بسم الله الرحمن الرحيم " لعل الله يُدبرها لك بأفضل مما تتخيل " __________________________ إحذر من أن تضحى سببًا في تحويل الطائر الجريح إلى وحشٍ كاسر ... ظلام دامس طغى أركان هذه الحُجرة القابضة للأرواح، فلا يوجد هنا سوى شياطين الإنس من شتى البُقاع، لا يوجد سوى تلك الصوٌر الغامضة المُرعبة التي تحف الجُدران السوداء وتلك الطاولة التي تنتصفها. وجوه جامدة لا تحمل أيًا من المعاني اجتمعت أمام تلك الطاولة استعدادًا لمناقشاتهم الدائمة والتي لا تُخلف وراءها سوى الفساد والدمار، فكيف لنفسٍ بشرية مُحملة بالضغينة أن تضحى سببًا بإصلاح العالم ؟ صوت حذاءه الأسود يخترق آذانهم وهو يطق بأقدامه داخل هذه الحُجرة كي يقود هذا الإجتماع، فدائمًا ما يتأخر عليهم ويتركهم ينتظرونه أكثر من ساعة أمام تلك الطاولة، ولا يتأخر بسبب مشاغل الحياة، بل هو يتعمد التأخير رغبة في جعل الجميع ينتظره بدلًا من أن ينتظر هو المتأخرون. أزاح أحد المقاعد المترأسة للطاولة كي يجلس عليها ويتقدم بجذعه بنظراته المقتضبة المماثلة لنظراتهم، فكان إيزاك أول من بدأ الإجتماع بقوله المُتذمر باللغة الأجنبية : - يمُكنني ترأس تلك الإجتماعات طالما أن مشاغلك تمنعك من المجيء في مِعادك كانت الغيرة بادية على صوته بسبب رغبته الشديدة بتوٌلي عرش القيادة، لولا هذا الذي حظى على النسبة الأكبر من التصويات لما كان بداله يجلس على هذا المقعد ويتبختر أمامهم. رد عليه طلال ببروده المُعتاد : - يُمكنك أن تنشغل بتنظيف المكتب إذا اغتابك الملل مجددًا صك إيزاك على أسنانه بحدة كاد يهب معها ويهتف بوجه كُتلة الثلج هذه، لولا يد فيرناندو التي أطبقت على رسغه حتى يبقى على مقعدة ولا يُدمر الإجتماع بجداله؛ عاد إيزاك موضعه يكبح جماح غضبه أمام طلال الذي بدأ الحديث بقوله : - كما تعلمون أن ضُرغام قبل وفاته كان يتحدث عن أولئك الذين تتنقل أرواحهم أرخى ستيفن ظهره وهو يُجيب ببرود : - نعم ... لكنه لم يستطع حتى هزم أولئك الحمقى كانت السُخرية تُلطخ كلماته مما جعل طلال يهتف بثقة : - هذا لأنه سلك طريقًا خاطئًا .... نحن لا يجب أن نضحى مثل المتنقلون سأله جيفري باستفسار : - وما الذي يجب علينا إذا ؟ ترك طلال مقعده ليثب قبالتهم هادرًا بخطته بمُكر : - يجب أن نجعلهم في صفنا ... نمحي عقولهم... نخضهم لنا كي يُلبوا رغباتنا ونجعلهم يتجسسون بأرواحهم على الجماعات الكُبرى من اجلنا قطب فيرناندو حاجبيه وهو يهتف باستنتاج : - هل تقصد ... نغسل أدمغتهم ؟! رسم طلال بسمة خبيثة على ثغره وهو يؤكد حديثه : - بالضبط ... هذا ما سنفعله ... __________________________ بدأت بوادر الشروق التي تدل على يومٍ جديدٍ وشمسٍ جديدة تسطع في الأرجاء مُخلفة وراءها العديد من الألوان البديعة وتلك النسمات الرقيقة التي تصحٌب بداية النهار، وعلى الرغم من الهدوء الذي يُحيط العالم في هذا التوقيت، إلى أنه لم يصل إليهم حتى الآن، فالنوم لم يزورهم منذ البارحة حتى قرروا العودة إلى القاهرة على أمل التحدث مع والد داليا وإقناعه بالاعتذار، رغم أن إسلام واثقًا أنه لا يعتذر لكنه على أمل أن يتخلٌى عن مبادئه من أجل حياة ابنته الوحيدة. طرق إسلام باب المنزل وكان معه لؤي ومُعتز لعلهما سيُساعدانه في تلك المُهمة، بقي إسلام يطرق على الباب العديد من الطرقات التي تثائب فيما بينهم لعدم حصوله على القدر الكافي من النوم، فكيف يأتيه النوم وزوجته في خُطر !! وأخيرًا تم فتح الباب بواسطة محمود الذي تعجب من زيارتهم في هذا الوقت الباكر من اليوم، فالساعة على وشك أن تدق السادسة صباحًا، كانت آثار النوم بادية على وجهه وعيناه التي غشاها النُعاس لكنه يفركهما بأصباعه حتى يستطيع رؤيتهم. صافحهم صفاحًا باهتًا حمل نُعاسه وحيرته ثم أدخلهم المنزل وأوصد الباب جيدًا ليدلف ورائهم البهو حيث وجدهم يجلسون بجوار بعضهم يتبادلون النظرات في حيرة وتسائلٍ عن كيفية بدئهم للحديث، فكيف يُخبرونه أن ابنته الوحيدة تم احتجازها في الأسكندرية بين عصابة خطيرة. بعد بُرهة من الصمت والتحديق فيما بينهم تنحنح لؤي قبل أن يبدأ الحديث بهدوءٍ وأدب : - أستاذ محمود إحنااا ... وجه نظرة عابرة نحوهم أخبرتهم أنه لن يستطع المواصلة فرفع عنه إسلام الحرج بإدلاءه للمعلومات بمباشرة تناسبت تمامًا مع طبيعته الفظة : - داليا اتخطفت ... وإللي خطفها مش عايز يسبها غير لما تروح تعتذرله آضاف مُعتز على حديثه مُفسرًا بعض النِقاط : - هو تقريبًا عارفك كويس ... وعايز ينتقم منك بسبب حاجة إحنا مش عارفنا تدخل إسلام ليواصل ببعض الاندفاع : - وإحنا مش هنقدر نسيب داليا معاهم ... دول ممكن يعملولها حاجة ... عشان كدة لازم تيجي معانا اسكندرية كانت نبرته صارمة أدت إلى تضخم رأس محمود وشعوره بالتيه من كم هذه المعلومات التي تتُلى على مسامعه مرة واحدة، فكان يُقطب حاجبيه ويُبادل حدقتيه بينهم حتى أردف بتساؤل : - دا مين دا إللي عارفني ؟ وعارفني منين ؟ آجابه لؤي بهدوء : - لسة مش عارفين ... بس هو اسمه جعبري إزدادت حيرة محمود وهو يعود بظهره للوراء هاتفًا : - إيه الاسم الغريب ده ... أول مرة اسمع عنه تقدم إسلام بجذعه محاولًا استخلاص المعلومات من محمود لعله يتذكر : - حاول تفتكر كدة يا عمي ... مفيش حد كنت بتضايقه زمان في اسكندرية وهو عايز ينتقم منك آجابه محمود بصدق : - مش مجمع الصراحة أصلهم كتير أوي ... بس أكيد قصدكم حد كنت أعرفه أيام المدرسة ... أصل أنا سيبت إسكندرية أول ما دخلت الجامعة تدخل لؤي بالحديث مستخدمًا طبيعته التحقيقية في محاولة لاستخلاص المعلومات : - طب ممكن توٌرينا صوٌر للدفعة إللي كانت مع حضرتك أيام المدرسة أوما محمود رأسه ولا تزال الغرابة تنطلي على وجهه لكنه في النهاية وثب عن المقعد ليدلف حُجرته ويستمر بداخلها بعضًا من الوقت إلى أن خرج ومعه ألبومًا ضخمًا من الصوٌر يحمل فيه ذكرياته وطفولته التي قضاها بالأسكندرية، جلس مجددًا على مقعده ليمد نحوهم ألبوم الصوٌر الذي انتشله إسلام فورًا وبدأ يعبث به هو وكلٍ من لؤي ومُعتز اللذان ساعداه على البحث. حدق بإمعان بتلك الصوٌر التي حمٌلت العديد من الطلبة بمُختلف الأعمار، كان البحث أصعب مما يتخيل خاصة وهم لم ينالوا القدر الكافي من النوم وكانت أعينهم بالكاد تُحدق بتلك الصوٌر. توقفوا عند صوٌر المرحلة الثانوية ليلفت نظرهم صوٌر محمود بزيه المدرسي وتلك النظرة المتنمرة مع الضحكة الساخرة التي دائمًا ما يراها على وجهه، لكن ما لفت نظرهم أيضًا في تلك الصورة، هو ذاك الفتى صاحب الشفاء الوردية المُكنتزة والتي ربما وضع عليها أحمر شفاه، كما أنه كان يضع إحدى رباطات الشعر على خُصلات شعره وكانت يده تٌُحاول انتزاع تلك الرابطة وكأن أحدهم قام بوضعها كما وضع له أحمر الشِفاه هذا. اتسعت حدقتا إسلام في ذهولٍ ما إن أمعن التحديق بهذا الفتى ولمح نظراته المُقتضبة التي يعرفها جيدًا، فتلك النظرات المُحتقرة رآها منذ فترة قريبة، بل وتلك الأعين الواسعة الحادة لا تنفك تذهب عن باله أبدًا، انتهت شكوكه بإصبعه الذي آشار به على ذاك الفتى هادرًا : - ده ... هو ده جعبري أنا متأكد إن هو انتشل مُعتز الصورة من بين يديه ليُحدق بها ويؤكد على حديث إسلام، بينما أمسك لؤي بتلك الصورة ليُريها لمحمود ويسأله : - إنت تعرف الولد ده ؟.... هو ده جعبري إللي خطف داليا ما إن أمسك محمود بالصورة وحدق بهذا الفتى حتى زارته كتلة من الذكريات جعلته يُقهقه بحرارة وعدم تصديق لما يقوله أولئك الحمقى : - جعبري !! ... قالها ثم واصل الضحك أمام نظراتهم الحائرة التي تحاول الاستفسار عن سبب ضحكاته، لكنهم اكتفوا بالصمت حالما انتهى محمود من قهقهته وأحال وجهه للون الحمر مع معدته التي آلمته من كثرة الضحك، بقيت النظرات الحائرة تُطالعه حتى قال : - قصدكم ريهام ؟ قطب إسلام حاجبيه بحيرة سأل معها : - ريهام مين ؟ ... هو اسمه الحقيقي ريهام ؟ واصل محمود قهقته ثم قال : - أيوة ... أصل أمه كانت فكراه بنت، راحت مسمياه ريهام ... ده كان ملطشة الفصل في المعمورة... هو بقى زعيم عصابة !!... يااه على الزمن أنهى حديثه باستذكارٍ ثم واصل سُخريته وهو يقول : - دا إحنا كُنا بنقوله يا ريري كانوا يتابعونه بصمتٍ وعدم تصديق لحقيقة هذا المُجرم، لكنه ما إن أدلى هذه الجملة حتى هتف ثلاثتهم بنفسٍ واحد : - ريري !! التفت إسلام نحو مُعتز ليهمس بأذنه : - لو كانت داليا هنا كانت هتقولك تلات مرات يا سيد بينما كانت الصدمة لا تزال على وجه لؤي الذي أدرك للتو أن التُنمر والسخرية على الآخرين يُمكنهما أن يخلقا وحشًا كاسرًا لا يعرف الرحمة كجعبري، تكوٌنت شُحنة من الغضب داخله وهو يوٌقف سخريتهم ليهتف بصرامة : - خلينا في المهم ... دلوقتي لازم تيجي معانا تعتذر للي اسمه جعبري ده ... عشان لو معملتش كدة ممكن بنتك تتأذي كان حديثه جادًا جعل ابتسامته الساخرة تتلاشى ويبادل حدقتيه فيما بينهم ليلمح نظرات الخوف على ما يُمكن أن يحدث لداليا، وعلى الرغم من أن هذا الخوف لم ينتقل إليه إلى أنه هتف باستخفافٍ لا يُصدق أن من كان يتنمر عليه فيما سبق يُمكنه أن يقتل ويترأس عصابة خطيرة، لهذا السبب أدلى قراره بجدية : - أنا موافق أسافر معاكم ... بصراحة عايز أشوف ريهام لما كِبر أنهى حديثه بلهفة قابلوها بنظراتٍ مُقتضبة جعلته يُعدل من نبرته إلى الخوف الزائف وهو يقول : - وأكيد يعني عشان أطمٌن على بنتي ... أنا معنديش غيرها ... استنو ما البس وثب عن المقعد ليدلف حُجرته ويُبدل ثيابه تاركًا إياهم جالسين في البهو، فما إن اختفى عن أنظارهم حتى أردف إسلام بثقة امتزجت مع قلقه : - أقطع دراعي من هنا لو مكانتش مجيته معانا عشان يتريق على جعبري مش عشان داليا آضاف مُعتز على حديثه بصدق : - دا إحنا جينا نقوله يعتذر عشان اتنمر على جعبري خلانا نتنمر عليه معاه أوقف لؤي هذا النقاش بقوله : - خلينا نحاول معاه تاني ... أكيد هيتنازل عشان خاطر بنته ___________________________ أنفاسٌ عليلة تخترق شدقيها ثم تخرج على هيئة هواءٍ يحمل معه علامات الراحة والسكينة، تثب بجسدها الممشوق أمام المرآة تتفقد خُصلات شعرها الداكنة الكثيفة كما عينيها السوداء الواسعة، كانت ملامحها مُبهمة، لا يعلم المرء إن كانت سعيدة أم حزينة، فالغموض يُحيط بها ويجعلها كتابًا مُغلقًا أمام الجميع، ربما لهذا السبب يراها الجميع كفتاةٍ غريبة الأطوار، أو ربما أتت من العالم السُفلي وداخلها يقبع أحد الجان، فنظراتها المخيفة وهدوئها الغريب أوهمهم بتلك الأوهام، رغم أنها فتاة مثل أي فتاة في عُمرها.. عدلت من هِنداب نفسها وسترتها الواسعة التي اجتمعت مع سروالها الرياضي المُريح، فهي ترتدي من الثياب ما ترتاح بداخله لا تلك التي تُبهر الأنظار، فنظرات الجميع هي آخر ما يهمها بتلك الحياة. تركت حُجرتها الفسيحة والأنيقة لتنسل درجات السُلم داخل هذا القصر فاحش الثراء الذي تقطن بداخله، فهذه الفتاة المدعوة بريتا، هي من أكبر العائلات وأكثرهم ثراءً، إلى أنها حتى هذه اللحظة لا تعترف بهذا الثراء وتحيا حياة بسيطة زاهدة لأنها تؤمن بالطاقة وتطوف إلى عوالم أخرى باستخدام عقلها. أوقفتها والدتها إيفلين ذات الخُصلات الذهبية التي على الأحرى قامت بتغيير لونهم الحقيقي، فهي سيدة من كُبار السيدات تهتم برشاقتها وأناقتها دائمًا، ولا تُعجبها تصرفات ابنتها وثيابها المُهترئة من وجه نظرها، لهذا السبب ما إن رآت ريتا أمامها بتلك الملابس الرياضية البسيطة حتى هدرت بانتقاد : - إيه إللي إنتِ لابساه ده ؟... بذمتِك فيه بنت تلبس كدة توقفت ريتا عن السير ترمق ثيابها التي لا تعلم لمَ لا تروق لوالدتها، فهي حتى ملابس مُحتشمة وليست ممزقة أو مهترئة : - ماله لبسي ؟ .. ما هو كويس أهو لازالت والدتها تنتقدها بكلماتها اللاذعة : - فين ده إللي كويس ؟ ... هو أنا مش لسة جيبالِك لبس جديد ... إشمعنا مسكالي في الهدوم المعفنة دي احتدت ريتا من انتقادات والدتها فرفعت من صوتها قليلًا وهي تهتف بتذمر : - اللبس إللي إنتِ جايباهولي ملزق ومش مُريح_ قطعت إيفلين حديثها باعتراضٍ وصرامة : -على الأقل أحسن من الهلاهيل إللي إنتِ لبساها ... ولعلمِك بقى مفيش خروج باللبس ده، أخرِك تقعدي بيه في البيت كبتت شُحنة الغضب بداخلها وهي تقترب نحو والدتها كي تسألها باستنكار : - يعني إيه مفيش خروج ... أنا لازم أروح السنتر دلوقتي أصرٌت إيفلين على حديثها مستغلة سُلطة أنها والدتها ولن تسمح لها بتشويه صورتهم أمام الجميع، خاصة وهي تعترض على وظيفتها ودائمًا ما ترميها بكلماتٍ لاذعة حتى تترك تلك الوظيفة عديمة الفائدة وتتجه للعمل في شركات والدها. - يعني كلامي هو إللي هيمشي يا ريتا ... ومن بكُرة تجهزي نفسِك عشان تروحي شركة أبوكي ومفيش سنتر تاني... يلا اتفضلي على أوضتك آشارت على السُلم مع آخر كلماتها حتى تُنفذ ريتا تعليماتها وتنصاع لرغبتهم بجعلها تبدأ العمل في وظيفة مملة لا تتوافق مع ميولها ورغباتها، فيكفي أنهم أدخولها كلية التجارة بالإجبار رغم أنها آرادت كلية الفنون الجميلة، وبعد أن تركت الجامعة قررت أن تنفرد بوظيفتها التي تُحبها والتي تفصلها عن هذا العالم، ووالداها حتى الآن لا يفهما ماهية وظيفتها التي تُساعد العديد من الأشخاص على مواجهة مشكلاتهم وزرع بزرة الهدوء والسلام بداخلهم، ويبدو انهم لن يفهموا أهمية هذه الوظيفة أبدًا. أخذت نفسًا عميقًا ثم أطلقته ولا تزال صامدة مكانها أمام والدتها التي لم تتوقف عن إلقاء انتقاداتها وأوامرها التي تُلقيهم يوميًا، ودائمًا ما ينتهي الجِدال بنفس الطريقة، ينتهي بنظرات ريتا الثاقبة الحادة التي صوٌبتها على أعين والدتها وبدأت تستخدم الطاقة وُقدراتها الذهنية حتى .... أحست والدتها بالدوار فجأة وبأن كتلة من الحديد تضرب رأسها بضراوة، ما هي إلا لحظات قليلة حتى اختفى هذا الدوار وداهمتها دوامة من العاطفة الجياشة جعلتها تهتف بحنانٍ بالغ : - إيه يا حبيبتي إللي موقفِك كدة ؟ رسمت ريتا بسمة خبيثة على ثغرها بعد نجاحها في التحكم بطاقة والدتها كما تفعل دائمًا، فقُدرتها التي استمدتها بالممارسة تجعلها تتحكم بعواطف الآخرين وتهمهم بأفكارٍ ومشاعر تختلف تمامًا عن طبيعتهم، وبالطبع لا أحد يصل لتلك القُدرة سوى بالتلقين والممارسة. - كنت رايحة الشُغل يا ماما ... عايزة حاجة ؟ قالتها بوٌدٍ زائفٍ آجابت عليه والدتها التي لا زالت مُغيبة تحت تحكماتها : - لا يا حبيبتي تروحي وتيجي بالسلامة لوٌحت لها ريتا وتركت المنزل على أمل أن تعود والدتها كسابق عهدها حالما تبتعد، ربما ستغضب قليلًا من عصيانها للأوامر، لكنها لن تعرف أبدًا أن ابنتها تتلاعب بمشاعر الجميع وذكرياتهم. استقلت سيارتها الفارهة وبدأت بتدويرها والعدو بها قِدمًا، فهي قد تأخرت على مِعادها ولا تُحب أن تتأخر على حالاتها أكثر من ذلك، تحركت بسيارتها بضع خطواتٍ حتى... داهمتها سيارة أخرى لا تعلم من أين أتت لكنها قطعت طريقها وكادت تصطدم بها لتُحدث حادثة كبيرة لولا وقوفها بالسيارة في الوقت المناسب، ارتعدت فرائسها من الخوف لوهلة مع جسدها الذي ارتد فجأة لكنها تحلٌت بالصمود وبقيت داخل سيارتها التي اصطدمت بالسيارة الآخرى اصطدامة بسيطة جعلت صاحب السيارة يتوقف بها ويترجل منها بنيرانٍ من اللهب تفيض من عينيه. وجدته يضرب على سيارتها بهمجية تبعت كلماته الحادة : - إنتِ يا ست إنتِ ... لو مش قد السواقة بتسوقي ليه ؟ ... مش قولنا تقعدو في البيوت ومتقروفناش ؟ كبتت شُعلة الغضب بداخلها وحاولت المحافظة على هدوءها المعتاد وهي تترجل من سيارتها وتُغلق الباب لتثب أمام الرجل هاتفة ببرودٍ يحمل غلٌها الدفين، ربطت ذراعيها وهي تُجيبه : - نعم ... حضرتك عايز حاجة ؟ إزداد الرجل غضبًا من برودها الذي جعله يواصل الصياح بوجهها ويقول : - أنا عايز حقي ... عايز تمن إللي اتكسر ردت عليه بنفس برودها ودفاعها عن ذاتها : - إنت إللي كسرٌت عليا مش أنا ... يعني إنت إللي غلطان وأنا مش هدفع تمن غلطتك تحوٌل وجه الرجل إلى اللون الأحمر وهو يقول : - مش عايزة تدفعي ... إنتِ حُرة، بس أنا هبلغ البوليس وأخليهم يسحبو الرُخصة منِك هنا وقد فقدت آخر ذرة من صبرها وبدأ شهيقها وزفيرها يعلو في كُتمان إلى أن قالت : - تبلغ عني !! ... ماشي .. أنا هوٌريك غمغمت بتلك الكلمات في قرارة نفسها أمام الرجل الذي لم يتوقف عن سبٌها وسبٌ النساء جميعهن مدعٌيًا بأنهن لا يصلحن للقيادة ويجب أن يبقين في المنزل يتوٌلن أمور التنظيف والطهي، تلك الكلمات العُنصرية جعلتها تزداد غضبًا وتزداد تحديقًا في عينيه حتى.... توقف الرجل عن الحديث وبدأت أنفاسه تتهدج حتى وضع يديه على رقبته بسبب شعور الاختناق الذي داهمه فجأة، فهو الآن يشعر وكأنه على مشارف الموت بعد أن أوهمته هي بموته. تعالى صوت شهقاته لتتراخى أطرافه فيستند بظهره على سيارته بأطرافٍ ترتجف وعرقٍ يتصبب من جبينه، رماها بنظراتٍ متوٌسلة لعلها تنجده لكنه تفاجأ من نظراتها الباردة التي أكدت له أنها سببًا فيما يحدث معه، وجدها تتقدم نحوه بهدوءٍ هادرة بصوتها البارد : - مين بقى إللي قولتلي عايزة تبلغ عنها ؟ كانت تنظر إلى أظافرها بتعنتٍ وهي تتحدث معه وهو لا يزال في حالة من الاختناق يحاول التوٌسل لها كي تُساعده قبل أن يلقى حتفه، تحشرج صوته وهو يسأل : - إنـ.. إنتِ ... عـ...عملتي إيه ؟ أنهى حديثه بثقلٍ فوجدها لا تزال تتحدث ببرودها ونبرتها المُهددة : - أنا دلوقتي هرجعك على طبيعتِك ... أحنت جذعها لتتلاقى عينيها مع عينيه الخائفة وجسده الذي ارتخى على الأرض، زادت من نبرتها المُهددة وهي تقول : - لما ترجع ... تختفي من قُدامي ... ولو فكرت تبلغ عني، إبقى إفتكر إللي إنت حاسس بيه ده كويس أبعدت جذعها عنه لتسبل بعينيها قليلًا تحاول الاسترخاء بعقلها وإبعاد طاقتها وألاعيبها عنه، فكان لا يزال في حالة الاختناق والشعور بأن روحه يتم انتزاعها من جسده، لكنه في أقل من لحظة وجد أنفاسه تعود إليه رويدًا وجسده يتحرر من تلك الانقباضة مما جعله يثب عن الأرض بفرائس ترتعد من الرُعب وكأن تلك الفتاة يتلبسها أحد العفاريت. فتح سيارته بأطرافٍ ترتعش ليستقلها وينطلق بها بسرعة بعيدًا عن نظراتها المُرعبة التي تُذكره بهذا الإحساس الذي لن ينساه أبدًا، فكيف ينسى إحساس الموت الذي يُجربه لأول مرة. عادت إلى سيارتها كي تستقلها بهدوء وتواصل سيرها مع تلك الابتسامة الساخرة على ثغرها، ساخرة من هذا العالم الذي يصر على إغضابها وجعلها تستخدم قُدراتها حتى تثبت للجميع أنها ليست فتاةً ضعيفة تسمح للجميع بالتحكم بتصرفاتها... ________________________ تتبختر على عرشها برداءٍ مُرصع بأنواعٍ من الألماظ واللؤلؤ، ترفع رأسها بشموخٍ أمام شعبها الجليل الذي يحني جذعه احترامًا وتقديرًا لها، فلطالما تمنت هذه السُلطة وهذا المجد الذي يعتمرها في تلك اللحظة، وثبت عن مقعدها لتنسل درجات السُلم ببطءٍ وخيلاءٍ لم يُنقصا من رونقها وتحضرها، تحركت بحذائها اللامع على السجادة الحُمراء التي تفترش هذا الممر الطويل، لا تزال حركاتها شامخة تتبهنس بتلك السُلطة أمام الرجال المصطفين جوارها ينكسون رؤوسهم لأسفل احترامًا وتقديرًا لها. لكن لسوء حظها، كان هناك إنثناءٌ في أحد أماكن السجادة، ذاك الانثناء جعل حذائها يتعركل ثم .... - داليا ... داليا أنا خلاص فتحت الشُباك شهقة مدوية خرجت من جوفها أيقظتها من هذا الحُلم الرائع الذي انتهى بنهاية مأسواية، فحتى حظها السيء لا يترك أحلامها. فتحت عينيها على واقعٍ مريرٍ وتلك الحُجرة المقيتة التي لم تتركها، فقد ظنٌت للتو أنها ملكة تتبختر على عرشها، لكن الحقيقة أنها فتاة تعيسة تم اختطافها واحتجازها لسبب لا تعلمه حتى، فبدلًا من جلوسها على عرشٍ مُريح، تجلس على أرضٍ صلبة في بُقعة مُقززة. فركت عينيها لتُمحي آثار النُعاس وتنتبه لجابر الماثل جوارها بعد أن استطاع فك قيدهما واتجاهه نحو هذه النافذة الصغيرة كي يفتحها، وأثناء محاولاته المستميتة كانت هي تُغط في نومٍ عميقٍ كما لو أنها تنام على فراشها، فدائمًا ما تغفو في اللحظات التي لا يجب أن تغفو بها. حاولت الاعتدال بجلستها كي تسأله باستفسار : - متأكد إننا هنعرف نهرب ؟ أومأ رأسه بثقة ثم قال : - أيوة ... بس بسرعة قبل ما حد ييجي استجابت لتعليماته وحاولت الوثوب عن الأرض وهي تتلفت حولها كي تتأكد أن لا أحد يراهما، سبقها جابر ليقف أمام النافذة مباشرة ثم يقف على أحد الصناديق الخشبية ليمد يده نحوها حتى يُساعدها على صعود هذا الصندوق والهرب من النافذة أولًا. استندت على يده وهي تصعد فوق الصندوق الذي كان مُرتفعًا بالنسبة لها، رفعت قدمها فوق حافة النافذة وما كادت تُخرج جسدها حتى.... دوى صوت طلقاتٍ نارية اخترقت أذنيهما وجعلت الرعب يتدفق في أفئدتهما، تبادلت نظراتهما في هلعٍ أدركا بعده أن هناك دمارًا يحدث بالخارج.... ________________________ توقفت سيارتهم أمام البُقعة المرادة ليترجل منها كلًا من إسلام ولؤي، ومعتز ومحمود الذي يستمع إلى أوامرهم وترجيهم له بأن يعتذر ويتخلٌى عن مبادئه الحمقاء لفترة قصيرة. توقفت أقدامهم أمام جعبري ورجاله اللذين كانوا ينتظرون مجيئهم على أحرٍ من جمر، فهو قد اتفق معهم على ذاك المِعاد وإلا سيتخلص من داليا وجابر، فذكرياته السوداء وماضيه المليء بالتنمر والسُخرية يتمثل أمامه الآن ويجعله يرغب بالتفتيك بكلٍ من تسبب بتشوٌهٍ لحياته وتحوٌيله لذاك المُجرم الذي هو عليه الآن، فلا يولد المُجرم من العدم، هناك العديد من العوامل التي تُساعد على زرع بزرة الإجرام بداخله، أهمها ما يحدث بالطفولة. رسم بسمة منتصرة حاقدة على وجهه وهو يرمق محمود أمامه يقف بين مُعتز وإسلام، بادر لؤي بالحديث متفوٌهًا : - أهو عملنالك إللي إنت عايزه ... فين داليا وجابر ؟ تقدم جعبري خطوة نحوهم ليرمق محمود بنظراتٍ مُحتقرة قال معها : - لسة ناقص الإعتذار تدخل مُعتز ليهتف بثقةٍ حملت بعض التردد : - هو هيعتذر ... مش كدة يا عم محمود ؟ وجه بصره نحو محمود آملًا أن يؤكد على حديثه ويبدأ الإعتذار كما اتفق معهم، لكنه وجد محمود يرسم بسمة على ثغره وهو يتقدم نحو جعبري محاولًا التحدث معه بوٌد : - أه طبعًا .... إيه يا ريري .. لسة متضايق من إللي كنا بنعمله وإحنا عيال ؟ ... يا أخي كنا لسة متفطمناش أطبق جعبري على شفتيه ما إن تذكر هذا اللقب الذي يمقته، فهو قد غيٌر اسمه بسبب هذه السُخرية التي تعرض لها في صِغره. - متقوليش يا ريري قالها جعبري بحدة فحاول محمود هدهدته بمحاوطته بذراعه وكأنه يُحاول عناقه رغم تذمر جعبري : - ماشي يا عم ولا تزعل ... بس إيه شُغل العصابات والجو ده .... والله وكبرت وبقيت زعيم عصابة كان حديثه ودودًا مرحًا جعل أفواههم تُفغر بغرابة، فهذا ليس محمود الذي يعرفونه، هذا ليس سليط اللسان الذي لا يهتم بمشاعر الآخرين، حتى ولو كانت حياة ابنته تدفعه لما يفعل، هو لن يتحدث بتلك الطريقة الودودة أبدًا، وهذا ما أقلقهم للغاية. رسم جعبري بسمة فخورة على ثغره ليرفع رأسه بعدها بشموخٍ أرسل إليه أن الضعيف الذي كان الجميع يسخر منه أضحى الآن صلبًا يهابه الجميع، فهو يتعمد آذية الآخرين حتى ولو كان السبب ساذجًا، وهذا فقط لأنه يفرض سُلطته ويعشق إرهاب الجميع بسبب ماضيه المأساوي والذي تسبب به محمود وبقية الُطلاب، لكن أكثرهم محمود، فهو من كان يدفع الجميع للسُخرية منه. - حقك على راسي ... أنا آسف على إللي كُنت بعمله زمان .... وعشان تتأكد إني بعتذرلك ... هاتلي راسك ابوسها لم يتحرك جعبري قيد أنملة وبقي يستقبل عِناق محمود وداخله لا يزال يحمل له الضغينة والرغبة في الانتقام، هو فقط يتركه يعتذر له أمام الجميع وداخله خُطة ماكرة سيجعل رجاله يقومون بتنفيذها حالما يبتعد محمود عنه، لكنه لا يعلم أن محمود لن يبتعد بتلك البساطة. تحرك كائنٌ صغير داخل جعبة محمود حتى وضع يده داخله ليُخرج جرذًا صغيرًا كان يُدثره داخل جيبه ويحرص على تلقيه نفحة من الهواء في طريقه من القاهرة إلى الأسكندرية، وعندما كان يُحيط جعبري بذراعيه أخرج هذا الجرذ في الخفاء ورفعه نحو عُنق جعبري ليُلقيه داخل ملابسه دون أن يشعر. أحس بشيءٍ يتحرك داخل ملابسه يُصيبه بالقشعريرة، يشعر وكأن هناك ما يقرضه في ظهره ويجعله يرغب بالصراخ، وبحركة تلقائية وضع يده بهلعٍ وراء ظهره ليتحسس هذا الكائن الصغيرة الذي يتحرك بحُرية داخل ملابسه ويجعله يتلوى بذعرٍ كمحاولة لإخراج هذا الكائن من ثيابه. انطلقت أصوات الصُراخ من جوفه وبدأ جسده يتلوٌى في كل مكان مما جعل رجاله يتأهبون بأسلحتهم خوفًا مما حدث لزعيمهم، أما محمود فكان يُتابع ما يحدث بابتسامة شامتة وقهقهاتٍ ساخرة على الحركات المجنونة التي يفعلها جعبري حتى يترك هذا الجرذ ظهره. شهق الجميع في صدمة وكان يغُمغم إسلام بقرارة نفسه راغبًا باللطم على وجنتيه من الكارثة التي ستحدث فيما بعد، بل تحدث الآن. - اقتلوه ... اقتلوهم كلهم صرخ جعبري بتلك الكلمات وهو لا يزال يتلوٌى وُيشير على محمود ثم على رجاله الذين تحوٌلت وجوههم إلى الشدة وأخرجوا أسلحتهم استعدادًا لإطلاق النار، أحنى محمود جذعه لأسفل تفاديًا لهذه الرصاصة الطائشة التي كانت على وشك إصابته في مقتلٍ، أخرج لؤي سلاحه المُتدثر داخل سرواله ليدافع به عنهم تزامنًا مع مدٌ مُعتز لذراعه كي يجذب محمود بعيدًا عن تلك الطلقات الطائشة. لم تتوقف الكارثة هنا، فسرعان ما أتت سيارة رباعية الدفع داخلها العديد من الرجال والأسلحة بقيادة بابلو الذي أتى لإنقاذ رفيقه والانتقام من جعبري رغبة في توٌلي الزعامة بدلًا عنه. ترجل مجموعة من الرجال من تلك السيارة الرباعية لينقضوا على جعبري ورجاله الذين بدؤوا إطلاق النيران لتتبادل الأعيرة بين الطرفين ومن بينهم إسلام ومُعتز ومحمود يحاولون الهرب، ولؤي الذي يطلق رصاصاتٍ من سلاحه ليُدافع عنهم وهُم يهرولون بعيدًا عن هذا العِراك. التحم الطرفين وبدأت النيران تتبادل والجُثث تترامى وتتكاثر من كلا الطرفين، اقتحم رجال بابلو المخزن وطفقوا يسرقون البضاعة الخاصة بجعبري الذي كان لا يزال يتلوى حتى تلقٌى لكمة مليئة بالغل مصوٌبة من بابلو الذي كان يضمر له العدواة. - الضربة دي عشان متفتكرش إنك هتعمل زعيم علينا هرب الجرذ أخيرًا من ملابس جعبري الذي تسطح أرضًا إثر الضربة يتحسس ظهره المليء بالجروح التي تركها الجرذ بأسنانه وحوافره السامة، حتى أنه لم يشعر بهذا الجرح على شفته السفلية من شدة الألم الذي يشعر به في ظهره بسبب هذا الأرعن محمود، ولأن بابلو أصغر سنًا وأكثر رشاقة وصلابة، كان يُمثل الطرف الأقوة بتلك المعركة، لكنه مع ذلك تخطى جعبري الذي يتلوٌى في ألم وواصل السير داخل المخزن عازمًا على سرقة البضاعة وإنقاذ صديقه. كانت حدقتا إسلام مصوٌبة على المخزن حيث تقبع زوجته وهذا الذي يُدعى جابر، لاحظ طيف داليا يخرج من النافذ ويقفز على الأرض بسرعة استشعر معها رهبتها من تلك الطلقات العابرة، هرول بسرعة نحوهما حتى وثب أسفل النافذة هادرًا بهلع : - يلا بسرعة اتحركو ... قفز جابر برشاقة من النافذة ليوجه بصره نحو إسلام متسائلًا : - مين إللي بيضرب نار ؟ أجابه إسلام وهو يجذب داليا نحوه حتى تحتمي به من تلك الطلقات أثناء إجابته لسؤال جابر بذعر : - معرفش ... في عربية كبيرة جات ولقينا ناس بتهجم على جعبري أثناء حديثهم اغتابهم صياحٌ مُرتفع أتى من أحد رجال جعبري وتبع إشارته المصوٌبة نحوهم : - امسكـــوهم سُرعان ما انتبهوا إلى تلك الإشارات فقبض إسلام على يد داليا ليجذبها وراءه بعيدًا عن أولئك الرجال الذين شرعوا بتتبعهم والركض ورائهم، بقيوا يركضون بأقصى ما لديهم حتى سبقهم جابر بسبب سُرعته في الركض وبقي إسلام يركض بُسرعة هو وداليا التي تحاول اللحاق بهم بكل ما أوتيت من سرعة. اقتحموا الزُقاق الضيق وطفقوا يُهرولون بين الأسواق الشعبية وورائهم اثنين من الرجال يركضون ورائهم ولا يُعيرون انتباهًا للمارة الذين يصرخون ويقعون على الأرض إثر دفعات هؤلاء الرجال الهمجيون. قفز جابر قفزة عالية ساعدته على الصعود فوق أحد الصناديق ليخفض ذراعه ويمسك بيد إسلام ليسُاعده على تسلق الصندوق كي يُساعد داليا هي الأخرى على التسلق، كان الصندوق يستند على سورٍ متوٌسط الإرتفاع فرفع جابر قدمه وأمسك بيديه حافة السور ليقفز من الجهة الأخرى بمهارة جعلتهما يُتابعانه بريبة. بادر إسلام بالقفز هو الآخر رغم خوفه ثم حاولت داليا تقليدهم رغم ترددها وشعورها بأنها ستسقط وتتهشم عظامها، لكنها ما إن رآت طيف الرجال يقتربون نحوها حتى شرعت تقفز بسرعة دون أن تكترث لتلك الأفكار، ففي النهاية تهُشم عظامها أفضل من الموت برصاصة في رأسها. واصلوا الركض بين الطُرقات الضيقة ولا زال الرجال يتبعونهم حتى كادت أنفاسهم تنقطع من كثرة الركض. تكاثر الرجال ورائهم حتى انسد الطريق ووجدوا جدارًا شاهقًا يمنعهم من المواصلة، فالخطأ الذي ارتكبوه هو أنهم إقتحموا زُقاقًا ضيقًا خاليًا من السُكان وربما هو فاصلٌ بين بنايتين مهترئتين. تلفت جابر حوله ولم يجد أمامه سوى الرجوع لبضعة خطواتٍ والاحتماء داخل أحد المباني ووراءه كلًا من إسلام وداليا التي تُجاهد لتواصل الركض بمساعدة من إسلام الذي يدفعها ويقبض على يدها جيدًا. صعدوا الدرجات المتعرجة غير مُكتملة البناء ولا حتى مستوية، فمن يصعد عليها يفقد توازنه ويشعر وكأنه سيسقط أرضًا، لكنهم مع ذلك جاهدوا ليصعدوا درجات السُلم وورائهم أولئك الرجال لا يزالوا يتبعونهم وتلتفت داليا برأسها نحوهم في ذعرٍ وقطراتٍ من العرق لا تُفارق وجهها منذ بدأت هذه المطاردة. انتهت الطوابق وأضحوا الآن يقفون على سطح البناية وأمامهم يركض جابر بذات السُرعة التي بدأ بها الركض، بينما كانت داليا تحني جذعها ووجهها تحوٌل إلى اللون الأحمر كما إسلام بالضبط، تشعر وكأن أنفاسها تُسرق منها وقلبها ينقبض وربما يتحطم من كثرة الهرولة، تلتقط أنفاسها بصعوبة وتتحدث بين لهيثها وقطرات عرقها المتساقطة على الأرض : - خلاص ... خلاص مش قادرة حاسة إني هموت خرجت تلك الكلمات من جوفها أمام جابر الذي يتابعهما واثبًا مكانه يلهث أقل مما يلهثان وقطرات العرق تنساب على وجهه، كان صامتًا أمامهما، لكن هذا الصمت انتهى بسرعة حالما استمعوا إلى خطواتٍ تهروٌل على السُلم تسببت بانقباضة في قلوبهم وجعلتهم يتناسون إرهاقهم ويحاولون الركض مجددًا رغم تحطم عظامهم وأرجلهم. وجدوا جابر يهرول أمامهما كالعادة ويقف على حافة السطح ليقفز قفزة عالية جعلته يهبط بقدميه على البناية المجاورة، رفع رأسه بعدها ليُقابلهما ويٌقابل نظراتهما المذهولة من تلك القفزة وداخلهما يدعي لأنفسهما بالرحمة لعدم مقدرتهما على فعل ذلك. - يلا يا جدعان نُطو ... هتف جابر بتلك الكلمات وهو يُشير بيديه عليهما؛ تبادلت النظرات بين إسلام وداليا، حتى دفع إسلام جسد داليا مُشجعًا إياها على تلك المخاطرة : - نُطي يا داليا وأنا هحصلِك أبعدت داليا ذراعه عنها هادرة بتذمر : - ومتنطش إنت ليه ؟ تحجج إسلام بقوله : - عشان أنا راجل ... والمفروض ladies first اعترضت داليا حديثه بصوتٍ يحمل القليل من الغضب : - واشمعنا في دي بقى تقولي ladies first ؟... ما في البيت بتدخل الحمام قبليا ومش بتقولي ladies first كاد يتجادل معها لولا صوت جابر الذي حاول تحذيرهما : - يا جماعة بسرعة قبل ما ييجو ازدادت أصوات الهرولة ورائهما وإزداد معها ذعرهما وهما يرمقان تلك المسافة الشاهقة التي تجعل خفقات قلبيهما تزداد مما جعل أجسادهما ترتجف رُعبًا وذعرًا، قبض إسلام على يدها متفوٌهًا : - طب يلا ... هنط سوا كاد يتقدم بجذعه استعدادًا للقفز بينما تراجعت داليا للوراء وداخلها يُخبرها أنها بتلك القفزة ستلقى حتفها رغم أن المسافة بين البنايتين تكاد تكون مُنعدمة. - لا لا لأ .... أنااا ... صحتي على قدي والله ومش هستحمل النطة دي استمع جابر إلى حديثها المذعور فحاول طمئنتهما بقوله : - منا نطيت أهو ومحصليش حاجة ... وبعدين مش إنتو قولتو إننا قد بعض واصلت اعتراضها وذعرها يزداد أكثر مع كلماتها : - أيوة إحنا قد بعض بس أنا عندي الغضروف والنطة دي ممكن تقعدني إللي باقي من عُمري شدد إسلام قبضته على يدها وهو يحاول طمئنتها بسُخرية : - متقلقيش يا حبيبتي ... لو قعدتي العُمر كله مش هغيظِك ومش هخلي أبوكي يتنمر عليكي بس يلا قبل ما نموت إحنا الاتنين أنهى حديثه بذعرٍ جعل قلبها يزداد خفقانًا وعيناها ترمقان تلك المسافة تحاول حجب ارتجافة جسدها وطمئنة نفسها بأنها ستنجد بذاتها وتهرب من تلك المحنة، فهي ليست محنتها الأولى ولا مطاردتها الأولى حتى، أغلقت عينيها وبدأت الدعاء بقرارة نفسها وتحاول تنظيم أنفاسها لكن فجأة.... انفتح الباب ليتوٌغل منه أولئك الرجال بأسلحتهم المصوٌبة نحوهما، في تلك الحظة اختفت المماطلة واختفى ذعرها من القفز كي ينتقل إلى ذعرها من أولئك الرجال مما جعل إسلام يجذب ذراعها عنوة ويقفز معها على البناية الأخرى حتى أطلقت هي صرخة مدوية أنهتها بسقوطهما على الأرض إثر هذا الاصطدام. التحمت رُكبتيها بأرضية البناية الأخرى وشعرت بألمٍ طفيفٍ يعتمر كاحلها بسبب سقوطها بطريقة خاطئة، وما كادت تتأوه بألمٍ حتى جذبها إسلام بسرعة وبدأ يركض بجوارها على سطح هذه البناية بحثًا عن الباب الذي سيقلهم إلى أسفل. عثروا على الباب أخيرًا وكان بابًا عتيقًا من الخشب المطلي بأحد الألوان العشوائية ذات اللون الأخضر، وما لفت انتباه جابر هو هذا المُفتاح المُرتكز على الباب من الخارج، وضع جابر يده على المفُتاح وحاول انتزاعه عن الباب بكل ما أوتي من قوة حتى وجده يخرج ويرتكز بين أصابعه، فتح بعدها الباب عازمًا على وضعه من الداخل لكنه ينصدم من حقيقة أن المقبض من الداخل تم تحطيمه، أي أن الباب لا يُغلق سوى من الخارج فقط. هرول إسلام داخل البناية أولًا وتبعته داليا بسُرعة، بينما بقي جابر أمامهما على السطح يُخبرهما : - انزلو تحت أنا هعرف أهرب من هنا لم ينتظر اجابتهما وأغلق الباب فورًا ليوٌصده جيدًا ثم يضع المفتاح بجعبته، التفت وراءه ليجد قبالته مجموعة من الرجال يوٌجهون فوهة أسلحتهم على رأسه مباشرة مما جعله يرفع يده باستسلام.... على جهة أخرى من تلك المطاردة التي لم تنتهي بعد، كان لؤي يقف أمام مُعتز ومحمود داخل أحد المخازن الخاصة بجعبري يحاولون تفادي هذه الطلقات بينما يحاول لؤي مهاتفة الشُرطة دون جدوي، فلا تأتي الشُرطة هنا خوفًا من أولئك اللصوص، ولا يُفكرون حتى بالقضاء عليهم، يقسم أنه إذا كان يخدم بتلك المنطقة لما أنهى الجميع هنا، لكنه مع الأسف لا يستطيع التدخل بما يفعله زملاءه. تحركوا بخطواتٍ وئيدة داخل المخزن بين هذه الطلقات حتى كانوا على وشك الخلاص والهرب، وبما أن الرياح تأتي بما لا تشتهيه السُفن، ظهر أحد الرجال أمامهم يرفع سلاحه لأعلى يكاد يهوي به على رأس لؤي من الخلف لولا مُعتز الذي هتف وهو ينقض على هذا الرجل : - خلٌي بالك يا لؤي قبض مُعتز على ذراع الرجل بينما تدخل لؤي وركله في معدته ركلة جعلته يتقوُص من الألم، ثم ركله مجددًا على فكه ركلة جعلته يترنح ويفقد وعيه والدماء تسيل من فمه، تحرك بعدها لؤي صوٌب محمود الذي وجده يُشير على ذاك الرجل بشماتة جعلته يٌقهقه بسُخرية ويقول : - شوف الواد فاكر نفسه فان دام .... وهو في الآخر مدام بقي يُقهقه بسُخرية جعلت الدماء تتدفق بعروق لؤي الذي جذبه فورًا محاولًا كبت شُعلة الغضب من تصرفاته التي وضعتهم في هذا المأزق من البداية، وما كادوا يتحركون خطوة حتى تكاثرت طلقات النيران ورائهم مما جعلهم يُسرعون الخطى للخارج ويحنون جذعهم تفاديًا لتلك الرصاصات. لمِح لؤي أحد الرجال يحاول إطلاق الرصاص عليهم مما أجبره على تصويب سلاحه صوٌب هذا الرجل وتسديد طلقة أصابت صدره وأوٌدته صريعًا، جذب بعدها محمود ومعتز الذي تبعهم نحو السيارة حتى استقلها بُسرعة، فتح محمود الباب المجاور واستقل السيارة هو الآخر بجوار مُعتز، أما عن لؤي فكان يُغلق السيارة ورائهم كي يُخبرهما بصرامة : - إطلع إنت يا مُعتز ... أنا هروح أشوف هُما فين أومأ مُعتز رأسه وآدار السيارة حتى ينطلق بها دون اعتراضٍ على الرغم من الخوف الذي غمره مما يُمكن أن يحدث للؤي، فما إن انطلقت السيارة حتى ارتسمت عوالم الصرامة على وجه لؤي ليتحرك بعدها عدة خطواتٍ قطعتها صوت العصا التي هوٌت على رأسه من الخلف جعلته يسقط مغشيًا عليه، ظهر جعبري من وراءه بأعينٍ تحمل الغِل ويدٍ تحمل العصا ونظراتٍ حادة جعلته يقول : - أنا هوٌريكم إزاي تلعبو مع جعبري.... أمامه التهلكة ووراءه حافة سطح البناية المكونة من خمسة طوابق، فكأنه بالضبط بين النار والاسد، فأما ينقض عليه الاسد ويُفتك به، وأما يسقط من تلك البناية وتتهشم عظامه، ومع ذلك حاول الصمود كما يفعل دائمًا، فهو يواصل حياته لتلك اللحظة بسبب صموده، ولا يعلم لمَ يصمد في حياةٍ لا تُرحب به وتتلذذ بتعذيبه ؟ تراجع بضع خطواتٍ للوراء أمام أسلحة الرجال ونظراتهم الحادة، فُهم يريدونه أن يخضع لهم ويُعيدونه مقيدًا داخل المخزن، لكنه يتراجع ببطء ويتقدمون هم نحوه ليُشدد أحدهم ضغطه على الزِناد استعدادًا لإطلاق النيران ولكي يشعر بالرهبة ويتوقف عن الحِراك. وبالفعل توقف جابر حالما وجد نفسه مُلتصقًا بحافة السور وأمامه الرجال يتقدمون نحوه أكثر حتى .... قفز بأقصى ما لديه على حافة السور ثم يقفز منها مباشرة أمام أنظارهم المُتعجبة، هل قفز من البناية ؟ هل أزهق روحه بيده ؟ كل تلك الأسئلة تعلقت بأذهانهم وجعلتهم يخفضون أسلحتهم لأسفل كي يقتربوا من حافة السور ويوجهوا أنظارهم لأسفل بحثًا عن جُثته، فلا أحد يقفز من تلك البناية ويبقى على قيد الحياة. تلفتت حدقاتهم في كل مكانٍ بحثًا عن جابر لكن الغريب أنه لم يكن له أثر، فكأنه اختفى أو انشقت الأرض وقامت بابتلاعه، تراجع قائدهم للوراء وقرر البحث عنه أسفل البناية، لكنهم للأسف وجدوا الباب موٌصدًا، ولم يلحظوا جابر الذي يثب على حافة أحد النوافذ المفتوحة يتابع طيفهم من بعيدٍ ليتأكد من رحيلهم، فما إن تأكد من ابتعادهم حتى أحنى جذعه لأسفل ليتعلق بحافة النافذة غير مُكتملة البناء حتى يهبط بجسده على الطابق الرابع ثم الثالث حتى آخر طابقٍ بالبناية، وهذا لأنهم يقفون أمام السُلم من الممكن أن يروه. فغرت فاهها وهي تقف أسفل البناية تتابع جسد جابر الذي ينتقل من نافذة إلى أخرى وكأنه من القردة، فما إن وصل إلى آخر طابق حتى قفز برشاقة إلى أسفل ليثب قبالتهما ويلقى نظراتهما المذهولة، لم تمنع نفسها من سؤاله بفضولٍ وبلاهة : - هو إنت كُنت نينجا ؟ ابتسم بفخرٍ وهو يُجيبها : - لأ ... أصل دي مش أول مرة حد يجري ورايا سخرت من شعوره بالفخر على أمرٍ كهذا مما جعلها تقول : - ومالك بتقولها بفخر كدة ولا كأن الشُهرة هي إللي بتجري وراك ما كاد يُجيبها حتى وجدوا سيارة مُعتز تقترب نحوهم وبداخلها محمود يفتح نافذته ليلوٌح بيده نحو داليا التي ما إن رآته حتى تحوٌلت عوالم وجهها إلى الحيرة وبعض الاقتضاب، أما عن مُعتز، فكان يهتف بأمرٍ : - اركبو بسرعة استجابوا لحديثه واستقلوا السيارة في المقاعد الخلفية لينطلقوا بسرعة بعيدًا عن هذا الدمار الذي حدث في تلك المنطقة وقبل أن يلحقهم أولئك الرجال مجددًا، حدق إسلام بكل شبرٍ بالسيارة حتى لاحظ اختفاء لؤي مما دفعه لسؤال : - لؤي فين ؟ آجابه مُعتز وهو ينهمك بالقيادة : - راح يدوٌر عليكم ... لازم نعرف هو فين عشان نمشي من هنا تحركوا بضعة أمتارٍ بالسيارة حتى اقتربوا من ذاك المخزن الذي بدأت عنده جميع الكوارث، أوقفت داليا السيارة بإشارتها الصارمة : - وقف هنا ... أنا هدوٌر عليه استجاب مُعتز لحديثها وأوقف السيارة بأحد الأماكن القريبة من المخزن، سرقت داليا نفسًا عميقًا قبل أن تسترخي بظهرها للوراء وتُغلق عينيها لتُسافر بجسدها بعيدًا أمام نظرات جابر المذهولة التي تابعت جسدها الذي أضحى ساكنًا كالموتى، أما عن روحها، فكانت تتجوٌل وسط الطلقات النارية التي تخترق جسدها ولا تُصيبها لأنها سرابًا، لا يراها أحد ولا يشعر بها أحد. تخطت هذه الجُثث المترامية محاولة أن تمنع عينيها من رؤيتهم وتمنع شعورها بالتقيؤ رغم أنها لن تتقيأ وهي بروحها، حاولت التماسك وهي تتجوٌل داخل المخزن لتتصلب أهدابها فورًا أمام هذا المنظر الذي يتمثل أمامها... فتح عينيه بوهنٍ ولا تزال تلك الطبول تضرب رأسه كما لو كان هناك حجرة ترتج داخل جمجمته، تأوه من الألم إثر تلك الضربة التي خلفت وراءها بعض الدماء المُلتصقة على خُصلات شعره، كانت الرؤية مشوشة لفترة لكنها اتضحت بعدها ليرى جعبري يتمثل أمامه بنظراتٍ مكفهرة وهذا السلاح الذي يحمله بين يديه. وجده يتقدم نحوه لينحني بجذعه ليُقابل جسد لؤي المسجي على الأرض بهذه الحِبال التي تلتف حول يديه المكبلة خلف ظهره، ركع جعبري على رُكبتيه موٌجهًا سلاحه أمام لؤي مع كلماته الحادة : - إنت وصحابك هتدفعوا تمن إللي عملتوه ... وأوٌلكم محمود لم يتحمل لؤي الصمود ووجد قدمه ترتفع لتركل جعبري بمعدته في محاولة منه للهرب؛ إرتد جسد جعبري للوراء إثر هذه الركلة التي زادت من غضبه وجعلته يثب عن الأرض ويُسدد ركلة قوية أصابت صدر لؤي وجعلته يشعر بأضلعه تتفكك، تدفقت الدماء بعروقه وهو يضع قدمه على صدر لؤي ضاغطًا عليه بكل ما أوتي من قوة وغل أمام لؤي الذي يكبت ألمه بنظراتٍ حادة مُقتضبة، رفع جعبري السلاح أمام رأس لؤي مباشرة ليهتف بآخر كلماته : - شكلك هتدفع التمن بدري وضع إصبعه على الزناد وبدأ بالضغط عليه أمام نظرات لؤي الصارمة وتأوهاته المكتومة أمام قدره المحتوم... عادت إلى جسدها بشهقة حادة تبعتها بحديثٍ مذعور : - لؤي في خطر ... إحنا لازم ننقذه بسُرعة توٌغل الذعر بينهم حتى قرر إسلام قطع هذا الذعر بقرارٍ صارمٍ جعله يفتح باب السيارة ويترجل منها هادرًا بأمر : - خليكي هنا يا داليا ... إحنا هنروح ننقذه ... تعالى يا عمو محمود أومأت داليا إيجابًا وبقيت داخل السيارة بينما فتح إسلام الباب الخاص بمحمود مُرغمًا إياه على اتباعهم لأنه سبب هذه الكارثة من البداية، فهو من تسبب بتكوٌين شخصية مُختلة مجرمة كجعبري وعليه أن يدفع ثمن أخطاءه. هرول إسلام وجابر، ومحمود ومعتز بين الطُرقات الضيقة وفقًا للطريق الذي وصفته داليا، كانوا يهرولون بحذرٍ تجنبًا لتلك الطلقات الطائشة حتى وصلوا أخيرًا إلى المخزن حيث يرقد لؤي على الأرض وفوقه قدم جعبري التي طبعت أثرها على سُترته، وكذلك السلاح المصوٌب مباشرة على رأس لؤي استعدادًا لإطلاق النار وإزهاق روحه لولا صراخ أربعتهم في صوتٍ واحد : - لأ ... هرول إسلام نحوه بسرعة كي يهتف برجاء وصوت لهيثه يغمر كلماته : - أبوس إيدك يا جعبري سيبه ... إحنا هنعملك إللي إنت عايزه ... ولو على عمو محمود فأنا هخليه يبوس راسك ويحب على يدك كمان أبعد جعبري قدمه عن صدر لؤي الذي بدأ بالسعال كمحاولة لاستعادة أنفاسه، التفت جعبري نحو إسلام وبقيتهم ليرمقهم بنظراتٍ مُحتقرة انقلبت إلى السُخرية والاستخفاف مع كلماته : - وإنت فاكر يعني إني عايزه يعتذر .. قهقه بسُخرية بعد حديثه ليتقدم بعدها صوٌب محمود ويرميه بنظراتٍ مقتضبة غاضبة جعلت محمود ينكمش على نفسه لأول مرة خاصة وهو يرمق السلاح المصوٌب على معدته حتى التصق به. - أنا عايزه يدفع التمن ... يدوق الذل والإهانة إللي دوقهالي ودمرلي بيهم حياتي ... أنا كرهت التعليم بسببك، كرهت حياتي بسببك ... عارف يعني إيه طفل صغير يكره نفسه وحياته بسبب حيوان زيَك .... عارف يعني إيه أكون عايز أنتحر وأنا في ثانوي عشان كلكم شايفني تمثال مش بيحس عمالين تضربو وتهينو فيه زي ما إنتو عايزين إزدرد محمود ريقه بهلعٍ مع كلماته التي اخترقت صميم قلبه وجعلته يشعر بالذنب، فلأول مرة يلقى نتيجة أفعاله التي دمٌرت حياة شخصٍ كانت حياته هادئة مسالمة فيما سبق، وجد لسانه يردف بصدقٍ هذه المرة وصوتٍ خافتٍ يحمل الكثير من لمحات الخوف: - أنا ... أنا آسف_ قطعه جعبري بصوتٍ مرتفعٍ غاضب : - آسف على إيه ... أعمل إيه أنا بكلمة آسف ... هترجعلي مستقبلي ؟ ... هترجعلي حلمي إللي ضاع ؟ .... أنا كنت عايز أبقى مُهندس، بس بسببك وبسبب إللي زيَك بقيت مُجرم ... خلتوني أكره المدرسة والتعليم لغاية ما خرجت منها .... خلتوني أكره الناس كلها بسببكم... ودلوقتي جاي تقولي آسف !! انفطرت قلوبهم لأجله خاصة وهُم يرمقون تلك الدموع المتحجرة على وجنتيه، ومع تأزم الموقف حاول إسلام استلطافه ومواساته بقوله : - يا جعبري صدقني إللي بتعمله ده مش هيجيب حقك ... إنت المفروض تثبتلهم إنك أحسن منهم_ قطعه جعبري مجددًا ليصرخ بوجوههم بما يفيض بداخله طيلة هذه السنوات : - وليه المفروض أبقى أحسن منهم ؟ ... مفيش حد يستاهل أبقى كويس عشانه استجمع أنفاسه المتلاحقة وحاول الهدوء والثبات كي يرفع سلاحه مجددًا أمام رأس محمود مباشرة استعدادًا لقتله والتخلص منه، فهو قد دمٌر طفولته ودمٌر حياته ويجب أن يتذوٌق من شرٌه ونتيجة أخطاءه، كان محمود ساكنًا أمامه يشعر بأقدامه الرخوة كالهلام وقلبه الذي يكاد يتوٌقف من رهبة الموقف، فهو بالعقد الخمسين ولا يتحمل هذه المشادات، لا يتحمل التوقف أمام خطأه الذي يقسم على تلقينه الدرس، ترتجف أطرافه وتتهدج حصونه حتى أغلق عينيه استعدادًا لموته. تابعه البقية في رهبة لكن جعبري هددتهم بعدم التحرك لأنه في جميع الأحوال سيُفتك به، وربما سيضغط على الزناد بسرعة إذا قرر أحدهم التدخل وإنقاذه، استخدم غلٌه الدفين وماضيه الأسود ليضغط على الزناد حتى ... دوى صوت العصا على رأس جعبري من الخلف جعلته يترنح ثم يسقط على الأرض مغشيًا عليه، التفت الجميع نحو صاحب العصا ليجدوا بابلو واثبًا وراءه يلقي العصا على الأرض ويأمرهم بصرامة : - إخفو من هنا قبل ما يصحى أومأوا رؤوسهم إيجابًا ليمد إسلام يده نحو لؤي كي يساعده على الوثوب وإحلال قيوده ثم تركوا المخزن تباعًا، تقدم جابر نحو بابلو قبل أن يترك المخزن لعله يتشكره على إنقاذه لحياته ومساعدته دائمًا، فكان يُربت على كتفه متفوٌهًا بامتنان : - تُشكر يا صاحبي بادله بابلو بتربيته أخرى قال معها : - العفو ... يلا إمشي من هنا ... وياريت تختفي من اسكندرية خالص ... إنت عارف رجالة جعبري وحبايبه كتير وهينتقموله، وأنا عارف إنك مش قده أومأ جابر رأسه بهدوء ثم رسم بسمة هادئة على ثغره كانت بمثابة الوٌداع الأخير بينهما قبل أن يرحل جابر ويتبعهم صوٌب السيارة، استقل معتز مقعد القيادة وجواره محمود وبقيتهم بالمقاعد الخلفية حتى إنطلق معتز بأقصى ما لديه بعيدًا عن هذا الدمار والعودة إلى حياتهم الهادئة التي لا تدوم لفترة طويلة.... ____________________________ ربما لم تنتهي كوارثهم ومُشكلاتهم، إلا أن الراحة التي يشعرون بها الآن تكفي لجعلهم يتغافلون عما لاقوه طوال اليوم، فيكفي أنهم عادوا بسلامٍ إلى مضاجعهم حتى ولو تدمرت إجازتهم، فسلامهم وآمانهم أهم من أي إجازة يقضونها ويمرحون بها. تهدلت أكتافهم وهم يطئون المنزل بأقدامٍ متوٌرمة وأوجهٍ شاحبة صفراء من كثرة الركض وقلة النوم ناهيك عن أعصابهم التي أتلفت من شدة الرهبة والخوف، كل تلك المشاعر تجعلهم الآن يرغبون في نومة أبدية لا صحوة من بعدها. ترنح جسدها وهي تتوٌغل المنزل حتى التقطتها كوكي التي تنتظر مجيئها على أحر من الجمر، فما إن دلفت داليا حتى جذبتها كوكي بسرعة كي تسألها بذعر : - داليا ...? are you okay "هل أنتِ بخير ؟ " أنا كنت قلقانة عليكي أوي آجابتها داليا بإجهادٍ وصوتٍ حمل بعض السُخرية مما لاقته هذا اليوم : - اسكُتي يا كوكي ... دا أنا جريت جري عُمري ما جريته في حياتي قبل كدة تدخلت قمر بالحديث حتى تسألها بفضول : - عملتي إيه ؟ إحكيلي وهكذا بدأ الحديث بينهن عن تلك المغامرة الشاقة التي أرهقتهم رغم أنها تأخذ الأمور ببساطة وتتحدث عنها كما لو كانت تتحدث عن أحد الأفلام، فهي قد بالغت قليلًا وأظهرت نفسها أمامهن بمظهر الفتاة الخارقة التي فتكت بالأعداء رغم أن الحقيقة أنها لم تتوقف عن البُكاء والنواح.... على جهة أخرى كان يمسك مُعتز بكيسٍ مليءٍ بالثلج كي يُعطيه للؤي حتى يُضمد جرح رأسه، فقد بدأ الصُداع ينهشه مجددًا ناهيك عن دماءه التي جفت على خُصلات شعره. - إنت كويس ؟ سأله مُعتز بقلقٍ فأومأ لؤي رأسه وهو يضع قطعة الثلج على رأسه من الوراء لعل الوجع يهدأ قليلًا. كان إسلام بالُقرب منهما يتحدث مع جابر الذي يقف على عتبة الباب استعدادًا للرحيل إلى وجهة غير معلومة، فقط يُريد الهرب بعيدًا حتى لا يطوله رجال جعبري مرة أخرى، أوقف إسلام حركته كي يسأل باستفسار : - على فين ؟ ارتبك جابر قبل الإجابة لجهله بما سيقول، فقد كانت حدقتيه تزيغان في كل مكانٍ بحثًا عمَ سيقوله، إلى أنه في نهاية أردف بما بداخله: - أي حتة ... المهم أبعد عن هنا ... هشوف لو معايا فلوس أسافر بيها اي بلد تانية أشفق إسلام على حاله خاصة بعد أن علِم بكونه وحيدًا لا يمتلك لأية أصدقاءٍ أو حتى عائلة، لهذا السبب عرض عليه بوٌد : - ما تخليك هنا وتسافر معانا ... أنا عندي ليك شقة محندقة ممكن تسكن فيها لم تزُل عوالم الإبهام عن وجهه وهو يطالع إسلام ولا يعلم ماذا يقول، فهو لا يُصدق هذا العرض ولا يعلم إن كان هذا عرضًا حقيقيًا أم أنها عزيمة ليست إلا، فليس من الطبيعي أن يأتمنوا لصًا مثله ويسمحوا له بالسفر والمكوث معهم، لهذا السبب اعترض ذاك العرض بقوله : - كلك ذوق ... بس أنا مش هقدر_ قطع إسلام حديثه بنبرة صارمة ويدٍ تُربت على كتفه حتى يستشعر جابر جديته بالحديث : - لأ إنت هتيجي معانا ... فيالا جهز نفسِك عشان هننزل القاهرة إنهاردة وجهٌ بعدها الحديث نحو تجمعهم بالبهو رغبة بجعلهم يُنفذون أوامره حتى يتخلصوا من تلك الرحلة المشئومة، فكان يردف بصوتٍ مُرتفع : - يلا يا جماعة ... يلا نقوم نوٌضب الشُنط ... شكل ملناش نصيب في السفرية دي أيدوا رأيه دون مقاطعة ليتحركوا من أماكنهم وعوالم التذمر تطغي على وجوههم، فكان من المُفترض أن تنتهي تلك الرحلة بهدوءٍ وسلامٍ بعد أن يبتاعوا العديد من الأغراض ويسبحوا بالمياه الزرقاء أمام الشمس الساطعة والرمال الذهبية، ليس الهرب من عصابة خطيرة احتجزت بعضهم وهددت البقية !! وثبت داليا عن المِقعد لتلمح والدها الواثب في أحد الأماكن يحمل عوالم الشرود على وجهه ولا يتوقف عن التفكير في جعبري الذي بطريقة ما جعله يشعر بالشفقة على ما حدث معه، لاحظت داليا شعوره بالضيق وهذا ما جعلها تشعر بالسعادة، فهذه أول مرة ترى فيها والدها يشعر بالذنب لما يفعله مع الآخرين. إقتربت نحوه لتُحادثه بصوتٍ هاديءٍ حمل بعض النصيحة : - أتمنى تكون اتعلمت إن كلامنا بيأثر على الناس رسم بسمة هادئة على ثغره ما إن وجدها قبالته في صحة جيدة رغم أنها تعرضت للإختطاف وكانت على وشك التعرض للاغتيال، آحاطها بذراعه وهو يُجيبها بصدقٍ وراحة بال : - إتعلمت ... وإتعلمت كمان إنِك غالية عندي ... دا أنا سيبت القاهرة مخصوص عشان خاطرِك قطبت حاجبيها بعدمٍ تصديقٍ لحديثه الذي جعلها تسأل بشك : - بجد ؟ ... يعني إنت خوفت عليا ؟ أكد محمود على حديثه بصدقٍ نابعٍ من فؤاده واختلط بصوته الحنون الذي جعلها تُرفرف بسعادة : - أيوة طبعًا خايف عليكي ... دا إنتِ بنتي ... دا أنا أعمل أي حاجة عشانِك تحرك معها بضع خطواتٍ أنصت معها لحديثها المُتشكك : - يعني مش هتتنمر على حد تاني ؟ اتسعت بسمته وهو يؤكد حديثها بحنانٍ وبعض الندم الطفيف : - أيوة يا ستي مش هتنمر على حد تاني بادلته ببسمة واسعة ورفعت ذراعها لتحاوطه هي الآخرى بغير تصديقٍ لهذا التغيٌر الذي طرأ عليه فجأة، فهي لا تُصدق أن والدها الذي سخر منها في طفولتها يمتلك بداخله هذا القدر من الحنان، ظنٌت لوهلة أنه سيتغيٌر ويتوقف عن السُخرية من الآخرين، لكن تلك الظنون سقطت مرة واحدة عندما وجدته يقول بمرح : - تعالي بقى ما أقولك جوزِك أبو طويلة ده عمل إيه .... ____________________________ هناك من يُفضل الليل الهاديء المُعبأ بالسكون وأصوات الحشرات الليلية، وهناك مجموعة أخرى، لا تستيقظ سوى في المساء، بل وتقوم بالرقص والغناء وارتكاب المعاصي في مكانٍ يجتمع فيه كل أنواع المجون، فالجميع هنا يتجرع كؤوس الخمر والمُسكرات وبعضهم يستنشق أنواعًٍا من الممنوعات تُذهب العقل وتجعله يُسافر إلى عوالم أخرى، والبعض يتغزل بفتيات ترتدي ثيابًا تكشف أكثر ما تستر، بل ويتمايلون أمام الزبائن بدلالٍ أرخص من شأنهن ومن أجسادهن التي أوصانا ربنا بحمياتها. انتشرت التصفيقات والصافرات الحارة على تلك الأغنية الشعبية التي تتغلغل في كل ركنٍ بالمكان، فكان بعض الرجال يقفون على خشبة المسرح يُلقون أموالهم على تلك الراقصة التي تتمايل بجسدها المليء بالتعرجات أمام الرجال ولُعابهم الذي يسيل بنشوة، وخلف تلك الراقصة كان يوجد العديد من العازفين وأحد المطربين يُغني بصوته العذب تلك الأغنية الشعبية. ومن بين العازفين كان يصدح صوته الذي تبع يداه التي تقرع على الدربوجة بمهارة، فكأنه مُتمرسٌ بتلك المهنة ويُمارسها منذ قديم الأذل، أطلق العديد من الصافرات التشجيعية لتلك الراقصة التي تتغنج أعلى المسرح، بقي حماسه يشتعل حتى انتهى العرض أخيرًا وانتهت فقرة الراقصة التي يأتي الزبائن من أجلها. ترك ميجو دربوجته على مقعدٍ حديدي ليتحرك وراء الراقصة التي تذهب بدورها إلى حُجرة تبديل الأوعية، كان يهتف من خلفها بثناء: - الله ينور يا فنانة ... الناس كانت شوية وهتطلع قلوب من عينيها ابتسمت الراقصة التي تُدعى تيتي ما إن دلفت الحُجرة وجلست أمام المرآة كي تبدأ بإزاحة مكياجها، فكانت تبتسم بتكبرٍ قالت معه : - ما طبعًا لازم يطلعو قلوب ... وإنت فاكرني أي رقاصة ولا إيه ؟ صفق ميجو بكلتا يديه وهو لا يزال يقرع الطبول لها بحديثه : - أيوة يا تيتي يا جامد تجاهلته تيتي وبقيت تزيح مكياجها حتى ظهرت تجاعيد وجهها، مرٌت بُرهة من الصمت قطعها ميجو بقوله الذي تحوٌل إلى الجدية : - بقولِك إيه ياما .... معكيش ألف جنيه سلف ؟ ما إن ذكرها بأنها والدته حتى شعرت بالغضب يتدفق بأوردتها مما جعلها تستدير نحوه كي تشهق شهقة رقيعة قبل أن تنهره : - أما في عينك ... مش قولتلك يا واد متقوليش الكلمة دي تاني اعتذر ميجو ببسمته المعتادة التي قال معها : - ماشي يا تيتي ... معكيش بقى ألف جنيه سلف ؟ آعادت رأسها نحو المرآة وهي تجيبه أثناء نزعها لما تبقى من مكياجها : - هتلاقي عندك في الشنطة ... بس هاتلي معاك من الصنف إللي إنت بتضربه، وإلا ملكش عندي فلوس تاني أنهت حديثها بتهديدٍ استقبله بصدرٍ رحب وهو يفتح حقيبتها وينتشل حفنة من النقود ثم يُغلقها مُجددًا، أومأ برأسه وهو يوافق على شرطها بقولٍ : - من عنيا ... هطير أنا بقى بصق تلك الكلمات قبل أن يترك حُجرة تبديل الأوعية ويضع الأموال داخل جعبته، بقي يتجوٌل قليلًا داخل المُلهى الليلي حتى توقف أمام طاولة مستديرة تجلس عليها فتاةٌ تبدو بمُقتبل العشرين من عُمرها، ترتدي فستانًا كحليًا قصيرًا يبرق لمعانه في الليل، ينسدل شعرها المُسترسل الداكن على كتفيها والذي امتزج مع أحمر شفاهها القاني كما البودرة البيضاء التي تُغطي بها وجهها حتى تظهر حسناء أمام الزبائن، كانت تُدخن من لفافة تبغها في شرودٍ قطعه ميجو الذي آزاح أحد المقاعد كي يجلس بجوارها بابتسامته المُتغزلة : - بقى ينفع القمر ده يقعد لوحده ؟ قالها بعينين تحملان النشوة التي جعلتها تبتسم وتعض شفتيها بخجل، لكنها أخفت خجلها ورغبتها بالتدلل له بقناع الجمود والتعنت، وجدته يضع يده داخل جعبته ليُخرج لفافتين سميكتين من التبغ ويمد إحداهما نحوها متفوٌهًا : - طب خُدي دي بدل إللي معاكي نفثت الأدخنة من جوفها ما إن لاحظت يده الممدودة بهذه اللفافة، أطفأت سيجارتها قبل أن تنتشل منه تلك اللفافة متسآلة : - ده إيه ده ؟ إقترب برأسه وهو يُجيبها بأيدٍ تتحرك في السماء مُفسرة ما يقول : - ده صنف أنا بمسيه ... طيري بينا يا دُنيا أخرج قداحته ليُشعل لها لفافتها ثم يُشعل لفافته المشابهة لخاصتها، أردفت قبل أن تأخذ نفسًا من تلك اللفافة وكان حديثها يحمل مزيجًا من الشك والدلال : - وعلى كدة بقى أنا هطير ؟ إقترب أكثر نحوها ليُحيطها بذراعه ويبدأ التمسيد على كتفها العاري دون أن تعترض لأنها مُعتادة على التقليل من شأنها أمام الآخرين، وخاصة هو، فأمنية حياتها أن تتزوجه وتقطن معه في منزلٍ واحدٍ رغم أنه يراها مُجرد ساقطة بخيثة الثمن، وهي من أوصلت نفسها لتلك المرحلة دون أن تعرف، فمن يبيع جسده للآخرين يجعل صورته تهتز أمامهم وأمام ذاته. - كفاية إنِك طايرة في قلبي قالها بنشوة وصوتٍ مُتغزلٍ جعلها تُقهقه قهقهة رقيعة ثم تستنشق من لفافتها كما يفعل هو أيضًا، كان سيواصل هدهدتها حتى تتطوٌر الأوضاع لكن مكالمة هاتفية قطعت لحظتهما وجعلته يستأذن أمام قهقهتها الرقيعة : - ثواني وجاي تحرك بضع خطواتٍ حتى وقف بالُردهة حيث الهدوء والقليل من الأصوات، أخرج الهاتف ليُغير عوالم وجهه إلى الجدية متفوٌهًا : - ألو ... أتته الإجابة من أحد معارفه على الجهة الأخرى والذي كان يقول بتحذير : - إلحق يا ميجو ... المعلم إدريس هرب من السجن وقالب الدنيا عليك تلاشت عوالم الهدوء عن وجه ميجو وحلٌت الصدمة محلٌها، لأن هذا الخُبر يعني أنه هالكٌ لا محالة.... ___________________________ عادوا إلى موطنهم أخيرًا بعد هذا العناء، فلأول مرة يشتاقون العودة إلى بيوتهم والنوم على مضاجعهم، لكنهم قبل أن يصلوا إلى تلك المرحلة، قرروا الإجتماع لأمرٍ بالغ الأهمية داخل المنزل الخاص بداليا وإسلام، ففي تلك الأيام السابقة حدثت العديد من التغٌيرات، فوالدة داليا قررت أن تترك منزلها وتقطن بمنزلٍ بنفس البناية التي تقطن بها ابنتها حتى لا تبتعد عنها، كما أن عائلة قمر على وشك الانتقال هي الأخرى بعد أن انتهى عقد الإيجار الخاص بمنزلهم. دعونا نترك تلك التفاصيل وننغمس مع هذا الإجتماع الذي يترأسه إسلام وداليا الواثبة جواره حول الطاولة التي تنتصف البهو، أسندت باطن كفها على الطاولة وهي تقول بجدية : - طبعًا كلنا عارفين إن في فرد جديد دخل علينا ... والفرد ده ميعرفش حد هنا غيرنا، عشان كدة لازم نساعده كانت تتحدث عن جابر الذي أتى معهم في تلك البلدة الغريبة بالنسبة له، لعله يبدأ حياة جديدة وينتهي من ماضيه المأساوي، ولأنه وحيدٌ لا يمتلك أصدقاءً ولا آقاربًا، لهذا السبب قرروا أن يتكاتفوا سويًا ليُعاونوه ويُساعدوه بما لديهم من مُدخرات، أكمل إسلام حديثها بنفس الجدية التي أدلى معها بعضًا من أوامره : - أنا فتحتله الشقة إللي في الأرضي، وهقول لابويا مياخدش منه الإيجار لغاية ما وضعه يستقر أكملت داليا حديثه على نفس النمط : - وعشان يستقر لازم يبقى عنده مصدر دخل ... وطبعًا محدش هيقبل يشغله وهو أُمي وكمان معندهوش خبرة أنهى إسلام الحديث مُدليًا آخر القرارات : - فاحنا قررنا نأجر الميني ماركت إللي تحت البيت ونجيب حد يساعده ويعلمه الشُغل.... فعايزين بقى نلم من بعضنا عشان نسدد تمن الإيجار أُمعنوا التحديق به لفترة يحاولون ربط الأحاديث ببعضها، فقد أخبرهم إسلام قبل الإجتماع أن يجلبوا معهم ما يستطيعوا التخلٌي عنه من أموال حتى يُساعدوا صديقهم الجديد، وعلى الرغم من الشكوك التي انتابتهم في البداية حول مساعدة هذا الدخيل الذي رُبما يُشكل خطرًا على حياتهم إلى أنهم في النهاية وبعد أن أدركوا سذاجة جابر وأنه من المُستحيل أن يأذيهم، قرروا مساعدته حالما تتأكد ظنونهم ويثبت لهم أنه يستحق هذه المساعدة، ففي جميع الأحوال سيتم إنفاق هذه الأموال على المتجر ولن يتسلمها جابر مباشرة. قطع صمتهم صوت الهاتف الخاص بداليا والذي أخذ يصدح بصورة تكرارية وتقوم داليا بإغلاقه وعلى وجهها علامات الحيرة من ذاك المُتصل. أخرجت كوكي حفنة من النقود لتضعهم على الطاولة مع كلماتها الهادئة الناعمة كصوتها : - أنا قولت لبابي يديني 15 ألف ... أتمنى إنهم يكفو تقدمت قمر بعدها لتضع على الطاولة مبلغًا من الأموال أقل من الذي وضعته كوكي : - دول خمستلاف كنت محوٌشاهم أدثر مُعتز يده داخل جيبه ثم أخرج رُزمة من الأموال ليضعها على الطاولة متفوٌهًا : - ودول سبعتلاف ... تبعه لؤي وهو يُخرج حفنة من الأموال من جعبته ويضعها بهدوءٍ على الطاولة أثناء قوله : - عشر تلاف ... أظن دول يكفو تنهد إسلام قبل أن يستدير نحو الخزانة الخاصة بالأنتيكات والتي أخفى داخل أحد أدراجها بعضًا من النقود، أخرج هذه الأموال ليضعها على الطاولة متفوٌهًا : - ودول 11 ألف مني أنا وداليا ... إحنا كدة تقريبًا جمعنا المبلغ المطلوب زائد كام ألف زيادة عشان إللي هنجيبه يساعد جابر... جمع الأموال من فوق الطاولة ليضعهم داخل حقيبة جلدية بُنية اللون كانت أسفل الطاولة لكنها الآن فوقها وأمامهم بعد أن ملئها بالأموال، أغلق الحقيبة وهو يدلي كلماته الأخيرة بصرامة : - أنا والشباب هننزل نشوف المحل ونيجي حمل الحقيبة بعدها ليُشير على لؤي ومُعتز كي يتبعانه ويتركا المنزل بينما كانت داليا تمسك هاتفها بعد أن قررت الإجابة على هذه المكالمات التي لم تتوقف منذ عادت القاهرة وبدأت إجتماعاتهم، من الممكن حتى أنها بدأت وهي داخل السيارة في طريق العودة لكنها تقضي هذه الفترة في النوم ولا تنصت أبدًا لهاتفها، وضعت الهاتف على أذنها وهي تقول : - أيوة يا خالتو ... شهقت في صدمة تلاشت معها عوالم وجهها لتقول : - ليه ؟ ... لأ انا كويسة والله ... طيب طيب أنا جاية حالًا أغلقت المكالمة أمام نظرات صديقاتها القلقة والتي قطعتها كوكي بسؤالٍ : - ? what s wrong dalia آجابت داليا بعوالم ذعرٍ لا تزال على وجهها : - ماما معرفش إزاي عرفت إن أنا كنت مخطوفة وضغطها وطي وأغمى عليها ... أنا بجد مش عارفة مين إللي قالها تحوٌل وجهها إلى اللون الأصفر وبدأت تزدرد ريقها وهي تحاول التحجج أمام صديقتها قبل أن تكتشف الحقيقة : - عـ.. عادي يعني يا داليا ؟... يمكن قِلقت عشان إنتِ مش بتردي ومتصلتيش بيها آجابتها داليا وهي تبحث عن حذائها حتى ترتديه قبل أن تترك المنزل : - بس خالتو قالتلي إن في حد قالها بترت كلماتها عند تلك النقطة لترفع بعدها وجهها وتُطالع صديقتها قمر التي لاحظت أنها تتجنب النظر إلى عينيها كما لو كانت اقترفت أحد المصائب، أو أنها من أفشت سرٌها أمام والدتها شديدة الحساسية ورقيقة المشاعر، سُرعان ما انقلبت تقاسيم وجهها إلى الشك والغضب أثناء سؤالها : - قمر ... هي ماما كلمتِك وأنا مخطوفة ؟ تصبب العرق على جبينها وارتجف لسانها أثناء قولها : - إيــه ... مـ.. مش فاكرة اشتمت رائحة الكذب التي تفوح من قمر كرائحة المياه العكرة التي تنتشر في بعض المناطق بصورة مفاجئة، تقدمت خطوتين نحو صديقتها لترمقها بنظراتٍ مُشتعلة وأعين مُتسعة أظهرت شرايينها، رفعت من نبرة صوتها وهي تسأل : - قـــمر ... ماما لما اتصلت بيكي إنتِ قولتلها إيه ؟ آرادت أن تتهرب من الإجابة لكن نظرات داليا ووقوفها أمامها مباشرة منعها من التحُرك قبل أن تعترف، ولأن قمر لا تستطيع إخفاء الحقيقة وجدت نفسها تحاول التبرير لنفسها بكلماتٍ مُترددة : - قــ ... قولتلها الحقيقة قبضت داليا على كتف قمر تزامنًا مع غضبها الذي إزدادت وطأته وآرادت أن تُفتك بصديقتها في تلك اللحظة : - قولتلها إن أنا اتخطفت !! هتفت بتلك الكلمات فحاولت قمر التبرير لنفسها بطريقة جعلتها تبدو وكأنها لم تقترف شيئًا كبيرًا : - اعمل إيه يعني يا داليا ما هي إللي سألتني عنِك_ قطعت داليا حديثها بصياح : - ما كُنتِ قولتلها إني نايمة ولا في مشوار .... تقوليلها إني مخطوفة وفي ناس عايزة تموتني !!... إنتِ متعرفيش إن ماما ممكن تروح فيها ؟ بررت قمر لنفسها مجددًا : - ما إنتِ عارفة يا داليا إن أنا مش بعرف أكدب حركتها داليا بغضبٍ وهي لا تزال تقبض على ذراعها وتهتف بوجهها لتسببها بتلك الكارثة : - على الأقل كُنتِ خبيتي ... فالحة بس تقوليلنا أنا بخلٌي الناس تكشف أسرارها وإنتِ ماشية تقولي أسرارنا للرايح وإللي جاي !! تنهدت كي تستجمع شتات نفسها وتتوقف عن الصُراخ في صديقتها، أغلقت عينيها حتى تتحلٌى ببعض الهدوء ثم تسألها بعدها : - ويا ترى بقى قولتلها كمان إني دخلت جوة جسم حرامي ؟ ... ولا اكتفيتي بموضوع إني مخطوفة زاغت ببصرها في جميع الاتجاهات حتى قررت الإجابة بصدقٍ وصوتٍ خافت : - هو أنا قولتلها بس تقريبًا إفتكرتني بهرتل سقط فك داليا وكانت على وشك الصياح بقمر مجددًا لولا تلك الشهقة التي خرجت من قمر لتتبعها بحُجة تساعدها على الهرب : - يخرابي ... دا أنا نسيت اللوبيا على النار قطبت داليا حاجبيها بذهولٍ سألت معه بصوتٍ مُنخفضٍ حائر : - لوبيا إيه إحنا لسة جايين من اسكندرية ؟ استغلت قمر حيرتها وتخلصت من قبضتها كي تُهرول بالدرج نحو منزلها، أدركت داليا هذه الحُجة التي تختلقها قمر فعاودت ملامح الغضب والتوٌعد تزورها مما جعلها تُهرول وراء قمر كما القط والفأر، فكانت تُطلق السُباب على صديقتها وتركض وراءها تاركة كوكي تجلس بأريحية تشاهدهما وتٌقهقه كما لو كانت تُشاهد عرضًا مسرحيًا.... ___________________________ دقت الساعة الواحدة بعد مُنتصف الليل ولازالوا بهذا اليوم الشاق الحافل بالأحداث، لكنهما الآن يجلسان على مضجعيهما استعدادًا للنوم، فكان إسلام يقف أمام المرآة يُعدل من خُصلات شعره وملابسه كما يفعل دائمًا، فهو على عكس الجميع، يعشق مشاهدة نفسه أمام المرآة وتمشيط خُصلات شعره الذي يعشقه قبل النوم. كانت داليا تجلس على الفِراش تضم ركبتيها على صدغها وعينيها تُحدقان أمامها في شرودٍ أبرز تلك الهالات السوداء التي بدأت تتكوٌن أسفل عينيها من قلة النوم، فهي على الأحرى لم تنم نومة هنيئة ليومين كاملين، إرتمى إسلام جوارها على الفِراش يُزيح الغِطاء كي يندثر بجسده استعدادًا للاستلقاء، لاحظ حالتها الشاردة وجلوسها كما الصنم على هذه الوضعية، لهذا السبب أخبرها بهدوءٍ حمل بعض المرح : - يلا ننام ... اليوم كان صعب أوي إنهاردة بدأ بالاستلقاء أمامها وهي لا تزال في تلك الوضعية حتى أردفت بصوتٍ خافتٍ حمل بعض الخوف : - مش عايزة أنام .... قطب حاجبيه بحيرة من حديثها الذي جعله يعتدل على فراشه كي يستفسر : - داليا إنتِ تقريبًا منمتيش بقالِك يومين ... لازم تنامي آدارت وجهها نحوه كي تهتف بنبرة مُرتفعة : - لأ مش هنام ... مش عايزة أصحى ألاقي نفسي في مكان تاني، مش عايزة إللي حصل إنهاردة يتكرر .... يمكن إنهاردة عرفت أخرج منها بس بعد كدة ممكن أموت بجد انهمرت الدموع من عينيها بعد حديثها الذي ذكرٌها بحياتها المُعرضة للخطر، وما حدث بذاك اليوم والذي تسبب بتدهوٌر حالتها حتى وصلت لتلك الحالة، أدثرت رأسها بين رُكبتيها وهي تتشدق بين دموعها : - أنا كُنت هموت ... كنت هموت ومحدش هيعرف إني مُت كفكفت بعض دموعها وهي ترفع وجهها قبالة إسلام الذي يُطالعها بقلة حيلة، فهو لا يعرف ماذا يقول، حديثها صائب لدرجة تجعله يخشى النوم هو الآخر، يخشى أن يجد نفسه في جسد مُجرمٍ على وشك تنفيذ حُكم الإعدام عليه، يخشى أن تنتهي حياته دون أن يعلم أصدقاءه وآقاربه بذلك، لم يكن يوجد أمامه سوى الإقتراب من جسد داليا وإحاطتها بذراعه محاولًا التهدئة من روعها بقوله : - إحنا مجبورين نستحمل ... عشان إحنا اتخلقنا كدة_ قطعت حديثه بصوتٍ مُرتفعٍ يعترض ما يقول : - بس إحنا لازم نتثبت ... مينفعش نفضل عايشين كدة طول عُمرنا لاحت بُرهة من الصمت بينهما جعلته يبتعد بأنظاره عنها وكلماتها تخترق عقله وتُصيبه بالعديد من التناقضات، فهو موافقٌ على حديثها لكنه لا يعرف الطريقة، يخشى أن ما حدث بالماضي يتكرر مجددًا ويكونا الضحية. - إفرضي حصل زي إللي حصل لبطة .... إفرضي حاولنا نتثبت معرفناش نرجع لجسمنا تاني ذكٌرها بما حدث بطريقة قاسية جعلت الاستسلام يغمرها واليأس يُعذبها، آعادت بصرها أمامها لتُفكر بحديثه بُرهة من الوقت قبل أن تقول ببعض العزيمة : - نـ..نجرب تاني ... نشوف أي طريقة تانية ونتثبت بيها ... يا إسلام والله مش هقدر استحمل إن حياتي تفضل متهددة كدة أنهت حديثها بنظرة مُترجية مصوٌبة نحوه كي يلحظ دموعها المتلألئة وخوفها البادي على أطرافها ودواخلها، لم يجد أمامه سوى التربيت على ظهرها بحنانٍ لأول مرة تراه عليه، فلطالما كان فظًا يأخذ الأمور بسُخرية واستهزاء، إلى أنه الآن يشعر ببعض الخوف من حديثها، يشعر أيضًا بأن حياته مُهددة مثلها، لهذا السبب يُفكر بجدية في هذا التثبيت. - ماشي يا داليا ... هكلم مخيمر عن الموضوع ده وهو أكيد هيساعدنا أومأت داليا في صمتٍ ليست متأكدة من صِدق حديثه لكنها ستترك للأيام فُرصة كي تثبت لها، بعد بُرهة من الصمت وجدته يُغير الحديث بمرحٍ وتعاليه المُعتاد : - وبعدين يا ستي لو صحيتي لقيتي نفسِك في مكان تاني هجيبِك بردو ... إنتِ فاكراني إيه ... دا أنا كشفت جابر من أول خمس دقايق أنهى الحديث بفخرٍ من ذاته جعلها تبتسم ابتسامة خافتة فردت معها قدميها استعدادًا للاستلقاء والنوم هي الأخرى، لكنه لا يزال يُثرثر وراء أذنها وكأنه تناسى حقيقة أنه من المُفترض أن يواسيها ويُطمئنها. - بذمتِك لو أنا إللي نقلت لجسم جابر كُنتِ هتعرفي ؟... دا إنتِ مكنتيش هتعرفي إلا آخر اليوم... تجاهلت داليا حديثه واستلقت بجسدها على الفُراش لتُغطي نفسها بالملآة وتغط في سُباتٍ عميق جعله يُناديها لبضع دقائق حتى أدرك أنها نامت تمامًا؛ استلقى هو الآخر جوارها وآرخى جسده تمامًا وعقله لا يُزال يُفكر بحديثها عازمًا على إيجاد طريقة مضمونة للتثبيت في أسرع ما يُمكن... _______________________ لم يزرهما النوم في تلك الليلة على الرغم من هذه المشاق، فها هما يجلسان بالبهو امام التلفاز يتشاركان الاحاديث الهادئة والمرحة في بعض الاحيان، فلا شيء افضل من هذا الوقت الذي ينتهي فيه المرء من اشغاله ولا يبقى أمامه سوى النوم والراحة. أمامها صحنٌ من الفاكهة تنهمك بتقطيع ثمرة الكُمثري التي تشتهيها في هذا الوقت المتأخر من الليل، فذاك الطفل الذي يختبيء داخل احراشها يجعلها جائعة طوال الوقت حتى ولو كانت نائمة، بل والأغرب انها أضحت تتناول اطعمة لم تكن تتناولها قبل ذلك. - انا هقوم اعمل شاي اعملِك معايا ؟ قالها معتز قبل ان يثب عن الأريكة متجهًا صوب المطبخ تاركًا هذا الفيلم مفتوحًا امام زوجته التي نفت برأسها رافضة عرضه دون أن تنبس ببنت شفة، فهي منهمكة بتناول الكُمثري ومشاهدة التلفاز. امسك معتز بالإبريق الكهربائي ليملاءه بالقليل من المياه ثم يبدأ بإعداد الشاي بالطريقة التقليدية، أما عن كوكي فلم تكن تنتبه له حتى انتابتها وعكة قوية وكأن الأعاصير تضرب بطنها المنتفخة في تلك اللحظة. تركت الصحن على الأريكة لتتقوٌص معدتها ويدها تُملس على بطنها مع تأوهاتها التي بدأت تخرج في صمت، تقاطرت حُبيبات العرق على جبينها والدموع بدأت تتكوٌم على وجنتيها كلما زاد شعورها بالألم. لم ينتبه معتز لتأوهاتها لأنه لم يكن قريبًا، لكنه ما إن انتهى من إعداد الشاي حتى هتف بصوتٍ مرتفعٍ وهو لايزال داخل المطبخ. - اجبلِك حاجة من المطبخ معايا ؟ تقدم نحوها ومعه كوب الشاي دون أن ينتبه الي ظهرها المقوٌص وتأوهاتها الخافتة، فكانت تظن انها وعكة وستمر كما تمر غيرها، فهي قد اعتادت تلك التوٌعكات بالفترة الأخيرة، إنما هذه المرة، لأ تعلم لمَ تشعر أنها تتألم أكثر من كل مرة. فتحت فمها تزامنًا مع شهقة أطلقتها عندما وجدت المياه تتساقط منها دون إرادتها، تزايدت ضربات قلبها وهي تهتف بغير تصديق : - ماية !! ... ماية !! ... استمع معتز الي حديثها الذي ترجمه بطريقة بلهاء جعلته يقول : - عايزة ماية ؟ ... مقولتيش ليه قبل ما اسيب المطبخ ؟ انا عمال اسألك عايزة ايه من بدري تصاعدت أنفاسها وبدأت بالشهيق والزفير بوجهٍ غارقٍ باللون الاحمر، وجدت نفسها تهتف بوجهه بصوتٍ مرتفعٍ حمل انينها : - طلق ... الطلق يا زيزو لم يفهم معتز حديثها لكن فرائسه قد ارتعدت وجعلته يتلفت حول نفسه وبعض القطرات تنسكب من شايه تزامنًا من قوله : - طلق !! ... هو في ضرب نار ولا إيه ؟ وضع كوب الشاي على طاولة قريبة وطفق يلتف حول نفسه متخذًا وضعية الاستعداد كما لو كانوا سيتعرضان لأحد المعارك، فتلك الأحداث المحيطة بهم غرست بداخله هذه الأوهام. لم تتحمل كوكي الصمود أكثر ولو تتحمل ايضًا بلاهة زوجها التي جعلتها تصرخ بصوتٍ كاد يُمزق حنجرتها: - زيزو انا بوٌلـــــد !! .... يُتبع 💕❤ تقريبًأ أطول فصل أكتبه لغاية دلوقتي فإقروه براحتكم لغاية ما الفصل إللي بعده ينزل، والفصل ده يُعتبر نقلة للرواية وهيبقى بداية الأحداث الجد عشان إللي فات ده كله مجرد تمهيدات. المهم قولولي رأيكم في الفصل وفي الرواية بشكل عام ولو في أي نقد أو أخطاء إملائية ياريت تقولولي عشان أحسن من نفسي ومتنسوش الفوت 🥰
نوران أشرف محمد