الفصل الثاني ( قرار إجباري )

الفصل الثاني ( قرار إجباري )

22 0

بسم الله الرحمن الرحيم " لن يكسر الله بخاطرك إلا ليرضيك بخيرٍ لم تكن تراه " _________________ لا ندرك أهمية الشيء إلا في اللحظة التي نشعر بها اننا سنفقده، ففي تلك اللحظات يتقاذف في ذهننا الذكريات واللحظات الحميمية التي جمعتنا مع ذاك الشخص، فكأن عقلنا يتلذذ بتعذيبنا، فهو في الاوقات الأخرى يجعلنا نتذكر أسوأ ذكرياتٍ جمعتنا به حتى يزداد شعور المقت بداخلنا، وفي هذه الأوقات يجعلنا نتذكر تلك الذكريات السعيدة حتى نتحسر على عدم وجوده، فكم هذا العقل بارع في تعكير حياتنا. كلماته كالسهام المارقة التي تُقذف عليهم بضراوة، فكيف يُخبرهم بهذه البساطة ان زوجته وصديقتهم ستلقى حتفها ولن يعرف اي شخصٍ بهذا، يقسم إسلام انه سينقض على ذاك الجابر ويُبرحه ضربًا لتسببه بتلك الكارثة، فبالطبع هو الذي قام بالتبديل، لأنه لو كانت داليا لما عادت إلى جسدها بكل بساطة. وجد يداه تنقضان على جابر ليمسكه من ياقته هادرًا بغضب : - انت بتقول ايه !! ... وربنا لو داليا حصلها حاجة لكون مخلص عليك جذبه لؤي بعيدًا عن جابر الذي كانت نظراته خائفة من تجهم إسلام وانقضاضه عليه بتلك الطريقة، فعلى الرغم من أن العلاقة بين إسلام وداليا لم تكن بهذه الحالمية والرومانسية، إلي أنه يخاف عليها ويكاد يفقد صوابه كلما اوهمه عقله بأنها ستلقى حتفها خلال دقائق، أو ربما ثوانٍ !! تقدم لؤي نحو جابر بنظراته الثاقبة التي سأل معها وكأنه يحقق مع أحد المجرمين : - مين اللي عايزين يقتلوك؟ حمحم جابر برهبة وهو يعدل من هنداب نفسه مجيبًا ببعض التردد : - المعلم جعبري ... رجالته تقريبًا بتراقبني في كل مكان وحالفين ليمسكوني، ودول لو مسكوني هيخلصو عليا إزدادت قمر هلعًا وهي تقول : - إحنا لازم نعرف داليا فين ايدوا حديثها رغبة بمعرفة اين توجد داليا الآن قبل ان تتأذى، فكان إسلام اول من بادر بالسؤال بنظراته الحانقة المصوبة اتجاه جابر وهو داخل جسد زوجته : - عنوان بيتك إيه؟ آجاب جابر بسرعة وصدق : - انا ساكن في جمع الفحٌام قطب معتز حاجبيه ظانًا من انه يعلم تلك المنطقة الشعبية التي يتحدث عنها جابر، فهو أكثر من يعلم بالأماكن نظرًا لكونه سائقًا لفترة طويلة بحياته ربما امتدت لتلك اللحظة. - هو مش ده المكان اللي انت وداليا توهتو فيه امبارح ؟ وجه حديثه نحو إسلام مما جعله يتذكر ما حدث ويتذكر انه اتصل بصديقه معتز وطفق يصف له المكان حتى سأل عنه معتز وعلِم بتلك المنطقة الشعبية الفقيرة القابعة بأحد احياء الاسكندرية، لكن إسلام تذكر شيئًا آخرًا فقال : - ايوة ... دا كمان كان في حرامي بيجري بسرعة وناس بتجري وراه هذا ما قاله بناءً على ما استنتجه هو وزوجته بالأمس، لكن جابر تدخل بالحديث بابتسامة فخورة وكأنه حاز على إحدى الجوائز : - لأ ده مكنش حرامي... ده كان انا كاد يرد عليه إسلام ويسأله عن سبب شعوره بالفخر من كونه لصًا، فهو حتى لا يعلم أنه لصٌ فاشلٌ لا يسرق سوى الأشياء الساذجة عديمة الفائدة. قطع لؤي هذا الحديث الذي كان على وشك أن يعتلي الزِمام ليتقدم بين إسلام وجابر هادرًا بصرامة : - لازم نتحرك عندها بسُرعة وهكذا انتهى الحوار بينهم وهم يتركون المنزل عازمين على إعادة تلك الروح الضائعة إلى جسدها مجددًا. _________________________ تتغنج بمشيتها وهي تسير على هذا الطريق وحدها ومعها حقيبة تضع بداخلها مستلزماتها، فهي فتاة تبدو برعيان شبابها بل وتبدو وكأنها عادت للتو من دروسها، فلا يبدو عليها أنها ارتادت الجامعة بعد. إقتربت هذا الفتاة من إحدى البنايات خاصة الطابق الأرضي الذي تقطنه بداخل هذه المنطقة البسيطة التي تحمل مزيجًا من العشوائية والأناقة، فلا هي منطقة فقيرة ولا منطقة مُترفة، فتحت الفتاة باب المنزل كي تخترقه متجاهلة تلك النظرات الشهوانية التي تكاد تلتهمها وتلتهم سروالها الجينز الضيق وسُترتها التي تصل إلى خِصرها وإذا قامت برفع يدها فسوف ترتفع معها كاشفة عمَ ترتديه أسفل هذه السُترة. كانت عينيه السوداء وابتسامته الماكرة تُرتسم على ثغره وهو يُحدق بتلك الصوٌر التي يلتقطها لتلك الفتاة البريئة، فهي لا تعلم أنها فريسة لأولئك الرُعناء الذين يتلذذون بجسد الفتيات المراهقات دون مراعاة لأي مباديء أخلاقية أو دينية، فقط يُشبعون شهواتهم على حِساب فتيات بريئة قد تتدمر حياتها بسببهم. أتته مكالمة هاتفية قطعت لحظته الشهوانية واستبدلتها بأخرى جادة وضع معها الهاتف على أذنه مردفًا : - ألو .. آجابه رجلٌ يبدو بالخمسين من عُمره وتقاسيم وجهه لم تكن تخلو من المُكر خاصة وهذا الغليون الذي يحمله بين اصابعه ويستنشق منه نفحاتٍ من الهواء ثم يُطلقها لتطوف غماماتٍ بيضاء تحمل دخانًا ملوٌثًا تُلطخ به أرجاء المكتب، والذي بالأصل داخل مشفى عريقة وكان هو صاحبها يجلس على مقعد الإدارة مرتديًا هذا الثوب الأبيض الذي يتفاخر به أمام الجميع رغم مُكره ودهاءه، فكيف يضحى طلال أهم عضوًا في منظمة فاسدة طبيبًا شريفًا ؟ - تعالى المُستشفى ضروري ... عندي عملية ومحتاج حد يمسك الإدارة ... أغلق بعدها المكالمة ليتفحص هاتفه لفترة جعلت ابتسامته تزداد مكرًا وشرًا لما سيفعله بالأيام القادمة، فهو لن يتوقف عن إضمار الفساد حتى يقتنص الأموال والسُلطة. بعد مرور ساعة من الزمن وجد الباب يُفتح على مصراعية ليتوٌغل منه أحد الأطباء والذي كان يُراقب تلك الفتاة، فهو كذلك طبيبًا ماكرًا يتشارك مقعد الإدارة مع طلال الذي يعتبره ذراعه الأيمن، فما إن جلس على المقعد حتى قال طلال : - عملت إللي قولتلك عليه ؟ أومأ رأسه إيجابًا ثم قال : - أيوة ... والبضاعة هتتباع بُكرة نمت ابتسامة ماكرة مُنتصرة على ثغره ليثب بعدها عن المُقعد مُدليًا آخر كلماته قبل أن يترك المكتب : - متنساش تِخلص من الرجالة إللي ساعدونا ... مش عايزين شوشرة ألقى تلك الكلمات أمام شريكه الذي أومأ إيجابًا وداخله كمًا من الخِطط الماكرة والشهوانية سيُنفذها عاجلًا أم آجلًا، فهو يُعادل طلال مُكرًا ودهاءً... ________________________________ تنهمر القليل من الدموع على وجنتها، أو وجنة هذا الجسد المقيت الذي تتلبسه، فهي الآن تجلس على الأرض ويداها مُكبلتانٍ بالأحبال مع قلبها الذي لم تتوقف ضرباته حتى كادت تهوي فاقدة لوعيها، كانت تُفكر وقتها بأولئك المساجين الذين ينتظرون حُكم الإعدام، حيث يجلسون بحُجرة كتلك ينتظرون الجلاد كي يأمرهم بالوثوب فوق المقعد وإزهاق أرواحهم بالإجبار، لكن الفرق أنها ليست مُجرمة، هي حتى لا تعلم ما الذي فعلته، فلطالما كانت البريئة التي لا ترغب بأذية أي أحد، حتى أنها تمقت والدها لأنه يأذي الجميع بحديثه، ولا تُريد أن تُصبح مثله، ما تُريده فقط هو الفِرار من هنا قبل أن تخسر روحها للأبد. طالعت تلك النظرات الحادة المصوٌبة نحوها من أحد الرجال الذين يحملون أسلحتهم ويحرسونها، كان صوتها مُتلجلجًا خائفًا وهي تسأله رغبة بإضمار نيران خوفها ببعض المعلومات التي ربما تُهديء القليل من روعها : - للــ... لو سمحت ...هـ..هو إنتو هتعملو فيا إيه ؟ طالعها الرجل بنظرات حارقة ثم تجاهل سؤالها ولم يُعقب وكأنها لم تتحدث من الأساس، هذا ما زادها إصرارًا وهي تتوٌسل مجددًا : - وربنا أنا معملتش حاجة ...ممكن بس تخليني أعمل مكالمة سريعة ... مكالمة واحدة بس ومش هطلب حاجة تاني زفر الحارس الهواء من فمه بنفاد صبرٍ ليُجيبها فيما بعد بصوتٍ صارم : - إخرس يلا ... ومش عايز اسمع حِس توٌسلت له مجددًا وكادت الدموع تُذرف مع كلماتها : - طب قولي هتعملو فيا إيه عشان أنا قلبي مقبوض آجابها الرجل بنفس لكنته الغاضبة الصارمة : - لما المعلم جعبري ييجي هتعرف.... ومظنش هتلحق عشان لما ييجي هنخلصو عليك علطول أخذت تلعن حظها في تلك اللحظة وبعد كلماته التي زادتها رهبة وجعلت أطرافها ترتجف ومعدتها تتوٌعك، ناهيك عن دموعها التي عاودت الانهمار مع حُبيبات العرك المُترصبة على جبهتها، فهي الآن تشعر وكأنها ميتة لا مُحالة. أرجعت رأسها للوراء وبدأت بالغمغمة بقرارة نفسها لعل خالقها يُخلصها من تلك المحنة ويُعيدها مجددًا إلى جسدها، حاولت الضغط على عينيها ومحاولة التواصل مع تلك الطاقة اللعينة التي وضعتها بهذا المأزق، فمحاولاتها للعودة دائمًا ما تبوء بالفشل وكأن القدر يكتب عليها الهلاك دون أن تعلم والدتها وربما رفاقها، بقيت أنفاسها تتسارع ودموعها تنهمر ودعاءها يزداد حتى... هرولت أقدام بالقُرب منها حتى اخترقت تلك الحُجرة كي يهتف صاحبها بصرامة غطت لهفته : - جهزه يا وافي بسرعة .... المعلم جعبري جَه ______________________________ وها هم يعودوا مجددًا إلى تلك المنطقة الفقيرة التي بدأت من عِندها المصائب، فلولا ضياعهما في تلك المنطقة لما رآهما جابر بالصدفة وحدث تواصل بصري بينه وبين داليا أمكنه من الانتقال إلى جسدها، غلطة بسيطة دمرٌت حياتهم وربما عرٌضت حياة زوجته للخطر، كان قلبه ينقبض كلما توقع ولو للحظة أن يُصيبها مكروهًا، بل وبسبب هذا الأخرق. توقفا أمام الباب ليُباشر جابر الذي تلبس جسد داليا وجعلها تطرق بضع طرقاتٍ على الباب حتى تم فتحه بواسطة بابلو الذي يُعتبر زعيم اللصوص. قطٌب حاجبيه بحيرة وهو يرمق كلًا من إسلام ولؤي وتلك الفتاة التي هي بالأصل جابر بعد أن اخترق جسد داليا، يبدو من هيئتهم أنهم من طبقة اجتماعية أعلى من طبقتهم، فملابسهم نظيفة لا تدل أبدًا على ترعرهم بمكانٍ فقيرٍ كهذا، هذا ما جعله يسأل باغتياب : - أفندم ... مين حضراتكم ؟ آجابه إسلام ببعض الاندفاع : - إحنا عايزين داليا .. أقصد جابر تفحصهم بنظراتٍ ثاقبة أردفت معها : - تعرفو جابر منين ... شكلكم مش من هنا تدخل لؤي ليحاول التبرير رغم أن فضوله يلتهمه لاقتحام هذه البناية والقبض على من يقطنها، فعمله كضابط يجعله يستشعر روائح المجون والجرائم أينما ذهب، لكنه حاول الصمود حتى يعثر على داليا أولًا وحتى لا تتعقد الأمور أكثر، فكان يهتف مبررًا : - عادي يعني ... معرفة قديمة نمت بسمة ساخرة على ثغر بابلو وهو يقول : - جديدة ... من إمتى والولا جابر بيعرف ناس نضيفة انفلت زِمام الثبات من على وجه جابر مما جعله يهتف بتهكمٍ وبعض الغضب من هذه السخرية : - ليه يعني ... مش قد المقام ؟ كانت نبرته مندفعة كادت توٌقعهم في مأزق، كما أن جابر كاد يقترب من بابلو كي يهتف بوجهه وربما يتفاخر بكونه يحمل باقة من العلاقات الاجتماعية متغافلًا عن حقيقة أن ذاك الجسد ليس جسده. - اسكت يا غبي هتفضحنا غمغم إسلام بتلك الكلمات بصوتٍ هامسٍ في أذن جابر وهو يوٌبخه، أما عن بابلو، فكان يرمقها بنظراتٍ مُتفحصة لهيئتها وسبب وجودها مع هذين الرجلين، بل والأغرب، ما علاقتها بجابر الذي يظن الجميع أنه لا يخرج عن تلك المنطقة ولا يُصادق سوى الفقراء والمجرمين. - ممكن بعد إذنك تندهلنا جابر ؟ قالها لؤي ببعض الصرامة والأدب مما آعاد بابلو من شروده وهو يُجيب : - جابر مش هنا ... تلاقيه بيسترزق على أي تلتوار " رصيف " لم يكد ينهي الحديث حتى استمعوا إلى أصوات أقدامٍ تهرول نحوهم حتى ظهر من بينهم طفل صغير بملابس مُهترئة وعلى وجهه تتكاثر حُبيبات العرق وكأنه كان في سٍباق، توقف عن الركض ليلتقط أنفاسه ثم يقول من بين لُهاثه : - يا معلم بابلو .. رمقه بابلو باهتمامٍ وحيرة من مجيء الصبي وركضه وكأنه يُريد أن يُدلي خبرًا بالغ الأهمية : - في إيه يا قاحون ؟ حاول الصبي الصغير التقاط أنفاسه كي يواصل الحديث : - المعلم جعبري ورجالته .... عكشو جابر وشكلهم هيخلصو عليه تبادلت نظرات الصدمة بينهم حاصة جابر الذي شعر وكأن حياته سُتفارقه، بل هي بالفعل كذلك، لكن الفرق أنه عالق في هذا الجسد وربما سيبقى داخله مدى الحياة إذا لم يصلوا إلى حلٍ لتلك المُعضلة. - إحنا لازم ننقذها بسرعة قالها إسلام بضربات تخفق من الهلع ولم يكن يفهم بابلو لما يتحدث عن صديقه بصيغة الفتاة، لكنه لم يكترث للأمر وتحرك من أمامهم هادرًا بكلماتٍ صارمة : - يبقى أكيد راحو المخزن ... أنا هروح أتفاهم مع المعلم جعبري ... هتيجو معايا ؟ إندفع إسلام أمامه هادرًا بثقة وخوفٍ على زوجته المسكينة : - أيوة طبعًا رايحيين وهكذا إنتهى الأمر وهم يتبعون بابلو إلى تلك البُقعة التي احتجزت داليا بداخلها تنتظر الموت وتنتظر كذلك طوق النجاة، ولا تعلم ما الذي سيأتيها أولًا ... __________________________ وقع أقدامه على سفحات الأرض يُصدر صوتًا مهيبًا يُصيبها بالرُعب، نظراته الحاقدة الشيطانية تكاد تتغلغل صدرها وهي جالسة على الأرض تتابعه بقلبٍ يضرب من الهلع وأنفاسٍ تتهدج كلما إقترب نحوها خطوة، تقسم أنها كادت تصرخ من البُكاء في تلك اللحظة، بل حتى دموعها بدأت بالانحدار وهي تحاول تحريك جسدها حتى تتملص من هذه القيود. وقفت أقدامه قبالتها مباشرة ليرسم ابتسامة متشفية على ثغره أظهرت أسنانه الصفراء ولمعة المُكر بعينيه، هتف بغلٍ دفين ولكنة مُهددة أخرج معها السلاح من جعبته : - أخيرًا وَقعت تحت إيدي يا جابر ... متعرفش كنت مستني اللحظة دي قد إيه ابتلعت غصتها بُرعب وخرج صوتها متوٌسلًا وهي تقول : - أبوس إيديك فُكني ... وربنا أنا أسفة ومش هعمل كدة تاني ... بس أبوس إيديك سبني ... ولا أقولك ... سبني انهاردة بس وبكرة إعمل فيا إللي إنت عايزه وجدته يُقهقه بسخرية على حديثها المتوٌسل وكأنه يتلذذ برؤيتها تترجاه حتى يرحمها، لكنها لا تعلم أن جعبري لا يرحم أبدًا، ويُعاقب كلًا من يمقته ويدحضه أشد عِقاب، رفع فوهة سلاحه لتتقابل مباشرة مع عيني داليا التي تلبست جسد جابر وازدادت ضربات قلبها ظانة بأن تلك اللحظة هي لحظتها الأخيرة، كانت تغلق عينيها بقوة جعدت معها وجهها وشفتيها لم تتوقفان عن الدعاء لعل ربها ينجدها باللحظة الأخيرة. حرٌك إصبعه على الزناد وبدأ يضغط عليه ببطء جعل عذابها يزداد أكثر وقلبها يقرع الطبول بضراوة، لكن فجأة... - يا معلم في رجالة عاوزينك برة أوقفه هذا الصوت مما كاد يفعله ليخفض يده وابتعد عنها ليوٌجه نظراته المستفهمة نحو أحد رجاله بعد أن أخبره أن هناك من يرغب بزيارته والحديث معه، تأفف بتذمرٍ على هذا الحديث بينما كانت داليا لا تزال تغلق عينيها تستعد للموت أو تعتقد أنها ماتت بالفعل. ما هي إلا لحظات حتى فتحت عينيها ببطء تتحسس المكان حولها وأنفاسها تتصاعد ثم تهبط براحة بعد أن تأكدت من عدم وجوده بالحُجرة، أخذت تحمد ربها وتُطيل الدعاء حتى لا يأتي مجددًا ويُنفذ ما إنتوي فعله منذ قليل، وربما تلك المرة يُنفذه بالفعل !! .. وثب أمام المخزن ليلقى أمامه رجلان غريبان بينهما امرآة وثلاثتهم يرتدون ثيابًا نظيفة لا تُناسب تلك المنطقة، كان بينهم رجلٌ ثالث يعرفه جعبري جيدًا ولا يضمر له أية عداوة، بل حتى لا يتحدث معه من الأساس، لكنه يعلم جيدًا أن بابلو أكبر لصوص تلك المنطقة وأكثرهم مُكرًا وشُهرة. تحرك بابلو ليثب قبالة جعبري مباشرة هادرًا بلكنة حادة صارمة : - إبعد عن جابر يا جعبري .. وإلا هتفتح على نفسك باب جُهنم وأنا إللي هكون السبب رسم بسمة متهكمة على ثغره وهو يدفع بابلو بعيدًا متفوٌهًا بعِناد : - مش هسيبه ... وحلٌ عن سمايا بدل ما تحصله زادت تلك الكلمات من غضب بابلو فدفعه دفعة مقابلة لدفعته ليردف بعدها بصوتٍ مُحتد : - طب لو راجل وريني كاد العِراك ينشب بينهما لولا تدخل إسلام الذي حاول فض الجِدال متفوٌهًا : - صلو على النبي يا رجالة ... إحنا مش عايزين خناق، إحنا عايزين نشوف جابر ونمشي ... وصدقني ما هنهوٌب ناحيتِك تاني تنهد جعبري بُعمقٍ أخذ يُفكر بعدها في طلبهم، فما الضيٌر من رؤيته لبضع دقائق ثم يعود وينتقم منه فيما بعد. التفت نحو أحد رجاله ليُخبره بصرامة : - إدخل هاته من جوة أومأ حارسه وافي إيجابًا ليدخل بعدها المخزن ويعود ومعه جابر مُكبلًا بأيدي المزيد من الحُراس، ما إن وثبت داليا قبالتهم حتى اخترق جسدها عبير الأمل وهي تنادي باشتياقٍ حمل العديد من لمحات الاستنجاد : - إسلام ... إسلام الحقني خفق قلبه من حديثها المستنجد ووجد لسانه يقول تلقائيًا : - متقلقيش يا داليا أنا هساعدِك تبادلت النظرات الحائرة بينهم بسبب هذا الأبله الذي يُنادي جابر باسم فتاة !! قطع جعبري هذه النظرات بسؤاله : - داليا مين ؟ تداخل جابر بالحديث إنقاذًا للموقف : - إيه ... أنا .. هو بينادي عليا إقتربت داليا أكثر نحوهم لتتقابل عينيها بعيني جابر وكأن الطاقة بدأت تعمل في تلك اللحظة، فسُرعان ما انتفضت أجسادهما سويًا ليُطلق كل منهما شهقة عالية أصابت الجميع بالحيرة، فيما عدا إسلام ولؤي اللذان أحسا بالسعادة والانتصار. أفاقت من انتفاضها على مكانٍ آخرٍ وجسدٍ آخرٍ عادت إليه بعد فترة غيِابٍ قصيرة كانت بالنسبة لها دهورًا، فما إن عادت حتى آحاطت جسدها بكلتا ذراعيها وكأنها تُكامع صديقة لم ترها منذ فترة طويلة، آعادت يدها مكانها مجددًا لتنقض على إسلام الواثب جوارها وتعانقه بسعادة كادت معها تطير من الفرح، فهي قد نجدت للتو من التهلكة ولا تُصدق أن خالقها أنقذها باللحظة الأخيرة. كان إسلام يُشاركها هذه السعادة حتى قال باطمئنان : - الحمد لله مفيش حاجة حصلتلِك ... يلا بقى نرجع بسرعة قبل ما حاجة تانية تحصل لم تُبدي أي من العلامات على وجهها الذي التفت تلقائيًا صوٌب جابر الذي أضحى الآن مكبلًا بين أيديهم الغليظة يستقبل مصيره بنظراتٍ خائفة وقلبٍ مُضطرب، لا تعلم لمَ أشفقت عليه في تلك اللحظة، فهي تعتقد أنها سببًا بالسماح لهم بالقبض عليه، خاصة وهي تُدرك جيدًا شعوره الآن وما الذي سيُلاقيه من أهوال، جميع هذه الأسباب جعلتها تعترض إسلام باستماتة : - لأ مش هينفع .. لازم ننقذه الأول عارضها إسلام ببعض الحدة : - ننقذ مين ... الناس دي مش سهلة وممكن يقتلونا أصرٌت على قرارها أكثر بقولها: - وأنا مش همشي من هنا إلا لما جابر ييجي معانا تدخل لؤي بهذا النقاش ليؤيد حديث داليا الذي كان صائبًا : - عندها حق ... أنا مستحيل أشوف حد في خطر ومنقذهوش توٌجه بعدها ببصره نحو جعبري ليتقدم نحوه هادرًا بصرامة : - إتفضل قول لرجالتك يسيبو جابر ... وإلا متلومش نفسك بعد كدة كانت نبرته تهديدية لم تُحرك به قيد أنملة، فكان يأمر رجاله ببرودٍ أن يأخذوا جابر مجددًا إلى المخزن ثم يُعاود الالتفات نحو لؤي ليُجيبه بلكنته المُستخفة : - هتعمل إيه ؟ ... فِكرك يعني هتهدد بالبوقين دول تدخلت داليا بالحديث وعيناها مقطبتان بغضبٍ من ذاك الحقير الذي لا تطيقه، فتوٌسلاتها له لا تزال عالقة بذهنها وترغب بالانتقام منه على خوفها ورهبتها تلك الدقائق السابقة : - إحنا إللي هنعمل .... ومش هنسيبك تقتله حرٌك بصره ونظراته المُستخفة نحو داليا ليهتف بوجهها : - وتطلعي مين إنتِ كمان ... شكلِك مش غريب عليا كان يشعر أنه رآها سابقًا أو أنها تُشبه شخصًا كان يعلمه فيما سبق، استنتج إسلام هذا فورًا وألصقه بوالد داليا الذي ترعرع طيلة حياته بالأسكندرية قبل أن ينتقل للعمل ومواصلة حياته بالقاهرة، فهو كذلك يعلم أن والدها كان مشهورًا بين سُكانه ولديه العديد من العلاقات، لا يعلم إن كانت علاقاتًا طيبة أم لا، لكنه فقط يعتقد أن هذا الأرعن ربما يعرفه. وثب قبالة زوجته هادرًا بفخرٍ ولكنة بدت مُهددة : - ما لازم طبعًا تعرفها ... دا أبوها كانت سيرته مسمعة في أسكندرية كلها انقبض قلبها على ذكر والدها وظنٌت أن القادم لن يضحى هينًا، آرادت أن يتوقف إسلام عن الحديث لكن يبدو أن لا حياة لمن تنادي، فما إن التقطت أذنيه تلك الكلمات حتى سأل مستفسرًا : - يطلع مين بقى أبوها ده ؟ سأله جعبري باستخفافٍ فآجاب إسلام بنفس لكنته الفخورة الصارمة : - محمود رُستم اتسعت حدقتا جعبري في ذهول مع ذكر هذا الاسم الذي جعله يسأل كي يتأكد أكثر من شكوكه : - محمود رُستم !! ... إنتِ بنت محمود رُستم ؟ آشار على داليا مع سؤاله وكانت هي في وادٍ آخر ترتعد من الخوف وتكاد تلطم على وجنتها مما قد يحدث، أما عن إسلام، فكان يظن أن هذا سيُساعد موقفهم لهذا السبب واصل التأكيد على حديثه بفخر : - أيوة بنته ... كاد يواصل الحديث لكن داليا حاولت إيقافه بترجٍ : - اسكت يا إسلام الله يخليك همس إسلام بأذنها مطمئنًا : - دا شكله يعرف أبوكي لطمت داليا على وجنتها وهي تردف بدُعاء : - دي هتبقى مُصيبة لو كان يعرفه.... إنت متعرفش أبوية قطعهم جعبري بابتسامته المتهكمة وكلماته الموُجهة صوٌب حدقتيهما مباشرة : - طالما بنت محمود رُستم ... يبقى لازم نكرموها ... رفع من صوٌته وهو يهتف برجاله : - يا رجاله ... خدوها واحبسوها مع جابر تصاعدت ضربات قلبها مجددًا وهي ترمق الرجال يحاوطنها ويدفعنها بعيدًا عن إسلام ولؤي اللذان حاولا التدخل دون جدوى، فكادت تنفلت زمام الأمور خاصة من لؤي الذي أوشك على الانقضاض عليهم لولا تهديده بأحد الأعيرة النارية وقيام أحد الرجال بدفعه دفعة قوية على صدره جعلته يكاد يرتطم بالأرض. حاولت التحرر من قبضتهم والصراخ باستنجادٍ لكن دون جدوي، فكان رجاله ينقسمون مجموعتين، مجموعة تُكبل كلًا من لؤي وإسلام ومجموعة تأخذها إلى مصيرها المحتوم داخل المخزن، وهذا بسبب والدها الذي لا تعلم ماذا فعل، ولمَ يُريد هذا الرجل الانتقام منه عن طريقها، لكنها متأكدة أن والدها أهانه وربما شوٌه طفولته، ولهذا السبب بدأت بالدعاء على والدها رغم أنها تحاول برٌه طوال حياتها، حياتها التي ربما ستنتهي قريبًا !! - قسمًا عظمًا لو مسبتهمش لاكون مبلغ عنك قالها لؤي بصوتٍ حادٍ مُهدد حاول معه إخفاء حقيقة كونه ضابطًا، فهؤلاء لا يعرفون قانونًا، وربما يُفتكوا به ما إن يُخبرهم تلك المعلومة، لم يُعيره جعبري أي انتباهٍ وهو يقول بثقة : - ولا تقدر تعمل حاجة ... المنطقة دي مبيدخلهاش حكومة ... عشان لو دخلو مش هيعرفو يخرجو تدخل بابلو بالحديث بنظراتٍ حادة حاول معها الوصول إلى حلٍ لتلك المُعضلة : - تاخد كام يا جعبري وتسيب جابر والبت إللي معاه ؟ علق إسلام ببعض الترجي الذي امتزج مع نبرته الغاضبة : - إحنا هنديك إللي إنت عايزه ... بس متخلصش عليهم رمقهم جعبري ببرودٍ تامٍ أخرج معه لفافة تبغه من جعبته ليضعها داخل جوفه ويُشعلها كي يستنشق سُمها ويُخرجه على هيئة أدخنة تلفح وجوههم وتخترق صدورهم، هتف بعدها وهو يتقدم نحوهم بنظراتٍ واثقة صارمة : - قدامكم اختيارين ... الأول ... هاخد على كل راس فيهم أرنب احتقنت وجوههم وبدأت النظرات تتبادل بينهم في ذعر، فهم يعلمون ماهية حديثه، ويعلمون هذا المبلغ الطائل الذي يطلبه والذي لا يمتلكون حتى ربعه، فمن أين يأتوا بمليوني جنيه !! بعد فترة من الصمت سأل لؤي بحدة : - والتاني ؟ عاد جعبري خطواتٍ للوراء هادرًا طلبه بنفس لكنته الواثقة المُحملة ببعض الغل : - تجيبو محمود رُستم يعتذرلي هنا قدام المنطقة كلها إقترب نحوهما مجددًا هادرًا آخر كلماته بتهديد : - يا تعملو ده ... يا تعملو ده ... وإلا مش هتشوفو وش السنيورة تاني تدخل بابلو ليسأله : - طب وجابر ؟ وجه جعبري نظراته نحو بابلو هادرًا بعد أن نفث القليل من دخان لفافته : - هكرمكم وهخلي الاتنين دفعة واحدة ... بس شرط تنفذو إللي قولته إبتعد عنهم ليُشير بعدها لرجاله آمرًا إياهم : - يلا يا رجالة ... إبعدوهم عن هنا نفذ رجاله الطلب وألقوا بهم بعيدًا عن تلك المنطقة بأكملها عازمين على إيجاد حلًا لتلك المعضلة التي تضخمت أكثر من اللازم وجعلتهم يدورون حول أنفسهم في متاهاتٍ حتى يجدوا طريقة تُنجدهم بعيدًا عن والد داليا سليط اللسان والذي إذا استشاروه ستتعقد الأمور أكثر... _______________________________ هدير الليل ورياحه العاتية تُحرك هذه الكُثبان الرملية حتى يتكوٌن الضباب وُتعتم الرؤية، وفي هذا العُتمة القابضة للأنفاس يقف مجموعة من الرجال بالقُرب من سيارتين سوداويتين من الُتراث الحديث يقابلهما سيارة رمادية ليست حديثة الصيحة لكنها لاتزال أوتمواتيكية تكفي للسفر حول العاصمة. حقيبة سوداء جلدية أمسكتها يد غليظة ترتدي خاتمُ ذهبي عليه حجرٌ أسودٌ كقلب صاحبه، أظهرت يداه الخشنة السمينة أنه بالعقد الخمسين من عُمره وسمانته أظهرت ترفه وحُبه للمال والإمتلاك، وربما متاجرة الممنوعات أيضًا.. التقطت يدٌ أخرى هذه الحقيبة الجلدية ليظهر بعدها رجلٌ متوٌسط القامة متناسق الجسد يميل إلى النحالة، لكن قسمات وجهه أعربت عن كونه ماكرًا خاصة عينيه الخضراء الحادة كالقطط والتي بدت جذابة متناسقة مع بشرته الحنطية وثيابه الأنيقة المكونة من سُترة صيفية رمادية أسفلها بنطالٌ من الجينز الأسود. فتح الجقيبة الجلدية ليتفقد الأموال بداخلها ويتأكد من كونها أموالًا أصلية، بل ويحصيها بعينيه كي يتأكد أنها تُقدر بالألوف، انتظره الرجل ذو الخاتم لفترة حتى يحصل على البضاعة وتتم الصفقة كما المُتفق. يقف رجلانٍ عريضي المنكبين طوال القامة خلف سيدهم لا ينطقان ببنت شفة ويُتابعان ما يحدث من بعيدٍ كأنهما أتيا فقط لحراسة صاحبهم، أما عن الرجل الماثل أمامهم والذي يُدعي ميجو ، فبعد أن تفقد الأموال وأنزل الحقيبة إلى أسفل بالُقرب منه حتى التقطت يده الأخرى حقيبة سوداء صلبة مصنوعة من الجلد وتأخذ شكل المربع المائل للمستطيل، فهي تلك الحقيبة التي يتم ملئها بالمستندات المُهمة، لكن في حالتهم تلك، كانت مملوئة بكل ما هو مُذهب للعقل ومُحرم على النفس. مدٌ ميجو تلك الحقيبة أمام الزعيم الذي التقطها بنظرات ثاقبة وقد لاحظ خطوات ميجو التي كانت ترتد للوراء تباعًا. رسم ميجو بسمة ماكرة على ثغره وهو يقول : - بالسلامة بقى لم يكد ينهي حديثه حتى فتح الزعيم المدعو بإدريس الحقيبة السوداء والتي انفجرت بوجهه وأطلقت أدخنة بيضاء جعلت الضباب ينتشر في الأرجاء ويزيد من تشوٌش الرؤية، وهذا ما آراده ميجو بالضبط، أن يحصل على المال، والبضاعة أيضًا !! انتهز سعالهم وعدم رؤيتهم ليتحرك بسرعة ومعه حقيبة المال التي استقل بها سيارته وطفق يعدو بسرعة قبل أن ينتبه له الرجال، فما إن تأكد من ابتعاده عنهم حتى أخرج جواله من جعبته ووضعه على أذنه متفوٌهًا : - أنا عايز أقدم بلاغ ....في تُجار حشيش ... _________________________________ شارفت الساعة على التاسعة مساءً وهم داخل منزلهم بعد أن تدمرت إجازتهم بسبب تلك المٌعضلة، فيبدو أنهم لن يحظوا بأي إجازة بحياتهم. يدور إسلام حول نفسه بأفكاره المشتتة وقلقه الذي يتفاقم مع مرور الوقت، فكون زوجته تقبع الآن بين حفنة من المجرمين يجعله فاقدًا لصوابه وداخله نيرانٍ من الغضب والخوف، كانت تجلس قمر على الأريكة وجوارها كوكي تحاول النقاش معهم بعد أن استمعوا إلى ما حدث من لؤي وإسلام اللذان أخبراهما الحكاية مراتٍ عِدة، فكان يهتف إسلام بصوتٍ مضطرب : - دول عايزين اتنين أرنب ... دا أنا لو بعت شقتي مش هنجيبهم علٌقت كوكي على حديثه ببلاهة : - هو إنتو قلقانين كدة ليه ... It s just two rabbits ... يعني ممكن نجيبهم من أي pet shop كانت تتحدث ببساطة جاهلة عن حقيقة الأمر، لكن قمر تدخلت حتى تُفسر لها : - لأ هما مش قصدهم الأرانب إللي بناكلها على الملوخية ... أرنب دي معناها مليون جنيه ... يعني هما عايزين اتنين مليون جنيه سقط فك كوكي ما ان استقبلت هذه الصدمة وأدركت المأزق الذي وقعوا به، فعلى الرغم من ثراءها إلى أنها لا تعلم كيف تطلب من والدها مثل هذا المبلغ، ولا تعلم حتى لمَ يعاندهم القدر ويضعهم أمام المشكلات التي لا يوجد لها أية حلول. - طب ما نروح نتكلم مع الحَج محمود ... أكيد هييجي عشان خاطر بنته قالها لؤي مُقترحًا ليقهقه إسلام قهقه ساخرة قصيرة أردف بعدها : - هو من ناحية هييجي ... فهو هييجي، بس مش عشان خاطر بنته .... هييجي يبوٌظ الدنيا أكتر وممكن يخلي كبورية ده يقتلهم صحح معتز حديثه بقوله : - قصدك جعبري - يعم مش مهم كلها قشريات قالها ساخرًا من اسمه واستحقارًا لهذا الحقير الذي دمٌر إجازتهم، وبعد مرور فترة من الصمت والتفكير المطوٌل والجميع يجلس في مقاعدٍ حتى إسلام الذي تعب من التحرك في كل مكان وقرر الجلوس والتهدئة من روعه، تشدقت قمر متسآلة وقلبها ينهشها من القلق : - طب هنعمل إيه في المصيبة دي ؟ لم يأتيها الرد وبقي الجميع يُفكر في الإجابة حتى وثب إسلام ليقف قبالتهم هادرًا بثقة ونظراتٍ صارمة : - أنا عندي فكرة ... _________________________ لا تدع وحش الانتظار يُسيطر على دواخلك، فإن كانت أمامك فرصة لاسترداد حقوقِك، فانتهزها حتى ولو لم تؤتي ثمارها. خطوات واثقة تطيء أركان هذه المنطقة حتى ظهر ظلٌين لرجلين عزما على مواجهة الصِعاب حتى ولو كانت أجسادهما أصغر من تلك المواجهة. يرتدي إسلام قميصًا أبيضًا تعمد فتحه حتى تظهر ملابسه الداخلية البيضاء وبنطاله الجينز الفاتح المهتريء، يرفع رأسه بشموخٍ ويلوي شفتيه في حركة متهكمة مقلدًا أحد المشاهير الذين يظهرون على التلفاز خاصة بالمناطق الشعبية، كان يعتقد أنه يُشبه المجرمون بتلك الهيئة وتلك العصا التي يحملها بإحدى يديه، لكن الحقيقة أن مظهره كان أبلهًا مبالغًا به. يقف مُعتز بجواره بعد أن سايره بتلك الخُطة التي من شأنها إرهاب هذا المدعو بجعبري حتى يخشاهما ويسمح لهما بأخذ داليا وجابر من بين قبضته، تحرك إسلام حتى وقف قبالة جعبري مباشرة ليلوٌح بالعصا في الهواء هادرًا بصوتٍ مرتفعٍ وصل إلى مسامع اللصوص الذين يتجولون بهذه المنطقة الأقل من الشعبية. - جرا إيه يا حارة مفيهاش راجل قالها وهو يلوٌح بالعصا لكن مُعتز أوقفه ليهمس بأذنه منبهًا : - إسلام ... على فكرة دي مش حارة أسكته إسلام بحدة : - شش .. اسكت متقطعنيش حمحم بعدها ليواصل الحديث تزامنًا مع إقتراب جعبري نحوهما راميًا إياهما بنظراتٍ مُستخفة أردف معها : - نعم ... إيه إللي جابكم ؟ واصل إسلام الحديث بتلك اللكنة المتهكمة وشفتيه الملتوية على أحد الجوانب مقلدًا طريقة المجرمين بحديثه : - من الآخر كدة يا زميلي .. إحنا عايزين إللي يخصنا ... ولو فاكر إنك هتتحدانا ... أكمل معتز جُملته على نفس النمط : - بكرة تيجي وتترجانا واصل إسلام بنفس تلك اللكنة : - ولو فاكر إنك قدها أكمل مُعتز جملته مرة أخرى : - هقولك ده عندها آشار إسلام على نفسه بالعصا متفوٌهًا بفخرٍ امتزج مع تلك النبرة التي ظنٌها إجرامية : - عشان أنا إسلام أبو قرقاص ... يعني إللي يُعضني يتداس تبع معتز حديثه بصوتٍ حادٍ مندفع : - وأنا مُعتز اللملوم ... يعني إللي يقع تحت الإيدي مش هيقوم إقترب بعدها نحو أذن إسلام ليسأله بهمسٍ وتشكك : - بقولك إيه يا إس ... أنا حاسس إننا بنحيي فرح شعبي آجابه إسلام بهمسٍ ونفس نبرته الإجرامية الزائفة التي علقت به : - اسمع الكلام ... الحوار ده بشوفه في الأفلام علق مُعتز على حديثه باستنتاج : - إنت لسانك علق ولا إيه تجاهل إسلام استنتاجه ليواصل تلك المسرحية التي يظن أنها ستؤتي ثمارها، فكان يُلوٌح مجددًا بالعصا التي هي بالأصل العصا الخاصة بالممسحة، لكنه يوهم الجميع أنها عصا خطيرة سيضرب بها من يقترب نحوه. - ولو قرٌبت ناحيتنا ... أكمل مُعتز حديثه على نفس النمط والاندفاع : - مش هتفلت من قبضتنا - ولو عايزنها قلبان - بالتوم والبتنجان هكذا أكمل مُعتز ببلاهة أخرجت إسلام من طوٌر الاندماج لينهره بهمسٍ : - توم وبتنجان إيه إحنا في مطبخ الشربيني ؟ برر معتز بصوتٍ هامس : - حاستها لايقة على القافية ضربه إسلام على كتفه لينهره على إفساده لتلك المسرحية المُبتزلة : - طب اسكت متفضحناش حمحم إسلام ليُنهي الحديث بنظراتٍ متوٌعدة : - يا تدينا إللي يخصنا - يا نجيبك تحت رجلنا هكذا أكمل معتز ليواصل إسلام حديثه : - آمين .... ولا تقول على نفسك يا رحمن يا رحيم ؟ صمت بعد تلك الجملة ليُراقب تعبيرات جعبري الذي من المُفترض أن تخشع حصونه وتتبدد صرامته بعد تلك الكلمات المُهددة، أو التي ظنوها مُهدِدة، لكن ما صُدر من جعبري كان عكس ما توقعوه تمامًا، حيث كان يُتابعهما باستخفافٍ وكأنه يُشاهد أحد الأفلام الكوميدية المليئة بالدُعابات. صدى صوت قهقهته أرجاء المكان مما جعل فرائسهما ترتعد خاصة وهو يقترب نحوهما بخطواتٍ مهيبة واثقة مع نظراته المُشتعلة المُستخفة، وثب قبالتهما مباشرة ببسمته الساخرة وأصابعه التي آشارت على رجاله الذين إقتربوا فورًا نحوهما وأشهروا أسلحتهم أمام إسلام ومُعتز خاصة عند وجهيهما. إبتلع إسلام رمقه بذعرٍ وبدأت ضربات قلبه تتصاعد ظنًا بأن تلك اللحظة هي لحظته الأخيرة، لم تختلف حالة مُعتز عنه بخلاف أنه يُبادل حدقتيه بإسلام الذي أقنعه بأن تلك الطريقة ستُرهبهم وستجعلهم يخضعون لتعليماتهم، لا يعلم لمَ يُنفذ تعليمات إسلام دائمًا على الرغم من أنها توٌقعهم بالمصائب في كل مرة. تقاطرت حبيبات العرق من جبهتهما وطفقا يتراجعان خطواتٍ للوراء تزامنًا مع حديث جعبري : - مش أنا إللي هقول على نفسي يا رحمن يا رحيم تهدجت أنفاسهما وارتعدت فرائسهما حتى همس مُعتز بأذن إسلام مذعورًا : - هنعمل إيه يا إس ؟ آجابه إسلام ببعض الارتباك الذي حافظ معه على حكمته : - في مثل بيقولك ... الجُبن لغة العُظماء قطب مُعتز حاجبيه وهو يستفسر بهمس : - هو مش الجُبن ده بيتاكل آجابه إسلام بصوتٍ هامس يحمل ارتعابه : - لأ ده إحنا إللي هنتاكل لم يسمعه مُعتز جيدًا فسأله : - إيه ؟ تراجع إسلام خطوتين للوراء وهو يهتف بصوتٍ عالٍ : - إجري يلا... سرعان ما هروٌل بسرعة هو ومُعتزوراءه قبل أن يلحقهم أولئك الرجال الذين لم يتحركوا قيد أنملة، حيث كان جعبري يُتابعهما بنظراتٍ مُستخفة وابتسامة خبيثة أكدت على طُغيانه ومُكره الذي لن يتوقف قبل أن يُنفذوا طلباته... _______________________ تنهيدة حارقة خرجت من جوفه لتجعله مستسلمًا لقدره وتلك الحالة التي أضحى عليها، داخله العديد من التناقضات ما بين الاطمئنان بأنه لن يلقى حتفه الآن، وبين الخوف من أنه قد يلقى حتفه فيما بعد، فرهبة الانتظار لا تُعادل رهبة الموت، الانتظار بمثابة الموت البطيء. التفت بحدقتيه حيث تجلس داليا على بُعد بضعة أمتارٍ عنه وكلاهما مقيدان بالأغلال، وعلى عكس المُعتاد، كانت تجلس في حالة من الصمت والهدوء وكأنها مُعتادة على تلك الكوارث، فهي بالفعل مُعتادة عليها منذ معرفتها بتلك القُدرة التي لديها والتي أوقعتها في العديد من الكوارث وستظل توٌقعها إلى ما لا نهاية. أحس بشذراتٍ من الندم تدفعه للاعتذار منها، فهو من تسبب بوٌقوعها مع ذاك المدعو بجعبري، وهذا لأنها فقط آرادت أن تنقذ حياته. وقعت تلك الجُملة على مسامعه كنغمة موسيقية أطربته، إنقاذ حياته !! ... منذ متى وأحدهم يهتم بحياته حتى يُخاطر من أجله ؟ فلطالما كان كالخردة البالية، يُلبي الأوامر فقط دون أن ينبس ببنت شفة، بل وحتى يفشل بتلبية الأوامر ولا يتلقى سوى التوبيخ والإهانات، لا أحد يُعامله بالحُسنى سوى بابلو الذي يعلم جيدًا أنه سيتركه إذا تتطلبت مصلحته ذلك، فلا أحد يثق بالمجرمين واللصوص أمثالهم، وأمثاله أيضًا. - أناا ... آسف قطع وصلة الصمت بتلك الجُملة التي جعلتها تنتبه لحديثه دون أن تُبدي أي من العلامات، فقط علامات الهدوء والرضا هي التي ارتسمت على وجهها بعد أن سئِمت من البكاء على الأطلال. - لا عادي ... أبوية هو السبب مش إنت قالتها ببعض الانكسار وشعورها وكأنها تدفع ثمن أخطاء والدها الجامة، فهي من الأساس ليست على علاقة وطيدة به، تتحدث معه فقط بسطحية ودائمًا ما تنتهي بِعراكٍ يجعل دموعها تنهمر، وهذا لأنه لا يكترث لمشاعر من حوله ويُهين الجميع بكلماته الفظة التي يعتقد أنها عادية. مرٌت بُرهة أخرى من الصمت قطعتها داليا هذه المرة رغبة في الحديث ونسيان تلك الغُمة، وجهت بصرها نحوه كي تسأله ببعض الوٌد: - هو إنت مين ؟ آرادت بتلك الكلمات أن تتعرف عليه أكثر نظرًا لشعورها بالتيه من تلك الدقائق القليلة التي قضتهم بجسده، والحقيقة أنها آرادت تكذيب حقيقة كونه لِصًا حتى لا يضحى دفاعها عنه دفاعًا عن مُجرمًا يجب أن يُعاقب، تنهد جابر قبل أن يُجيبها بصدق : - أنا جابر الحرامي ... بس ده مُجرد اسم قطبت حاجبيها بحيرة من ذاك الاسم فسألته : - يعني عيلتك اسمها الحرامي ؟ قهقه قهقهة بسيطة ساخرة على حديثها ثم أردف ببعض الألم الدفين : - لأ ... أنا معرفش عيلتي ... ده المعلم شفيق هو إللي سماني علٌقت على حديثه ببلاهة وعدم تصديق : - إحلف ... بتاع سبونچ بوب !! لم يكن يعرف عمَ تتحدث لذلك سأل بحاجبين مُقطبين : - مين سبونج بوب ده ؟ تداركت داليا حماقتها بقولها : - لا فكك ... كمل كمل ... قولتلي بقى عندك كام سنة ؟ كانت ترغب في التعرف عليه أكثر لكنها وجدته يُجيبها بسرعة وبعض الثقة دون أن يُفكر بسؤالها حتى : - عشرين أومأت داليا بتفهمٍ سُرعان ما تبدل للحيرة بعد أن انتبهت إلى كونها تعلم كم يمتلك من الأعوام، فبالطبع هو في عُمرها هي وإسلام، لهذا السبب سألته باستنكار : - ثانية واحدة ... عشرين إزاي ؟ ... إنت المفروض تكون قدي أنا وإسلام يبقى تمانية وعشرين سنة اتسعت حدقتيه بذهول وهو يقول : - أيوه !! ... إنتِ عارفة أنا عندي كام سنة ؟ رمقته بحاجبين يزداد بهما الغرابة وهي تسأله : - هو إنت متعرفش ؟ نفى برأسه وهو يُجيبها بصدق : - لأ محدش قالٌي ... - أومل إيه عشرين دي ؟ سألته باستفسارٍ فآجابها : - أنا معرفش غير من واحد لعشرين.... عرفتهم من بابلو لا تعلم لم نغصها قلبها لأجله، فعلى الأحرى هو لم ينل حظه من التعليم مثلها، وطريقة حديثه وجهله أصابتها بوغزة في فؤادها وشعرت بالظُلم الذي يُحيط بحياته، بُهت وجهها وهي تُشير بحدقتيها على تلك الندبة التي تعتلي أسفل رقبته والتي استشعرتها وهي داخل جسده : - وإيه الجرح ده ؟ سألته بفضول لتجده يُجيبها بمرحٍ حمل انكسارًا فاض من عينيه : - أه... ده من المعلم شفيق ... أصلي معرفتش اسرق زي ما هو عايز... فعوٌرني بالبالطة عشان اسمع كلامه آشاحت ببصرها عنه كي لا يستشعر نظرات الشفقة المُتدفقة من عينيها وهي تعلم تمام العِلم أن نظرات الشفقة تُشعر من أمامها بالمهانة وتزيده ضيقًا، فمن يحمل ألمًا لا يرغب بمن يُذكره بهذا الألم ويزيد من جرحه. - شفيق ده صعب أوي ... أنا مش عارفة إزاي مستحملينه وجه بصره للأمام وهو يُجيبها بقلة حيلة : - قدرنا بقى ... أنا وعيت على الدنيا ملقتش غيره، وتقريبًا لقاني جنب صفيحة الزبالة فأخدني رباني مرٌت برهة من الصمت آرادت بهم تطييب خاطره رغم نظرات الألم المتقاطرة من عينيه والتي دائمًا ما تُذكره بحياته البائسة، قطعت وصلة الصمت ونفحات الضيق بتغييرها لهذا الموضوع حتى تَرضي فضولها للمرة الثالثة : - هو الراجل إللي حابسنا ده عايز منك إيه ؟ كانت تسأل عن جعبري بصوتٍ محتقرٍ يحمل الغِل من هذا الرجل، أما عن جابر فكان يُجيبها بصدقٍ وبساطة : - بينتقم لميني ما إن أدلى تلك الكلمات حتى اتسعت حدقتيها مجددًا وهي تهتف بغير تصديق : - بتاعت ميكي !! وإنت عملتلها إيه دي كمان ؟ تدارك جابر استنتاجها الأبله وآجابها بوجهٍ مُنكسٍ لأسفلٍ وطفرات الخزي والندم تحوم حوله : - اتسببت في موتها ... بس وربنا كان غصب عني انتبهت حواسها لحديثه بأهمية ما إن ذكر أمامها عبارة الموت، فهذا يعني أن ما حدث ليس هيِنًا بالمرة، لدرجة أن يحاول جعبري قتله بأية طريقة، اعتدلت بجلستها وهي تسأله بجدية : - اتسببت في موتها ازاي ؟ تنحنح جابر قبل أن يعتدل بجلسته ويبدأ بقصٌ ما حدث متذكرًا تفاصيل هذا اليوم الذي دمٌر حياته.... تتحرك قدماه على طريقٍ وعرٍ داخل طيَات هذه المنطقة الفقيرة، خطواته هائمة وعيناه تُحدقان حوله يُفكر في حياته وفي طريقة يجلب من خلالها الأموال، أو بمعنى أدق يعثر على طريقة تُمكنه من السرقة وتنفيذ تعليمات شفيق الذي يُلقنه كما يُلقن بقية اللصوص وكأنها الطريقة الوحيدة لجني الأموال، فلا يوجد أمامهم طريقة أخرى تُغنيهم عن هذا الفقر وتُصمت معدتهم التي لا تتوقف عن إصدار أصوات الجوع. كان يتحرك بشرودٍ حتى لمح نوعٌ من الطيور وهو طائر البط، فكانت بطة بيضاء اللون تتغنج بمشيتها أمام بناية متهالكة كما بقية بنايات هذه المنطقة، ظنٌ جابر أنها ضالة وآراد إعادتها إلى صاحبها الذي رُبما يقطن تلك البناية؛ أحنى جذعه لأسفل لينتشل تلك البطة عن الأرض ويُحاول هدهدتها حتى تستكين بين ذراعيه ثم يُعيدها من حيث أتت. لكن الرياح أتت بما لا تشتهيه السُفن، فما إن حمٌل البطة عن الأرض حتى رآه أحد الرجال وآشار عليه هادرًا بصوتٍ مُرتفع : - إمسكو الحرامي ده .. ظن الجميع أنه يسرق تلك البطة وسيهرب بها مما جعل الخوف يترصب داخل جابر وجسده بدأ بالارتجاف، فإن أمسكوا به سيتكالب عليه الجميع ويُبرحوه ضربًا عقابًا له على تلك السرقة التي لم يرتكبها، فعلى الرغم من أن جميع تلك المنطقة لصوص، إلى أن مبدأهم الأول هو عدم السرقة من أبناء المنطقة، السرقة فقط خارج المنطقة. لم يشعر بقدميه اللتان جعلتاه يهرول بسُرعة ولا تزال تلك البطة قابعة بين ذراعيه لا يعلم لمَ لم يُلقي به على الأرض، فكأن يديه تشبكتا ولم يعد قادرًا على تحريكهما، كما كانت تلك البطة في حالة من السكون لا تحاول الهرب حتى لا