بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم مكن للمرابطين في غزة من رِقاب أعدائهم وثبت أقدامهم وانصرهم على من عاداهم " لا تنسوا الدُعاء لأهالي فلسطين 🙏 ____________________________ إذا اختفت القوانين، انعدمت الضمائر... ومع ذلك يتعمد البعض اختراق القوانين بحُجة أنه يدعم الحُرية التي تُكبلها هذه القواعد، ولا يعلم أحدٌ هنا، هل هذه بالفعل حُرية، أم جريمة... رصاصة طائشة خرجت من جوف سلاحٍ يملكه مُجرمٌ لا يكترث لمن يقف أمامه، التصقت هذه الرصاصة أعلى كتف أحد الضباط الواثبون خلف لؤي الذي كان من المُفترض أن يتلقى تلك الرصاصة في مُنتصف عُنقه لولا تحركه في اللحظة الأخيرة. تلك الرصاصة كانت شُعلة البداية لمعركة جثيمة حلٌت على جواسر هذا المخزن وجعلته يتحوٌل إلى ساحة حربٍ يتبادل فيها الرصاص بين طرفين، أحدهما يُمثل القانون، والآخر يُمثل التمرد. اختبأ لؤي خلف سيارة قديمة تكاثرت عليها الأتربة، كان يرفع سلاحه تارة ويُطلق النيران ثم يختبيء تارة أخرى بعد أن يتأكد أن الجهاز في مكانه لم تُصيبه تلك الرصاصات، فهو قد أوصى فرقته على الحذر جيدًا أثناء اشتباكهم مع تلك العصابة المُتمردة. أخرج لؤي جهازه اللاسلكي ليضعه أمام فمه هادرًا بصرامة : - محتاجين دعم ... في اتنين مصابين، وتلات مجرمين وقعناهم حوٌل أغلق اللاسلكي بسرعة ليرفع جذعه ويطلق رصاصة أخرى ثم يختبيء مجددًا ويجول بعينيه بحثًا عن ذاك الحقير الذي لم يجد صعوبة في العثور عليه، فها هو يُحاول الهرب من بوابة خلفية كالفئران التي تفرٌ فور اشتمامها لرائحة المُبيدات. وجه لؤي بصره مجددًا نحو الجهاز لتتسع حدقتيه في صدمة، فلا يوجد أثر لذاك الجهاز وكأنه تبخر في أقل من ثانية، أو أن هذا الحقير قد انتشله بسرعة مُقررًا أن يهرب به دون أن ينتبه له أحد. وثب لؤي بسُرعة من موضعه وبدأ يتحرك بخطواتٍ متأنية مُنخفض الجذع حذرًا من تلك الرصاصات الطائشة التي تحوم حوله، أوقفه واحد من المُلمثين لكنه لم يمهله ثانية ولكمه في وجهه لكمة قوية أطاحت سلاحه ومهدت الطريق أمام لؤي كي يُسدد له المزيد من اللكمات على معدته وفكه حتى سقط الرجل مغشيًا عليه. هرول لؤي بسُرعة أكثر حتى لا يعترضه مُلثمًا آخرًا ويستطيع الولوج لحمدي قبل أن يهرب بالجهاز، توقفت أقدامه أمام البوابة الخارجية مباشرة ليرفع سلاحه على رأس حمدي من الخُلف، ثم يُحرك الزناد الذي أصدر صوتًا أوقد النيران داخل حمدي وجعله ينتبه أن خطة هروبه ستبؤ بالفشل هذه المرة. - سلم نفسك قالها لؤي بصوتٍ آمرٍ يحمل الصرامة التي لم تنجح بزعزعة حمدي لكنه بقى مُتصلبًا مكانه يخطو خطواتٍ بطيئة تجاه الباب جعلت لؤي يعلم أنه لا يكترث لتعليماته. - قولتلك سلــــم نفسك قالها لؤي بصوتٍ مُرتفعٍ أكثر وهو يقبض على ذراع حمدي ويجبره على الالتفاف ومواجهته وجهًا لوجه، فما إن التفت حمدي حتى رماه بقهقهة ساخرة مُستفزة ثم بهدوءٍ تامٍ، وضع الجهاز على الأرض ليرفع يده باستسلامٍ وبرودٍ أمام لؤي الذي يكاد يشعر بالغضب على الرغم من انتصاره عليه. أخرج لؤي الأصفاد من جُيبه ليُكبل حركته لكن حمدي سبقه بركلة على معدة لؤي جعلت السلاح يسقط على الأرض؛ تقوٌص لؤي من الألم لكنه جاهد ليرد عليه بركلة أخرى على وجه حمدي الذي اشتعل غضبه واشتعل معه غريزة الحرية مما جعله يقبض على ذراع لؤي الممُتد نحو وجهه ثم يقوم بلوي يده والاستمتاع بصرخات لؤي المكتومة ووجهه التي تحوٌل إلى جمرة نارية تعلوها بعض الكدمات نتيجة العِراك. ركله لؤي بقدمه فتقوٌص حمدي لكن تقوٌصه لم يدم طويلًا، فسرعان ما انقض على لؤي ليوٌقعه أرضًا ويلكمه لكماتٍ متتالية على وجهه جعلت الدماء تنبثق بغزارة من فمه، قبض لؤي على يد حمدي بقسوة وحاول دفعه بقدمه والوثوب عليه محاولًا تكبيل حركته لكن يبدو أن صلابة حمدي جعلته يتصدى لتلك الدفعات وينتشل سلاح لؤي الذي سقط منه ليوجهه على رأس لؤي المسجي أرضًا. وثب حمدي عن الأرض شاهرًا السلاح أمامه غير مكترثًا لكدماته التي أغرقت ملامحه، فما يكترث إليه الآن هو الهرب بأية طريقة، حتى ولو تسبب بقتل أحدهم، تراجع خطواتٍ للوراء وهو لايزال ينظر للؤي بصلابة حتى أحنى جذعه والتقط الجهاز بحذرٍ وواصل التراجع للخلف أمام لؤي الساكن والذي إذا تحرك خطوة فربما تُصيبه تلك الطلقات. وعلى عكس المتوٌقع، لم يتحرك لؤي قيد أنملة وبقي يُتابع حمدي بسكونٍ تامٍ حتى .... نمت البسمة على ثغر لؤي فور استماعه لصافرة الشُرطة التي أتت في الوقت المناسب وأحاطت المخزن من جميع الاتجاهات حتى هذه البوابة الخلفية، أوقف الضُباط حركة حمدي وأجبرته على الخضوع والاستسلام حتى يتم تكبيله وتقديمه للعدالة. تحرك أحد الضباط نحو لؤي لينتشله عن الأرض ويطمئن عليه، بينما كانت عينا لؤي تتُابعا الجهاز وتتسآل إلى أين ستأخذه الشُرطة ؟.... ______________________ صدى صوت الجرس أركان المنزل فوثبت كوكي من مقعدها لتفتح الباب وتلقى داليا أمامها تفتح ذراعيها وتُرحب بها في حرارة. انتهت داليا من ترحيبها بكوكي لتقتحم يُسرى المجلس وتُعانق كوكي عناقًا أخويًا، كما دلف إسلام المنزل ليُصافح مُعتز ويُرحب به ثم يليه خالد الذي دلف المنزل بخطواتٍ مُتبهنسة رامقًا مُعتز بعوالم تحمل بعض الاشمئزاز، كما أنه كاد يتشاجر معه لولا يد إسلام التي انتشلته ليفض هذا الجدال ويدخلوا المنزل بعد أن وضع عُلبة الحلوة التي كان يحملها على الطاولة. مرٌت بُرهة قصيرة من الوقت كان فيها الجميع ينتصف البهو ومعهم صحونًا صغيرة تحتوي على أنواعٍ من الحلوة الشرقية، تسامروا في شتى المواضيع حتى سأل ميجو باستفسارٍ بعد أن فهِم طبيعة المُشكلة التي تواجههم : - هو إنتو أصلًا عارفين طريقة التثبيت عشان تجيبو الجهاز ؟ تقدم إسلام بجذعه كي يُجيبه بثقة : - مش بالظبط ... إحنا أساسًا قررنا نجرب التثبيت على ناس تانيين غيرنا عشان لو نجح نجربه علينا ... ولو فشل، نحاول نعدٌل الطريقة ونجرٌب تاني تزايدت الأفكار داخل رأس ميجو مما جعله يسأل مجددًا : - وهو اللي هتجربو فيهم دول هيوافقو ؟ تدخلت داليا هذه المرة لتُجيبه بقولها : - ما إحنا هنقنعهم ... ومش هنقولهم إننا بنجرب فيهم لاحت عوالم اليأس على وجهها وهي تتراجع بظهرها للوراء وتهتف بيأس : - بس نجيب الجهاز الأول ... إحنا كل ما نقول خلاص نلاقي حاجة طلعتلنا هذه المرة هتف خالد بلكنته الحكيمة المُعتادة والتي اقتحمت حديثهم على أمل أن يبث بهم بعض العزيمة : - الإنجاز ... إذا طال وقته، زادت جودته ما إن أدلى تلك الجملة حتى دفعه مُعتز على كتفه ساخرًا من كلماته الحكيمة بقوله : - إتلهي ... دا إنت إللي ورا فكرة الحرامي ... أدي الحرامي سرقنا ومش عارفين هنرجٌع إللي سرقه إزاي لم يكد ينهي الجُملة حتى استمع جميعهم إلى صوت الباب الذي صدح فجأة وجعلهم يتبادلون النظرات في تيهٍ إلى أن تطوع إسلام ليفتح لذاك الزائر المُفاجيء. قطب إسلام حاجبيه بحيرة فور أن وجد لؤي يقف أمامه بكدماتٍ تعلو وجهه وعُلبة من الكارتون يحملها بين ذراعيه، حاول سؤاله عما حدث معه لكن لؤي لم يمهمله الفُرصة ودفعه حتى يدلف المنزل ويضع هذه العُلبة أمامهم على الطاولة. تصلبت الأهداب وجحظت الأعين حين رؤيتهم لهذا الصندوق ولمعالم لؤي وكدماته خاصة وهو يقول : - الجهاز أهو ... احتقنت وجوههم مع تلك الكلمات التي لم تخترق أذهانهم المسكينة، فكيف أتى بالجهاز وما الذي حدث ؟ كل تلك الأسئلة كانت تدور حولهم حتى وثبت قمر بسرعة تتفقد حاله وتسأل في ذعر : - جـ..جهاز إيه ؟... هو إيه إللي حصل ؟ ابتعد لؤي عنها ليتجوٌل أمامهم بالبهو ويبدأ بسرد ما حدث معه بدءًا من عراكه مع حمدي حتى ذهابه بهذا الجهاز إلى المعمل مجددًا ومحاولته الالحاح على كبير العُلماء حتى يحصل على ذاك الجهاز لفترة مؤقتة كمكافأة على عثوره عليه وتسليم المُجرم للعدالة، فقد ظهر أمامه بمظهر البطل المغوار وهو في الحقيقة أحد أسباب سرقة الجهاز من المعمل. أنهى لؤي حديثه بجلوسه على الأريكة مسترخيًا بظهره للوراء هادرًا بثقة حملت شِقًا من العِتاب : - عشان تسمعوني بعد كدة لما أقولكم إن الإجرام مش هيفيد أمسكت داليا الجهاز بفاهٍ مفتوحٍ من السعادة ووجهٍ لا يُصدق أنهم تخلصوا من تلك المُعضلة أخيرًا وبقي شيءٌ واحدٌ فقط قبل تثبيتهم نهائيًا، بعد فترة من التهليلات والمباركات سأل لؤي وهو يأخذ صحن الحلوة من قمر ويبدأ في تناوله مع قوله : - هتبدأو بقى التثبيت إمتى ؟ ... الجهاز مش هينفع يفضل هنا كتير، أنا كاتب تعهد على نفسي آجابه إسلام بثقة وهو يرتمي على أحد المقاعد : - فاضل حاجة واحدة بس .... نلاقي مُتنقلين تانيين... ____________________________ مرٌت العديد من الأيام كمرور السُفن في بحرٍ وعرٍ يُعيقه رياحٌ عاتية، كان يتجوٌل إسلام في هذه المشفى العريقة وجواره أحد الأطباء ممن جاءوا إليه في أحد الأيام، كان هذا الطبيب يُشير على حُجرة تحفها الجُدران البيضاء وداخلها رجلٌ يبدو بالأربعين من عُمره، فكان يتقوقع على نفسه بأحد الأركان وجواره الفِراش الصغير الذي لا يختلف بياضه عن بياض الحُجرة، كان الطبيب يُشير على هذا الرجل من خلال النافذة الزجاجية ويقول : - ده طه ... عنده اكتئاب من الدرجة الأولى ... وغالبًا أغلب حالات الانتحار هتكون من عنده، عشان كدة لازم تاخد بالك منه ... وتطمن عليه كل شوية عشان علطول بيعوٌر نفسه أومأ إسلام بتفهمٍ، فهو مسئول عن تطبيب جروح المرضى في تلك المشفى بصفته طبيبًا جراحًا، واصل تجوٌله في الرواق بين المقاعد المترامية والمرضى المتجولون مع ممرضيهم حتى استمع إلى جاسم صديقه الطبيب الذي كان يهتف بأسى : - أنا كمان كام يوم وهمشي من هنا ... هينقلوني العباسية ... عشان كدة لازم تعرف المرضى إللي هنا كويس ... وكدة كدة هبقى آجي كل كام شهر أعمل معاينة واشقر على الحالات .... بس هيكون وضع مؤقت لغاية ما الدكتور إللي هييجي مكاني يتثبت همهم إسلام بتفهمٍ وداخله ينتظر التوقيت الذي سيرحل فيه عن تلك المشفى والذي ربما سيمتد إلى بضعة أشهرٍ قابلة للتجديد لكنه سيعمل جاهدًا حتى لا تتجدد تلك المُدة ويعود إلى المشفى العمومية التي كان يعمل بها.... ________________________ فتح عينيه المُلتصقتان ليواجه رؤية مشوشة يُداعبها صوت جرس المنزل الذي لم يتوقف عن الضجيج حتى كادت أذنيه تنفجران، وضع أصابعه على عينيه محاولًا إزاحة الرمَص ليتمكن من الرؤية جيدًا، اعتدل في جلسته ليضحى جالسًا على الأريكة التي غفا عليها مُنذ ليلة أمس، فلا يتذكر حتى أنه نام على فراشه منذ أتى هذا المنزل، فدائمًا ما يغفو وسط زُجاجات الجعة ولفائف التبغ. تجوٌل داخل الرواق صوٌب الباب وبداخله يسب هذا الطارق الذي يقطع سُباته ويسرقه من أحلامه، وضع يده على المقبض كي يفتح الباب ببعض الحِدة الناتجة عن غضبه الذي لم يشأ إظهاره لهذا الزائر الواثب أمامه يربط ذراعيه بتذمرٍ طفوليٍ ولكنة أصابته في مقتلٍ من شدة برائتها : - مش بتفتح ليه ؟ ... مش قولتلي إن إنهاردة هنروح الكبارية ... إنت كل شوية بتأجل، وأنا خلاص مش قادرة استنى أغلق عينيه ثم فتحهما بتروٍ وهو يلعن اللحظة التي أخبرها فيها بهذا الملهى الليلي الذي تعمل به والدته، فطنينها يخترق أذنيه منذ تلك الليلة ويجعله يوٌد لو فجٌر هذا الملهى حتى يتخلص من الحاحها. تنهد تنهيدة فاقدة للصبر ثم حاول مسايرتها بلطفٍ رغبة في التمُسك بقراره ومعرفة هذه الفتاة الغريبة، لهذا السبب وافق على حديثها ببعض المماطلة : - حاضر ... ساعتين كدة وهننزل كاد يغلق الباب لكنها منعته بيدها التي تلمست الباب وكلماتها المليئة بالإصرار والإلحاح : - لأ نروح دلوقتي ... الساعة بقيت اتنين الضُهر وأنا مش هينفع أروٌح البيت متأخر تنهد مجددًا بنفاد صبرٍ قال بعده مُستسلمًا : - طيب ... هدخل أغيٌر وآجي اتسعت بسمتها بعد أن حازت على موافقته التي جعلت الحماسة تتغلغل كيانها فتُخبره فورًا أنها ستنتظره أمام موقف الحافلة العمومية التي من شأنها أن تقلهما حيث يُريدان... ها قد تحققت أحد أحلامها البلهاء ووطأت قدميها هذا الملهى الذي غمرته الإضاءة الخافتة القادمة من الشمس، وجهت شمس بصرها لأسفل لتتفقد الأرضية الحمراء الناعمة كالقطيفة كما كان الجدار كذلك، تفقدت الطاولات المُستديرة والمقاعد التي وُضعت رأسًا على عقب فوق تلك الطاولات حتى يستطيع العُمال تنظيف المكان قبل مجيء الزبائن، كانت أذنيها تلتقطان أصوات الموسيقى الصخبة وبعض الأصوات النسائية التي ترأسها صوتٌ خليعٌ يُرتل بعض الأوامر. تلفتت برأسها حول المكان بذهولٍ وكأنها داخل أحد المتاحف أو المناطق الأثرية، كان ميجو يسير بجوارها على بُعد أمتارٍ قليلة يُتابع عينيها البراقة دون أن تنتبه له لأنها مُنشغلة الآن بتفقد المكان، لكنها في أقل من ثانية التفتت نحوه كي تسأله بلهفة : - أومل مامتك فين ؟ أبعد ميجو عينيه عنها حتى لا تُلاحظ مراقبته إياها وهو يُجيب : - تيتي !! ... تلاقي عندها بروفة ألحت عليه بطلبها : - طب أنا عايزة اشوفها أومأ ميجو رأسه إيجابًا وآشار بيده للأمام حتى تتحرك نحو إحدى الحُجرات التي كان يُصدر منها مزيجًا من أصوات النساء وأصوات المُوسيقى الصخبة، وثب ميجو أمام تلك الحُجرة وانتظر قليلًا حتى هدأت أصوات الموسيقى وبقي بعض الأصوات النسائية الخافتة. طرق الباب بضع طرقات حتى حصل على إذن الدخول ففتح الباب بتروٍ ليُقابله مجموعة من النساء التي تتحركن أمامه بخطواتٍ مائعة وثيابٍ قصيرة تكشف عن ساقيهن، كانت نظرات النساء تتابعنه بابتساماتٍ مُدللة جعلته يبتسم بشهوة لكنه حاول حجب شهوته حتى لا ينكشف أمام شمس التي يُحاول جاهدًا أن يظهر أمامها بمظهر الفتى الجيد. ولج ميجو الحُجرة وولجت خلفه شمس وهي تُراقب تيتي بثيابها المُطرزة اللامعة التي تلتصق بجسدها ويلتف حول خصرها قماشة من الحرير تساعدها على الاستعراض والرقص بمهارة، ألقت تيتي بعض التعليمات للفتيات الذين خرجن من الحُجرة ثم وضعت يدها على خِصرها لتنزع قطعة القماش هذه وترتمي على أحد المقاعد بإرهاقٍ جعلها تُرجع خُصلات شعرها الداكنة الطويلة عن عينيها الخضراء التي تُشبه عينا ميجو. ابتسم ميجو وهو يُصافح والدته بقوله : - إزيك يا تيتي ... لم تُجبه تيتي وبقيت تترقب شمس بحيرة قطعها ميجو بتفسيره : - دي ... شمس ... جارتي في العُمارة إللي ساكن فيها اقتربت تيتي بضع خطوات تفحصٌت معهن شمس بداية من حجابها حتى ملابسها المُحتشمة وابتسامتها البلهاء والتي جعلتها تقول بتهكمٍ وعدم تصديق : - وإنت من إمتى يا خويا بتصاحب بنات مُحترمة ؟ ... ده البت كارمـ_ قطعها ميجو بسرعة ببعض عوالم الإحراج التي نمت على وجهه لأن تيتي كانت على وشك سرد حقيقته أمام شمس. - حيلك يا تيتي ... أنا وشمس مش متصاحبين، ده هي بس جاية عشان عايزة تشوفِك اتسعت بسمة شمس وهي تؤكد حديث ميجو بإعجاب : - أيوة ... أنا بحب أوي الرقص ونفسي أوي أتعلمه تفحصتٌها تيتي مجددًا بعد أن فهمت حديثها بطريقة خاطئة مما جعلها تمد يدها نحو شمس وتُمسد على كتفها ثم تهبط بيدها حتى ذراع شمس إلى أن قالت : - وماله يا ختي .. شكلِك شرعة وبرعة وهتجيبي زباين.... إنتِ تيجي وأنا اعلمِك الرقص وأخليكي تنزلي النمرة كمان ... بس هتحتاجي الأول_ قطعها ميجو للمرة الثانية قبل أن تُفسد أخلاق شمس وتجرفها لطريقٍ لا مفر من بعده، فهو يعلم تمامًا أن شمس لم تكن تقصد تعلم الرقص لهذا الغرض. - إيه يا اما إللي بتقوليه ده .... شمس مش هينفع تنزل نمٌر استمعت تيتي للجزء الأول من حديثه مما جعلها تفتح فاهها بشهقة مُتذمرة رقيعة قالت بعدها : - أما لما تستتك يا بعيد ... أنا مش أم حد .. أنا تيتي وبس أنهت تيتي حديثها بتعنتٍ جعل شمس تُقطب حاجبيها بغرابة جعلتها تلتفت نحو ميجو وتسأله بهمس : - هي مش مامتك ولا إيه ؟ آجابها ميجو بنفس تلك النبرة الهامسة : - أنا والله شاكك إنها لقياني على باب جامع ... بس اكتشفت إنها مش بتروح جوامع أصلًا قطعت تيتي حديثهما مُستفسرة : - بتقول إيه يا خويا إنت وهي ؟ آجابها ميجو بابتسامة بلهاء ساخرة : - بقولها يا تيتي إنتِ بتحبيني قد إيه .... دا أنا متربي على إيديِك دعٌمت تيتي حديثه بكلماتٍ رقيعة مُتذمرة : - دا كان وكسة واتبليت بيها .... منه لله إللي ما يتسمى مال ميجو على أذن شمس كي يهتف ساخرًا : - شايفة ... بتموت فيا اعتدل في وقفته ليُنهي تلك المقابلة قبل أن تتطور ويُفسد ما يُخطط له مُنذ البداية. - إحنا هنمشي بقى ... فُتِك بعافية ... يلا يا شمس لوٌح بيديه لتيتي فتبعته شمس لكنها ابتسمت ابتسامة ودودة ودٌعت بها تيتي ووعدتها بالزيارة المُتجددة وكأنها ستألف هذا المكان الماجن، ضربت تيتي كفًا على كفٍ بعد رحيلهما وداخلها يعلم جيدًا أن تلك التصرفات الحريصة والمُهذبة، لا تنبع من ميجو أبدًا، فهي تعلمه جيدًا.... ____________________________ استرخى بظهره للوراء وهو جالسٌ على مقعد مكتبه يُراجع بعض الأوراق المُهمة ويدوٌن المُلاحظات على الدفتر الخاص به، صدح صوت هاتفه لوهلة فانتشله من على الطاولة ليضعه على أذنه متفوٌهًا : - أيوة يا إس .... التثبيت !! ... إنتو عرفتو الطريقة ولا إيه ؟... أااه تمام، يعني نتجمع انهاردة بليل ؟ ... ماشي يا سطا ... يلا سلام أغلق بعدها المُكالمة بعد أن أنبأه إسلام بهذا التجمع الذي سيحدث في منزله مساء اليوم ليتناقشوا فيما يخص المُتنقلين، فهذا هو شُغلهم الشاغل حتى يتخلصوا من تلك المحنة ويستطيعوا مواصلة حياتهم دون أن تُعيقهم أي قُدراتٍ عجيبة. على جهة أخرى، وبجوار باب المكتب مباشرة، كانت تضع نرمين الهاتف على أذنيها وتتحدث بصوتٍ خافتٍ يحمل الحذر خاصة مع عينيها اللتان تتلفتان حولها كي لا يكشفها أحد : - أيوة يا بيه ... أنا سمعته بيقول انهم هيتجمعوا انهاردة ... معرفش، بس أنا سمعت حاجة عن التثبيت .... _____________________________ خفتت الشمس وحلٌ محلها الليل وسكونه الذي غمر المكان فيما عدا هذا المنزل الذي اجتمعت فيه الفتيات بعد أن استأذن مُعتز ليجتمع هو وبقية الرجال داخل منزل إسلام حسبما ما اتفقوا، فمن المُفترض أن اليوم، سيبحثوا عن طريقة للعثور على واحدٍ من المُتنقلين ويحاولوا اقناعه بالتثبيت حتى تطمئن قلوبهم ويتأكدوا أن التثبيت آمنًا وأن ما حدث مع بطة قديمًا لن يحدث معهما. أرخت داليا ظهرها للوراء ومعها قطعة من البرتقال تضعها داخل فمها وتلوٌكها أثناء انصاتها لحديث كلٍ من كوكي ويُسرى، فكانت كوكي تحمل بسملة وتُهدهدها بين ذراعيها، بينما كانت يُسرى تتحدث عن مغامراتها وما فعلته بالأيام الفائتة. قطع حديثهن صوت الباب الذي صدح عاليًا فوٌثبت يُسرى لتفتح الباب بعد أن انتشلت حجابها ووضعته على رأسها بطريقة عشوائية، كانت قمر تقف أمامها تحمل حقيبة بلاستيكية تحتوي على المُسليات وبجوارها تقف شمس تبتسم بوٌدٍ وتُعانق يُسرى عناقًا أخويًا ثم تنتقل إلى الداخل بصُحبة قمر التي صافحت كوكي وداليا ثم جلسن جميعهن على الأريكة مُلتفين في حلقة ينصتن لبعضهن بعضًا. التفتت داليا نحو شمس كي تسألها باستفسارٍ بعد أن لمحتها تأتي إلى البناية برفقة ميجو مما أوقد العديد من الشكوك بداخلها. - صحيح إنتِ كُنتي فين الصُبح ... وأنا راجعة من الشُغل شوفتِك إنتِ وميجو راجعين مع بعض ... هو الواد خدِك وراح فين ؟ أنهت حديثها بسؤالٍ حادٍ لمعرفتها جيدًا بطبيعة الرجال خاصة أولئك الذين يعتبرون النساء كمصادر للهو والتسلية. ابتسمت شمس بسمة هادئة مُتحمسة وهي تُجيب ببلاهة : - مأخدنيش في حتة ... أنا إللي اتحايلت عليه نروح الكبارية سوا أنهت حديثها بلهفة وسعادة جعلت الأفواه تسقط في صدمة وتتغير عوالم داليا إلى أخرى ترغب فيها بالفتك بتلك القابعة جوارها. لاحت عوالم الصمت لوهلة مما جعل شمس تُبادل نظراتها بينهن ولا تعلم سبب صمتهن وسبب تلك الصدمة على وجوههن، فما فعلته تظن أنه أمرًا عاديًا لا يتطلب تلك النظرات. - يـ يعني إيه روحتي معاه الكبارية ؟ قطعت داليا صمتها بهذا السؤال الذي آجابت عليه شمس ببساطة : - عادي ... خبط عليه وقولتله يلا نروح الكبارية سقط فك داليا مجددًا ولم تمنع اندفاعها من الانطلاق في تلك اللحظة فوثبت لتقف على رُكبتيها فوق الأريكة وتهتف بوجه شمس بصوتٍ مرتفع به بعض السُخرية : - قولتيله تعالى نروح الكباريه !! .... مقولتيلوش ليه إنك عايزة تعملي نمرة بالمرة ؟ أرخت شمس ظهرها للوراء وهي تُجيبها ببلاهة : - قولتله بس هو موافقش ازداد انفعال داليا وكادت تنقض عليها لكنها حاولت الحفاظ على ثباتها واستنجدت بقمر بقولها : - كمان موافقش !!... ما تقولي حاجة لاختِك الهبلة دي ... رايحاله الكبارية كدة من غير ما تقول لحد وفاكرة إنها رايحة الفُسطاط تقدمت قمر بجذعها لتنهر شقيقتها بقولها : - إزاي يا شمس تروحي مكان زي ده من غير ما تستأذني حد ؟... ظن الجميع أن قمر ستنصحها لكنهن تفاجئن بحديثها الذي كان : - على الأقل كُنتي سألتيني ... إنتِ عارفة إني نفسي أروح كبارية ضربتها داليا على كتفها فارتد جسد قمر لليمين أثناء استماعها لحديث داليا الحانق : - عليا النعمة إنتو عيلة هبلة ... أختِك بتقولِك راحت كبارية من غير ما تقول لحد_ قطعتها شمس لتُبرر لنفسها : - لأ أنا قولت لبابي ... قولتله قبل ما أنزل إني هروح الكبارية وهو قالٌي ماشي تدخلت يُسرى كي تسأل بحيرة : - وافق كدة عادي ؟ أكدت قمر حديث شمس بصدقٍ أرخت معه ظهرها للوراء : - لأ عادي .. أنا امبارح كلمت بابا قولتله أنا حرقت المطبخ قالٌي برافو كانت كوكي تتابع حديثهن ولا تفهم سبب المُشكلة فسألت : - هو فيها إيه يا جماعة لما تروح night club هما أساسًا مش بيكونو فاتحين الصُبح، فـIt s fine يعني جادلتها داليا بنبرة حادة مُندفعة : - فيها إن مينفعش ... مينفعش تخرج مع حد متعرفهوش في أماكن زي دي ... افرضي خطفها ولا خضرها ولا عملها أي حاجة ... بعدين دي بتقولِك كبارية.... يعني مكان أساسًا مينفعش تروحه تذمر وجه شمس وبدت تُدافع عن ميجو وكأنها تعرفه مُنذ قديم الأذل : - متقوليش كدة عن ميجو ... هو مكنش هيعملي حاجة ... وجهت بصرها نحو السماء وهي تواصل بلكنة حالمة : - ميجو ده عامل زي دودة القز ... بيستحمل الشرنقة لأيام وساعات عشان خاطر يتحوٌل لفراشة (" الشرنقة " : هي غشاء واقِ مكوٌن من خيوط رفيعة تنسجها دودة القز لتحتمي بها حتى تتحوٌل ) أمسكت داليا إحدى الوسادات القريبة لتضرب بها شمس على وجهها لعلها تستفيق من تلك الأحلام الواهية وتنزل إلى الواقع الأليم، فكانت تضربها بالوسادة وتهتف في نفس الوقت : - كمان خلتيه دودة القز ... والله العظيم أنا هعمل عملية المرارة بسببِك إنتِ وأختِك تذمرت قمر عقب حديثها ليستمر الجِدال بعدها لبُرهة من الزمن متناسيين ما أتوا من أجله من الأساس. قطع حديثهن صوت الباب الذي صدح مجددًا لتردف كوكي وهي تثب عن الأريكة ومعها بسملة تحملها على ذرِاعٍ واحدة وتتجه نحو الباب متفوٌهة : - دي تلاقيها ريتا ... أصل أنا قولتلها تيجي عشان تساعدنا... ___________________________ خيَم الليل عليهم وهُم في هذا المنزل يجتمعون داخل البهو، كلٌ منهم مُنشغلٌ فيما يعنيه مُنتظرين حتى يكتمل عددهم حتى يتناقشوا فيما يُفيد، أو حتى يتمتعوا قليلًا بوقتهم سويًا كما يفعلون في كل ليلة، فها هو يجلس جابر على أريكة البهو وجواره خالد الذي يُحاول تعليمه للمرة المئة إحدى قواعد النحو مُستغلًا وظيفته كمُعلمٍ للغة العربية حتى يُساعده على المُذاكرة كي يستطيع اجتياز اختبارات محو الأمية. يجلس بجوارهم أيضًا كلًا من مُعتز الذي يتناول الفول السوداني وأمامه ميجو مُنهمكًا بتدخين لفافة تبغه ونفث أدخنتها الرمادية في الهواء حتى تخلق سُحبًا كثيفة مُلوثة. بعد المرة المئة من الشرح ألقى جابر كراسته على الطاولة متفوٌهًا بيأسٍ قد لزمه بعد أن أدرك أن عقله لا يستجيب لتلك المعلومات أبدًا وكأنه كُتلة من الحجر. - الحاجات دي صعبة أوي ... أنا مش فاهم حاجة ... وشكلي مش هروحو الاختبارات خرجت الكلمات من فوهه بيأسٍ تبعه تنهيدة عميقة حملت استسلامه؛ وضع خالد يده على كتفه كمحاولة لتحفيزة بطريقته المُعتادة : - لا تيأس يا عزيزي ... فحتى توماس أديسون لم ينجح سوى بعد المحاولة المئة قطب جابر حاجبيه بحيرة من حديثه وعن هذا الشخص الذي يتحدث عنه والذي بالأحرى، لم يسمع عنه أبدًا، أو أنه استمع إلى اسمه لكن لا يتذكر متى، لذلك أردف مُستنتجًا : - أديسون !! ... هو ده إللي اخترع التُفاحة ؟ أخفض خالد ذراعه عن جابر ليرمقه بعوالم مستهجنة قال معها ببعض الاندفاع الذي يصحب حديثه كلما اشتم رائحة الغباء. - ماذا ؟.. ما الذي تقوله أيها الأبله ؟ تدخل مُعتز في حديثهما بعد أن قهقه بسُخرية على حديث جابر الأحمق والذي حاول تصحيحه بثقة : - تفاحة إيه يا بني ... توماس أديسون مخترعش التفاحة ... ظن خالد لوهلة أن مُعتز سينتشله قبل أن يفقد صوابه لكن ما قاله مُعتز جعله يتأكد أن لا حياة لمن تنادي. - عشان إللي اخترع التفاحة كان اسمه نيوتن ... حتى كانت وقعت على راسه وهو نايم قالها بطريقة علمية جعلت خالد يكاد يستشيط من الغضب، حيث أشاح بيده وهو يهتف باندفاعٍ ونبرة ناهرة : - ما الذي تقوله أنت الآخر ؟ أخذ ميجو نفسًا من لفافته ثم نفثه في الهواء قبل أن يتقدم بجذعه محاولًا انتشال خالد من براثن الحماقة هذه بقوله : - معلش يا خالود العيال دي جاهلة .. ثم وجه الحديث نحو مُعتز وجابر هادرًا ببعض التوبيخ : - ياض يا مُتخلف إنت وهو ... إللي اخترع التفاحة مش نيوتن ومش أديسون .... إللي اخترع التفاحة اسمه ستيف چوبس .... حتى من كُتر حُبه في الاختراع عمله على جهاز محمول ... بس تقريبًا كان جعان فكل منها قطمة هنا ولم يعد يتحمل خالد أكثر، فهؤلاء الحمقى يتناقشون فيمن اخترع التفاح، ولا يعلمون أن التفاح أنبته الله من الأرض، وكان يعلم أيضًا أنه إذا تناقش مع أولئك الحمقى فحتمًا سينفجر وهو جالس مكانه؛ لهذا السبب وثب عن الأريكة متفوٌهًا بغضبٍ حمل نفاد صبره : - لا أتحمل أكثر من ذلك ... هروٌل بعدها نحو الطاولة التي تنتصف الجزء الآخر من البهو والتي يجلس عليها كلًا من إسلام ولؤي وأمامهما كوبين من الشاي يحتسيانه بهدوء ويتناولان قطع البسكويت الموضوعة على صحنٍ زجاجيٍ بمُنتصف الطاولة. تناول إسلام قطعة من البسكويت ثم شرُد بعينيه بعيدًا مما يعني أن النزعة الفلسفية التي تزوره في كُل ليلة آن أوانها الآن، فكان يُهترل أمام لؤي الذي يستمع إليه دون أن ينبس ببنت شفة. - تعرف يا لول .... لو العالم مكنش فيه شر ... الناس مش هتعرف يعني إيه خير .... لكن لو العالم مفيهوش خير .... الناس هتعرف يعني إيه خير قطب لؤي حاجبيه ببلاهة يحاول أن يفهم المغذى من حديثه بسؤاله : - إيه الكلام ده ؟ أرخى إسلام ظهره على مِسند المقعد لينتشل كوب الشاي عن الطاولة ويُقربه من فمه ليرتشف منه رشفة بسيطة ثم يواصل الحديث مُعتبرًا نفسه أحد الفلاسفة في العصر اليُوناني : - يعني من غير الشر، مش هيكون في حاجة اسمها خير .... ولو العالم بقى شرٌ بس ... الناس هتحتاج الخير .... من الآخر كدة لو العالم مفيهوش عيانيين ... الدكاترة مش هيكونو موجودين .... بس لو العالم كُله عيانيين ... الناس هتحتاج لدكاترة ازدادت عوالم البلاهة على وجه لؤي وأخذ يتسآل بداخله : هل هذا ما يُريدني إسلام من أجله ؟ أن استمع إلى نظرياته الفلسفية العجيبة ؟ - أيوة يعني إنت عايز إيه بردو ؟.... وبعدين إيه دخل الكلام ده بالموضوع إللي إنت عايزني فيه ... إنت مش قولت عايز طريقة تدوٌر بيها على مُتنقلين ؟ آعاد إسلام كوب الشاي على الطاولة ليُجيب لؤي بوٌد : - يا لول أنا بدردش معاك ... بعدين أه .. أنا كنت فعلًا عايز اسألك على طريقة ندوٌر بيها على مُتنقلين، حاول تنخوٌر " تبحث " كدة في السجلات وتشوف حد اتوٌلد معانا في نفس اليوم ... إنت ظابط وتعملها كاد يُجيبه لؤي لكن قطعه مجيء خالد بعوالم غاضبة جعلته يرتمي على المقعد المجاور لإسلام هادرًا بتذمرٍ امتُزج بنبرته الحكيمة : - هناك من يعتقدون أنهم يمتلكون العالم ... بينما الحقيقة أن ما يمتلكونه هو كُتلة من الغباء قهقه إسلام بسُخرية استنتج معها : - هُما علٌمو عليك ولا إيه ؟ آراد خالد أن يُبدي شكوٌته ويفصح عمَ بجعبته لكن جرس المنزل قطع حديثه وأوقف لسانه عن الحِراك؛ أزاح إسلام جسده عن المقعد كي يبتعد عن الطاولة ثم يثب عن المِقعد متفوٌهًا بتقرير : - استنى أقوم افتح الباب .... __________________________ سيارة فارهة سوداء اللون من ماركة فيراري يقودها شابُ مُطرفٌ من الطبقة المخملية في تلك المنطقة البسيطة المُقتظة بالمباني العتيقة والعديد من الأتربة التي لطخت تلك الطُرقات المائلة للعشوائية. كان ينوي اصطفاف سيارته قُرب أحد المباني لولا هذه السيارة الحمراء الفارهة التي تصطف في أكثر الأماكن حُمقًا، فسيارتها تصطف في مكانٍ يسع سيارتين وليس سيارة واحدة تقف بمُنتصف المكانين وتحجب السيارات الأخرى من الاصطفاف ورائها. حاول مخيمر العثور على رُقعة أخرى للاصطفاف فيها لكنه وجد أن هذه الرقعة هي الأكثر استراتيجية نظرًا لكونها أمام البناية مباشرة؛ ترجل من سيارته التي تركها في مُنتصف الطريق ليتقدم نحو ريتا الماكثة داخل سيارتها تضع الهاتف على أذنها وتتحدث بلكنة غاضبة تكاد تجعلها تفقد أعصابها : - يا ماما بقى قولتلك هروح عند صُحابي ... لأ ... مش هقابل سي رامي بتاعكم ده ... يوه بقى_ قطع حديثها طرقاتٍ عديدة على النافذة جعلتها تترك هذه المشاجرة الروتينية وتلتفت صوٌب النافذة التي أظهرت خلفها شخصًا بملامح رقيقة ووجه أملسٍ أبيض البشرة مع شفاهٍ وردية وخُصلات شعرٍ طويلة مُسترسلة يكاد يصل طولها إلى خُصلات شعرها، بل حتى تكوينه الجسدي به شيءٍ غريبٍ يجعلها لا تستطيع تحديد إذا كان رجلًا أم فتاة، فما كانت تفعله هو التحديق به بغرابة وبعض الاشمئزاز الذي سُرعان ما تحوٌل إلى الاستذكار لأن هذه ليست أول مرة ترى فيها هذا الشخص. - إنتِ يا أنسة... قالها مخيمر بصوتٍ مُرتفعٍ حتى تستمع إليه من خلف الزجاج، آعادت الهاتف على أذنها لتُحاول إنهاء المُكالمة باستئذان : - سلام يا ماما دلوقتي ... سلام أغلقت المكالمة لتضع يدها على مقبض السيارة حتى تفتحها بحدة أبرزت غضبها مما فعله مخيمر وطرقه على نافذتها بتلك الهمجية التي تعتقدها : - نعم !... مش شايف إن معايا تليفون ... وبعدين إيه إللي جابك هنا ؟ حافظ مخيمر على هدوءه رغم حدتها التي لا تحمل أي معنى سوى أنها فتاة مُندفعة ترغب في السيطرة وفرض آرائها على الآخرين : - ممكن حضرتِك تقدمي شوية بعربيتِك عشان عايز أركن ؟ قالها بتهذيبٍ لا يخلو من بعض الحدة التلقائية بسبب نظراتها الحادة، ربطت ريتا ذراعيها هادرة بعِناد : - ما تروح تركن في حتة تانية ... أنا مش هتحرك من مكاني ازدادت حدة مخيمر وهو يهتف بوجهها بطريقة حافظت أيضًا على تهذيبه : - حضرتِك واخدة مكان عربيتين ... فمفيش داعي إنك تقدمي شوية عشان حد تاني يركن أطبقت على شفتيها بعنادها الذي يزداد أكثر لأنها تمقت الأوامر وتمقت تنفيذها، فدائمًا ما كانت الفتاة الطائشة التي لا تتبع أي من القواعد والنصائح حتى ولو كانت قواعدًا إجبارية، لهذا السبب أصرٌت على عنادها متفوٌهة : - وأنا بقى مش هتحرك بعربيتي ... واتفضل شوفلك حتة تانية اركن فيها كوٌر مخيمر قبضته في غضبٍ بعد أن تأكد أن تلك الفتاة لا يُجدي النقاش معها، فهي لن تُنفذ طلباته سوى بعد أن تنال عقابًا أو تهديدًا، وهذا ما دفعه ليقول بغضبٍ تسرٌب إليه هو الآخر رغم شخصيته الهادئة : - لآخر مرة هقولِك ... اطلعي بالعربية بدل ما تشوفي مني وش تاني ما إن بصق تلك الكلمات حتى قهقهت بسُخرية وتهكمٍ بدا صريحًا وهي تقول : - أشوف إيه !! ... إنت فاكر نفسِك مين ؟ ... عاملي فيها راجل وإنت شعرك أطول من شعر الستات ... أبعدت رأسها عنه وهي تواصل تهكماتها دون مراعاة لمشاعره، فغضبها اللامُبرر هو الذي يسوقها إلى تلك الأحاديث : - بقى على آخر الزمن راجل عامل نفسه بنوتة هو إللي ييجي يهددني ... روح يا حبيبي اتعلم الرجولة الأول وبعدين اتكلم معايا قبض على يده حتى ابيضت مفاصلها، كان على وشك الهِتاف بوجهها وإخبارها أن حالته هذه ليست بإرادته، فهو لم يشأ أن يتم إنجابه بتلك التشوٌهات الجسدية التي تجعله أقرب للنساء، فقد وجد نفسه على هذه الهيئة، يناديه الجميع مَسخًا رغم أن المسخ يتكوٌن داخل قلوب البشر. بدأت شفتيه بالارتجاف وعينيه تتحوٌلان إلى اللون الأحمر وكأنه على وشك البُكاء، فكلماتها ذكرٌته بتفاصيل يُحاول جاهدًا أن ينساها، يقسم أنه إذا أقبل على الرد فسوف يتحوٌل إلى جبلٍ ينهار بسبب عاصفة رعدية قوية، لهذا السبب اكتفى بالصمت وابتعد عنها بهدوءٍ دون أن ينبس ببنت شفة، فكان صمته بمثابة جوابٍ لها، ونظراته المتألمة آعادت الأحاسيس داخل فؤادها. استقل مخيمر سيارته وانطلق بها عدوًا وبحثًا عن مكانٍ آخر بينما بقيت هي في مُنتصف الطريق تضرب جبهتها وتردف بتأنيب الضمير : - غبية .. أنا غبية .. إزاي قولتله كدة ؟ تمتمت بتلك الكلمات بعد أن أدركت كلماتها القاسية التي بصقتها دون مراعاة لمشاعر من يقف أمامها، فدائمًا ما تبصق الكلمات الخاطئة في لحظات غضبها وتسرعها، كم وٌدت لو تستخدم قوٌتها وتعلم الحُزن الكامن داخل قلبه والذي استشعرته فوٌر أن رماها بتلك النظرات الموجوعة. ___________________________ وضعت كوكي يدها على المقبض لتفتح الباب وتجد ريتا أمامها بعوالم مُقتضبة لا تنم على أنها في مِزاجٍ جيد، ابتسمت كوكي ابتسامة بشوشة وهي تدعوٌها للدخول وتُرحب بها بحرارة ثم تستأذن لتضع بسملة داخل حُجرتها. توٌغلت ريتا المنزل لترتمي على الأريكة بجسدٍ متهاودٍ رخوٍ كالعجينة، فكان ترحيبها بهن ترحيبًا جافًا أبدى شعورها بالذنب. لاحت الغرابة على وجه داليا التي سألت فورًا : - مالِك ؟ ... بوذِك مترين كدة ليه ؟ تنهدت ريتا تنهيدة عميقة قالت بعدها بعوالم شاردة : - أنا غبية ... أنا مشوفتش أغبى مني ازدادت عوالم الحيرة على وجوههن خاصة بعد كلماتها التي امتزجت ببوادر البُكاء، اقتربت شمس نحوها كي تستفسر أكثر وترضي فضولها : - غبية ليه ؟... عملتي إيه ؟ حاولت ريتا الاعتدال في جلستها لتقترب نحوهن وتبدأ الحديث بإحساسٍ بالذنب الذي يلتهم فؤادها : - الراجل إللي اسمه مخيمر ده ... اتخانقت معاه تحت، وتقريبًا كدة اتريقت على خلقته ... بس والله مكنش قصدي، أنا لقيت لساني بيقول كدة فجأة انتبهت الأعين لحديثها فسألتها يُسرى مستفسرة : - وهو أصلًا إيه إللي خلاكي تتخانقي معاه ؟ رمقتها ريتا لوهلة ثم آشاحت عينيها عنهن لتُجيبها بصدقٍ حمل ضيقها : - كان بيقولي أتحرك بالعربية عشان يعرف يركن .. بس أنا مش بحب حد يؤمرني تلقت ضربة على كتفها فور انتهاء حديثها وكانت تلك الضربة البسيطة من داليا التي أردفت باستنكار : - جاتِك نيلة .. ما كُنتي اتحركتي بعربيتِك وخلصنا لازم يعني تحُطي التاتش بتاعِك اعتدلت ريتا بجلستها مُبررة ردة فعلها باندفاع : - منا مش بحب حد يؤمرني ... مش كفاية ماما إللي كل شوية اعملي كذا ومتعمليش كذا ... أنا يا جماعة زهقت من الأوامر تقدمت يُسرى بجذعها وهي تُحاول ارشادها بلكنة أقرب للحكمة : - بس فيه أوامر لازم ننفذها عشان منأذيش إللي حوالينا ... يعني لو لقيتي واحد بيستنجد بيكي وبيطلب مساعدتِك في حاجة هترفضي عشان مش بتحبي حد يقولِك تعملي إيه ؟ زادت كلماتها من شعور الذنب لدى ريتا مما دفعها لقولٍ : - أكيد هساعده ... بس الموضوع كان مُختلف نصحتها يُسرى مجددًا كونها الأكبر سنًا والأكثر نُضجًا من بينهن : - لأ هو نفس الحاجة ... طالما الأوامر إللي هتنفذيها مش هتضرِك يبقى لازم تنفذيها عشان متضريش غيرِك أخفضت ريتا رأسها في خُذلانٍ وبقيت صامتة تُفكر في ردة فعلها المُتعجرفة وتُفكر أيضًا في طريقة لإصلاح ما أفسدت باعتقادها المتهوٌر أن الأوامر هي عدوٌ لدودٌ لا يُمكن الانصياع له أبدًا، لكنها تكتشف أن الأوامر هي سلاحٌ قد تستخدمه لأذية نفسها أو للدفاع به عن غيرها. قطعت قمر وصلة النقاش هذه باقتراحها الذي غيَر مجرى الحديث : - طب بقولكم إيه .... ما تيجو نخُرج ؟ ... إحنا بقالنا كتير متفسحناش أُعجبت داليا باقتراحها فتقدمت بجذعها متفوٌهة بلهفة : - والله فكرة ... نروح العتبة ولا العباسية نتمشى شوية ... الساعة لسة تسعة يعني معانا وقت تدخلت كوكي بالحديث لتُبدي اعتراضها : - طب وبوسي ؟ التفتت داليا نحوها لتقترح عليها : - سيبيها عند ماما ... كدة كدة ماما بتحبها ... وهي كلها كام ساعة وهنرجع تاني أومأت كوكي بموافقة لتثب بعدها قمر بحماسٍ طفوليٍ دعتهن معها بالوثوب والتمتع بسحر الليل والتجوٌل في الأسواق الشعبية كأصدقاء يُرفهن عن نفسهن بعد تقلبات الحياة ومشاقها.... ________________________ توٌغل منزل إسلام بعد أن تمت دعوٌته للمناقشة في أمر التثبيت، لكن عوالم الضيق لازالت تلوح على وجهه وتجعله يدلف المنزل وكأنه يدلف عزاءً. - إيه يا سطا التأخير ده ؟ سأله إسلام بعِتابٍ لم يخلو من وٌده لإضفاء جوٍ من الصداقة، لكن مخيمر لم يُجيبه سوى بإجابة مُختصرة جافة تبعت أقدامه وهي تقترب نحو الأريكة ويرتمي عليها بجوار مُعتز الذي وثب للتو ليُصافحه. - مكنتش لاقي ركنة هكذا أردف مخيمر ليجعلهم يرمقونه في تيهٍ ورغبة جامحة لمعرفة ما يدور بذهنه؛ ارتمى مُعتز على الأريكة جواره ليضع يده على كتفه نابسًا بسؤال : - مالك يا سطا ؟ مرٌت بُرهة من الصمت لم يُجب فيها مخيمر وبقي مُحتفظًا بعوالم ضيقه ونيران الخُذلان التي عاودت التهامه كما كانت تفعل سابقًا. طالت فترة صمته مما جعل الريبة تنتقل إليهم حتى سألهم ميجو يصوتٍ أقرب إلى الخفوت والتيه : - هو ماله ؟ بينما اندفع لؤي كعادته وهو يسأل ببعض الحدة لعله ظن أن أحدهم قام بمُضايقته وعليهم الانتقام منه فورًا : - في إيه يا مخيمر ؟ وأخيرًا، استيقظ مخيمر من غُمرة صمته وتنهد تنهيدة مطوٌلة قبل أن يبصق ما يكنيه بصدره : - هو أنا مسخ ؟ تبادلت النظرات بينهم بعد سؤاله الغريب والذي رُبما يحمل ألمه الدفين، اقترب إسلام نحوه حتى جلس بجواره من الناحية الأخرى وهو يتسآل : - إيه إللي خلاك تقول كدة ؟ أبعد مخيمر عينيه عنه ليخفضها إلى أسفل حتى انسدلت خُصلات شعره بجوار أذنه وكادت تُغطي ملامحه الموجوعة أثناء قوله : - كل الناس ... كل الناس بتقول كدة ... كل إللي يشوفني يبصلي بقرف كأنه شاف عفريت ... التفت برأسه نحوهم ليواصل حديثه بصوتٍ ارتفع قليلًا وكاد ينجرف نحو الخُذلان : - أنا ذنبي إيه إن ربنا يخلقني كدة ؟... آشار على نفسه مع آخر كلماته حتى أحسوا بالشفقة تجاهه وكادوا يلحظون تلك الدموع التي تأبى التكوٌن على مقلتيه، فبعد فترة وجيزة من الصمت والاستماع إلى ما بجعبته من ضروب الوجع من هذه الحياة، وضع إسلام يده على كتِف مخيمر ليُربت عليه تربيتتين تبعهما بحديثٍ مُحفزٍ حمل نُصحه وتوجيهه : - إنت ملكش ذنب في حاجة ... بس ربنا زي ما خلق الداء ... خلق الدواء ... يعني إنت في إيدك تتغير قطٌب مخيمر حاجبيه بإبهامٍ من حديث إسلام حتى سأله مُستفسرًا : - اتغير إزاي ؟ تدخل لؤي بالنقاش ليحاول إرشاده بأصابع تٌشهر نحو خُصلات شعر مخيمر المُتدلية : - يعني شعرك ده مثلًا ... مش هيجرى حاجة لو قصرٌته شوية ارتعدت فرائس مخيمر وبدأ يتحسس خُصلات شعره العزيزة عليه متفوٌهًا باعتراض : - لأ ... كله إلا شعري ... دا أنا صارف قد كدة في الـhair routine بتاعي ما إن أدلى تلك الكلمات حتى انفجر إسلام بالضحك حتى تقوٌصت معدته، رفع جسده قليلًا ليهتف بسُخرية من حديث مخيمر الذي ذكره بشخصٍ يعلمه جيدًا. - يا بني إنت بتقعد مع داليا ؟ ... hair routine إيه يا عم دي حاجات حريم... بعدين هو حد قالك تشيله خالص ؟ تمسٌك مخيمر بخُصلات شعره أكثر وكأنه كنزه الثمين، فكان يُحاول الابتعاد عن أولئك الوحوش بقوله : - لأ ... أنا مش عايز، أنا بحب شعري كدة تحرك ميجو ليثب خلفه مباشرة ويبدأ طمأنته بقوله : - يا سطا متقلقش ... دا الواد عنبة عليه واحدة بومبادور هتنسيك نفسك ابتعد مخيمر عنه وعن جميع الحاحاتهم التي تخترقه وتكاد تُفجر طبلة أذنه، وثب بمُنتصف البهو هادرًا بوجوههم بلكنة صارمة مليئة بالإصرار وكأن الشاب الرقيق ذو الملامح البريئة انقلب مرة واحدة إلى أسدٍ جسور : - محدش يقولي تاني أقص شعري ... عشان شعري خط أحمر فاهمين ؟... خط ... أحمر... بعد مرور بضع ساعات ... يقف مخيمر أمام المرآة يُمرر يده على خُصلات شعره التي أضحت قصيرة للغاية تماثل خُصلات شعر الرجال الطبيعية، فبعد العديد من الالحاحات انتصروا عليه وأقنعوه بقص شعره ومحاولة التصرف كالرجال حتى لا يبقى للجميع حُجة للتعليق على هيئته والتحديق به بتقزز، ربما تكوينه الجُثماني لم يتغير، لكنهم اقترحوا عليه أيضًا أخذ هذه العقاقير التي تُساعد على تحفيز هرموناته الذكورية حتى تتغلب على هرموناته الأخرى. - مش قولتلك كدة هتبقى أحلى قالها لؤي بتشجيعٍ وابتسامة تعلو وجهه فالتفت مخيمر نحوهم ليسألهم بلهفة : - يعني أنا كدة بقيت راجل ؟ آجابه إسلام بصدقٍ وهو يثب أمامه مباشرة : - هو شكلِك يدي على مُراهق ... بس أهو أحسن من واحدة ست لا مؤاخذة ابتسم مخيمر ابتسامة خافتة بعد أن شعر ببعض الأمل بأنه سيتخلص من تلك العِلة، بينما كان ميجو في الخلفية يدفع الأموال لمُصفف الشعر ثم يلتفت نحوهم متسآلًا بحماس : - ها يا رجالة ... مش هنحتفل ولا إيه ؟ ... فين النسوان إللي هنجيبها تلقى صفعة خلف عُنقه فور أن أنهى حديثه، ولم يُفكر طويلًا في صاحب تلك الصفعة الذي كان ينهره بحدة : - نسوان في عينك يا إللي مشوفتش ساعة واحدة تربية .... إحنا رجالة متجوزة اعترض جابر حديثه وهو يرفع يده : - لأ أنا مش متجوز ابتسم ميجو وهو يمد يده لينتشل جابر من بينهم رغبة في استدراجه بطريقة مازحة : - طب تعالى عند أخوك نسيب البؤساء دول ونسهر في الكبارية آحاطه ميجو بذراعه بعد أن لمح بوادر اللهفة على وجه جابر الذي لم يكتشف الحياة بعد، فطيلة حياته لم يخرج من المُستنقع المُقزز الذي كان يعمل فيه بالإجبار، وما إن تركه حتى أتى على منطقة بسيطة بين أشخاصٍ مُتزنين فيما عدا ميجو الذي أتى عليهم فجأة. - كبارية !! ... هو إنت بتروح كبارية ؟ قهقه ميجو بسخرية على حديث جابر الذي قال بعده بصدق : - دا أنا متربي فيه ... تعالى بس وأنا_ وقبل أن يتحرك خطوة كان يقف مُعتز كالسد المنيع بينهما قبل أن يتغلغل سُم ميجو ويُفسد يرعة صغيرة مُقبلة على الحياة التي يجب أن تضحى نظيفة، فكان مُعتز يدفع ميجو إلى الوراء هادرًا ببعض الحدة : - تعالى هنا ... واخده ورايح على فين ؟... إنت عايز تبوٌظه ؟ خرجت قهقهة ساخرة من جوف ميجو الذي أردف بعدها : - أبوٌظ مين يا سطا ده هو أساسًا كان حرامي قطع إسلام وصلة جدالهم بحديثه المُقرر الذي جعل جميعهم يلتفتون نحوه : - بقولكم إيه يا رجالة ... عايزين تتبسطو ؟ أبدا الجميع موافقته فأكمل إسلام حديثه بنفس لكنته الواثقة والمُتحمسة : - يبقى يلا نوٌلعها .... __________________________ ديجور الليل وسكونه لم يظهر في تلك البُقعة الصخبة، فالجميع هنا يتجوٌل في الشوارع ويبتاع الأغراض رغم أن الساعة تكاد تدق الثانية عشر مُنتصف الليل، وبين هذه الأسواق الشعبية التي بدأ مالكوها يضبون أمتعتهم استعدادًا للرحيل، كانت هذه الفتيات يتجولن بجوار بعضهن ونوبة من الضحك الهِستيري تنتابهن وهن يتذكرن بعضًا مما مررن به في هذا اليوم المجنون. كانت قمر تحمل حقيبة بلاستيكية صغيرة تحتوي على وشاحٍ جديدٍ قد ابتاعته لأنها لا تستطيع أن ترى الأوشحة بألوانها الزاهية ولا تبتاع منها شيئًا، فلديها من الأوشحة ما يُعادل متجرًا بأكمله. - تعالو يا جماعة نوُقف أي تُمنية ونروٌح ... الوقت اتأخر أوي وافقنها الرأي وبدأت رؤوسهن تتلفت في كل مكانٍ بحثًا عن وسيلة المواصلات المُرادة. - أهي تُمنية أهي قالتها شمس وهي تُشير أمامها ثم تهرول نحو عربة ذات ثمانِ مقاعد بالكاد تكفيهن، هروٌل البقية خلفها ليلحظن أن العربة خالية من جميع الرُكاب وهذا من حُسن حظهن، فعددهن يمنعهن من البحث عن وسيلة مواصلاتٍ مناسبة تحتوي على مقاعد خالية تكفيهن. - تحرير يا سطا ؟ سألت شمس وهي تقف بجوار العربة موٌجهة حديثها نحو السائق الذي تفحصهن بنظراتٍ جامدة ولفافته التي أخذ منها نفسًا وأطلقه على هيئة أدخنة قبل أن يُجيب : - أيوة يا أنسة هللت الفتيات في سعادة لأن العثور على وسيلة مواصلاتٍ في توقيتٍ كهذا هو أمرٌ شبه مُستحيل، خاصة وهن لا يُريدن إخبار الرجال أنهن تركن المنزل دون إذنٍ منهم. - مش كُنا طلبنا أوبر ؟ قالتها كوكي بتذمرٍ وهي تستقل تلك العربة بجوار يُسرى التي اتخذت المقعد المُلاصق للنافذة وطفقت تقول : - إنتِ عارفة الأوبر ده هياخد فينا كام ؟ .... بعدين ومالها التُمنية ... أهي حاجة جديدة تجربيها بينما على جهة أخرى كانت تقف قمر أمام المقعد وجوارها شمس تهتف بجدال : - أنا إللي هقعد جنب الشُباك إنتِ قعدتي وإحنا رايحين ؟ جادلتها قمر كالعادة رغم كِبر سنها ونُضجها، فشجاراتهما الساذجة ربما ستبقى معهما طوال الأمد. - إحنا هنهبد من أولها ... إنتِ إللي قعدتي جنب الشُباك بآمارة القلوب إللي كُنتِ بترسميها على الإزاز كادت تُكذب شمس حديثها بصوتٍ مُرتفعٍ قطعته داليا وهي تخترقهما وتهتف بإصرارٍ : - أنا إللي هقعد جنب الشُباك ... روحي يا قمر أقعدي جنب ريتا... دفعت قمر بعيدًا عن المقاعد متجاهلة تذمرها ورغبتها الجامحة بالجلوس بجوار النافذة وتفقد الطريق، لكن داليا تعلم جيدًا أنها إن لم تتدخل فسيستمر الجدال بينهما لثلاث ساعاتٍ أو ربما حتى الصباح.... انطلق السائق بالعربة وبقي يتجوٌل بين الطُرقات المُظلمة لساعاتٍ وساعات، وكانت داليا في تلك الأثناء قد غفت تمامًا ورأسها استند على الزجاج المُثلج بسبب برودة الطقس، بينما كانت يُسرى في المقعد الخلفي تفتح إحدى الروايات على هاتفها وتقرأها وجوارها كوكي تضع السماعات على أذنها لتستمع إلى بعض الموسيقى حالما يصل بهم السائق إلى المنزل. وكانت قمر في هذه الأثناء تتحدث مع ريتا وتُخبرها بأهمية : - عرفتي حاجة عن إللي اسمه وجدان ده ولا مش عارفة إيه ؟ سألتها عن ذاك الرجل العجيب الذي أتى المركز في يومٍ من الأيام ولم يأتِ بعدها لكن قمر اكتشفت بالصدفة أنه مُجرمٌ متهربٌ من العدالة. - معرفش ... بس أنا شاكة إن وراه حاجة، وعايزاكي تجيبيلي التسجيل بتاع الجلسة بتاعتكم أومأت قمر بموافقة قالت بعدها : - ماشي .. بس فكريني عشان بنسى أبدت ريتا موافقتها وبقيا في حالة من الصمت لوهلة حتى قطعتها قمر مُغيرة مجرى الحديث : - هو احنا اتأخرنا كدة ليه ... التحرير مش بعيد أوي عن هنا قطبت ريتا حاجبيها باستفهامٍ لأنها أيضًا كادت تسأل هذا السؤال، فليس من الطبيعي أن يأخذ السائق هذا الوقت الطويل والطُرقات خالية من السيارات. - معاكي حق ... ما تيجي نشوف ما كادت تُنهي حديثها حتى توقفت العربة في إحدى البقاع المُظلمة التي من شدة ظُلمتها، كانت المباني أشبه بوحوشٍ من الظلام. هدرت قمر بأريحية وهي تثب عن مقعدها استعدادًا للترجل من السيارة. - أخيرًا وصلنا ... ثم وجهت حديثها نحو شمس الجالسة على المقعد المقابل لها لتُخبرها : - صحي الجُثة إللي جنبَِك دي عشان وصلنا انتبهت شمس لأوامر شقيقتها فالتفتت نحو داليا الغافية تمامًا ووضعت يدها على ذراع داليا لتهزها هزٌات هادئة نادت معها باسمها لكن داليا لا تزال غافية تأبى الاستيقاظ وتكتفي بهمهماتٍ وكلماتٍ لا معنى لها. وثبت يُسرى وكوكي أيضًا واقتربا نحو الباب استعدادًا للرحيل، لكن ما حدث أوقف تحركاتهن وجعلهن يتصلبن واقفين في صدمة وهلع. جموعٌ من الرجال اقتحوا العربة بهمجية جعلت أجسادهن ترتد إلى الخلف والانقباض يتغلغل في افئدتهن .. - هـ..هـ..هو في إيه ؟ قالتها قمر بصوتٍ متلجلجٍ حمل ارتعادها وخوفها، حيث تدثرت خلف ريتا التي كانت عوالم وجهها جامدة تحاول فهم ما يحدث قبل أن تتخذ أي خطوة. - مين دول ؟ سألتها كوكي وهي تلتصق بصديقاتها ويتراجعن للوراء أمام هؤلاء الرجال الذين أظهروا أسلحتهم مرة واحدة وجعلوا الشهقات تتعالى من جوف الفتيات، فكانت تلطم قمر على وجنتيها وتسب حظها بينما يتحوٌل وجه كوكي إلى اللون الأحمر استعدادًا للبُكاء، ويُسرى في عالمٍ موازٍ تحاول تفحص جميع التفاصيل لتدوٌنها في روايتها الجديدة، وريتا تبحث عن طريقة للنجاة دون استخدام طاقتها أمام هذا الكم من الرجال حتى لا ينكشف أمرها وينقلب السِحر على الساحر. وداليا في عالمٍ افتراضيٍ لا تزال غافية تمامًا وشمس بجوارها تحاول إيقاظها بصوتٍ مُرتعد : - داليا ... داليا قومي بسرعة أنهت شمس حديثها بصوتٍ مُرتفعٍ نجح بإيقاظ داليا أخيرًا، لكنها استيقظت بتذمرٍ جعلها تقول : - إيه يا جاموسة بتصحيني ليه ؟ ... هو إحنا وصلنا ؟ قالتها داليا بنُعاسٍ فآجابتها شمس بصدق : - لأ موٌصلناش ... بس في ناس تقريبًا كدة هيخطفونا أرجعت داليا رأسها للوراء لتعاود غلق عينيها متفوٌهة : - يبقى خلاص سيبيني لحد ما نوٌصـ ... توقفت عن الحديث لتفتح عينيها باتساعٍ بعد أن تذكرت الشِق الآخر من حديث شمس والذي أصابها بالصدمة : - إيه !! ... إنـ... إنتِ قولتي إيه ؟ لم تُجبها شمس وآجابها صوتٌ غليظٌ وظلال الأسلحة تُشهر أمامهن وتُحيطهن من كل حدبٍ وصوٌب : - انزلي يا بت إنتِ وهي .... يــلا فركت داليا عينيها بعدم تصديقٍ لما يحدث أمامها والذي جعلها تقول : - هو أنا لسة بحلم ولا إيه ... ما تقرصيني يا شمس خليني أصحى إقترب الرجال نحوهن أكثر ودفعوهن خارج السيارة بينما كان الجميع يرفع يديه في استسلام وقمر لا تزال تُغمغم بحسرة : - أنا قولت بردك إحنا ناس فقر محدش صدقني ... لم يستمع لها أحد وحلٌت الغمامة السوداء على جميعهن بعد أن نثر الرجال نوعًا من المنوٌمات التي جعلت أجسادهن تتهاوى على الأرض فاقدي الوعي لا يعلمن ما هو المصير الذي ينتظرهن بين أيدي أولئك المُلثمين .... يُتبع 💕❤ _____________________________ لمحة تاريخية عن القضية اجتمع مجموعة من زُعماء اليهود مع حُكام بريطانية أثناء الجرائم النازية ليتناقشوا حول حماية اليهود من الحركة النازية وانشاء بلدة تأويهم وتُعيد أمجادهم، فكان الاتفاق أولًا على أخذ قطعة من غينيا ثم روسيا حتى أقر زعيم الحركة الصهيونية " هرتزل " بأن يختاروا بلدة الأجداد لتضحى دولتهم الحقيقة باعتبارها أرضًا مُقدسة وهبها الله لليهود مُنذ آلاف الأعوام. ولكي يقنع العالم أن لهم حقٌ في فلسطين، اعتمدوا على العديد من الأساطير كان أولها إظهار اليهود بمظهر البطل المغوار الذي يُحارب من أجل السلام والدفاع عن نفسه وعقيدته وعن أرض أجداده المسلوبة، وأن اليهود هو شعب الله المُختار يعتبر معاداة السامية هي مرضُ وراثي لكلٍ من يضطهد الحركة الصهيونية، فشعب الله المُختار باعتقادهم، هو شعبٌ مكافح هدفه هدم المسجد الأقصى وإعادة بناء هيكل سُليمان تمهيدًا لقدوم السيد المسيح. استخدم هرتزل الدين لتبرير أفعالهم الماجنة رغم أنه مُلحدًا لا يعرف الله، فكان يضع الثوابت داخل عقول اليهود منذ نعومة أظافرهم ويُخبرهم أن الجميع يمقتهم والحل الوحيد لسلامتهم هو انشاء دولة مُستقلة، كما أنهم اعتبروا اليهودية هي جنسٌ أو عِرق وليست ديانة كباقي الأديان السماوية، فكان شعارهم " نحن شعبًا واحدًا قرٌبنا الأعداء ". استخدموا أيضًا معاداة السامية لبناء دولتهم، ورسخوا مُعتقد أن الهجرة هي واجب ديني عليهم القيام به إجباريًا، فهي ليست حلًا سياسيًا، وقرروا الهجرة إلى فلسطين رغم عدم معرفتهم بها أبدًا بسبب ترعرعهم في أوروبا. بدأت هجراتهم إلى فلسطين بإقامة شركة صهيونية هدفها شراء الأراضي الزراعية واستثمارها، عرضوا على أهل فلسطين ترك أراضيهم لكن الفلسطينيون أبوا ورفضوا بيع هذه الأراضي، هذا ما دفع الصهاينة للبحث عن أراضي أخرى تصلح للشراء حتى عثروا على أرض رجل أعمالٍ لبناني كان يعيش في الخارج. وافق اللبناني على بيع أرضه في فلسطين للصهاينة مما مكنهم بدخول الأرض مُجددًا والتخلص من العِمالة الفلسطينية وتبديلها باليهود، كما أنشأوا فِرق " هاشوميل " للحفاظ على هذه الأرض باعتبارها جُزءًا صغيرًا من موطنهم الجديد، كذلك قاطعوا الفلسطينين اقتصاديًا وحرصوا على بناء حياتهم الخاصة المُنفردة، فبعد ذلك زادت أعداد المهاجرين اليهود إلى فلسطين حتى وصل عددهم إلى 50 ألف مهاجرًا يهوديًا. كانت فلسطين وقتها تحت الانتداب البريطاني وكانت بريطانيا من المُعارضين لفكرة الوطن اليهودي، لهذا السبب قام خاييم وايزمان بـ....( يُتبع ) ______________________ من هنا أقدر أقول إن الفصول الجاية، الرواية هتتنقل نقلة تانية خالص، فمتنسوش تعملو فوت وتقولولي رأيكم في الفصل وفي الرواية بشكل عام 🥰
نوران أشرف محمد