بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم مِدهم بجُندٍ من عِندك وسخِر لهم ملائكة السماء والأرض واحفظهم بعينِك التي لا تنام " لا تنسوا الدُعاء لأهالي فلسطين 🙏 ____________________________ إذا صدٌقت الخُرافات، تُصبح مجنونًا، وإذا صدٌقت الحقائق ... تُصبح مذعورًا انقبضت أوزاره واحتُقن وجهه وهو يرفع يديه المُرتجفتين في السماء داعيًا ربه في قرارة نفسه ألا يطلق الرجل تلك الرصاصات عليه وينفجر وجهه مُلطخًا أرجاء المنزل بدماءه، بقي مُتصلبًا كالصنم حتى أمره المُلثم بالتحرك في هدوءٍ دون اعتراضٍ حنى لا يُلقيه صريعًا؛ نفذ إسلام أوامره مُجبرًا وبدأ يتحرك بضع خطواتٍ هادئة حتى داهمه المُلثم بسؤاله الحاد : - مراتك فين ؟ حمحم إسلام بارتباكٍ مانعًا تلك القطرات من الانسياب على جبهته وهو يجُيبه بكذب : - مـ...مش هنا ... مش في البيت، أنا لوحدي لم يشأ أن يُعرض داليا للخطر لأنه لا يعلم ما الذي سيفعله أولئك المُجرمون به والذي على الأحرى لن يضحى جيدًا أبدًا، لهذا السبب أخفى حقيقة أن زوجته بالمنزل لعلها تبقى بمأمنٍ بالداخل، لكن هذه الغبية أفشٌت كذبته بصوتها المُرتفع من داخل الحُجرة : - مين إللي برة يا إسلام ؟ أغلق إسلام عينيه وهو يسبها بخفوتٍ في قرارة نفسه، حيث وجدها تترك الحُجرة بعد أن ارتدت سُترة مُحتشمة لترى من الذي يزورهما في وقتٍ متأخرٍ كهذا. ما إن تركت الحُجرة حتى انتفض جسدها بذعرٍ إثر هذا السلاح الذي انتقل ليُصوٌب على رأسها ويجعلها تكاد تهوي على الأرض هلعًا، أمرها المُلثم أن تتحرك بجوار إسلام وما كان أمامها سوى أن تُلبي رغباته دون اعتراضٍ حتى لا تلقي حتفها؛ أخذت تسير بجوار إسلام الذي ينهرها بصوٌتٍ هامس : - إنتِ إيه إللي خرجِك من الأوضة ؟ بررت له داليا بذات الصوت الهامس وهي تسير بجواره اتجاه البهو : - ما انت اتأخرت وأنا قلقت عليك لم يكد إسلام يواصل حديثه معها بتوٌبيخٍ حتى داهمه دفعة قاسية من المُلثم دفعته للأمام حتى الأريكة، فيبدو أن ثرثرتهما كانت تُصيبه بالإنزعاج. اندفع إسلام بجسده صوٌب الأريكة لتتسع حدقتيه بذهولٍ من رؤيته لجابر يجلس هو الآخر في منزلهما وعلى وجهه إمارات الذعر والإجبار، جلس إسلام بجواره كما جلست داليا بجوار إسلام تحاول الاحتماء به من نظرات المُلثمين المصوٌبة نحوهم مع تلك الأسلحة التي تُصيبهم بالذعر. - إنت إيه إللي جابك هنا ؟ سأل إسلام ذاك السؤال بصوٌت هامسٍ ووجهه نحو جابر الذي آجابه بنفس ذات الهمس : - لقيتهم دخلو عليا البيت وجابوني على هنا إقتربت داليا نحوهما لتُشاركهما الحديث بسؤالها الهامس : - هما دخلو إزاي أصلًا ؟ آجابها إسلام بجهل : - معرفش... بس شكلهم دخلو من الباب قطع حديثهم أقدامٌ مهيبة وبزة شديدة السواد مع نظراتٍ ماكرة تُشبه نظرات ناظر المدرسة الغليظ وهو يُعاقب الطُلاب، فلم يكن هذا الرجل سوى طلال الذي أتى منزلهما عازمًا على بدء معركته وتجنيد المُتنقلين لصالحه، كذلك الانتقام لصديقٍ عزيزٍ عليه تم القضاء عليه بسبب هذين الأرعنين ورفاقهما. - مش مهم تعرفو أنا جيت إزاي ... المهم تعرفو أنا جيت ليه ؟ بدأ الحديث بتلك الكلمات الافتتاحية المبهمة التي جعلت ثلاثتهم يلتصقون ببعضهم موجهين نظراتهم نحو هذا الغريب المهيب الذي لا يبدو أنه يضمر لهم الخير أبدًا، جذب طلال أحد المقاعد ليجلس عليه أمامهم مُسترخيًا بظهره للوراء مُخرجًا لغليونه الذي يُلازمة أينما ذهب، أشعل ذاك الغليون ليستنشق منه نفحاتٍ من السموم ويُطلقها على هيئة أدخنة كثيفة كادت تُصيبهم بالاختناق. - هعرض عليكم اتفاق .... تنفذو إللي هقولكم عليه ... مقابل مبلغ كويس يعيشكم العيشة إللي تتمنوها توقف طلال بعد هذه الجُملة التي جعلت نظراتهم تتبادل في حيرة قطعها إسلام الذي تحدٌى خوفه ليسأل بتوتر : - ننفذ إيه ؟ وثب طلال من مقعده وأخذ يطوف حولهم وهو يقول بنبرة مهيبة واثقة : - أنا عارف إنتو بتعرفو تعملو إيه ... عارف إنكم مُتنقلين، عشان كدة بعرض عليكم تشتغلو معانا.... واصل السير حولهم وهو ينفث من غليونه ثم يُطلق الأدخنة في الهواء ويقول : - إحنا شبكة أعمال سرية هدفها خدمة المواطنين والقضاء على إللي يخرج برة طوعنا .... وبما إنكم بتعرفو تتنقلو بروحكم ... وتروحو أماكن سرية من غير ما حد يشوفكم ... فمُهمتكم هتكون مراقبة المجالس الدولية والمُنظمات ... عشان لو فيه خلل في نظام الدولة ... نلحق نصلحه قطب إسلام حاجبيه بحيرة محاولًا تذكر أين سمِع هذه الكلمات من قبل ؟ يتذكر من أخبره سابقًا أنه يقوم بخدمة للأبحاث العلمية وفي النهاية يتضح أن مكنون تلك الأبحاث شيطانيًا هدفه تدمير العالم، لن ينسى أبدًا تلك الذكريات التي جعلته يُبادل نظراته مع داليا حتى تبدأ هي الأخرى بالتفكير فيما يقول وتندفع بنبرة صارمة واثقة : - أااه... هو الفيلم بيعيد نفسه ولا إيه ؟... إنتو فاكرينا عُبط ؟ عايزين تغرونا وفي الآخر تدٌونا على قفانا ... لا بعد إذنك، إحنا شوفنا الفيلم ده قبل كدة .... ومش هنقبل بالعرض ده دعٌم إسلام حديثها بكلماتٍ مُندفعة واثقة : - أيوة ... واتفضل يا أخينا لم رجالتك من هنا عشان فيه لوا وظابط فوق لو قولناله عليكم هياخدكم في دوكا لم تؤثر أي من هذه الكلمات على طلال الذي أخذ يُقهقه بسُخرية على ثقتهما الواهية، تلك القهقهة الشيطانية جعلتهم يرتعدون في خوفٍ ويُدركون جيدًا أن تحديٌهم له ولأفراد عصابته لن يمُر مرور الكرام. توقف طلال عن الضحك ما إن وثب خلفهم يمتد بجذعه للأمام حتى يهمس بأذني داليا وإسلام اللذان ظنا أنهما يتحدٌيانه : - ومين قالكم إني باخد رأيكم ؟ ازدردت داليا ريقها بخوفٍ بينما تحلٌى إسلام بالصمت حتى تدخل جابر مُستفسرًا : - يعني إيه ؟... هو إحنا هنعملوها بالعافية ولا إيه ؟ انتقل طلال بأنظاره نحو جابر ليُربت على كتفه تربيته متوٌعدة قال معها بتهديدٍ صريح : - حاجة زي كدة .... عشان لو منفذتوش إللي بقول عليه .... تقولو مع السلامة لواحد واحد من سُكان العُمارة دي ... وإللي أنا عارف إن كلهم أصحابكم وحبايبكم أخرج سلاحه الأسود من جعبته ليُعمرٌه جيدًا ثم يُلصقه برأس إسلام حتى يُنهي تهديده بهسيسٍ أشبه بهسيس الحية : - ولو فكرتو تفتحو بوقكم وتبلغو عن إللي حصل .... فلازم تعرفو إني لما بقول حاجة ... بنفذها كاد إسلام يهوي على الأرض من شدة هلعه لكنه تماسك قدر الإمكان محاولًا نسيان ما يحدث حوله حتى لا ينفجر باكيًا كالرُضع، آعاد طلال سلاحه داخل جعبته ليُخرج بطاقة من الورق المقوى ويضعها على الطاولة كي يُنهي الحديث بتقرير : - ده الرقم إللي تتوٌصلو بيه معايا ... يومين بالكتير وتكونو جايبنلي الأخبار إللي أنا عايزها... بصق تلك الكلمات بوجههم ثم تحرك ليترك المنزل ووراءه الُملثمين الذين تركوهم غارقين في كهف هلعهم وأنفاسهم المُنقبضة، ما إن تأكدوا من رحيل طلال وأفراد عصابته عن المنزل حتى زفر إسلام الهواء من فمه بأريحية وكأنهم كالفيل الذي جلس على صدره ثم تركه لتعود أنفاسه. لازال الهلع على وجوههم خاصة بعد تلقيهم هذا التهديد الصريح، أمسكت داليا البطاقة وهي تسأل بحيرة : - هُما عرفو منين إننا مُتنقلين ؟... ده مفيش حد يعرف غيرنا ... و.. لم تواصل حديثها بسبب تلك المعلومة التي داهمتها كما داهمت إسلام هو الآخر أثناء قوله : - المُنظمة ... المنظمة إللي كانت بتلاحقنا ... أنا شاكك إن الراجل ده تبعهم قالها إسلام بيقينٍ لتسأله داليا بتيه : - بس المُنظمة عارفاني أنا وإنت بس ... عرفو منين إن جابر هو كمان مُتنقل ؟ فكرٌ إسلام في حديثها لبُرهة من الزمن لم تُساعده على معرفة الإجابة، فكانت نظراته مصوٌبة للأمام وهو يُجيبها بجهل : - مش عارف ... بس شكلهم كدة لسة ملاحقنا... ومش بعيد كمان يكونو بيراقبونا وبيراقبو كل المُتنقلين تدخل جابر بحديثهما ليستفسر : - هنعملو إيه ؟ ... مش كدة ممكن يعرفو إن سُمية كمان مُتنقلة ؟ ربت إسلام على كتفه مُطمئنًا : - إن شاء الله مش هيعرفو ... إرجع إنت على البيت وبُكرة الصُبح نبقى نشوف الموضوع ده أومأ جابر إيجابًا وترك مقعده بجوار إسلام ليترك المنزل عازمًا على أخذ قِسطًا من الراحة والتفكير في تلك المُعضلة بالصباح الباكر، لا يعلم حتى إن كان سيستطيع النوم وحده في تلك الليلة بعدما حدث، يجزم أنه سيبقى مُتيقظًا طوال الليل خوفًا من أن يقتحم أحدهم منزله مرة أخرى. ما إن ترك جابر المنزل حتى بقي إسلام وحده يحني جذعه للأمام مُكتنفًا رأسه بكلتا يديه محاولًا إضمار كُتلة الُصداع التي تُداهمه وتكاد تُمزق رأسه إربًا، لم يكن متأكدًا إذا كان سبب صُداعه هو الرغبة في النوم أو نتيجة الهلع مما مرٌ به، أو من ذاك التهديد الذي رُبما يضحى حقيقيًا، فآخر مرة تعرضا بها للتهديد انتهى بهما الأمر وهُما على شفة حُفرة من الموت. لم تختلف حالة داليا عنه، بل رُبما كانت أسوأ، تبًا لهذا النوم اللعين الذي لم يُرد زيارتها وكأنه يعلم بتلك الزيارة المشئومة، فها هي الآن لن تنام ليلتها ليومين مُقبلين بسبب ما حدث. مدٌت يدها لتضعها على كتِف إسلام متسآلة بقلق : - هنعمل إيه يا إسلام ؟... أكيد مش هنٌفذ إللي الراجل ده بيقوله تنهد إسلام تنهيدة حارقة وهو يرفع رأسه لأعلى بنظراتٍ صارمة قال معها : - لازم نتثبت بأسرع وقت ... ولازم كمان نقول لجابر إنه يتثبت - هنتثبت إزاي وإحنا لسة مش لاقيين إحسان ومش ضامنين إن التثبيت آمان ؟ بقي لبُرهة من الزمن في حالة من الصمت والتخبط حتى استلقى على أحد جانبيه متفوٌهًا بتقرير : - بسيطة .. هندوٌر على إحسان دلوقتي ما إن أنهى كلماته حتى انتقلت روحه العابرة تطوف في الأرجاء بعيدًا عن جسده، كاد يتحرك بعيدًا عن المنزل بحثًا عن إحسان لولا داليا التي استوٌقفته وهي تستلقي على إحدى جانبيها لتنطلق هي الأخرى بروحها لعلها تُساعده بالبحث، تركا جسديهما مُستلقيان على الفِراش لتبدأ بعدها رحلة البحث عن تلك الروح الضائعة.... ____________________________ ظلام دامسٌ حاوٌط هذه البُقعة التي لم تخلو من نعيق الغربال وهسهسة الأشجار مما أضفى أجواءً مُرعبة أكثر مما هي عليه، العديد من الصخور تترامى حولهما والتي نُقش عليها أسماء الموٌتى أسفل هذا الثرى، لم يكن يوجد بتلك المُقبرة سوى الظلام والقتامة التي قد تتسبب بانخلاج الفؤاد عن الصدر من شدة الهلع، تلك المقبرة لم تكن سوى أول مكانٍ يبدأا البحث بداخله عن إحسان، ولم يكن هذا من أفضل الحلول أبدًا خاصة بهذا الوقت المتأخر من الليل. مع اشتداد صوٌت الهسهسة ونعيق الغِربال، اكتنف الرُعب طيٌات داليا وهي تتشبث بذراع إسلام وهي تهمس بأذنه بهلع : - إسلام ... أنا خايفة لا يطلعلنا شبح ولا حاجة رسم إسلام بسمة ساخرة على شفتيه وهو يردع حديثها : - والله يا داليا أنا مش عايز اصدمِك ... بس إحنا أصلًا أشباح تذكرت داليا صِدق كلماته مما جعل فؤادها يهدأ وتقول : - أه صح... تبدٌلت نبرتها إلى اللهفة وهي تلتفت نحو إسلام كي تطلب منه بصبيانية : - طب بما إننا أشباح ما تيجي نروح للبت الخديجة إللي كانت معايا في المدرسة ونخوٌفها ... أصلها كانت بت رخمة أوي كانت بتتنمر عليا وأنا صغيرة أنهت حديثها بحنقٍ وهي تتذكر طفولتها المأساوية والمُتشردة ورغبتها من الانتقام من تلك الفتاة عدوة طفولتها، لكن إسلام أوقف طموحاتها وطلباتها الصبيانية بنبرة جادة : - هو وقته يا داليا ... إحنا لازم نعرف إحسان فين زفرت داليا الهواء من فمها بضيق وواصلت السير بجواره حتى أردفت بنفاد صبر : - أنا زهقت ... شكله مش موجود هنا ... تعالى نروح ندوٌر في مكان تاني.... وهكذا بدأ البحث مُجددًا في شتى البقاع، بحثا في الأسواق والمراكز التُجارية وحتى ملاهي الأطفال والمطاعم والمُستشفيات العمومية والخاصة، طالت مُدة بحثهما لأكثر من ثلاث ساعاتٍ متواصلة حتى داهمهما اليأس والاستسلام، كما أن الصباح بدأ يصبو عليهما، فليس من السهل أبدًا أن يعثرا على شخصٍ واحدٍ دون أي خيطٍ يدلهما عن موقعه، فكأنهما يبحثان على إبرة وسط كوٌمة من القش.... انتهى بهما المطاف وهُما يتحركان في شارعٍ خالٍ من المارة ووراءهما الشمس تبدأ بالشروق مُخلفة وراءها نسماتٍ هادئة عليلة لم تُلطف ولو قليلًا من تلك الغُمة بداخلهما، فكان وجهيهما عابسًا يآسًا وأجسادهما المعنوية تكاد تفيض من الملل والرغبة العارمة بالعودة والتنعم ببعض الراحة. بدأت الطُرقات تعتج بالقليل من الناس ممن يذهبون إلى دوامهم في الصباح الباكر، فمنهم من استقل سيارته ومنهم من قرر أن يجلس على ذاك السور الذي يطل على نهر النيل مُباشرة رغبة بمشاهدة الشروق وتلقي بعض الطاقة الإيجابية كما يفعل ذاك الرجل الذي جلس إسلام بجواره وجلست داليا هي الأخرى كي تُخبره بنفاد صبر : - أنا بجد تعبت ... إحنا لو مسكنا مصر حتة حتة مُستحيل نلاقي اللي اسمه إحسان ده حاول إسلام بثها بعض العزيمة التي لم تكُن عنده من الأساس مما جعله يُخبرها ببعض الحدة : - اعمل إيه طيب يا داليا ... ما هي سُمية دي لو عملت التثبيت وهي ساكتة كُنا خِلصنا بس نقول إيه ... لازم نجبلها حبيب القلب إللي منعرفش هو راح فين - مش هتلاقوه هنا داهمهما هذا الصوٌت الغليظ الذي لم ينتبه إسلام له في باديء الأمر مما جعله يواصل الحديث بنفس اندفاعه : - منا عارف إننا مش هنلاقيه هنا إحنا دوٌرنا في كل حتـ_ قطعت داليا حديثه بعينين جاحظتين مصوٌبتين نحو ذاك الرجل الذي يجلس بجوار إسلام، فكانت تُربت على كتف إسلام وتتحدث ببعض التوتر : - استنى يا إسلام ...هـ...هو .. حضرتك بتكلمنا ؟ التفت الرجل نحوهما لتظهر ملامحه الغليظة وتلك العُصبة السوداء التي يُغطي بها إحدى عينيه لتجعله أشبه بالقراصنة خاصة بملابسه السوداء ونظراته التي تبث الرُعب في النفوس أثناء قوله الواثق : - أيوة بكلمكم ... وبقولكم مش هتلاقوه هنا بصق تلك الكلمات ثم عاود النظر نحو مياه النيل بعد أن ترك حيرتهما مُعلقة في الهواء، فيبدو أنهما وجدا مُتنقلًا آخرًا عن طريق الصُدفة هذه المرة. اعتدل إسلام ليواجهه وبعض اللهفة تغتنمه أثناء سؤاله : - هو إنت شايفنا وسامعنا ؟ رماه الرجل بنظرة ساخرة قال معها بنبرة جافة خالية من المشاعر : - أومل هكون بكلم نفسي تدخلت داليا بالحديث قبل أن تُعقب بتساؤلٍ وفضول : - هو إنت مين ؟ رسم الرجل بسمة مُرعبة على ثغره وهو يُجيبها : - عزرائيل ازدردت داليا ريقها بهلعٍ لتتمسك بكتف إسلام متفوٌهة : - يـ...يلا يا إسلام نمشي من هنا... ده بيقولك عزرائيل جذب إسلام ذراعه بعيدًا عنها مُستطردًا : - استني يا داليا ... أكيد ده مش اسمه، بعدين إحنا مش بنشوف غير مُتنقلين ثم وجه نظراته نحو ذاك الرجل متسآلًا : - هو إنت اسمك عزرائيل ؟ آجابه الرجل بجمودٍ يحمل بعض المهابة : - اسمي حرب ... بس بيقولولي عزرائيل ... ملك الموت أنهى حديثه بابتسامة مُرعبة جعلته يبدو كمُختلًا عقليًا جعل داليا تتشبث مًجددًا بذراع إسلام كي تهمس بأذنه : - يلا يا إسلام بقولك جذب إسلام ذراعه للمرة الثانية محاولًا التهدئة من روعها رغم أن الخوف بدأ يرتابه حيال هذا الرجل العجيب : - اصبري يا داليا شكله يعرف إحسان همست داليا بأذنه مُكذبة حديثه : - وهيعرفه منين يعني_ لم تكد تُنهي حديثها حتى وجدت حرب يقطعها بثقة : - إحسان ميلاد، إللي ساكن في شُبرا مع عيلته، وإللي بيحب واحدة اسمها سُمية... أنا عارفه كويس ... وعارف كمان هو فين اتسعت حدقتيهما في لهفة جعلت إسلام يسأل باندفاع : - فينه ؟ .. بالله عليك لتقولنا عشان إحنا عايزينه ضروري بقيت عوالم حرب جامدة مُتصلبة وهو يلتفت بنظراته صوٌب النيل مُستطردًا باشتراط : - متعوٌدتش أدي لحد حاجة من غير مُقابل .... بس لو عايزين تعرفو إحسان فين ... يبقى تنفذو إللي هقول عليه ظنٌ إسلام أن ذاك هو طوٌق النجاة الذي سيصلهما لبر الآمان، لهذا السبب قرر أن يتنازل بعض الشيء في سبيل البحث عن إحسان، ففي النهاية، من يطلب منهما تنفيذ شروطه ما هو سوى مُتنقلٌ مثلهما، فما يفعلانه يستطيع هو الآخر أن يفعله، لهذا السبب شروطه لن تكن بهذا العُسر وربما تكون أبسط مما يتخيلا حتى. - وإحنا موافقين ... ننفذ إللي إنت عايزه ... وإنت تقولنا على مكان إحسان.... __________________________ انتهى العرض مع شروق شمس يومٍ جديدِ داخل هذا الملهى الليلي الذي ينتهي الدوام فيه صباحًا، طفق ميجو يُزيح دربوجته جانبًا ليضعها داخل حُجرة المُعدات ثم يتحرك فوق الرُدهة المحفوفة بسِجادٍ أحمر من القطيفة، تجاهل اغوائات النساء وهمساتهن ونظراتهن المصوٌبة نحوه، فهو لا يُعيرهن انتباهًا بالفترة الأخيرة ولا يبقى طويلًا بالملهى، فهو حتى بات يشتاق للمنزل أكثر من ذي قبل، ولا يزال ينتظر الفُرصة التي سيجد فيها عملًا آخرًا وينتقل من هنا للأبد. توقفت أقدامه أمام بابٍ أبيضٍ يحمل لافتة عريضة مُزركشة يبرق لمعانها من تلك المُلصقات التي تحمل شكل نجومًا، وضع يده على المقبض كي يفتح الباب بهدوءٍ ويترجل إلى الداخل حيث تجلس تيتي أمام المرآة تنزع ما تبقى من مُستحضرات التجميل ولا تنتبه له بُتاتًا، فحديثها معه بات نادرًا بالفترة الأخيرة، أي بالفترة التي توقف فيها عن المتاجرة بتلك الممنوعات التي يبتاعها لها. - نعم يا موكوس ... عايز إيه ؟ قالتها تيتي بنبرة مُتجهمة أبدت معها مُقتها من الذي يُفترض أن يضحى ابنها الوحيد، علِم ميجو للوهلة الأولى سبب غضبها اتجاهه لكنه أصرٌ على إعادة أوصار العلاقة بينهما، ففي النهاية هي والدته أيًا كانت وظيفتها. - أنا عارف إنك قافشة مني .... بس أنا جاي أقولِك إني مش هوُقف إللي بعمله ... حتى لو هتفضلي مش راضية عني تركت تيتي ما تفعله لتلتفت نحوه مُحادثة إياه بتهكم : - يا عيني عليكي يا تيتي وعلى المنيل إللي خلفتيه ... بقى يا ناقص عشان حتة عيِلة لا راحت ولا جات، تخليك تنسى أصلك وفصلك احتدت ملامح ميجو وهو يُدافع عنها وعن قراره : - أنا مش بعمل كدة عشان حد... أنا من ساعة ما سيبت الكبارية وأنا حاسس بالحُرية ... قبل كدة أنا كُنت محبوس هنا، لازم أبقى و** عشان أرضيكي وأرضي إللي حواليا ... بس أنا خلاص تعبت، تعبت من توب الإجرام إللي كُنت لابسه وهو مش على مقاسي صمت بُرهة عن الحديث ليستجمع شتات نفسه ويُنهي الحديث بهدوءٍ وتقرير : - أنا خطبت شمس، وقُريب أوي هنتجوز .... ولو عايزة تيجي الفرح أهلًا وسهلًا بصق تلك الكلمات بجفاء وكاد يرحل بعدها، لولا تيتي التي استوقفته متفوٌهة : - استنى خُد عندك ... التفت ميجو نحوها ليجدها تقترب نحوه بخطواتٍ هادئة أوقفتها حينما وثبت أمامه مباشرة تُحدق بعينيه لأقل من ثانية حتى رسمت بسمة هادئة على ثغرها وهي تقول : - ألف مبروك يا عريس تفاجأ ميجو من ردة فعلها وبقي مُتصلبًا أمامها يعتقد أنها تمزح معه أو ربما تسخر منه، لكنه يجد ابتسامتها تزداد اتساعًا بعد أن لاحظت عوالمه المصدومة والتي جعلتها تقول مؤكدة على حديثها : - مالك ؟... فاكرني مش هوافق على الجوازة دي ولا إيه ؟ ... وأنا مالي أساسًا ... اعمل إللي تعمله، إنت بقيت شحط ومسئول عن نفسك تصلبت عوالم ميجو في ذهول قطعه بحديثٍ مُتشكك : - يعني إنتِ مش هتعايريني ومش هتقوليلي إنت ابن كبارية وكلام من ده قهقهت تيتي قهقهة رقيعة ساخرة من حديثه وهي تقول مُكذبة : - لا تعايرني ولا اعايرك الهم طايلني وطايلك ... كل واحد يشيل شيلته، وطالما شمس من اختيارك يبقى أنا مليش فيه تراقص قلبه من السعادة التي ظنٌ أنه لن ينالها أبدًا، فقد كان يتوٌقع أن تلك اللحظة سيقطع فيها علاقته بوالدته ولن يراها مُجددًا، التفتت تيتي نحو السراحة لُتزيح ما تبقى من مُستحضرات التجميل بينما كان ميجو يردف بسعادة بالغة : - تيتي ... هو ... هو ينفع احضنِك ؟ لا يتذكر آخر مرة عانق فيها والدته لهذا السبب كان يسألها ليُعبر لها عن مدى سعادته. التفتت تيتي نحوه مُجددًا وهي توافق على حديثه بقهقهتها البسيطة والتي قالت بعدها بموافقة : - إحضن يا خويا منا بحضن الغريب مجتش عليك يعني قالتها وهي تقترب نحوه لتضمه لعناقها الأموي الذي ما كاد يتلذذ به حتى داهمته دوامة من الغيرة والغضب إثر حديثها. - إيه ياما الكلام ده ... حد يقول كدة لابنه ؟ أكدت على كلماتها دون مبالاة لغيرته الطاغية : - يا خويا ما إنت عارف إللي فيها زادت غيرته وهو يهتف : - أيوة يا تيتي متفكرنيش بقى ... ما تخلينيش أحس إني قُرني... وهكذا دار الحديث بينهما ما بين مُزاحٍ وجدية دون أن ينتبها لتلك الواثبة بجوار الباب والتي تُدٌعى كارمن، كانت تسترق السمع جيدًا لحديثهما حتى تأكدت أن ميجو على مشارف الزواج بتلك الساذجة من وجهة نظرها، تلك التي سرقت فتى أحلامها ولا يجب أن تدعها دون أن تُلقنها درسًا.... ______________________ لازالت روحهما العابرة تجوب المكان حتى توقفت أمام منزلٍ كبيرٍ يبدو عليه الثراء، فكانت أمامه حديقة واسعة يحفها سوٌرٌ عريض من الحديد الأسود الصلب، لكنهما اخترقا هذا السور بسهولة ليتوقفا داخل الحديقة أمام المنزل مُباشرة وأمامهما حرب يقص عليهما مُهمتهما والتي سيُخبرهما عن مكان إحسان بعدها، فكان يُشير على المنزل وهو يقول بطريقة قائد الحربية الذي يشرح لفريقه خطتهم : - في واحد ساكن هنا لوحده ... عايزكم تراقبولي كل حاجة بيعملها .... هو دلوقتي مش في البيت، فعايزكم تقوليلي مداخل ومخارج البيت كلها ... وتعرفو كمان هو هيرجع من برة إمتى بالظبط... مفهوم ؟ أنهى حديثه بصرامة ليُعقب إسلام متسآلًا : - بعد إذنك يعني ... ما إنت ممكن تعمل كدة بنفسك، ليه إحنا بالذات نعمل كدة ؟ آجابه حرب بلكنته الغليظة ومنكبيه العريضين كجدار برلين، والذي جعل من هيئته أكثر مهابة خاصة مع ثيابه القاتمة المُتدرجة ما بين الرمادي والأسود : - أنا عندي مشوار مُهم ... هخلصه تكونو إنتو خلصتو المُراقبة هنا كاد يرحل لكن داليا استوُقفته بسؤالها المُستفسر : - وهو إحنا هنراقب الراجل ده ليه ؟ أخذ حرب نفسًا عميقًا ثم أطلقه قبل أن يُجيبها : - عشان الراجل ده معرفة قديمة، أنا وهو صحاب من الطفولة ... وعايز اعمله عيد ميلاد مفاجيء... عشان كدة عايز اعرف هيرجع البيت إمتى عشان اعرف المفاجئة تبقى على إمتى نزلت عليهما كلماته كسيلٍ من الأمطار الباردة التي تُرطب من قيظ الأجواء، فالطلب اتضح أنه أبسط مما اعتقداه تمامًا، بل أن كلماته زادت من حماسهما وجعلتهما يتحمسان لمُراقبة هذا الرجل جيدًا حتى يُنفذ صديقه أفضل عيد ميلادٍ ومفاجئة على الإطلاق. هكذا انتهى الحديث بينهم ليرحل حرب ويتركهما يدلفان المنزل الفسيح لتُداهمها تلك الأرائك العصرية والصيحة الأوروبية، العديد من اللوحات التشكيلية مُعلقة على الجِدار مع القليل من المزهريات البسيطة الخالية من الأزهار، كان المنزل نظيفًا لدرجة أنه لا يوجد ولو ذرة تُرابٍ واحدة، كما أن كل شيءٍ بمكانه المناسب كما لو أنه تم تنظيفه مُنذ ساعاتٍ قليلة. تجوٌلت داليا بأركان المنزل بعوالم مذهولة جعلتها تتوقف عند حُجرة الطعام خاصة أمام هذا البراد الرمادي العريض الذي يمتاز بخاصية تحديد الحرارة ويوجد تلفازٌ صغير على الباب، ملٌست داليا على هذا البراد وهي تقول : - الله ... إسلام بالله عليك هاتلنا تلاجة زي دي جذبها إسلام لتترك حُجرة الطعام موٌبخًا : - هو وقته ... خلينا نخلص من الحوار ده زمجرت داليا بضيقٍ لكنها في النهاية اتبعت إسلام حتى توقفا بمُنتصف البهو يتفحصا كل شِبرٍ به لعلهما يلتقطان شيئًا عجيبًا يُخبرهما عن شخصية مالك المنزل حتى يستطيع حرب ابتياع الهدية المناسبة له. يتحرك إسلام داخل البهو مُتفحصًا الشاشة العريضة والطاولة الرمادية وتلك اللوٌح التشكيلية التي لا تبدو ذات أهمية، فيبدو أنها للزينة فقط ولا تُشكل أهمية بالنسبة لمالك المنزل، إلى أن داليا كانت تتفحص حُجرة النوم حتى وجدها تنطلق من الحُجرة هادرة بلهفة : - إلحق يا إسلام ... أنا لقيت مُسدس وكاتم صوت جوة .... شكله كدة مُسدس حقيقي التفت إسلام نحوها ليتقدم صوٌبها بضع خطواتٍ كي تستمع إلى ثناءه : - قشطة ... يبقى كدة بيحب المُسدسات - وفي حاجة كمان هكذا أخبرته بلهفة حتى استدار لها مُجددًا ووجدها تقول : - لقيت بيچامة عليها سبونچ بوب قطب إسلام حاجبيه بحيرة وهو يُغمغم : - سبونچ بوب ومُسدس !! ... ده إيه الراجل الغريب ده ؟ ثم رفع رأسه نحو داليا متفوٌهًا : - دوٌري كمان يمكن نلاقي حاجة تاني ... وأنا هدوٌر هنا استجابت داليا لحديثه وبقيت تبحث داخل الحُجر بينما كان يتحرك هو بهدوءٍ داخل المنزل إلى أن داهمه بابٌ صغيرٍ يقبع خلف المدفئة ويطل على الخارج مباشرة، فربما هو خندقٌ صغيرٍ لإلقاء النُفيات وإلقاء شيءٍ آخر، فهذا الباب الصغير يقع أسفل السُلم ورُبما هو أقل من مستوى السطح بعِدة طبقات، لكن هذا لا يُهم، ما يُهم أنه مُناسب للغاية لدخول المنزل سرًا وتهيئة المكان لتلك المفاجئة. استمع إلى صوٌت خطواتٍ تصدح وراء أذنه ولم يكن صعبًا عليه معرفة هذا الصوت الخاص بزوجته : - لقيت حاجة ؟ أومأ إسلام رأسه وهو يُشير على الباب متفوٌهًا بلهفة : - أيوة ... لقيت باب سري .... ممكن حرب يدخل منه ويعلق زينة المفاجئة.... وهكذا استمرت مراقبتهما للمنزل حتى أوشك الليل على المجيء ودقت الساعة السادسة مساءً، فقد تجاهلا أشغالهما اليومية وبقيا في ذاك المنزل عدة ساعاتٍ حتى عاد صاحبه في تمام الساعة الخامسة والنصف، ها هُما الآن يقفان أمام حرب مُجددًا وأمام ذاك المنزل الأنيق. لم يتخلٌى حرب عن صرامته وهو يسألهما عن نتائج المُراقبة ويُجيبانه بصدقٍ وصراحة حتى أخبراه عن كل ما يخص هذا المنزل بما فيهم المُقتنيات والمداخل والمخارج وحتى الحُجر من الداخل، لم يبدو على حرب أي من عوالم اللهفة أو الامتنان، بل أن عوالم الجفاء لم تُزل عن وجهه حتى أخبره إسلام مُنهيًا تقريرهما : - رجع البيت الساعة خمسة ونُص بالثانية همهم حرب بتفهمٍ وكأنه يُمعن التفكير بحديثهما وكيف سيتطابق مع ما يُريده، بعد بُرهة من الصمت سأل إسلام : - فين بقى إحسان ؟... إحنا بقالنا اتناشر ساعة بنراقب الراجل جوة زي ما اتفقنا و_ لم يكد يُنهي تذمره حتى قطعه حرب بكلماتٍ جافة واثقة : - في السيرك ... صاحبكم في السيرك الإيطالي بصق تلك الكلمات ثم رحل بعيدًا على أمل ألا يراهما مُجددًا، التفتت داليا نحو إسلام لتُخبره بعدم تصديقٍ عن تغافلهما عن هذا المكان، فقد سألا إيناس عن الأماكن التي يُحبها إحسان وكذلك سألا سُمية، لكن أثناء البحث، تبخرت تلك المعلومات التي حصلا عليها وبدأا يبحثان في أماكن أخرى ربما يمقتها إحسان من الأساس. - أيوة صح ... ده سُمية كانت بتقول إنهم كانو بيروحو السرك سوا قبض إسلام على يدها وهو يتحرك معها للأمام متفوٌهًا : - طب يلا بينا عشان منضيعش وقت اكتر من كدة.... ____________________________ العالم أشبه بسيركٍ كبيرٍ يقوده زعيمٌ يتوٌلى سير الأمور ويُنبيء الجميع بالعروض المتاحة، قد تجد من يواجه الأسود بصدرٍ رحبٍ حتى باتت تلك الأسود كالقطط الوديعة، تجد من يلهو بالنيران رغبة بسماع شقهات الجميع المذهولة، وتجد كذلك من يُحلق في الهواء مؤديًا حركاتًا متناغمة متناسقة جعلته ينسى ما حوٌله ويُركز على تلك الهالة التي تُغرقه في عالمٍ ساحرٍ خلاب، وبين هذا كله، يوجد من اختار ارتداء الألوان المُبهجة والقيام بحركاتٍ بسيطة هدفها فقط رسم البسمة على الوجوه، تلك هي الحياة أيها القاريء المغوار، من يتحدى الصِرعات بصدرٍ رحب، ومن يسلك المخاطر رغبة في الحصول على انتباه، ومن يكتفي بالسفر بعيدًا بعقله ونسيان ما يحدث من كوارث، ومن يُسخر حياته لإضفاء السعادة على الوجوه، ومن يختار المشاهدة من بعيد والتعليق على أداء الآخرين. لم يجد ذاته بين تلك الشخصيات التي تُقدم عروضها أمامه يوميًا، لا يرى أنه يواجه الصعوبات، بل أن الصعوبات هي ما تتغلب عليه، لا يستطيع الاقتراب من المخاطر لأنه أوجسًا وسيظل هكذا طوال حياته، لا يقدر حتى على الهرب لأن عوائقه تتحرك وراءه ولا تتركه وشأنه، بل أنه لا يجد من يسعد أو يبتسم حتى لرؤيته حتى بات كخُردة بالية لا قيمة لها، لا يجد هدفًا من هذه الحياة، ولا يجد سببًا للمواصلة، اختار الهرب مؤقتًا حتى يُفكر بماضيه وحاضره وحتى يعلم كيف يتصرف، لكن هربه قد امتد طويلًا حتى اعتاد الهرب ولم يعد قادرًا على المواجهة الفعلية..... خلا السيرك من العروض بعد انتهاءها ورحيل الجمهور، بقي جالسًا مكانه مُستقبلًا هذه الإضاءة المؤقتة التي سيتم انطفاءها حالما ينتهي مؤدوا العروض من جمع أغراضهم، تتأرجح قدماه في الهواء نتيجة جلوسه على مقعدٍ يفصله عن الأرض بضعة أمتارٍ فقط، بدأ يتشدق بنغماتٍ ناشزة وصوٌتٍ مُرتفعٍ لم يكترث له بُتاتًا، فلا أحد سينصت له من الأساس. - كتاب حياتي يا عين .... ما شوفت زيه كتاب... الفرح فيه سطرين ... والباقي كله عذاب.... بقي يُغني بصوٌتٍ مُرتفعٍ أعرب عن حالته المزرية واعتياده على تلك الحالة، فقد بات يتحدث مع نفسه ويُغني بصوتٍ مُرتفعٍ حتى يظن المرء إذا أدركه أنه مجذوبًا يتجوٌل بين الجميع. في تلك اللحظة، دلفت داليا السيرك أولًا وجوارها إسلام، كلاهما يبحثان بعينيهما عن تلك الروح الضائعة حتى سألت داليا : - هنلاقيه إزاي ؟ لم يُجبها إسلام وبقي يُمعن التركيز بتلك الأغنية الناشزة التي اختلطت بصوٌت مؤدوا العروض أثناء ضبهم لأمتعتهم، رفع كف يده ليواجه داليا وهو يقول : - استني كدة .... تعالي ورايا آشار لها أن تتبعه حيث مصدر هذه الأغنية التي لا يظن أبدًا أنها لإحدى مؤدوا العروض، فهو يقسم أنه اذا استمع لمثل هذا الصوٌت الناشز لما تركه يواصل الغناء لثانية أخرى، فهذا الصوٌت يكاد يُفجر أذنيه من شدة الانزعاج. رسم إسلام بسمة واسعة على ثغره ما إن تقابلت عينيه بإحسان الذي يجلس على مقربة منهما لا ينتبه لما حوله ويواصل الغناء وتحريك رأسه بعوالم درامية تتماشى مع تلك الأغنية، آشار إسلام عليه وهو يقول بثقة : - أهو وجهٌت داليا بصرها اتجاه ما يُشير إليه لتتسع حدقتيها بصدمة وعدم تصديقٍ جعلتها تقول : - أيوة صحيح ده هو ... إللي اسمه حرب طلع مش بيكدب جذب إسلام ذراعها وهو يتجه صوٌب إحسان متفوٌهًا : - تعالي نروحله... كان إحسان لايزال بعالمه الآخر يتشدق بتلك الأغنية العابسة حتى أحس بأحدهم يجلس جواره من جهة، وشخصٌ آخر يجلس من الجهة الأخرى على بُعد بضعة أمتار، في باديء الأمر، لم يكترث لوجودهما وقال أنهما مجرد شخصانٍ يجلسان بجوار بعضهما بعضًا، وربما تركا المساحة التي يجلس فيها فارغة حتى لا تلتصق أجسادهما، فهو لا يعلم أنهما مُتزوجان، ولا حتى أنهما يرياه ويسمعاه أيضًا. - بعد إذنك يا فنان ... إحنا عايزينك في حوار بادره إسلام بتلك الجُملة المرحة الودودة لعله يتجاذب معه أطراف الحديث بأريحية، وما كان من إحسان سوى أنه توُقف لوهلة عن الغناء وبقي يُحدق في وجه إسلام بعوالم مذهولة لا تُصدق أنه يتحدث معه، فقد بقي إسلام يُحدق بنظراته وإحسان يبادله تلك النظرات ويبقى في حالة من الصمت لعل إسلام لا يتحدث معه من الأساس، فكيف يتحدث معه وهو روحٌ عابرة ؟ - مالك متنح كدة ليه ... أنا بكلمك إنت ازدرد إحسان ريقه بارتباكٍ وبدأ يُشير على نفسه بإصبعه متسآلًا بتقطع : - إنـ..إنت ..إنت... لم ينبس بأكثر من تلك الكلمات حتى تدخلت داليا لتُفسر له قبل أن يزداد ذعره، فهو لم يكن يعلم أن هناك مثله، ولم يعلم أيضًا كيف يعرفانه. - إحنا متنقلين زيَك ... يعني بنشوفك وبنسمعك .... وأصلًا محدش شايفنا دلوقتي ازداد إحسان تيَهًا وبقي يُبادل نظراته بينهما حتى سأل في ذعر : - إنتو مين ؟... وعايزين مني إيه ؟ وضع إسلام يده على كتِف إحسان حتى يُربت عليه عازمًا على التهدئة من روعه قليلًا : - روٌق يا سي إحسان ... إحنا مش جايين نعُضك ... كل الحكاية إننا جايين من طرف حد عزيز عليك ونفسه يشوفك هدأ الذعر داخل إحسان وبدأت عوالم الحيرة تُلطخ وجهه وهو يقول : - مين ؟ آجابته داليا هذه المرة بلهفة : - سُمية ... وهي إللي قالتلنا ندوٌر عليك توُقعا فيضًا من الحنين الجارف والكلمات المُتلهفة التي تسألهما عن حالتها، لكن ما حدث كان عكس توٌقعاتهما تمامًا، فقد كان الصمت هو إجابته الوحيدة وعوالم الخزي واليأس تكتنف جنباته وهو يُبعد نظراته عنهما ويوٌجهها على الأرض بعينينٍ تُقطران ندمًا. - سُمية !! ... هي ليه بتدوٌر عليا ؟ باتت عيناه تُقطران دمعًا وهو يواصل بلكنة مجروحة : - عايزة إيه من واحد فاشل زيي ؟... ده أنا حتى معرفتش أعملها حاجة... معرفتش أطلعها من المصحة_ قطع إسلام حديثه وهو يقول بلهفة وصدق : - بس هي خلاص طلعت ... وبتسأل عليك وعايزة تشوفك دلوقتي كان يحاول إسلام اقناعه لكن ما لاقاه هو الرفض والمزيد من الكلمات النادمة التي ارتفع طنينها : - بس أنا واحد جبان... ومستاهلش حُبها ... سيبتهم كلهم يقولو عليها مجنونة وأنا واقف اتفرج عليهم .... تقدر تقوٌلي أنا إزاي هحافظ عليها بعد كدة ؟ .... هدأت نبرته قليلًا وهو يوٌجه بصره لأسفل ويُنهي الحديث بنبرة تزداد ألمًا وخفوتًا : - أنا حتى مش قادر اواجه ... خايف لحد يجبلي واحدة ويجبرني اتجوزها عشان انسى سُمية ... وخايف حتى ابُص في عينيها وهي بتتعذب ومش قادر اعملها حاجة ... عشان كدة الأحسن إنها تبعد عني ... الأحسن إنها تنساني، أنا مش مُستعد اخزلها تاني أحسٌت داليا ببعض الشفقة اتجاهه وقررت أن تُساعده مُستخدمة دراستها المُتعلقة بالعلاقات الزوجية، فكان حديثها هادئًا رخيمًا يحمل بعض الحكمة والإرشاد : - ومين قالَك إنها هتقدر تختار حد غيرَك ؟ .... مين قالَك إن هروبك ده هيحل مشاكلك ؟... إحنا لما بنبعد عن مشاكلنا بنكون فاكرين إننا هربنا، بس الحقيقة إن محدش يقدر يهرب من مشاكله ... لأن الحل الوحيد إللي نهرب بيه من مُشكلتنا هي إننا نواجه... صمتت بُرهة عن الحديث لتوٌجه بصرها نحو قاعة السيرك الفارغة لعلها تستمد منها بعض الحِكمة لمواصلة حديثها : - تعرف مين أكتر حد مُهم في السيرك ده ؟ حرك عينيه نحوها في صمتٍ لم يدم طويلًا لأنها آجابت على نفسها بسُرعة : - مروٌض الأسود ... عشان كدة العرض بتاعه بيكون في الآخر، لأن الناس بتيجي عشان تشوفه .... تشوف المُدرب وهو بيتعامل مع الأسود بكل شجاعة ... يشوفوه وهو بيخلي الأسود تنفذ إللي هو عايزه ... عارف الناس بتحب العرض ده ليه ؟... عشان نفسهم يبقو كدة ... نفسهم يتعاملو مع مشاكلهم زي ما مروٌض الأسود بيتعامل مع الأسود ... عايزين يقولو لمشاكلهم تعالي يمين فتروح يمين ... تعالي شمال فتروح شمال ... بس عشان يعملو كدة لازم يقابلو الأسد الأول، لازم يفهموه كويس عشان يعرفو يتحكمو بيه حالت بينهم بُرهة طويلة من الصمت حاول فيها إحسان التفكير في كلماتها العميقة والحكيمة التي باتت مناسبة لوٌضعه تمامًا، الفرق أنه لا يستطيع مواجهة هذه الأسود ولا حتى الاقتراب منها، بعد بُرهة من الصمت وجد نفسه يسأل بنبرة مُشتتة لا تزال ضائعة : - وأنا إيه إللي هعمله يعني .... أنا مبقتش فارق مع حد هنا تدخل إسلام ليقبض على ذراعيه حتى يجذبه عن المقعد متفوٌهًا بثقة : - ومين قالَك الكلام ده ؟ ... أنا هثبتلك إن الناس كلها مستنينك ... مش بس سُمية... وهكذا أخذه إسلام ليطوف معه بجوار داليا مُخترقين الطُرقات المُظلمة عودة إلى تلك البناية التي آلفت العديد من الحكايات، بقيا يتحركان معه حتى المنزل الذي يقطن به، اخترقوا الباب بأجسادهم المعنوية والتي جعلت حركتهم سهلة للغاية. كان المشهد يتمثل أمامهم كالتالي، جسد إحسان المسجي على الفِراش وحوله الأجهزة، شقيقه الأكبر رمضان يجلس بجواره على المقعد يقرأ آياتًا قرآنية كما يفعل شقيقه الثاني شعبان، ورجب، وربيع، وأبناء أشقاءه، جميعهم يتجمعون في تلك الحُجرة في كل ليلة يقرأون أمامه القرآن ويُطيلون الدعاء له حتى يستيقظ من تلك الغُمة ويعود إليهم سالمًا، جميعهم اتفقوا على عدم تركه والحفاظ على صبرهم وتمسكهم بذاك الأمل بعودته مُجددًا، لا يعلموا أنه أمامهم طوال هذه المُدة يأبى العودة إليهم خشية المواجهة. آشار إسلام على هذا الجمع مستطردًا : - شايف ... كلهم مستنينك ... كلهم عايزينك ترجع وسطهم ... ولو مش عشانهم يبقى على الأقل ارجع عشان سُمية ... وأنا وعهد الله هعملكم فرح يسٌمع في مصر كلها ربت إسلام على كتفه مع آخر كلماته، لكن عوالم الشك لم تُمحى من على وجه إحسان وهو يسأل بتردد : - طب .. طب وإللي عندنا ؟... ما ممكن اخوها يوقفـ_ قطعته داليا وهي تهتف بثقة وابتسامة واسعة : - إحنا عندنا الحل ... نقدر نوقف اللعنة دي أكد إسلام على حديثها رغم أنهما آراداه فقط أن يضحى فأر تجارب، إلى أن ما يحدث بحياته ورغبته العارمة بالتثبيت هو وسُمية جعلتهما يتأكدان أن اقناعهما بهذا الأمر سيضحى أسهل من المتوٌقع. سرق إحسان نفسًا عميقًا قبل أن يتشكرهما ويبتعد بخطواتٍ هادئة مُترددة بعض الشيء حتى وثب أمام جسده مُباشرة، طالع وجهه الشاحب ثم طالع حُزن أخواته وأبناء أخواته قبل أن يُبادل نظراته نحو إسلام وداليا مُجددًا اللذان شجعاه على المواصلة، رسم بسمة واثقة على ثغره قبل أن يلتقط شهيقًا وزفيرًا للمرة الأخيرة، ويُغلق عينيه ويفتحهما حتى ... انتفض جسده مرة واحدة وباتت أنفاسه تُلتقط بصعوبة، حرك أصابعه أولًا ليجدها باتت مُتخشبة كالحديد الصُلب، كان يشعر بالغرابة وكأنه من عالم الجن واخترق جسدًا غريبًا من البشر، حاول تحريك جسده بخمولٍ حتى انقض عليه أشقاءه وابناء أشقاءه مُحاوطينه من كل حدبٍ وصوٌب بأعينهم التي تنبض بالسعادة وعدم التصديق : - عمو إحسان ... عمو إحسان إنت كويس ؟ سألته إيناس بلهفة ولم ينبس هو ببنت شفة، فالحديث أيضًا يبدو ثقيلًا وغريبًا عليه، شعر بتربيتة أحدهم ولم تكن سوى يد رجب الذي ربت على كتفه متفوٌهًا بسعادة ومرحه المُعتاد : - قلقتنا عليك يا راجل ... بقى عشان واحدة تنام النومة دي كُلها ... هروٌل رمضان نحوه مُردفًا بصرامة وهو يُحادث أحد أبناءه : - واد يا فتحي ... انزل بسُرعة نادي الدكتور... استجاب ابنه له وكاد يرحل إلى أن إحسان آشار إليه أن يتوقف وهو يُحاول الاعتدال بمُساعدة منهم. - خليك يا فتحي متروحش في حتة ... أنا أصلًا لازم أمشي من هنا اعترض ربيع حديثه بغضبٍ معروف به بينهم، فهو سريع الغضب وسريع الاندفاع أيضًا. - تمشي تروح فين ؟؟... إنت لسة قايم من غيبوبة بقالك فيها سنتين حاول إحسان الوثوب بثقلٍ عن فراشه حتى لامست قدميه الأرض وكم كان هذا الإحساس غريبًا، ملمس الأرضية الباردة أوقد قشعريرة في جسده لم يعلم أنه سيشعر بها، فجسده المعنوي كان يمنعه من التمتع ببعض الأحاسيس التي يراها الآن فريدة من نوعها. اتكأ على ذراع أنيس وهو يبتعد عن فراشه، شعر في البداية أن جسده غير قادرٍ على حمله وأنه سيسقط على الأرض فورًا، لكنها لحظاتٌ قليلة حتى اعتاد المشي مُجددًا وبدأ يُجاوب أسئلتهم التي انهالت عليه بنبرة مُقررة : - هروح عند سُمية ... لم تكن تلك الإجابة موٌجهة لعائلته بالمعنى الأدق، بل كانت موٌجهة صوٌب إسلام وداليا اللذان يطالعان ما يحدث من بعيدٍ ببعض الأمل، واجهه إسلام بابتسامة مُشجعة كانت داليا هي الأخرى تُبادله مثيلها، فأخيرًا نجحت خُطتهم واستطاعا إعادة تلك الروح الضائعة إلى نصفها الآخر، بقي فقط آخر جُزءٍ على تنفيذ رغبتهما المُلحة.... __________________________ لا أحد ينسى الماضي، بل هُناك من يُمثل النسيان حتى يستعد جيدًا لمواجهة تلك الصفحات القديمة.... العديد من الأوراق المتناثرة حوله أمامها عيناه الجاحظتان الحادتان وهي تتفحص تلك الأوراق، هذا الاسم الذي لم يرحل عن باله ولن يتوقف حتى العثور عليه، من هدٌم حياته وقتل والدته وهي في ريعان شبابها، من كان السبب باقتحامه هذه الحياة وياليته ما اقتحمها بتلك الطريقة، هذا الحقير الذي ينام ليلته حالمًا بأنه سينتقم منه ويراه أمام المحكمة يُحاسب على جرائمه، هذا الذي يُدعى ... " داغر خليل الرفاعي ". قطع انهماكه بالعمل صوت الباب الذي فُتح على مصراعيه ليدلف منه واحد من الضُباط مؤديًا التحية العسكرية ثم يقول بصرامة : - المتهمة مستنية جوة ... علِم لؤي لوهلة عمن يتحدث فأغلق الدفتر الذي كان أمامه ليضعه داخل الخزانة ثم يثب عن المقعد متفوٌهًا بتقريرٍ وعوالم حادة مقيتة : - محدش يقرٌب منها ... أنا إللي هحقق معاها.... حُجرة صغيرة مُعتمة لطخ الرُعب جُدرانها، فهي حُجرة يجتمع فيها الإنسان مع ضميره وحقارته في آنٍ واحد، تجلس نرمين على أحد المقاعد مُرتدية ملابس بيضاء ووشاحٍ أبيضٍ أظهر العديد من خُصلات شعرها الداكنة، يداها مُكبلتان بالأغلال ووجهها شاحبٌ كالموتى، بقيت في حالة من الصمت والنظرات الشاردة التي قطعها لؤي وهو يجلس أمامها على المقعد متفوٌهًا : - ها يا أنسة نرمين .... مش ناوية بردو تنطقي وتقولٌي مين إللي حرٌضِك رفعت نرمين رأسها بأعينٍ يتقاطر منها الدموع وهي تقول بترجٍ : - والله يا باشا أنا قولت كل حاجة .... أصمتها لؤي بضربة على الطاولة التي تنتصف جلستهما، بدى عليه عدم التصديق والغضب أثناء قوله : - قولتي إيه ؟... عايزاني اصدق إنك روحتي شركة مُعتز بمزاجِك ؟... عايزاني اصدق إنك روحتي زوٌرتي ورق وشهادات عشان تنصُبي على واحد بطولِك .... ما تقولٌي يا بت مين إللي محرٌضِك... تقدم بجذعه نحوها يُنشدها بنظراتٍ متوٌعدة وأعينٍ مُتسعة انطلق منها قذفات من اللهب وهو يقول بتهديد : - أنا لحد دلوقتي حنين معاكي .... بس أنا صبري بدأ يخلص .... فهتجيبي من الآخر وتقولٌي مين إللي محرٌضك ... وإلا_ ازدردت ريقها في رُعب وهي تُفكر في حديثه وتُفكر فيما يُمكن أن يحدث إليها إن بقيت صامتة، وما الذي سيحدث لها أكثر من هذا، فهي بتلك الحُجرة المُنعزلة لأكثر من ثمانية أشهرٍ حتى باتت عُزلتها تُصيبها بعذابٍ نفسيٍ لن تستطع تحمله مُجددًا، وجدت نفسها تقطع حديثه وتقول باستسلام : - خلاص خلاص يا باشا هقول ... أبعد لؤي جذعه عنها مُسترخيًا بظهره للوراء وهو يستمع لها بتشفٍ : - مُعتز كان معايا في الجامعة ... وكُنت يعني .. كُنت ... كنتِ مُعجبة بيه لا مؤاخذة... بس هو مكنش شايفني، وراح خطب واحدة تانية ... بس والله يا باشا وما ليك عليا حلفان أنا سيبته بعدها وبطلت أجيب سيرته حتى ... ده كمان من ساعة ما ساب الجامعة وأنا مش بشوفو خالص قطعها لؤي كي يسألها بصرامة : - أومل مين إللي قالِك على الشركة بتاعته ؟... ومين إللي قالِك تروحي تشتغلي هناك وتحاولي تقرٌبي منه ؟ أخفضت بصرها لأسفل وهي تلوظ بالصمت لوهلة قبل أن تُجيبه بترُددٍ ظهر عليه الخوف : - فـ...في واحد جالي المحل إللي كُنت بشتغل فيه ... وقالي يعني إن فيه سبوبة وكدة وهكسب من وراها ياما ... وأنا مكنش حيلتي حاجة وُكنت عايزة قرشين يستتوني ... فاضطريت اوافق، بس والله لولا الحوجة مكُنتش عملت كدة أبدًا، لولا_ عادت إلى نبرتها المُترجية حتى طفح الكيل بلؤي الذي أوقف حديثها بحدة : - مش عايز كلام كتير .... مين الراجل إللي وزِك، وكان عايز إيه من مُعتز ؟ آجابته نرمين بثقة حملت شيئًا من ترددها الذي بات يختفي تدريجيًا : - مكنش عايز حاجة منه يا باشا ... كان بيقولي إن مُعتز زي ما يكون كدة الخيط إللي هيوٌصله لحد تاني .... كان بيقوٌلي اراقبه وأقرٌب منه عشان ... عشان ادخل وسط بيته وعيلته واعرف معلومات عنهم ... كان بيقولٌي إن في حد باين اسمه ... اسمه، تقريبًا كدة اسمه إسلام ... أه أه اسمه إسلام، وواحدة تانية كدة تقريبًا مراته بس مش فاكرة أوي اسمها كان إيه بقيت تعتصر عقلها لعلها تتذكر تلك الأوامر التي ألقيت عليها بينما اتسعت حدقتا لؤي في ذهولٍ وهو يواصل حديثها مُستنتجًا : - داليا ؟؟ رفعت نرمين نظراتها نحو لؤي لتؤكد على حديثه بثقة : - أيوة صح كان اسمها كدة ... الباشا الكبير قالٌي إني ادخل وسط عيلته واراقب الاتنين دول، والله معرفش هو كان عايز منهم إيه، وأنا الصارحة مسألتوش .. بس_ قطعها لؤي مجددًا بجذعه الذي امتد للأمام ورغبته المُلحة لمعرفة هذا الأرعن الذي يترصد لهم : - اسمه إيه إللي حرضِك ؟ آجابته نرمين بجهلٍ صادقٍ هذه المرة : - معرفش والله يا باشا ... بس إللي اعرفه انهم كانو اتنين ... كُنت باخد أوامر من الاتنين، وكُنت بتوٌاصل مع واحد من رجالتهم عشان آخد عمولتي ... والأخبار بقى كُنت بنقلهالهم على المحمول ... ومحدش قالٌي هما مين... بقي لؤي في حالة من الصمت والتفكير العميق في ذاك الذي يترصدهم ويكني لهم العداء، في ذاك الذي يُريد التقرٌب من رفاقه وربما يُريد النيل منه هو الآخر، بدأ يُنسج خيوط الماضي مع الحاضر والمُستقبل عازمًا على سبر أغوار هذا الحقير والنيل منه قبل أن يتمادى أكثر.... _______________________________ أسدلت السماء ستارها وباتت العُتمة هي رفيقة دربهم ومصدر سكونهم، هذا اليوم كان شاقًا عليهم جميعهم، خاصة مع اختفاء إسلام وداليا المفاجيء واتصالهما بهم على آخر الليل حتى يطلبا من الجميع أن يجتمعوا داخل المنزل الخاص بمُعتز ومعهم سُمية لأمر بالغ الأهمية، فنادرًا ما يجتمعون في هذا الوقت الذي بات مُتأخرًا... كان الجميع يجلس بالبهو مُنتظرين إسلام وداليا وتلك المفاجئة التي أخبرتهم داليا عنها، تجلس يُسرى على أحد الأرائك ومعها دفترها الذي تُخطط فيه لروايتها الجديدة، فكانت تسأل قمر التي تجلس بجوارها تعبث بجهاز التحكم بحثًا عن أي شيءٍ يشاهدونه على التلفاز اضمارًا للملل. - قمر ... تفتكري أموٌت مين في الرواية ؟ أصل مش هينفع كدة انهيها من غير ما حد يموت قطبت قمر حاجبيها وهي تقول باقتراح : - مش عارفة ... موٌتي البطل نفت يُسرى اقتراحها بقولها : - لأ خلاص موٌته من بدري، أنا قصدي حد تاني - البطلة ؟ هكذا اقترحت قمر مُجددًا لتنفي يُسرى اقتراحها للمرة الثانية بقولها : - ما دي موٌتها مع البطل ... أنا قصدي حد تاني فكرٌت قمر هنيهة قبل أن تقترح للمرة الثالثة : - خلاص يبقى أبو البطل أو امه - البطل يتيم، والبطلة كان ابوها قتال قُتلة وقتل مامتها، فأكيد كان لازم أموٌته طفح الكيل بقمر وهي تقول بسُخرية : - انتِ بتكتبي رواية ولا بتكتبي مذبحة القلعة ؟ هو مفيش حد عايش في الرواية دي ؟ آجابت يُسرى على سؤالها بصدق : - لأ في ... عمِت البطل ... أموٌتها هي كمان ولا اسيبها مشلولة ؟ أصل خالد بيقولٌي اسيبها عشان القُراء وكدة، بس مش عارفة ليه حاسة من جوايا إني عايزة اقتلها ربتت قمر على كتفها وهي تقول بسُخرية : - موٌتيها يا حبيبتي موٌتيها .... وأنا اقول البت غُفران طالعة كدة لمين_ قطع حديثها صوٌت الجرس الذي طفق يصدح مرة واحدة، كانت سُمية في تلك الأثناء تجلس بينهن على الأريكة تُداعب بسملة هي وكوكي، لكنها ما إن استمعت إلى صوٌت الجرس حتى وثبت عن المقعد متفوٌهة بتقرير : - خليكي ... أنا هروح افتح لكنها لم تستطع حتى فتح الباب لأن مُعتز كان قد سبقها ووراءه جابر وخالد اللذان شاركوهم هذه الجلسة، بينما كان لؤي لا يزال بالعمل وميجو كذلك لم يكن موجودًا، فكلاهما يعملان لوقتٍ متأخرٍ من الليل، فيما عدا ميجو الذي يبدأ عمله في ذاك الوقت المتأخر من الليل. فتح مُعتز الباب لتتقابل عيناه بإسلام الذي أخذ يُصافحه بحرارة ثم ابتعد إسلام عنه ليُشير على ذاك الضيف داعيًا إياه للدخول بقوله : - تعالى ادخل ... هي قاعدة جوة تردد إحسان قبل أن يدلف المنزل مُتلفتًا يمينًا ويسارًا لكنه في النهاية وطأ بأقدامه إلى الداخل وفؤاده يضربه بارتعاد، ماذا إن لم تُسامحه عمَ فعله ؟ ماذا إن كانت تكني له العداء مُنذ تخليه عنها بسبب جُبنه ؟ ماذا إن كانت تُريد رؤيته فقط لتعاتبه على ما قاسته بحياتها دون وجوده بجوارها ليُطيب خاطرها ؟ العديد من الأسئلة تجوب عقله وتجعل تردده يزداد أضعافًا، لكن نظرات داليا وإسلام المُشجعة حثته على المضي قِدمًا والمواجهة مهما كان الثمن، فهو لن يبقى هاربًا طوال حياته. ارتدت سُمية إلى الخلف بوجهٍ مصعوقٍ وكأن الكهرباء مسٌته، عيناها تصلبتا مرة واحدة وأنفاسها بدأت تتهدج من هوٌل هذه المفاجئة، هل هو أمامها بالفعل أم أنها تتوٌهم ؟ هل أتى من أجلها أم أنها فقط روحه العابرة التي بدأت تسكٌن كيانها ؟ لم تقدر على الحديث ببنت شفة وبقيت تُحدق بوجهه في صمتٍ بعد أن عجزت الكلمات عن الإعراب عمَ يكنيه صدرها. بقي يتقدم بخطواتٍ هادئة نحوها رغم رغبته العارمة باحتضانها والتأسف لها بدموعه، لكن الأسف حتى لم يعد قادرًا على النُطق به، بعد بُرهة طويلة من الصمت والتحديق بينهما قالت هي بدموعٍ تترقرق على وجنتها لا تعلم إن كانت دموعًا معاتبة أم دموعًا سعيدة. - إنت إنت ... هـ..هو إنت... لم يستطع لسانه النُطق بأكثر من تلك الكلمات حتى قطعها إحسان بشوقٍ جارف ورغبة بتحديٍ جوفه الصامت : - أنا آسف ... آسف عشان سيبتِك واتخليت عنِك .... أنا واحد ندل وجبان .. بس ... بس لسة بحبِك ترقرقت عينيها بدموعٍ لامعة جففتها بسُرعة بابتسامتها الهادئة وكلماتها الخافتة الحرجة : - وأنا كمان بحبك تدخل إسلام في ذاك الحديث الحالمي الذي يُصيبه بالغثيان، رآى أن عليه إيقاف هذا الفيلم الرومانسي والعودة إلى واقعهم المرير، لهذا السبب اقترب نحوهما متفوٌهًا بجدية كادت تُصيبهما بالاحباط : - لسة الموضوع مخلصش ... ولسة المُستشفى بتدوٌر على سُمية ... وعشان نخلص من ده كله لازم تعملو التثبيت تبادلت نظرات إحسان وسُمية لوهلة وبقيا في حالة من الصمت حتى وجه إحسان نظراته صوٌب إسلام كي يُخبره قراره : - وأنا موافق ... ثم نقل بصره نحو سُمية ليواصل حديثه بحالمية : - عايز نعيش مع بعض في هدوء ... من غير أي لعنة_ قطع حديثهم صوٌت الباب الذي أخذ أحدهم يطرق عليه فجأة طرقاتٍ حادة قطعت حديثهم وجعلتهم يتلفتون نحو هذا الزائر غير المتوٌقع.... _________________________ الشر هو صِفة متأصلة في الإنسان، ومع مرور الزمن وزيادة السُلطة، يزداد الشر ويتناقل من شخصٍ إلى الآخر، فبدون الشر، لن نجد ما يُسمى بنهاية العالم. مِقعدٌ كبير انتصب هذه الحُجرة البيضاء المُلطخة بشراراتٍ من الغموض، قدمانٍ تتحركان جيئة وذهابًا داخل هذه الحُجرة التي تبدو كُحجرة للعمليات أو أنها حُجرة للتجارب، فحول هذا المُقعد الأقرب إلى مقاعد الأطباء النفسيين، يوجد جهازٌ كبير بحجم الخزانة الصغيرة، يتفرع من هذا الجهاز مزيدًا من الأسلاك والمؤشرات الحيوية التي لم تظهر بسبب انغلاقه، كذلك هُناك طاولة صغيرة تحتوي على زُجاجاتٍ صغيرة الحجم، كل زجاجة منهم تحتوي على تركيبة مُعينة من نوع من الأدوية. تحركت قدما هذا الرجل بسُترته الرمادية وبنطاله الأسود، بقي يتجوٌل داخل الحُجرة حتى توقفت أقدامه قُرب النافذة ليستند عليها بظهره موٌجهًا بصره نحو هذه الأجهزة، أخرج من جيبه لفافة تبغٍ ليضعها داخل فمه ويبدأ بإشعالها واستنشاق كمًا من النيكوتين الكافيٌ لإضمار حريق شهوته، نفث الأدخنة من فمه وهو يقول بانجليزية تحمل لكنة أخرى بها بعض القساوة، فيبدو أنها ليست لُغته الأولى، ويبدو أن لا أحد هنا سيتفهم لُغته الثانية. - ما الذي ستنوي فعله بتلك الحُجرة ؟ ... أهكذا ستُجند المُتنقلين ؟ أنهى سؤاله ببعض السُخرية والتهكم ليُجيبه طلال بنبرة واثقة وهو يقترب نحوه : - يختلف العالم هُنا عن بلدتك .... فلا أحد هنا سريع التصديق، جميعهم شكاكون لا يستطيعون العيش بدون الانتقاد همهم إيزاك بلا مبالاة ثم أردف بعدها : - هذه الطريقة نستخدمها مع المتطرفون .... لكن ليس لتغيير مُعتقداتهم .... بل لمحوها تمامًا حتى يتسنى لنا العبث بما تحويه عقولهم رسم طلال بسمة شيطانية على ثغره وهو يُخرج غليونه من جعبته ويقول أثناء إشعالها : - ومن أخبرك أنني لا ابتغي فعل هذا ؟ أدرك إيزاك لوهلة مكنون حديثه الماكر لكنه لم يجد الوقت الكافي ليُعقب، فصوٌت الطرقات قطعت حديثهما، أعقبها دلوف رجلٍ من رجال طلال الذي دلف الحُجرة بعوالم مُتلفهة بدت صارمة وهو يقول : - معلم طلال ... رجالتنا خطفو واحد من المُتنقلين .... يُتبع ❤💕 ________________________________ أخبار اليوم " مُستجدات القضية " 1- مقتل نائب المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري في انفجار الضاحية الجنوبية ببيروت. 2- أعلنت حركة حماس تجميد الحديث عن أي هُدنة لوقف إطلاق النار أو تبادل للأسرى بعد اغتيال صالح العاروري في بيروت. 3- إضراب شامل في كافة مناحي الحياة بالقُدس في الضفة غربية. 4- قام مجموعة من المستوطنين الاسرائيليين باقتحام مدخل باب القطانين بمسجد الأقصى واطلاقهم للمزامير وتأدية الطقوس التلمودية بعد منعهم المُسلمين من دخول المسجد، كما أفادت التصريحات أنهم أطلقوا النيران على المُسلمين أثناء ذهابهم إلى المسجد الأقصى لتأدية صلاة الجُمعة. 5- مجموعة من النازحين يحتفلون بعودة الكهرباء بعد انقطاعها لمُدة تصل إلى 86 يومًا ( لا تنسوا القضية ) ____________________________ ويكدة الفصل يكون انتهى، أتمنى تقولولي رأيكم في الفصل وفي الرواية بشكل عام ولو في أي نقد ياريت تقولولي عشان احسن من نفسي بعد كدة ... وآخر حاجة متنسوش الفوت 🥰
نوران أشرف محمد