تسقط وتتهشم عظامها الهشة. واصل الركض بين الطُرقات الوعرة إلى أن استطاع الهرب منهم ووصل إلى البناية التي يقطنها ولا تزال تلك البطة بين يديه، ما إن دلف البناية حتى وضعها على الأرض ليلتقط أنفاسه جِراء تلك المطاردة ويحاول تجفيف قطرات عرقه قبل أن تتساقط على عينيه. حدثت تلك الواقعة في إحدى الليالي في وقتٍ متأخرٍ من النوم، وكانت تلك المطاردة سببًا بتهشيم عظامه وشعوره بالإرهاق، كما أنه إذا حاول التبرير لهم الآن فلن يُصدقه أحد وسيُلبسونه تلك التُهمة الكاذبة. ما إن وضع البطة على أرضية البناية حتى تحرك صوٌب حُجرته رغبة في الاستلقاء والنوم، على أمل أن يُعيد تلك البطة إلى موطنها صباح الغد، لكنه لا يعلم أنه لن يستطع إعادتها أبدًا، فما إن أشرقت الشمس واستيقظ من نومه حتى اكتشف أن أصدقائه قاموا بذبحها ليسترزقوا منها ويتناولها على الغداء، فهم لا يعلمون أنها أتت هنا بالخطأ. - بطة !! ... يعني هو بينتقم منك عشان بطة !! هتفت داليا بتلك الكلمات الغاضبة ذات النبرة المُرتفعة ما إن أنهى سرد سبب الانتقام الذي اتضح أنه أبلهًا، وعلى ذِكر البط، وجدها تهتف بتحسرٍ على حظها التعيس : - هو البط ده ورايا ورايا قالتها بناءً على بطة زوجة ضُرغام التي سببت لهم العديد من المشاكل فيما سبق، فيبدو أن البط لن يتركهم وشأنهم أبدًا. لم يكن يفهم جابر ما ترمي إليه وحاول التبرير بقوله : - أصل ميني دي ليها معزة عند المعلم جعبري .... ده غير أنه بيحب البط ومستحيل يخلي حد يمد إيده على البط بتاعه ضربت رأسها بالحائط الذي تستند عليه وهي ترمق السماء ولا تزال تهتف بحسرة : - أخرتها هموت بسبب بطاية ... يارب هو أنا عملت إيه في دنيتي عشان يحصل فيا كدة.. بقيت تندب حظها وتستجدي الدُعاء بجوار جابر الذي لم يكن ينتبه لحديثها وكانت عيناه تزيغان في كل إنشٍ بهذا المخزن حتى لمح إحدى النوافذ التي تطل على الخارج، آعاد حدقتيه نحو داليا وحاول مناداتها بجدية كي تتوقف عن الندب وتنصت إلى حديثه : - أنا عرفت إزاي نهربو من هنا .... _____________________________ أوشكت ساعة الصفر على المجيء وهو لا يزال يدور حول نفسه يحاول اعتصار عقله حتى يُساعده من تلك المحنة، كان الجميع يجلس قبالته بعد ان استمعوا إلى محاولة معتز وإسلام الفاشلة والتي جعلت قمر تسخر منهما بقولها : - عملتو فيها محمد رمضان ... وفي الآخر طلعتو يونس شلبي ... والله كنت حاسة إن الطريقة دي مش هتجيب نتيجة حاول معتز الرد على سُخريتها بدفاعٍ عن نفسه : - على الأقل حاولنا تدخل لؤي بالحديث هادرًا بحدة : - إحنا لو ملقناش حل أنا هبعت قوات خاصة يقبضو عليهم ... يعني إيه مفيش حكومة تدخل المنطقة دي .. من إمتى هنخاف من شوية مجرمين ؟ حاولت قمر تهدئته قبل أن يسقط في التهلكة بسبب غضبه : - إفرض كلامهم طلع صح وعملولكم حاجة ... إنت عارف إن الناس دي مش سهلة، ثانيًا إنت بتخدم في القاهرة مش هنا بدأ الجدال بينهم في محاولاتٍ عدة لإيجاد الحل لتلك المُعضلة، أما عن إسلام، فلا يزال يتجوٌل أمامهم داخل البهو حتى توقف مرة واحدة ليوقف جدالهم بنبرة صارمة حملت قلة حيلته : - إحنا للأسف مفيش قدامنا غير حل واحد !! ... يُتبع ❤💕 إحنا لسة بنقول يا هادي والصراعات الرئيسية لسة مبدأتش أصلًا، وأي شخصيات بتظهر فجأة إعرفو إن ليهم دور فيما بعد، المهم قولولي رأيكم في الفصل وفي الرواية بشكل عام ولو في أي نقد أو أخطاء إملائية مش مقصودة ياريت تقولولي عشان آخد بالي ومتنسوش الفوت 🥰

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرواح ضائعة " أرواح متنقلة 2 "

المؤلف نوران أشرف محمد
2024/06/15 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 0: المقدمة
2024/06/15
الفصل 17: الفصل السادس عشر ( النصف الآخر )
2024/06/15
الفصل 18: الفصل السابع عشر ( ضيوف غير مُرحب بهم )
2024/06/15
الفصل 19: الفصل الثامن عشر ( بداية المعركة )
2024/06/15
الفصل 20: الفصل التاسع عشر ( تبادل )
2024/06/15
الفصل 21: الفصل العشرون ( كشف المستور )
2024/06/15
الفصل 22: الفصل الحادي والعشرون ( مكبلًا بالأغلال )
2024/06/15
الفصل 23: الفصل الثاني والعشرون ( عفريت !! )
2024/06/15
الفصل 24: الفصل الثالث والعشرون ( البوابة !! )
2024/06/15
الفصل 25: الفصل الرابع والعشرون ( أوقعهم العدو )
2024/06/15
الفصل 26: الفصل الخامس والعشرون ( جسدٌ بلا روح )
2024/06/15
الفصل 27: الفصل السادس والعشرون ( العين بالعين والسن بالسن )
2024/06/15
الفصل 28: الفصل السابع والعشرون ( التثبيت )
2024/06/15
الفصل 29: الفصل الثامن والعشرون ( النهاية )
2024/06/15
الفصل 30: أرواح ضائعة ( الخلاصة )
2024/06/15
الفصل 16: الفصل الخامس عشر ( مشفى المجاذيب )
2024/06/15
الفصل 15: الفصل الرابع عشر ( عصيان نتيجته الدمار )
2024/06/15
الفصل 1: ملخص الفصل الأول
2024/06/15
الفصل 2: الفصل الأول ( عد تنازلي )
2024/06/15
الفصل 3: الفصل الثاني ( قرار إجباري )
2024/06/15
الفصل 4: الفصل الثالث ( طلق !! )
2024/06/15
الفصل 5: الفصل الرابع ( عودة الأخ الضال )
2024/06/15
الفصل 6: الفصل الخامس ( تصفية حسابات )
2024/06/15
الفصل 7: الفصل السادس ( لن تخرج حيًا )
2024/06/15
الفصل 8: الفصل السابع ( خائن !! )
2024/06/15
الفصل 9: الفصل الثامن ( قطعة ناقصة )
2024/06/15
الفصل 10: الفصل التاسع ( لصوص )
2024/06/15
الفصل 11: الفصل العاشر ( وقع بين يديه )
2024/06/15
الفصل 12: الفصل الحادي عشر ( اختطاف جماعي )
2024/06/15
الفصل 13: الفصل الثاني عشر ( جاسوس )
2024/06/15
الفصل 14: الفصل الثالث عشر ( ضربة أفقدته الوعي )
2024/06/15
الفصل 31: الرواية الجديدة
2024/06/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة