعلم ما قد تُسببه قُدرة كهذه في أعين الطُغاة، ولن يعلم حتى دون التجربة. فتح فاهه ليتلو كلماتٍ أخرى يقنع بها إسلام بوجهة نظره، لكن ما حدث قلٌب جميع الموازين، حيث انتفض جسده مرة واحدة جعلته يُطلق شهقة مدوية ثم يعاود النظر لإسلام بنظراتٍ مُختلفة يبدو عليها القلق. بقي إسلام يرمقه بحيرة وبعض الشك الذي تيقن منه حالما تحدثت داليا التي اخترقت جسد جابر قائلة بهلع : - إسلام الحقنا بسرعة .... أنا والبنات اختطفنا، ولازم تكلمو البوليس.... أخبرته عن عنوانهن وما يجب أن يفعلوه حتى ينقذونهن أمام ملامح إسلام التي تحوٌلت إلى الذعر فجأة؛ فسرعان ما هروٌل سريعًا اتجاههم متفوٌهًا بصوتٍ مُرتفعٍ يشوبه القلق : - لؤي .. زيزو ... تعالو بسرعة في مُصيبة أتى لؤي من الداخل هو ومُعتز ليجتمعوا جميعهم بمُنتصف البهو رامقين إسلام بوجهٍ قلقٍ مُنتظرين إخبارهم بما حدث، فقد عادت داليا إلى جسدها مُجددًا وبقي جابر داخل جسده يشعر بالغرابة مما رآه على الجهة الأخرى. - داليا والبنات اتخطفو ... لازم نتصل بالبوليس وننقذهم بسُرعة تبادلت النظرات بينهم في ذعرٍ حتى ارتجفت خواصهم ونازعتهم الأفكار السلبية خوفًا عليهن، فكان لؤي أول من قطع هذا الذعر بكلماته المُقررة : - البوليس ممكن ميلحقش ينقذهم... إديني العنوان بُسرعة .. لازم نروحلهم .... ____________________________ أنفاسٌ مُتلاحقة تخرج من جوفها وهي تقف خلف الباب مُباشرة ومعها قطعة من المعدن، عيناها كالصقر الجارح وتحديقها بالباب كتحديق الاسد الذي يستعد قبل الانقضاض على فريسته، بينما وثبت بقية الفتيات في بقاعٍ متفرقة داخل الحُجرة كقطع الشطرنج، يحسمن خطواتهن من أجل الإيقاع بالملك. ارتفع الضجيج خارج الحُجرة ليلحقه صوت همهماتٍ غليظة لرجلٍ أقل ما يُقال عنه أنه حقير، فما الذي سيدفع أولئك الرُعناء بخطفهن سوى أنهم مجموعة من الحُثالة والمجرمين. تحرك المقبض بضع حركاتٍ قبل أن ينفتح ويظهر سلاحٌ أسود اللون وشُعلاتٍ من الغضب نتيجة تغيٌب واحدٍ من المُلثمين لفترة طويلة أقلقت زُملاءه، فهم لا يعلمون أن زميلهم الآن مُكبلًا بتلك الأحبال الغليظة وفمه مُكممًا حتى لا يُصدر الأصوات. وطأت أقدام المُلثم الحُجرة فسُرعان ما باغتته يُسرى بضربة قوية على رأسه تبعتها بركلة من قدمها على معدته ثم ضربة أخرى على مُؤخرة رأسه جعلته يفقد الوعي فورًا؛ أطلقت قمر صافرة إعجابٍ قالت معها : - الله عليكي يا ياسو ... صفقت بضع صفقاتٍ جعلت يُسرى تطالعها بفخرٍ ثم تلقي القطعة المعدنية جانبًا وتبدأ بجذب جسد المُلثم بمساعدة من ريتا، بينما توٌلت داليا إغلاق الباب قبل أن يلحظهن المزيد من المُلثمين وتتحوٌل محاولة هربهن إلى معركة غير متكافئة. - هنعمل إيه ؟ سألت شمس فآجابتها يُسرى بسُرعة : - هنقلعٌه احتقن وجه الفتيات بعد أن فهمنها بطريقة خاطئة تمامًا، فكانت قمر تُتمتم بقرارة نفسها : - استغفر الله العظيم يا رب ... صححت يُسرى حديثها بُسرعة ببعض التوبيخ على تلك الحماقة : - قصدي هناخد هدومه رفعت قمر وجهها لأعلى دلالة على المعرفة ثم أخفضتها وهي تقول : - أااه ... بس إحنا كتير ... مين إللي هياخد الهدوم دي ؟ آجابتها ريتا هذه المرة ببعض التقرير : - أنا وداليا .... هنعمل نفسنا من الحُراس وهنطلعكم كأن الزعيم أمرنا نوٌديكم مكان تاني أومأوا رؤوسهن بتفهمٍ بعد أن سألنها عن سبب اختيارها لداليا دونًا عنهن، فأخبرتهن ريتا بأن داليا داخلها أكثر من شخصية وهذا ما سيجعلها قادرة على التمثيل ونقل الأحداث للرجال. انتهين من تبديل أوعيتهن بتلك الأوعية الخاصة بالمُلثمين، حملت ريتا أحد الأسلحة وفعلت داليا مُثلها ثم اتجهت كلتاهما صوٌب الباب ليفتحنه وتتحرك ريتا بخطواتٍ هادئة مُتلفتة حولها في جميع الاتجاهات لتتأكد أن الطريق آمنًا، تحركت بعدها المزيد من الخطوات فكانت ريتا تتقدم المسيرة وداليا بالنهاية تُشهر السلاح على بقيتهن ممُثلة أنها تُحاول إرهابهن وكأنها واحدة من هؤلاء المُجرمين. قطع طريقهن وثوب أحد المُلثمين واتجاهه مباشرة صوٌب ريتا متسآلًا : - واخدهم ورايح على فين ؟ تلعثمت ريتا قليلًا قبل الإجابة لكنها في النهاية حاولت تمثيل الخشونة وهي تُجيب : - الـ... المعلم قالي هاتهم على مكان تاني تفحص المُلثم عددهن حتى لاحظ أن العدد ناقصًا لهذا السبب قال : - في اتنين ناقصين تلجلجت ريتا قبل أن تُفسر بقولها : - ما هو قالٌي أجيب دول الأول ... بعدها هرجع للاتنين التانيين رمقها بنظراتٍ ثاقبة لا تبدو عليها التصديق أبدًا، هذا ما دفع يُسرى للاقتراب نحو قمر كي تهمس بأذنها مُحذرة : - معتقدش إنه صدقنا ... عشان كدة لازم نفترق، أنا هفضل مع ريتا، وداليا مع كوكي، وإنتِ وشمس تحاولو توٌقعو واحد منهم تاني والبسو اللبس بتاعه أومأت قمر إيجابًا تزامنًا مع انتهاء ريتا من الحديث مع ذاك المُلثم بنبضاتٍ قلبٍ تنتفض في هلع، فعلى بُعد بضعة أمتارٍ فقط سيتم هلاكهن بسبب أولئك المُلثمين الذين يحملون أسلحتهم ومُستعدون لسفك الدماء في أية لحظة. أسرعت ريتا من خطواتها وأمرتهن بالتفرق فورًا وفقًا للخطة، أخذت هي طريقها برفقة يُسرى بينما هرولت كوكي مع داليا وسط متاهة هذا المصنع وتلك الكراكيب المُترامية في كل مكان. أما عن قمر وشمس، فكانت مُهمتهما مختلفة بعض الشيء، فكان من المُفترض أن تؤمن ريتا ويُسرى المكان بينما تبحث داليا عن طريق الهروب عن طريق قُدرتها، لكن ما طُلب من قمر هو أن تستخدم قُدرتها على التنويم المغناطيسي وتعثر على المزيد من ملابس المُلثمين حتى تستطيع الهرب هي وشقيقتها في سلام. كانت تتحرك قمر بين الطُرقات وشقيقتها تتلفت حولها لتطمئن من خلو المكان من الأسلحة والملمثين، لكن اطمئنانها لم يدم طويلًا فسُرعان ما لمحت عينا مُلثمًا تُشبه الصقر وهو ينظر لهما ويرفع سلاحه استعدادًا للفتك بهما؛ شهقت شمس شهقة مدوية ثم جذبت ذراع قمر متفوٌهة بهلع : - إجري بسرعة في واحد شافنا تبعتها قمر فورًا رغم فؤادها التي تشعر وكأنه سيهوي أرضًا، ظلا يركضان ويركضان حتى كادت أنفاسهما تنقطع، لكنهما في النهاية عثرا على حُجرة صغيرة بابها مواربًا يشع من داخله بعض الضوء، جذبت قمر يد شقيقتها ودلفت بأقصى ما لديها داخل هذه الحجرة خاصة بعد أن أطلق المُلثم بعض الطلقات النارية صوٌبهما للإيقاع بهما. ما إن دلفت قمر الحجرة حتى اصطدمت فورًا بواحدٍ من المُلثمين مما جعلها تزفر بأريحية، فهي تعلم ذاك المُلثم جيدًا. - داليا ... كويس إني لاقيتِك، دا إحنا كنا هنروح فيها .... بس الحمد لله ... خطتنا نجحت، وان شاء الله هوٌقع واحد تاني من المجرمين دول زي ما وقعنا اتنين وربطانهم مكانا لم يصلها سوى الصمت من الجهة الأخرى مما جعلها تنبس بأريحية أكثر : - صحيح يا داليا هي كوكي فين .. مش المفروض تبقى معاكي ؟ أسندت قمر ظهرها على الحائط لتستمع إلى همسات شمس المُتشككة : - قمر أناا .. مش حاسة إن دي داليا ردت عليها قمر بثقة لا تعلم من أين اكتسبتها : - يا بنتي لأ هي ... أنا متربية معاها وعارفة نظراتها كويس همست شمس بأذنها مجددًا لتُلقي المزيد من شكوكها : - أومل هي ساكتة ليه ؟ آجابتها قمر مجددًا بثقة وتبرير : - دا تلاقي بس عشان متبوظش الخطة ... أو عشان محدش يسمعها، أصل داليا بتتقمص الدور أوي ... مش كدة يا داليا رفعت من صوتها مع آخر كلماتها لعل صديقتها تؤكد لها شكوكها وتأخذها في عناقٍ أخوي تُطمئنها به في تلك المحنة، لكن ما حدث جعل قلبيهما ينبثق من قفصهما الصدري، حيث نبس المُلثم أخيرًا بصوته الغليظ الذي آذاب عظامهما : - أيوة كدة ... استمعا إلى صوت الباب يتم غلقه تزامنًا مع إخراج المُلثم لجهازه اللاسلكي متفوٌهًا : - دوٌرو عليهم ... بسرعة أغلق الجهاز اللاسلكي ليضعه داخل جيبه ثم يرفع السلاح أمامهما ليجذب الزناد الذي أصدر صوتًا عاليًا زادهما رهبة، ابتسم ابتسامة ماكرة أسفل قناعه لكن صديدها بان واضحًا أمامهما، خاصة كلماته التي تفوٌه بها بعد ذلك : - قولتولي بقى الخطة كانت إيه ؟... _________________________ أمام شُعاع القمر المُنعكس عليهم يقفون كالصقر الشامخ، يتحركون بهدوءٍ قُرب المصنع المهجور المُراد حسب ما أخبرتهم داليا، عازمين على انقاذهن وتصفية الأمور بطريقة سليمة أو على الأقل يطمأنوا على زوجاتهن وأن أولئك الرُعناء لم يمسوهن بشر، فصحيح أنهم يستطيعون الاطمئنان على داليا، لكنهم يخشون فوات الأوان إذا أخبرتهم داليا أنهم في مأزق. تقدم لؤي المسيرة وجواره على كلا الجانبين كلًا من مُعتز وإسلام، بينما اتجه جابر والبقية حول المصنع من عدة اتجاهاتٍ بحثًا عن طريقة للولوج إلى الداخل سرًا. وثب المُلثمون قبالتهم رافعين أسلحتهم استعدادًا لتصدي الغوائل، لكن لؤي حاول تصنع السلام بإخفاءه لسلاحه جيدًا ورفعه لكلتا يديه علامة على مجيئه من أجل التفاوض، أو من أجل موعدًا وهميًا هدفه الخداع فقط. - إنت مين ياض إنت وهو ؟ قالها أحد المُلثمين بحدة أخفتها لؤي بقوله الهاديء الواثق : - اهدى اهدى ... إحنا مش عايزين نتعارك ... الحكاية وما فيها إن في آمانة عندكم واحنا جايين ناخدها رفع المُلثم الآخر سلاحه متفوٌهًا بحدة وصوتٍ صارم : - مفيش حاجة هتتاخد من هنا غير بإذن المعلم تقدم لؤي خطوة ليُحدق بمُنتصف عين المُلثم الذي لاحظ عويناته العسلية وعينيه الواسعة التي حملت الكثير من الحقد. - طب ولو قولتلك بقى إن المعلم بتاعكم ده هو إللي قالي آجي بالطبع كان يكذب عليه ويحاول استدراجه أكثر للحديث حتى يستطيع جابر وبقيتهم تنفيذ ما تبقى من الخُطة. - إمتى الكلام ده ؟ سأله المُلثم الآخر بتيهٍ فآجابه إسلام هذه المرة وهو يُخرج القداحة في الخفاء مُنتهزًا وثوبه خلف لؤي ليُنفذ مُهمته التي ستُساعدهم على الولوج، وضع يده الأخرى داخل جيبه ليُخرج قُنبلة الأدخنة ويقوم بإشعالها والقاءها أمام الملثمان أثناء قوله : - كدة هو ... انتشرت الأدخنة في كل مكان وبدأ الملثمان بالسُعال والالتفات حولهما بحثًا عنهم لكن الرؤية قد انعدمت مما سمح للؤي وبقيتهم بالهرولة إلى الداخل تزامنًا مع صوت الطلقات النارية التي صدى طنينها خلفهم مباشرة... أصوات أقدامهم تدعس الحشائش التي تحوٌل لونها إلى الأسود بسبب عُتمة الليل، كانت أقدام جابر تتقدم مسيرتهم وعيناه تلتفتان في كل بُقعة على جُدران هذا المصنع كما يفعل بقيتهم، تلك الأمور تُذكره بماضيه المليء بالكوارث والمُطاردات، لكنها هذه المرة كوارث هدفها نبيلٌ عكس أهداف المطاردات التي كان يخوضها قديمًا بلا فائدة. توقف ميجو عن السير رافعًا أنظاره لأعلى حيث نافذة صغيرة تبدو مُظلمة ومهجورة، رفع سُبابته مُشيرًا على تلك النافذة وهو يقول : - إحنا ممكن ندخل من هنا ... بس دي عالية أوي اقترب خالد نحوه وكان هو الوحيد الذي معه حقيبة ظهرٍ صغيرة يحملها للضرورة، حيث أظهر تلك الحقيبة أمامه ثم فتحها ليُخرج منها حبلًا طويلًا مُلتفًا حول بعضه، كذلك كان يوجد ثلاثة كشافاتٍ وقُطنٍ وشاشٍ وبعض الأدوية والمُعقمات وكأنه ذاهبٌ إلى حربٍ قومية. - لا تقلق يا صاح ... أنا لدي الحل مدٌ خالد هذا الحبل صوٌب ميجو الذي التقطه بعوالم مُبهمة قال معها : - واحنا هنعمل بيه إيه ده ... مش هنعرف نركبه تقدم جابر هذه المرة ليقف بينهما هادرًا بثقة : - أنا هعرف أطلعو ... خليكم انتو هنا تجاهل إجابتهم التي لم تكن موجودة وإقترب نحو ميجو أولًا ليأخذ منه الحبل ويلفه حول خِصره ويحكم ربطه جيدًا، اتجه بعدها صوٌب الجدار خاصة عند حاوية القمامة المُهترئة المُتراكم عليها الأتربة، قفز جابر فوق هذه الحاوية ليتعلق بدوره على أحد المواسير ثم يُحرك جسده للأمام والخلف حتى استطاع القفز صوٌب النافذة والتشبث بأطرافها أمام نظراتهم التي ترمقه بخوفٍ وإعجاب. استطاع بمهارة اعتادها أن يرفع جسده لأعلى حتى دلف المصنع من تلك النافذة الضيقة وأصبح الحبل مربوطًا بخصره ويتدلى بقيته أمامهم، اقترب جابر من النافذة وآشار لهم بيديه حتى يتسلقوا الحبل وألا يخافوا، ففي النهاية المسافة بين النافذة والأرضية لا تتعدي البضعة أمتار. اقترب ميجو أولًا وتشبث بالحبل جيدًا وحاول أن يرفع جسده بمُساعدة من جابر، تقدم بعده مخيمر الذي كان خفيف الوزن فكان سهلًا عليهم رفعه عن الأرضية، بينما كان خالد آخرهم وواجه بعض الصعوبة في التسلق بسبب حقيبة ظهره التي تجعله أشبه بالذين يذهبون إلى المدرسة. وأخيرًا أصبح أربعتهم داخل الحُجرة الضيقة المُعتمة وكان خالد قُرب النافذة يجذب الحبل حتى يُعيده داخل الحقيبة ثم يتحركوا ببُطءٍ شديدٍ خارج الحُجرة، فكان ميجو يتقدم المسيرة مُتلفتًا حوله قبل أن يتحرك بخطواتٍ بطيئة ويُشير إليهم باتباعه. أحس بخطوات أحد المُلثمين قريبة جدًا عنهم مما جعله يُهديء من خطواته ويتحلٌى بالصمت لوهلة حتى لا يُلاحظهم المُلثمون. لكن ... كما أقول دائمًا، لا تبقى الحياة هادئة، خاصة وأنت تحيا وسط عالم الوحوش، فسُرعان ما داهمتهم أصوات الطلقات النارية وصوت صرخاتٍ أنثوية أوقدت العديد من الاضطرابات داخلهم خاصة خالد الذي صرخ بدوره : - يُســـــرى... يسمع صوتها من على بُعد أمتارٍ مما يجعل خوفه يتضاعف، فهي حُبه الأول والأخير ولن يهدأ أبدًا سوى أن يُعيدها سالمة له ولأولادهما، هرول بسُرعة اتجاه الصوت فتبعه جابر ليُحاول مُساعدته بينما هروٌل ميجو ومخيمر بعيدًا عن الطلقات النارية قبل أن تؤذيهما، فيبدو أن المعركة قد بدأت الآن.... ازداد الضجيج أكثر فأكثر، وأضحى جميع المُلثمين يحاوطون المصنع من كل حدبٍ وصوٌبٍ عازمين على تضييق الخِناق عليهم حتى لا يجدوا مفرٌ أمامهم سوى الاستسلام، فكانت الطلقات النارية تتقاذف في الأرجاء بعشوائية أو كلما لمحوا طيف دخيلٍ بينهم، وكانت أصوات المُلثم قائدهم ترتفع آمرةً إياهم بالبحث عنهم مهما كان الثمن. تزدرد ريقها في هلعٍ وهي تتدثر خلف شقيقتها الكُبرى التي تلعنها في نفس الوقت على غباءها المُعتاد، فكان ذاك المُلثم يقترب نحوهما شاهرًا سلاحه عليهما بابتسامة مريضة مُقززة يتقاطر منها الشهوة رغم أنها مُختبئة خلف هذا القناع، ارتجفت أوصال قمر وبدأ العرق يتصبب على جبينها رغم أنهم في الشتاء، حاولت تنظيم أنفاسها وهي تستمع إلى كلمات ذاك الرجل التي كانت. - امشو قدامي دلوقتي بدل ما أفرغ خزينة السلاح عليكم لم تتحرك قمر وبقيت تُمني نفسها بالعزيمة والمُثابرة وأنها تستطيع استخدام قوٌتها ومواجهته، فدائمًا ما ترتبك في تلك اللحظات ولا تستطيع التركيز في تلك الطاقة التي لديها، لكنها ستتغلب على ارتباكها وتواجهه وتنتهي من تلك المُعضلة؛ سرقت نفسًا عميقًا ثم أطلقته تزامنًا مع صياح الرجل فيهما ومحاولاته لبث الرُعب داخل قلبيهما، لكن رُعبه هذا لم يدم طويلًا، فسُرعان ما أطلقت قمر نظراتها النارية صوٌبه وحاولت الحفاظ على تركيزها جيدًا حتى... تراخت أعضاء الرجل فجأة وأغلق عينيه ليجد جسده يرتمي على الأرض كصخرة كبيرة؛ ارتدت قمر للوراء هي وشقيقتها وبقيت تتابع هذا المُلثم بأعينٍ جاحظة ونبضات قلبٍ مُتسارعة حاولت تهدئتها. لم تدم صدمتهما طويلًا، فصوت الطلقات النارية وصوت سيارات الشُرطة اخترق الجدار وأكد لهما أن وجودهما هنا سيضحى خطرًا على حياتهما، قبضت شمس على يد قمر متفوٌهة برُعب : - لازم نهرب بسرعة جذبتها شمس خارج الحُجرة وبقيت تهرٌول في الرواق وأصوات الصرخات تُصدر من جوفها هي وقمر، حتى أن صرخاتهما تحوٌلت فجأة إلى البكاء والخوف الجثيم. بعد بُرهة طويلة من الركض بين هذه الممرات وجدا بُقعة مُتدثرة على أحد الأركان تُساعدهما من الاحتماء من تلك المعركة، جلست قمر عل رُكبتيها بفؤادٍ يكاد يخرج من موضعه وقطراتٌ من العرق تتصبب على جبينها مع جسدها الذي لم يتوقف عن الارتجاف، أما عن شمس فكانت حالتها لا تختلف تمامًا خاصة وهي لم تخض مثل تلك المعارك مُسبقًا عكس شقيقتها التي تنعم بحياةٍ مُعبئة بالمصائب والمُطاردات، فكانت كلما تستمع إلى طلقة نارية تضرب على رُكبتيها وتنعي حظها التعيس. - إحنا شكلنا هنموت ولا إيه ؟ ... قالتها شمس بحسرة ولم تُعلق قمر عليها وكأنها سلمت أمرها واعتبرت هذه نهياتهما، فكانت تتنهد بيأسٍ وهي تلتفت نحو شقيقتها التفاتة درامية أشبه بالتوٌديعات : - شكلنا مش هنطلع منها فعلًا ... تنهدت تنهيدة عميقة ثم أطلقتها مع دموعها المكبوتة وهي تقول باعتذار : - شمس ... أنا عايزة اعتذرلِك ... أنا مش الأخت المثالية إللي إنتِ فاكراها خرجت شمس من نحيبها لتلتفت نحو قمر بحاجبين مُقطبين قالت معهما : - بس أنا عُمري ما قولت إنك أخت مثالية دفعتها قمر بتوٌبيخٍ لإفسادها اللحظات الحميمية، فكانت تُقول لها : - تصدقي إنك واحدة باردة ... أنا إللي غلطانة إني كُنت عايزاكي تسامحيني عشان أخدت الكارديجان الزهري وقولتلك إنه ضاع... أصل أنا مش هقدر أعيش بالذنب ده سقط فك شمس وهي تقول بتوبيخٍ بعد أن تناست تمامًا تلك الطلقات النارية : - نعم ! .. إنتِ أخدتي الكارديجان بتاعي من غير ما تقوليلي ! دافعت قمر عن نفسها ببعض التبرير : - فيها إيه يعني ... ما إنتِ أخدتي الطرحة النبيتي بتاعتي وانا مقولتش حاجة قطبت شمس حاجبيها وهي تقول بغضب : - طب على فكرة أنا كنت هرجعهالك هي والبلوفر الصوف الرمادي شهقت قمر بصدمة عقب كلماتها المُعترفة والتي أردفت بعدها : - هو البلوفر الرمادي عندِك ... وأنا إللي قالبة الدولاب عليه وفكراني نسيته في الشقة القديمة وهو في الآخر عندِك ! وهكذا استمر الجدال بينهما ليضحى صوت شجارهما أكبر من صوت الطلقات التي تتقاذف حولهما وتكاد تخترق البُقعة التي هما بها، لكن فجأة، أحسا بطيف أحدهما يُظللهما ويظهر السلاح بين يديه التي يرفعها بهدوء دون أن يُلاحظا به أبدًا.... صوت أقدامهما يطرق سفحات الممر الوعر وخلفهما اثنين من المُلثمين الذين يطلقان رصاصاتٍ طائشة كادت تُطيح بهما لولا أقدامهما السريعة وهرولتهما الأشبه بهرولة الفهد لما كانا الآن مُتسطحين على الأرض حولهما بركة من الدماء. كان ميجو يتقدم المسيرة ويسبق مخيمر بعدة خطواتٍ حتى توقف مخيمر عن الركض تمامًا وأحنى جذعه من شدة الإرهاق، طفق يلتقط أنفاسه بصعوبة ويضع يده على معدته التي كادت تتمزق إثر الركض خاصة وهو يُعاني من مشاكل صحية بها، رفع جذعه ليلقى ميجو الذي كان يحثه بقوله المذعور ولهيثه الحاد: - يلا بُسرعة ... تلفت مخيمر حوله دون أن ينبس ببنت شفة، فهو قد سئم من الركض والمطاردة التي لا فائدة منها، فقط آراد إنهاء الأمر بأية طريقة كانت، وجد بجواره زجاجة خضراء من الجعة مملوء نصفها، أتته فكرة في تلك اللحظة جعلته يُهرول صوٌب زجاجة الجعة ويلتقطها أمام نظرات ميجو الذي لم يفهم ما يدور برأسه وكان همه فقط هو الهروب من تلك العصابة. - يلا يا عم هو وقت شُرب دلوقتي قبض مخيمر على حافة الزجاجة متسآلًا : - معاك ولاعة ؟ قطب ميجو حاجبيه متسآلًا عن سبب حاجته للقداحة الخاصة به، لكن مخيمر لم يُعطه إجابة واضحة وأصر على أخذ القداحة لأنه يعلم أن ميجو يُدخن التبغ ويحمل معه قداحة في كل مكان. صوت الأقدام لا يزال يقترب نحوهما مما جعل مخيمر يتحرك بسُرعة ويُشعل تلك القداحة التي انتشلها من ميجو ثم سكب ما تحتويه الجعة على الأرض أمامهما ليقوم بعدها بإشعال الزجاجة الفارغة التي اشتعلت فورًا لبقاء بعض آثار الكحول عليها. ألقى تلك الزجاجة المُشتعلة على الأرض لتنبثق النيران العالية وتُشكل خطًا مُستقيمًا يُشبه سدًا من النيران، توقف الملثمون عن الركض ليتراجعوا العديد من الخطوات من الجهة الأخرى بينما كان ميجو يبتسم بانتصارٍ ومخيمر يسبقه بعيدًا حيث المخرج الذي سينقذهما من تلك المُعضلة.... قبل أن يتحركا المزيد من الخطوات، وجدا مجموعة أخرى من الملثمين تعترض طريقهما وتُشهر سلاحها عليهما عازمة على إنهاء ما فشل أصدقائهم بإنهاءه. يهرول جابر بأقصى سُرعة لديه في بُقعة أخرى تبتعد أمتارًا عن أصدقاءهم، كان خالد يحاول اللحاق به لكن جابر يسبقه بالعديد من الأمتار حتى بعد أن حمل الحقيبة عن خالد حتى لا تُعيق ركضه، توقف جابر عن الركض ما إن وجد أمامهما جدارًا يدل على وصولهما حافة المصنع، كانت أصوات الطلقات شبه بعيدة عنهما لكن لا شك أنها ستقترب كما سيقترب الملثمون الغاضبون العازمون على الفتك بهم. تحسس جابر الجدار بيده ثم التفت نحو خالد ليسأله : - هي الشنطة بتاعتك دي مفيهاش شاكوش ؟ عقد خالد حاجبيه بحيرة وهو يستفسر ببعض الحدة : - ولمَ أحمل معي مطرقة يا هذا ؟ صحح له جابر ببلاهة وجهل : - أنا مقولتوش مطرقة ... أنا بقول شاكوكش ضرب خالد جبهته من شدة حماقته والتي جعلته يهتف بعد أن تنهد تنهيدة فاقدة للصبر : - اسمع أيها الأحمق ... لا تُفقدني صوابي حتى لا أُفقدك وسامتك ... ثم ما الذي سيجعلني أضع شيئًا كهذا داخل حقيبتي ؟ سخر جابر من حديثه بقولٍ : - ما إنت حاطط عصير بُرتقان وشاش وقطن وأنا مقولتوش حاجة .... محططش سكينة ولا عصايا ليه عشان ندافعو بيهم عن نفسنا ؟ انتشل خالد حقيبته متفوٌهًا بإصرار : - هذا لأنني لا أرغب بقضاء ما تبقى من عُمري بالزنزانة ... كما أنني لا أشجع العُنف أنهى حديثه بثقة لم تدم طويلًا بسبب هذه الطلقة التي اخترقت الجدار وصوت الهرولة الذي انتقل بالقُرب منهما في أقل من ثانية، بدأت عناصر الشُرطة بالاشتباك مع هؤلاء المجرمون، وجابر يلتصق بالحائط مُنكمشًا على ذاته وجواره خالد يلتصق به وتتصاعد أنفاسهما برهبة مع كل طلقة نارية تمر بجوار أذنيهما. هرول واحد من المُلثمين نحوهما وكاد يطلق النيران عليهما لكن رصاصة الشُرطي أصابته في مقتلٍ وأسقطته صريعًا أمامهما مباشرة؛ أطلق خالد صرخة مفزوعة جعلته ينكمش أكثر ويحتضن جابر خوفًا من منظر الدماء وتلك الجُثة التي تُخبرهما أن النهاية قريبة، فكان جابر يهتف بجواره بهلع : - مش عايز تبقى في الزنزانة ... أدينا هنبقى في المقبرة يا حيلتها .... على جهة أخرى كانت داليا تدور حول نفسها بجوار كوكي بخطواتٍ متأنية مُترقبة للحركات من حولهما، توقفت داليا عن السير لتستغل مهارتها وتخترق جسد إسلام حتى تساعده على معرفة موقعها، عادت إلى جسدها مجددًا لتلقى سؤال كوكي الذي كان : - are you sure إنه هييجي ؟ أومأت داليا رأسها إيجابًا ثم قالت : - أيوة .. هو أساسًا قُريب مرٌت بُرهة من الصمت قطعتها كوكي بشهقة مُتلهفة آشارت معها أمامها ثم قالت : - زيـــزو ... هرولت نحوه فورًا ليأخذها في عناقٍ مُحببٍ إلي كليهما ثم ينظر إلى عينيها الزرقاء متسآلًا بقلق : - كويسة ؟ أومأت رأسها إيجابًا فأكمل حديثه بهيامٍ ونعومة سلبت لُب قلبها : - تعرفي ... أنا كنت_ قطعت داليا حديثه ياندفاعٍ قالت معه بتقرير : - مش وقته الله يخليكم ... إحنا هنموت تحركت أمامهما بضعة أمتارٍ وتبعتها كوكي ومُعتز وبقيوا يركضون في ممراتٍ ضيقة أشبه بالمتاهة، فهذا المصنع مكوٌنٌ من العديد من الغُرف والعديد من قطع الغيار المُترامية في كل مكان، قطع طريقهم هرولة إسلام الذي اصطدم بداليا وكان يبدو على وجهه الذعر، بل كان الذعر يتملك منهم جميعًا خاصة في ذاك الموقف. حاول إسلام التقاط أنفاسها قبل أن يسألهم عن أحوالهم ثم يجذب يد داليا متفوٌهًا بتقرير : - اتحركو بسرعة ... لازم نمشي في أسرع وقت ممكن ... عاودوا الركض خلفه في الرواق الضيق بحثًا عن المخرج من تلك المتاهة، وجد إسلام ممرًا على يمينه فظن أنه المخرج والمنفذ من تلك التهلكة، كما أن أصوات الطلقات تكاثرت حولهم وكادت تُصيبهم لولا ركضهم السريع وتحركهم في عدة اتجاهات. جذب إسلام يد داليا وهرول نحو هذا الممر وجوارهما يركض مُعتز والذي يتشبث جيدًا بيد كوكي حتى تستطيع ملاحقتهم، ما إن أضحوا في مُنتصف الممر حتى داهمهم صوت طلقات نارية مفاجئة والعديد من المُلثمين يحُيطونهم من كل حدبٍ وصوب، غيَر إسلام وجهته ودلف إحدى الحُجرات ليختبؤوا داخلها من أولئك المجرمين. التصق إسلام بالجدار وجواره مباشرة تتحرك العديد من الأقدام بحثًا عنهم، بينما كان مُعتز يهتف بجوار إسلام بلمحة من الثقة : - الممر ده أنا عارفه كويس ... أصل أنا شوفت المُجرمين دول بيدخلوه انتبه إسلام لحديثه لتتسع حدقتيه وهو يسأل : - ده إمتى الكلام ده ؟ آجابه مُعتز ببساطة وبعض التعنت : - مش كتير ... قبل ما نشوفك بالظبط آثارت كلماته وتصرفه الأحمق حفيظة إسلام الذي أمسكه من تلابيبه موٌبخًا : - ومقولتش ليه يا حيوان إن في حد هنا ؟ حاول مُعتز التملص من قبضته مُعللًا : - و.. والله ما حد سألني وضعت داليا أناملها على كتف إسلام حتى تُبعده عن مُعتز ويبدأوا التفكير في تلك المُعضلة بدلًا من تلك الترهات؛ التفت إسلام نحوها فوجدها تقول بتقرير : - خلاص يا إسلام ... أنا هحاول ادخل جوة جابر اشوف هما فين يمكن يقدر يساعدنا... صوت الصياح يُطلق من جابر وخالد مع بعض قطرات الدموع والعديد من الأدعية التي يتلوها خالد وكأنه على وشك أن يلقى حتفه الآن، حتى أنه أقسم أنه سيتغوٌط على ذاته بسبب ضيق المأزق، تشبث جابر بذراع خالد مُردفًا بلكنة درامية موٌدعة : - خالد ... أنا عاوز أعتذر منك ... أصل أنا علطول أقول عليك مُتكبر ومغرور ... مش عاوزك تضايق مني آجابه خالد بنفس اللكنة الدرامية الموٌدعة والتي حملت شيئًا من التبهنس : - وأنا كنت أرغب بالاعتذار منك أيضًا .... لكنني لم أخطيء أبدًا أنهى حديثه بصرخة مدوية جعلت جسده ينحني على الأرض وجواره جابر الذي حاوط رأسه بذراعه بسبب تلك الطلقة التي كانت قريبة للغاية منهما. سقط جسد واحد من الملثمين أمامهما مع بركة من الدماء جعلت أجسادهما ترتجف من ذاك المنظر المُفجع، إقترب صوت أقدامٍ أخرى نحوهما حتى ظهر ظل سلاحٍ تبعه صوت لؤي نابسًا بصرامة : - يلا قومو ... لازم ندوٌر عليهم ونمشي من هنا جذب لؤي ذراع جابر ليرفعه عن الأرض ثم يرفع جسد خالد الذي نفض الأتربة عن جسده والتقط حقيبته مُستعدًا للهرب، لكن فجأة... انتفض جسد جابر وانقبضت أوزاره فجأة ليعود بعدها إلى الحياة ولكن ليس كجابر، بل كإسلام ... تتحرك يُسرى رفقة ريتا بأحد الأركان مُلتصقتين جوار الحائط كمحاولة جاهدة للابتعاد عن تلك الرصاصات، بقيت يُسرى تتلفت حولها حتى لمحت منفذًا على بُعد بضعة أمتار؛ لوٌحت لريتا بأصابعها ثم آشارت على ذاك المنفذ حتى يُهرولا فورًا خاصة بعد تأكدهما أن الشرطة أحاطت بالمكان وستقضي على تلك العصابة أنيًا أو فيما بعد. أومأت ريتا برأسها إيجابًا ثم لحقت بها دون أن تنبس بنت شفة، فلا يوجد وقتٌ للاعتراض الآن، هرولت وراءها وكادا يصلا إلى ذاك المنفذ لولا هذا المُلثم الذي وثب أمامهما فجأة شاهرًا سلاحه أمام ريتا التي تثب أمام يُسرى وتطالعه بنظراتٍ مُشتعلة متوٌعدة. تراجعت يُسرى لتصطدم بمُلثمٍ آخر يُشهر سلاحه على كلتيهما من الخلف؛ ازدردت يُسرى ريقها في هلعٍ ولم تتحرك خطوة أخرى، فقط تتقدم صوٌب ريتا ويتقدم وراءها هذا المُلثم عازمًا على تقييدهما والهرب بهما من ذاك المصنع، حيث أمرهما برفع أيديهما والاستسلام قبل أن تطولهما تلك الرصاصات، فيبدو أنه لا يعلم مع من يلهو. سُرعان ما استجمعت يُسرى شجاعتها وعاودت القُدرات القتالية زيارتها مجددًا لتجعلها تُقطب حاجبيها بتحدٍ سافرٍ ثم بحركة انسيابية أرجعت مرفقها للخلف وضربت به يد المُلثم مما أوقع سلاحه أرضًا، انتهزت تلك الفرصة وقامت بركله بُسرعة بقدمها على وجهه ثم ركلة أخرى آدارت معها جسدها وأضحت قبالته ترفع قبضتيها استعدادًا لتلقينه المزيد من الضربات، لكن جسده قد خار بعد ركلتها الأخيرة التي أصابت رأسه وجعلت العالم يدور من حوله ثم يسقط مغشيًا عليه. بينما كانت ريتا على الجهة الأخرى لا تنتبه لركلات يُسرى وتُمعن التركيز بأعين الرجل حتى صلبته مكانه وجعلته مُنجذبًا لعينيها ويبقى مُتصلبًا مكانه يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة ليضحى صوت أنفاسه عاليًا يزداد علوًا، ما هي إلا بضع ثوانٍ حتى انهمرت دموع المُلثم وخارت قواه ليسقط على رُكبتيه ويُلقي بسلاحه أرضًا لينفجر بالبُكاء كالطفل الرضيع. تصلب جسد يُسرى أمام ما حدث وظنت أنها تشهد إحدى المُعجزات، وجدت ريتا تقترب نحو الرجل وتنتشل سلاحه ثم تعود مجددًا نحو يُسرى التي سألت بفضول : - إنتِ عملتي إيه ؟ آجابتها ريتا وهي تتقدمها وتعدو قِدمًا : - رجعته لذكرى قديمة هروٌلت بعدها وهروٌلت يُسرى وراءها لبضعة من الوقت حتى اصطدما بميجو ومخيمر اللذان أتيا من جِهة أخرى. رمقهما ميجو ببعض القلق الذي جعله يسأل عن أحوالهما ويُجيبانه بإيماءاتٍ مُختصرة ثم يُعاودوا الهرولة صوٌب الباب لينجدوا بحياتهم، تحرك ميجو أولًا ووراءه يُسرى تحمل معها السلاح الذي أخذته من أحد المُلثمين كما تحمل ريتا سلاحًا هي الأخرى. تحرك مخيمر بجوار ريتا محاولًا تجنب النظر إليها حتى لا يتذكر كلماتها ويشتعل غضبًا، أما عنها، فكانت تتآكل من الندم وترغب في الاعتذار منه لكنها لا تعلم من أين تبدًا، لاحظت فقط قصة شعره الجديدة التي تروقها للغاية وهذا ما جعلها تحاول بدء الحديث معه ببعض الحرج والمجاملة : - تصريحة شعرك ....حلوة قالتها بخجلٍ ونظراتٍ تبتعد عن نظراته حتى لا يلمح خجلها، وجدته يوميء برأسه ويُهمهم بلامبالاة أخبرتها أنه لا يزال يتذكر كلماتها الأشبه بالسُم، كم لعنت حماقتها لأنها ظنت أنه سيبدأ الحديث معها بعد تلك المجاملة، فأي شخصٍ يرغب بالحديث مع من جرحه بتلك البساطة. - أنااا ... أنا أسفة قالتها بعد فترة من الصمت مما جعله يلتفت نحوها أخيرًا دون أن ينبس بكلمة أخرى، لكن نظراته سمحت لها بالإطالة في الحديث والاعتذار لعله يُسامحها ويُزيح العبء عن كاهلها، فهي لن يزورها النوم وهي تعلم أن أحدهم جُرح بسببها. - أنا مكنتش أعرف إنك transgender، كنت فاكرة حاجة تانية ... أنا بجد أسفة ومش عايزاك تضايق مني خرج من غُمرة صمته أخيرًا بعد أن استشعر ندمها وآراد أن يُسامحها وينتهي من ذاك الأمر، فهو أيضًا لم يعتد أن يحمل الضغينة اتجاه أحدهم، خاصة ولو كان حديث المعرفة به. - أنا مش متضايق ... ومسامحِك أدلى كلماته بطريقة هادئة جعلتها تبتسم بسعادة وفؤادٍ مُرتاحٍ لكن ليس ارتياحًا كاملًا بسبب تلك المُعضلة التي هُم بها. - تعالو بسُرعة ... قمر وشمس قاعدين هناك انتبهت ريتا على حديث يُسرى فهرولت وراءها بسُرعة هي ومخيمر حتى وصلا إلى تلك البُقعة التي تجلس بها قمر تتعارك مع شقيقتها كالعادة. - يعني واخدة هدومي ومش بتقوليلي ... والله لو رجعنا من هنا منا مدياكي حاجة تاني ... هتفت قمر بتلك الجُملة تزامنًا مع ظهور ظلٍ لسلاحٍ يحمله شخصٌ بات مُعتمًا بسبب الظلام، لكن تلك العُتمة جعلت من يحمل السلاح أشبه بمُلثمٍ أتى ليُفتك بهما ويجعل جسديهما ينتفض في لوعة ويعانقا بعضيهما خشية الموت، فحتى وإن كانا يتعاركا عراكاتٍ ساذجة مُنذ قليل، سيتناسيا كل هذه العراكات أمام الموت الذي يأتي فجأة. - يلا قومو من هنا ... إحنا عرفنا هنهرب منين قالتها يُسرى بصوتٍ جهوريٍ قيادي جعل جسد قمر يتراخى وتضع يدها على صدرها الذي كاد يُقطلع من جذوره، ساندتها ريتا لتُساعدهما على الوثوب عن الأرض بينما ساعدت يُسرى شمس حتى وثبت هي الأخرى تُطالع ميجو ببلاهة وتجده يسألها عن أحوالها ويُبادلها بنظراتٍ مُطمئنة مُرتاحة البال. تحركوا جميعهم صوٌب الباب الذي كان على بُعد خطواتٍ قليلة، فكان هناك واحد من الضُباط يساعدهما ويطلب منهما التحرك بسرعة حتى لا يتعرضا للخطر، تلفتت قمر حولها بحثًا عن الجميع لتُلاحظ أن هناك العديد من العناصر الناقصة، من بينهم أكثر شخصٍ تحتاجه في تلك اللحظة، التفتت نحو يُسرى كي تسألها بقلق : - هو لؤي فين ؟.... ينعكس ظل سلاحه على الأرض مع خطواته المُترقبة وعينيه اللتان تجولان المكان بحثًا عن تلك الحُجرة التي يقوده إليها إسلام من خلال جسد جابر الذي استعاره لفترة وجيزة، كان لؤي وجابر فقط هما من يتجولان بعد أن تركا خالد مع البقية خارج المخزن، وبدأت الشُرطة تتوٌغل أكثر داخل المصنع وتُلقي القبض على المزيد من أفراد تلك العصابة، تبقى فقط فردين يختبأن في ثُكنة ويستعدان للتسلح ومُجابهة الشرطة أو ربما الهرب كغزالة تهرب من صيادها. داهمها صوت طلقات نارية جعلت لؤي يختبيء خلف الحائط وجواره جابر الذي يتلبسه إسلام حتى الآن ويقول بين أصوات الطلقات النارية : - تقريبًا في اتنين ... وهُما محبوسين في الأوضة إللي على اليمين قبض لؤي على سلاحه متوٌعدًا لأفراد تلك العصابة في قرارة نفسه ثم رفع سلاحه وأطلق منه رصاصة بدت طائشة لكنها استطاعت بمهارة أن تُصب قدم واحد من المُلثمين؛ وقع جسد المُلثم على الأرض وقدمه ينحدر منها شلالاتٍ من الدماء الداكن كقلبه منذ اختار الغرق في تلك الجرائم. آشار لؤي بيديه لجابر ثم هرول كلاهما في الرواق متجهين صوٌب تلك الحُجرة التي يُشير إليها إسلام، فالمُلثم الآخر اختفى من الوجود وربما هرب بعد أن آصابت تلك الرصاصة زميله. فتح جابر باب الحُجرة ليهرع منها كلًا من إسلام، وداليا، وكوكي ومُعتز، بينما كان لؤي يقف مكانه يُشهر السلاح على رأس هذا المُلثم حتى لا يتجرأ ويلتقط السلاح مُجددًا عازمًا على الفتك بهم، هرول الجميع بعيدًا عن الرُدهة بينما بقي لؤي وحده ينتظر زُملاءه كي يأتوا وُيلقوا القبض على ذاك الحقير. أحس بشيءٍ يتحسس رأسه من الخلف ولم يلبث أن يعلم ما هذا الشيء حتى استمع إلى صوٌت تعمير السلاح يطرق أذنيه ويُعطيه إشعارًا بالتهديد؛ اشتعلت نظرات لؤي وهو يلتفت بهدوءٍ صوٌب ذاك المُلثم الآخر الذي يُصوٌب السلاح نحو لؤي ويأمره بالخضوع وتركهما يهربا وإلا لقي حتفه، لكن لؤي قرر تجاهل نظراته المُهددة، فما إن التفت لؤي حتى انتهز المُلثم الراقد على الأرض الفرصة وانتشل سلاحه المسجي ليصوٌبه على رأس لؤي من الجهة الأخرى، حيث جعلاه محاطًا بالأسلحة من جميع الاتجاهات ولا يوجد أمامه سوى الاستسلام لرغباتهما. - ابعد عن هنا قالها المُلثم بصوتٍ جهوري جعل لؤي يبقى لفترة في حالة من الصمت ويبادل نظراته ما بين المُلثمين وأسلحتهما المصوٌبة نحوه، لكنها لحظات قليلة حتى استنتج أن لا مفر من تلك المُعضلة وأن عليه الرحيل قبل أن تخترق تلك الرصاصات صدره؛ أخفض سلاحه بهدوءٍ ليرفع يده مستسلمًا ويبتعد عنهما بخطواتٍ بطيئة، يبتعد خطوة ... ثم خطوة .. ثم ... ما إن توقفت قدميه خلف المُلثم حتى آعاد مرفقه للوراء وقبض على سلاح المُلثم الواثب والذي أطلق العديد من الطلقات العشوائية كمحاولة للدفاع، ركله لؤي على معدته ثم لوي ذراع الرجل مما جعله يتألم بصوتٍ مُرتفع، لم يستطع المُلثم الدفاع عن نفسه بسبب حركات لؤي السريعة وقيامه بدفع المُلثم حتى ارتطم ظهره بالحائط وسقط على الأرض كحمامة كُسر جناحها. أخفض لؤي جذعه لينتشل سلاح المُلثم عن الأرض ويرمي كلاهما بنظراتٍ متوٌعدة ثم يضع السلاح داخل جيبه ويترك هذا المصنع المشؤوم بأكمله.... _______________________ أرخت ظهرها للوراء بمنامتها القُطنية وجوربها الذي يحمل رسمة الدُب البُني من أحد أفلام الرسوم المُتحركة، تحمل بين يديها الهاتف الخاص بها بطريقة أفقية تمنحها فرصة المشاهدة على أحد مسلسلاتها والاسترخاء حالما ينتهي إسلام من استخدام المرحاض وينام كلاهما أخيرًا بعد تلك الليلة الشاقة، كانت على وشك الغرق في سُباتٍ عميقٍ لهذا السبب قررت أن تُشاهد مُسلسلها حتى لا يُداهمها النوم دون أن تتحدث مع إسلام في أمرٍ غاية في الأهمية. تنهدت تنهيدة عميقة ثم أغلقت هاتفها لتفرك عينيها ثم تثب عن الفراش متجهة صوٌب المرآة، فردت خُصلات شعرها القصيرة نسبيًا ثم بدأت تُغلغل أصابعها داخل تلك الخصلات التي تجعدت بسبب قلة الاعتناء، فلا يوجد وقت للاعتناء بنفسها ولا بخُصلات شعرها العزيزة. أمسكت فرشاة شعرها وبدأت تُمررها بصعوبة بالغة لعلها تبدأ روتين اعتنائها بشعرها مجددًا كما كانت تفعل سابقًا، خرج إسلام من دورة المياه يُجفف وجهه بالمنشفة ثم يُتابع داليا الجالسة أمامه تُصفف شعرها وفمها يُدندن بنغمة موسيقية خافتة. ارتمى إسلام على طرف الفراش وهو يتابعها ويقول : - يااه يا داليا ... شعرِك ده ... بيفكرني بحياتي ظنت أنه سيغمرها بالاطراءات لذلك أردفت بثقة وبسمة هادئة تعتلي ثغرها : - ليه ؟ ... حياتك حلوة ؟ - لأ ... مكلكعة هكذا أجابها بسرعة ليجعل بسمتها تتلاشى ويحل محلها بوادر الغضب الذي جعلها تلتفت نحوه وتقذفه بفرشاة الشعر أثناء حديثها : - تصدق إن الخطف كان أريحلي من غلاستك ابتسم لها بمشاكسة وهو يمسك فُرشاة الشعر ويثب عن الفِراش ليُعيدها لموضعها بينما وثبت هي الأخرى لتجلس على الفراش استعدادًا للنوم للعديد من الساعات لعل جسدها المُتهالك إثر هذا اليوم يستعيد القليل من نشاطه. ترك إسلام فُرشاة الشعر على السراحة ليتسطح هو الآخر على الفراش ويُغطي جسده بالغطاء الأبيض السميك ثم يلتفت ليُغلق الأضواء، لكنها في تلك اللحظة تذكرت الأمر الهام الذي توٌد الحديث فيه لذلك سألت : - هو إنت اتكلمت مع جابر ؟ أومأ إسلام رأسه إيجابًا متفوٌهًا بيأس : - موافقش ... مش عايز يتثبت تنهدت داليا تنهيدة عميقة تحمل الأسى وفُقدان الأمل مما جعلها تسأل : - طب هنعمل إيه ؟ آجابها إسلام وهو يرمق سقف الحُجرة التي أضحت مُظلمة لتهيئتهما للنوم : - معرفش ... شكلنا هنضطر نجرب على واحد فينا ... ولو نجحت التجربة نجرب على التاني - ولو فشلت ؟ داهمته بهذا السؤال الذي جعل المزيد من الأفكار تتعقد بداخله، فهو لا يعلم إجابة هذا السؤال، ولا يعلم ما الذي سيفعلانه في حالة فشل التجربة، لكنه مع ذلك آجابها ببعض الأمل : - هنلاقي طريقة ونخليها تنجح ... بعدين لو فشلت وحد فينا معرفش يرجع لجسمه ... التاني مش هيسيبه رمقها مع آخر كلمة لعلها تثبت حديثه وتُخبره أنهما سيخوضان تلك الصعوبات معًا كما يفعلان دائمًا، صحيح أن علاقتهما جافة لا يوجد بها ما يُسمى رومانسية، لكنهما يدٌ واحدة في جميع الشدائد، يدٌ واحدة حتى ولو كان العالم يرغب باقتلاعهما والقضاء عليهما. وجدها تبادله ذات النظرة المطمئنة وتُؤكد حديثه : - أكيد طبعًا... بس إحنا مش هنستخدم الحل ده غير لما نيأس خالص أومأ رأسه بتأكيدٍ على حديثها ثم التفت للجهة اليُمنى وأغلق عينيه استعدادًا للنوم والتفكير في تلك العوائق في أيامٍ أخرى، فلا يعلم أحدهما، ما الذي تحمله الأيام ؟.... _________________________ ازدادت عُتمة الليل ورهبته، ومن شدة سكون تلك الليلة بدى صوت الحشحشة التي تصدرها هذه الأقدام ذات الحذاء الأسود، الذي ربما سواده أتى من عُتمة الليل، توقفت تلك الأقدام عند إحدى البِقاع ليظهر أمامها ظلٌ مهيبٌ ينعي مُكر صاحبه ونظراته القاتلة. ظهر رجلٌ آخر يقف خلف هذا الرجل المهيب ويمد نحوه حقيبة سوداء تبدو للوهلة الأولى حقيبة مُحملة بالأموال الطائلة، بعد أن أمسكت قفازات الرجل هذه الحقيبة ظهر وجهه أخيرًا لنعلم فيما بعد أنه طلال، فلا تخرج تلك النظرات القاتلة ولا المهابة الطاغية سوى من أمثاله. - ده جُزء من الحِساب .... خليك مراقبهم واعرفلي كل حاجة عنهم أخرج لفافة تبغه البُنية " الخابور " ليضعها داخل فمه ويستنشق منها العديد من الأنفاس التي أطلقها على هيئة أدخنة كثيفة تابع معها مساعده الذي يُعطي تلك الحقيبة للرجل الواثب أمام طلال مباشرة في تلك البُقعة المُعتمة. أمسك الرجل تلك الحقيبة السوداء وداخله شهوة عالية للتمتع بديجور تلك الثورة، رفع رأسه قبالة طلال مباشرة ليُخبره بعينين مُحملتان بالثقة والخداع : - متقلقش يا رياسة ... أخبارهم هتجيلك أول بأول ولم يكن هذا الرجل الذي ينقل أخبارهم ويشارك في إيقاعهم سوى ... ميجو !!... يُتبع ❤💕 __________________________ لمحة تاريخية عن القضية قبل الحرب العالمية والانتداب البريطاني، حاول خاييم وايزمان اقناع بريطانيا بتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين، وما جعل بريطانيا توافق على مطلبهم هو خوفها من استحواذ ألماينا على فلسطين بسبب موقعها الجُغرافي المُتميز. وبعد العديد من المناقشات، أنشأ هربرت وايزمان وثيقة سرية لإقامة وطن يهودي في فلسطين، لكن تلك الوثيقة بقيت سرية حتى نجح الجنرال اللنبي باحتلال القُدس وأصبح لبريطانيا الحق الكامل في فلسطين بعد وضعها تحت الانتداب، ولأنه اتفق مع اليهود على تسهيل الهجرة؛ زاد عدد اليهود إلى 125 ألف يهوديًا مما أوقد العديد من المظاهرات ما بين الفلسطينيين واليهود خاصة بعد أن احتل اليهود المسجد الأقصى وأصروا على الصلاة داخله. ازداد غضب الفلسطينيين من تصرفات الصهاينة مما جعلهم يقيمون العديد من الثورات مثل ثورة البراق، كما ازداد كره الصهاينة للعرب واعتبروهم مُتخلفون بربريون وأطلقوا بعدها شعار " وجود الكلب في الحظيرة لا يُعطيه الحق في امتلاك تلك الحظيرة ". ترسخت الأفكار العُنصرية ضد الأراضي المُستعمرة وبدأ اليهود بطرد السكان من أراضيهم، كما تسببوا بقتل أكثر من 70 ألف فلسطينيًا، وبعد الحرب العالمية الثانية، زاد اضطهاد الصهاينة وانضم جزء منهم للجيش الصهيوني مما جعل العصابات الصهيونية جيوشًا منظمة تحت إشراف وتدريب بريطانيا. قرر الصهاينة إبادة العرب عن طريق تدريب جنودها على احتلال القُرى بفضل الجنرال البريطاني " أورت وينجت " الذي نجح بزرع فكرة التطهير العرقي داخل الصهاينة، كما أقرٌ مشروع " ملف القُرى " والذي تم من خلاله دراسة جغرافية لجميع القُرى الفلسطينية. إلى أنهم واجهوا بعض الصعوبات ومنها حدوث انقسام بين الصهاينة بسبب تقليل هجرة اليهود، وهذا بقرارٍ من بريطانيا؛ أدى هذا الانقسام إلى حدوث إجتماع بين النازيين والصهاينة من أجل تهجير اليهود إلى أرض فلسطين كطريقة مُثلى ليتخلص منهم النازيون. رفضت دول أوروبا استقبال المزيد من اليهود حتى لا يستحوذوا على البلدة بأكملها، لذلك أقام الصهاينة مؤتمر بلتيمور لجمع المؤيدين للكيان الصهيوني في أمريكا لإقامة دولة يهودية مُخصصة لليهود من حول العالم " دول في مصالح الامبراطوريات العالمية "، ومن هنا اقتحمت أمريكا المجال وبدأت بمساعدة الصهاينة والتحالف معهم عن طريق..... ( يُتبع ) _________________________ ياريت نكتر من دعواتنا لأهالي فلسطين خصوصًا في الأيام دي... قولولي رأيكم في الفصل وفي الرواية بشكلٍ عام ولو في أي نقد ياريت تقولولي ومتنسوش الفوت 🥰

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرواح ضائعة " أرواح متنقلة 2 "

المؤلف نوران أشرف محمد
2024/06/15 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 0: المقدمة
2024/06/15
الفصل 17: الفصل السادس عشر ( النصف الآخر )
2024/06/15
الفصل 18: الفصل السابع عشر ( ضيوف غير مُرحب بهم )
2024/06/15
الفصل 19: الفصل الثامن عشر ( بداية المعركة )
2024/06/15
الفصل 20: الفصل التاسع عشر ( تبادل )
2024/06/15
الفصل 21: الفصل العشرون ( كشف المستور )
2024/06/15
الفصل 22: الفصل الحادي والعشرون ( مكبلًا بالأغلال )
2024/06/15
الفصل 23: الفصل الثاني والعشرون ( عفريت !! )
2024/06/15
الفصل 24: الفصل الثالث والعشرون ( البوابة !! )
2024/06/15
الفصل 25: الفصل الرابع والعشرون ( أوقعهم العدو )
2024/06/15
الفصل 26: الفصل الخامس والعشرون ( جسدٌ بلا روح )
2024/06/15
الفصل 27: الفصل السادس والعشرون ( العين بالعين والسن بالسن )
2024/06/15
الفصل 28: الفصل السابع والعشرون ( التثبيت )
2024/06/15
الفصل 29: الفصل الثامن والعشرون ( النهاية )
2024/06/15
الفصل 30: أرواح ضائعة ( الخلاصة )
2024/06/15
الفصل 16: الفصل الخامس عشر ( مشفى المجاذيب )
2024/06/15
الفصل 15: الفصل الرابع عشر ( عصيان نتيجته الدمار )
2024/06/15
الفصل 1: ملخص الفصل الأول
2024/06/15
الفصل 2: الفصل الأول ( عد تنازلي )
2024/06/15
الفصل 3: الفصل الثاني ( قرار إجباري )
2024/06/15
الفصل 4: الفصل الثالث ( طلق !! )
2024/06/15
الفصل 5: الفصل الرابع ( عودة الأخ الضال )
2024/06/15
الفصل 6: الفصل الخامس ( تصفية حسابات )
2024/06/15
الفصل 7: الفصل السادس ( لن تخرج حيًا )
2024/06/15
الفصل 8: الفصل السابع ( خائن !! )
2024/06/15
الفصل 9: الفصل الثامن ( قطعة ناقصة )
2024/06/15
الفصل 10: الفصل التاسع ( لصوص )
2024/06/15
الفصل 11: الفصل العاشر ( وقع بين يديه )
2024/06/15
الفصل 12: الفصل الحادي عشر ( اختطاف جماعي )
2024/06/15
الفصل 13: الفصل الثاني عشر ( جاسوس )
2024/06/15
الفصل 14: الفصل الثالث عشر ( ضربة أفقدته الوعي )
2024/06/15
الفصل 31: الرواية الجديدة
2024/06/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة