بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم أنت الناصر وأنت المُعين وأنت على كل شيءٍ قدير، انصر إخواننا في فلسطين " لا تنسوا الدُعاء لأهالي فلسطين 🙏 _______________________________ يُشبه الخُذلان هذا البِئر في الصحراء الجرداء... تظن أنه سيروي ظمأك، لكنك تكتشف أنه خالٍ من المياه.... ساعات من السكون اعتمرت أركان هذا المنزل، الجميع يجلس في البهو يضع يده على ذقنه وعوالم الوجوم لا تترك وجهه وكأنهم فقدوا فقيدًا، وكان فقيدهم في هذه اللحظة هو الأمل... بعد بُرهة طويلة من الصمت قررت قمر أن تقطع وجومهم وهي ترفع من نبرة صوٌتها لعلها ترفع من عزيمتهم : - ايه يا جدعان ؟... هنفضل ساكتين كدة زي الولية المتطلقة ... ما تقولو هنعمل إيه في المصيبة دي لوٌحت بكفها المبسوط أمامها وهي تُعرب عن تذمرها بما حدث، ففشل عملية التثبيت سيُقربهم أكثر من التهلكة، بل ربما يقف عُثرة في سبيل حمايتهم من تلك التهديدات. - هو أنا هفضل كدة علطول ؟ قالتها سُمية بضيقٍ وهي داخل جسد إحسان تنعي حظها بسبب ما حدث، كم لعنت نفسها على الوثوق بهم بأنهم سيستطيعوا إنقاذها، بل يبدو أنهم هُم من بحاجة إلى مساعدة وليست هي. - لأ ... إن شاء الله هنلاقي حل قالتها داليا بهدوءٍ رغم النيران المُتأججة داخلها، وما كان هدوئها سوى سببًا لاشتعال سُمية أكثر حتى بدأت تُلقي عليهم أسهم العِتاب : - إنتو السبب في إللي حصل ... يارتني ما صدقتكم ارتمت على أحد المقاعد تحني جذعها ليتقابل رأسها مع فخذيها وتستطيع إدثاره بين كفيها وكأنها على وشك البُكاء بحسرة، إقترب إحسان نحوها والذي كان داخل جسد سُمية لكنه لم يكن مُنفعلًا مثلها، بل أنه قرر أن يتحلٌى بالهدوء حتى يستطيعوا التفكير بتلك المُعضلة، وضع كفه على ظهرها وبدأ التربيت عليه بحنانٍ بالغٍ قال معه : - متخافيش ... أكيد في طريقة هنرجع بيها لجسمنا تاني لم تنبس ببنت شفة وبقيت في حالة من الصمت والتبلم حتى هتف إسلام موٌجهًا حديثه نحو مخيمر : - ما تقول حاجة يا عم العالِم ... مش قولت إنك عدٌلت طريقة التثبيت ؟ كان التهكم جليًٌا على حديث إسلام ومع ذلك آجابه مخيمر بهدوءه المُعتاد أثناء اعتصاره لعقله محاولة أن يعثر على سببٍ لمَ حدث : - أنا متأكد من الأبحاث إللي عملتها قبل ما اكتشف الطريقة ... بس مش عارف إيه اللي حصل عقٌبت كوكي لتستفسر : - هو مفيش طريقة يرجعو بيها تاني ؟ آجابها مخيمر بعلمية : - الهيئة النجمية اتشالت خالص، ودي إللي كانت بتخليهم يتنقلٌو بروحهم .... وعشان يرجعو لجسمهم، لازم نرجع الهيئة النجمية تاني ... رفع رأسه ليواجههم أثناء انهاءه للحديث : - والأبحاث إللي بتساعدنا نزرع هيئة نجمية جوة أي حد ... حرقناها زادت خيبة أملهم بعد حديثه الذي ذكرٌهم بتلك الأبحاث التي قاموا بحرقها سابقًا حتى لا يستخدمها ضُرغام بأعماله الشيطانية، لكن يبدو الآن أنهم بحاجة ماسة إليها. - وهي الأبحاث دي مينفعش تتعمل تاني ؟ كان هذا سؤال مُعتز المُستفسر والذي آجاب عليه مخيمر : - الموضوع ده هيحتاج أجهزة أكتر ومش هينفع غير في معمل لاحت بينهم عاصفة هوجاء من الصمت جعلتهم ينكبون على خيبة أملهم وفُقدانهم لآخر ذرة في الوصول لهدفهم، قطعت داليا هذا الصمت بكلماتها اليآسة : - يعني كدة خلاص ... مفيش أمل ؟ وثب مخيمر من مقعده عازمًا على الرحيل وبدء البحث عن طريقة أخرى، فكان يُطمئنهم بحديثه أثناء الرحيل : - أنا هحاول اتواصل مع ناس كانت شغالة في المعمل القديم واشوف لو معاهم نُسخة ولا حاجة شايلنها في مكان ... ولو وصلت لحاجة هقولكم ترك المنزل بعدها تاركًا إياهم غارقين في وحلٍ من الفشل والخوف على ما سيحدث فيما بعد، ما إن رحل مخيمر حتى توٌلى لؤي ضفة الحديث ليردف بأمر : - سُمية لازم تبات مع جابر لحد ما نشوف هنخرٌجها من الجسم ده إزاي ... مش هينفع ترجع لبيت إحسان عشان محدش يحس بحاجة غريبة وثبت سُمية عن مقعدها باعتراضٍ جامٍ تبع حديثها المُندفع وشهقتها الرادحة بعض الشيء والتي لم تتناسب مع هذا الجسد : - مين دي إللي تروح عند جابر ؟.... إنتو عايزيني اقعد في بيت راجل غريب !! .. إنتو أكيد اتجننتو وثبت داليا هي الأخرى لتحاول تهدئتها واقناعها : - سُمية إنتِ دلوقتي في مقام راجل ... يعني أكيد جابر مش هيبُصلِك ... بعدين جابر الوحيد إللي عندو مكان فاضي وعارف إللي فيها زفرت الهواء من جوفها بتذمرٍ وعوالم الغضب لم تتركها، فهي الآن داخل جسد رجل، بل وأيضًا ستبيت مع رجلٍ غريب !!.. لكنها في النهاية حاولت التهدئة من روعها ورحلت عن المنزل دون أن تنبس ببنت شفة، تبعها جابر هو الآخر ليحاول تهدئتها وإخبارها أنه لن يتحدث معها حتى وهي داخل منزله، بل سيُشعرها حتى أنها وحدها بالمنزل. أما عن إحسان الذي اخترق جسد سُمية، لم يبدو مُتذمرًا مثلها، بل كان يعبث بخُصلات شعر سُمية الطويلة ويُفكر في الأغنية التي سيتشدق بها بهذا الصوت الجديد، فسُمية لديها صوٌت رقيقٌ يُطرب مسامعه في كل وهلة، وبما أنه يُحب الغناء ويظن نفسه مُطربًا مشهورًا، فسوف ينتهز تلك الفُرصة ويُغني طوال الليل والنهار. استقروا على ذهاب إحسان إلى منزل والدة داليا والتصرف وكأنه مُجرد فتاة حتى لا تشك بسمة بشيء، قررت كوكي أيضًا العودة إلى منزلها بسبب بسملة التي لم تتوقف عن البُكاء لأنها يجب أن تُبدل حفاضتها، أما عن الحسن، فكان أول من ترك المنزل بعد أن ازداد نزيف أنفه وكان يجب عليه أن يذهب إلى المشفى لنقل الدماء. لم يبقى بالمنزل سوى إسلام وداليا وكذلك لؤي وقمر، حيث آراد لؤي تحذيرهما قبل أن يرحل حتى لا يتصرفا بطريقة حمقاء توٌقعهما في الكوارث ككل مرة؛ وثب عن المقعد ليقترب نحو إسلام متفوٌهًا بتحذير: - لازم تاخدو بالكم كويس أوي ... التحقيقات إللي عملتها مع نرمين والناس إللي خطفو داليا والبنات، بتقول إن في حد واقفلكم بالمِرصاد .... ومستني الفُرصة عشان يضرب ضربته فهِم إسلام تحذيره بسُرعة ولم يبدو عليه الصدمة أو الخوف حتى، بل كانت عوالم التوتر تلوح على وجهه وهو يبادل حدقتيه بداليا التي استمعت إلى ذاك التحذير هي الأخرى. جحظت عينا داليا وهي تُحدق بإسلام ولا تدري ماذا تقول أو بماذا تُجيب، فيبدو أن الأمر لن يظل مخفيًا إلى الأبد... لاحظت قمر توترهما فوٌجهت نظراتها بينهما متسآلة : - هو في حاجة ؟... هو إنتو... عارفين إن في حد بيهددكم زادت عوالم التوتر على وجه إسلام وأحس بانعقاد لسانه وعدم قُدرته على الحديث مما جعله يتحلٌى بالصمت مؤكدًا لهم على معرفته بتلك التحذيرات جيدًا، وهذا ما أوقد النيران داخل لؤي عندما قال : - يعني إنتو عارفين ومقولتوش لحد ؟ خرجت داليا من دوامة صمتها وهي تقول مُبررة : - إحنا كنا خايفيين ... أصل الراجل ده قالنا لو قولتو لحد هيقطع رقبتنا_ قطع لؤي تبريرها بسؤالٍ صارم : - راجل مين ؟ تدخل إسلام ليُجيبه بصدقٍ بدلًا من داليا : - من كام يوم كدة في واحد اتهجم علينا في البيت .... كان .. كان عايزنا نشتغل معاه جواسيس، بس إحنا رفضنا .... وشكله كدة مش هيهدى غير لما نشتغل معاه بجد ... ده حتى هددنا وادلنا رقم نتواصل فيه معاه لو غيٌرنا رأينا تجمهرت عوالم لؤي وهو يمدٌ يده متفوٌهًا : - الرقم ده فين ؟... هاتو بسُرعة أومأ إسلام إيجابًا وبدأ يبحث بالخزانة الصغيرة الموجودة بالبهو حتى أخرج بطاقة من الورق المقوى مدوٌن عليها بضعة أرقام، انتشل لؤي هذه الورقة بحدة وأمرهم أن يبقيا آماكنهما ويُنبئانه بأي تفصيلة يمران بها، رحل بعدها هو وقمر ليبقى إسلام أمام داليا بعوالم الذعر والخوف التي بدأت بزيارته كما بدأت بزيارة داليا هي الأخرى، فالخوف إذا قدُم أحد المنازل، لا يتركها إلا بعد تدميرها. - أنا خايفة أوي .... الموضوع شكله جد ... الراجل ده طلع ورانا من بدري بقي إسلام في حالة من الصمت والشرود حتى قطعته بكلماتها المذعورة : - إحنا هنعمل إيه ؟... أكيد مش هنفضل محبوسين في البيت لغاية ما الراجل ده يطُب علينا تاني ... على الأقل نجيب حاجة ندافع بيها عن نفسنا ما إن أنهت تلك الكلمات حتى رفع إسلام رأسه بأعينٍ مُتسعة وكأن كلماتها كالنور الذي أنار عقله وجعله يقول : - لقيتها ... إحنا نطلب مساعدة من حد .... حد تقيل، بنفس قوة إللي ورانا قطبت داليا حاجبيها بحيرة من حديثه المُبهم والذي جعلها تسأل : - قصدك على مين ؟ ربت إسلام على كتفها ليُنهي الحديث بقوله : - هتعرفيه ... نامي دلوقتي وبُكرة نبقى نروحله.... ________________________ صباح اليوم التالي، وأثناء تغلغل أصوات الطيور وحفيف الأشجار، كانت قمر داخل المركز تقرأ بعض الكُتب تارة وتحاول تقوية قُدراتها الذهنية تارة أخرى حتى لا تفقدها، فكانت تجلس على أريكة وردية مُريحة والكتاب على فخذيها ورأسها ممدٌ للوراء بأعينٍ مُغلقة وسكونٌ تامٌ يكتنفها. قطع انسجامها دخول ريتا ومعها حفنة من الأوراق يبدو أنها أوراقًا مُهمة، جلست بجوار قمر على الأريكة ودعٌتها للالتفات نحوها حتى تُحادثها في أمرٍ بالغ الأهمية. تركت قمر الكتاب جانبًا واعتدلت في جلستها لتُقابل عينا ريتا التي كانت تقول بأهمية : - أنا عرفت حاجة مُهمة جدًا .... تخُص الحالة إللي جات هنا قبل كدة ... إللي اسمه وهدان زادت عوالم الأهمية على وجه قمر وهي تقول : - عرفتي إيه ؟ بدأت ريتا الحديث بمُقدمة افتتاحية لتؤكد على صدِق ما ستقول : - إنتِ قولتي إنِك لما حاولتي تقري إللي جواه حسيتي بكهربا وصوت زعيق وضرب وضلمة ... وقولتي كمان إنه مكانش فاكر حاجة عن نفسه... وبتقولي إنه بعدها اكتشفتي إنه قتال قُتلة، صح كدة ؟ أومأت قمر إيجابًا لتواصل ريتا حديثها وهي ترفع الأوراق قليلًا أمام عينيها : - أهو ده بقى نفس إللي حصل سنة 1730 مع حالة اسمها حسن صباح في قلعة الموت إللي في إيران .... الراجل ده كان بيبعت اتباعه في عمليات اغتيال انتحارية، وكان بيسيطر على عقلهم بالتنويم الإيحائي أو الحشيش عشان ينفذو إللي بيقوله .... وفي سنة 1950 اكتشف الأمريكان إن الأسرى إللي رجعو من الصين، كانو كلهم بيأيدو الشيوعية ... وده إللي خلٌى عالم اسمه هنتر يبدأ يفكر في الموضوع ده ... يبدأ يسأل إزاي الناس بتنسى نفسها وممكن تتبنى أي مُعتقد أو ترتكب أي جريمة من غير ما تكون حاسة باللي بتعمله... كانت عوالم قمر جاحظة تحاول استيعاب ما يُتلى على مسامعها بينما كانت ريتا تواصل حديثها بعلمية : - الموضوع ده بيحصل لما يعزلو الشخص في أوضة ضلمة ميقدرش يهرب منها، يبدأو يعرضوٌه لأنواع مُختلفة من التعذيب أهمها التعذيب النفسي والكهربا إللي ممكن تعمل تلف في الذاكرة وأضرار تانية كتير بعد بُرهة من الصمت والتفكير استنتجت قمر : - يعني إنتِ قصدِك إن ... وهدان اتعمله غسيل دماغ ؟.... _______________________________ انتشر الضُباط في كل مكانٍ حول حاوية القمامة التي جاورها جُثة رجلٍ يبدو بمُنتصف شبابه، الخُبراء في كل مكانٍ يتفحصون البصمات والأدلة بينما كان لؤي يركع على الأرض قبالة الجُثة ذات الوجه الشاحب والشفاه الزرقاء، مسٌد على جُمجمجة الرجل ممُررًا أصابعه على تلك الندبات التي تحوٌل لونها إلى البُني، أنزل يديه بأعينٍ مُقطبة تُدقق برسغ الضحية حيث يوجد كدماتٍ زرقاء تُحيط برسغه كالسوار. رفع سُترة الضحية لتتجهم معالمه أكثر حينما لمح المزيد من الكدمات والجروح على جسده، إذا هذه الجُثة تعرضت للتعذيب، وربما كانت تًقاوم حتى لقيت حتفها، تعجب من عدم وجود هوية للمتوٌفي لكنه يتوُقع أن يعثر على عائلته عن طريق تفحص حالات الاختفاء هذه الأيام. - لؤي بيه .... مفيش أدلة تانية .... ولا في كاميرات مراقبة تخلينا نعرف صاحب العربية قالها أحد الضُباط بعملية ليجعل لؤي يثب عن الأرض متفوٌهًا بصرامة : - اعرفلي مين الراجل ده .... وخلٌي الطبيب الشرعي يخلص الفحص بسُرعة قالها بوجهٍ جامد وملامح تبدو غاضبة لرغبته الشديدة بمعرفة هذا القتيل ومن الذي تسبب بقتله بهذه الوحشية ؟.... ______________________________ العديد من المقاعد الوثيرة ترتص بجوار بعضها البعض في تلك القاعة الكبيرة حيث المسرح الكبير والعديد من العازفين من بينهم ميجو. يوجد من يعزف الجيتار بمهارة ومن يعزف على القانون والمزيد من الآلات الموسيقية التي تنطلق أصواتها بتناغمٍ ورُقي، أصوات تجعلك تغرق بداخلها وتتناسى العالم وما به من متاعب. كانت شمس تجلس على أحد المقاعد الخالية من الجمهور، فكانت هي الوحيدة التي تجلس وتُشاهد تدريباتهم بحماسٍ طفولٌي كاد يجعلها تُصفق من الانبهار، فقد أخبرها ميجو أنه ترك المِلهي للأبد وانتقل إلى العزف مع فرقة راقية تؤدي عروضًا رائعة أمام الجُمهور، أخبرها كذلك أن هذه الوظيفة مؤقتة حالما يعثر على أخرى دائمة، وهذا ما يعمل عليه جاهدًا من أجلها. لا يُصدق أن حياته تبدلت مئة وثمانون درجة، ترك الخمور نهائيًا وكذلك بدأ يُقلل من استنشاقه لتلك المواد المُخدرة، يحاول حتى التخلص من الكمية التي لديه تدريجيًا، يشعر وكأنه كالزهرة التي عادت إلى الحياة بعد أن انتقلت من حُجرة مُظلمة إلى شُعاع الشمس الزاهي. انتهى ميجو من عرضه ليترجل من أعلى المسرح متوٌجهًا لها بابتسامة واسعة تُزين ثغره، فهو لم يُبعد نظراته عنها وهو يُؤدي تدريباته حتى ظن أنه سيتعثر ويُخطيء بسبب جمال عينيها وابتسامتها. - واو ... كُنت تُحفة قالتها بحماسٍ وتشجيعٍ جعل ابتسامته تتسع وهو يتشكرها : - ده من ذوقِك .... وضع دربوجته أرضًا ليقف بجوارها مُستندًا على أحد المقاعد وعيناه لا تنفك تترك عينيها الطفولية حتى جعلها تتدرج في حُمرة من الخجل خاصة مع صمته المُفاجيء. - ففـ...في إيه ؟ قالتها بصوتٍ مُتلجلجٍ ما إن لاحظت صمته وتحديقه بها، تحمحم هو أثناء طرده لتلك الأفكار السوداء بعقله حتى لا تنتهي علاقتهما قبل أن تبدأ، فهو قد عاهدها بعدم مُغازلتها مُغازلاته الوقحة سوى بعد أن يتم عقد قرانهما، يجب أن يُحافظ على احترامه معها أيامًا قليلة فقط. - لأ مفيش ... أنا بس ... تبسم بسمة هادئة وهو يواصل : - سرحت في عينيكي انهمرت قطراتٌ من العرق على جبهتها وشعرت بالارتباك والخجل يغمرانها ويجعلانها تقول : - إييه.... لازم أروٌح كادت ترحل لكنه قبض على رسغها حتى تتوقف وتنصت إلى حديثه، تعجبت في باديء الأمر على مسكه ليدها دون إذن لكنه تركها فورًا وحمحم باعتذار قبل أن يقول بجدية : - أنااا... اتفقت مع عمي هلال إن كتب الكتاب هيبقى بعد بُكرة ... إحنا كدة كدة مش محتاجين حفلة خطوبة توقفت الكلمات في حلقها ولم تعد قادرة على إبداء أي من التعبيرات رغم الفراشات التي تتراقص بداخلها، فهي أخيرًا ستقترن بأول من دق قلبها له وستبني معه أسرة صغيرة لطالما كانت تحلم ببناءها، لكن لسانها الأحمق الذي لا يستطيع التعبير عما تكنيه من مشاعر هائمة جعلها تقول بجفاء : - كــ..كويس تعجب ميجو من ردة فعلها لكنه يعلم جيدًا أن حرجها يطغي على كلماتها ويجعلها تتدرج في تلك الحُمرة وتلك الكلمات المُختصرة : - كويس !! ... أنا كُنت فاكر إنِك هتتبسطي زادت قطرات العرق على جبينها وهي تنفي حديثه بتلجلج : - مناا.. منا مبسوطة هو مش باين عليا ؟ بقي ساكنًا مُحدقًا بها مُتلذذًا بارتباكها ومحاولاتها لاستجماع شتات نفسها، يعلم أنها ستنفجر في لحظة من اللحظات لكنها تُحاول قدر الإمكان أن تُحافظ على صورتها الهادئة الرزينة أمامه، لا تعلم حتى أنه لا يراها هادئة ولا حتى رزينة، بل هو يُحب عفويتها وحديثها الطفوٌلي. - هو ... كتب الكتاب إمتى بالظبط ... يعني الساعة كام ؟ حافظ على ملامحه الجافة وهو يُجيب : - على ستة، ستة ونُص كدة همهمت بلامبالاة زائفة ثم حدقت لأسفل لفترة وجيزة من الصمت لترفع من نبرتها وهي تسأل مُجددًا : - طب هو .... بعد كتب الكتاب يعني هكون متجوزة رسمي ؟... يعني .. يعني هنمسك إيد بعض وهتقولي إنتِ مراتي والجو ده ؟ قطب حاجبيه بحيرة من سؤالها العجيب الذي حاولت تبريره بلجلجة : - أنا بسأل عادي يعني مش حاجة ... أنا بس إيه .. بس إيه بدأت تلتقط أنفاسها بصعوبة بمحاولة مُستميتة لتهدئة ضربات قلبها المُتصاعدة، لكنها في النهاية انفجرت تاركة المجال لسعادتها باحتلال الساحة : - أنا مش مصدقة نفسي ... إحنا خلاص هنتجوز !! ... ياس... واصلت الهِتاف بحماسٍ والتصفيق بطفولية وفرحة عارمة جعلته يبتسم عنوة ويتابعها خارج المسرح، لم تتوقف عن الحديث عن سعادتها بينما كان هو يبتسم لها تارة ويُفكر بمُستقبلهما تارة أخرى، لا يعرف حقًا كيف سيوٌاصل حياته مع فتاة تحوٌي بداخلها طفلة رضيعة.... ______________________________ تعانق الشمس المياه في مشهد غروبٍ تهيج به الأنفاس، وفي تلك الأجواء الرائقة، كان يتحرك إسلام بروحه المعنوية وجواره داليا التي أمرها أن تخرج من جسدها لغرضٍ هام، وثبا أمام السور المُطل على نهر النيل وهناك رجلٌ يجلس على أحد الأركان بكنزته السوداء وهدوءه الساكن. تحرك إسلام نحو الرجل ليجلس بجواره بهدوءٍ حتى لا يُصيبه بالانزعاج، رغم أنه يعلم أن هذا الرجل الغامض المدعو بحرب، لن يُصاب بالانزعاج أبدًا، ولا يُصاب بأي من المشاعر من الأساس. - توُقعت إنكم هاتيجو قالها حرب ما إن استشعر جلوس إسلام بجواره وداليا بجوار إسلام تختبيء خلفه ولا تُريد مواجهة هذا الرجل من الأساس، هي حتى لم تُشجع على هذه الفكرة بطلب المساعدة منه. تعجب إسلام من معرفته لمجيئهما فسأله بحيرة : - يعني إنت عارف إحنا عايزين إيه ؟ آجابه حرب وهو لا يُعيره أي انتباه، فقط يُحدق بالنيل أمامه ويُجيب بجمود : - عايزين مساعدة .... أو عايزين تخلصو من حد ومش عارفين... التفت نحو إسلام ليُنهي كلماته بنظراتٍ ثاقبة آذابت عظامهما : - هاا... عايزين تخلصو من مين ؟ كانت السعادة تبدو على وجهه وهو يسألهما ذاك السؤال وكأنه يتلهف لمُتعة ما؛ حمحم إسلام ليُجلي حنجرته قبل أن يُصحح ما فهِمه : - لا لأ ... الموضوع مش كدة ... إحنا مش عايزين نخلص من حد، إحنا عايزين نحمي نفسنا مش أكتر أبعد حرب عينيه عنه بخيبة أملٍ لم يُظهرها وهو يقول : - من مين ؟ تدخلت داليا لتُجيبه هذه المرة : - مش عارفين لسة ... بس في حد بيراقبنا وعايز يأذينا ... وكمان عايز يإذي المُتنقلين كلهم ... يعني احتمال حياتك إنت كمان تكون في خطر ما إن أنهت حديثها حتى قهقه قهقهة ساخرة بدت مُختلة وهو يقول : - خطر !! .... أنا إللي بخلٌي حياة الناس في خطر ... مش العكس قالها بكبرياءٍ ولكنة شيطانية جعلت إسلام يتأكد أنهما أتيا للشخص الصحيح، فمواجهة المُجرمين تحتاج إلى مُجرمين آخرين، ولن يجدو مُجرمًا أفضل منه خاصة وهو مُتنقلٌ مثلهما، لهذا السبب سأل إسلام : - طب إحنا عايزين أسلحة ... عشان لو اتعرضنا لحاجة نقدر ندافع عن نفسنا عقٌبت داليا لتطلب منه هي الأخرى : - وعايزين كمان نعرف مين إللي مراقبنا ... إحنا عارفين شكله بس لسة مش عارفين اسمه ولا عارفين الراجل إللي معاه - طلال ... اسمه طلال ... والراجل إللي معاه اسمه داغر داهمهما بتلك الكلمات التي ألجمت أفواههما، فمن أين يعرفه هذا ؟ ولمَ لم يُخبرهما مُنذ فترة طويلة ؟ .... ولمَ سيُخبرهما من الأساس، هو حتى لا يكترث لأمرهما ولا لأمر المُتنقلين غيره. - يعني إنت عارفه ؟ قالها إسلام بدهشة أردعها حرب بكلماتٍ جامدة مُتبهنسة : - المُجرم بيعرف المُجرم إللي زيه... خصوصًا بقى لما يكون عزرائيل أنهى حديثه بمُكرٍ لتطلب منه داليا : - تقدر تقولنا على مكان نجيب منه أسلحة ؟ ... واحنا هندفعلك إللي إنت عايزه آجابها حرب وهو شاردٌ في مظهر الغروب : - مفيش إلا إبليس ... هو الوحيد إللي هيفيدكم قطب إسلام حاجبيه وهو يقول بتعجب : - إبليس !! فسٌر حرب حديثه بقوله : - اسمه إدريس ... بس مشهور بإبليس ... سيِد الشياطين صمتٌ بُرهة عن الحديث أمام نظراتهما الواجمة ورغبتهما الداخلية بالفرار، يتعاملان الآن مع ملك الموت، وسيتعاملان فيما بعد مع سيد الشياطين، كم هذا عظيم !! - قولوله إنكم تبع عزرائيل ... وهيخدمكم في السِعر قالها وهو يحاول الوثوب عن السور حتى يعود أدراجه، لكن إسلام استوقفه كي يُعيد طلبهما بقوله : - وطلال وداغر ؟... مش هتعرف تجبلنا أدلة ضدهم ؟ آجابه حرب بنبرة قاطعة مهيبة : - مبجبش أدلة ضد حد .... عشان إللي بيضايقني بخلٌص عليه علطول ... بصق تلك الكلمات بوجهيهما ورحل بعد أن ترك لهما عنوان من يريدان ابتياع الأسلحة منه أو على الأقل تأجيرها، كم يشعرا بالراحة بعد أنتهائهما من تلك المُعضلة، لكن الطريق أمامهما لا يزال طويلًا مليئًا بالصِعاب التي سيتخطياها مهما كانت.... ____________________________ هائمًا على وجهه مُكبًا على تلك الأوراق التي تداخلت معلوماتها ونسجت العديد من العُقد داخل عقله، فتلك القضايا أشبه بالأحجية الناقصة التي لا يوجد لبقيتها أثرٌ بأي مكانٍ أو زمانٍ حتى، كان الوجوم بعينيه التي جفت دموعها بسبب كثرة التحديق، وكانت يداه لا تتوقفان عن مراجعة الأوراق ومشاهدة صورة هذه الضحية. قطع وصلة شروده دلوف أحد الرجال مُرتديًا زي الأطباء ويحمل معه حفنة من الأوراق التي تبدو مُهمة، حمحم الطبيب ببعض الاحترام قبل أن يُشير لؤي على أحد المقاعد حتى يجلس. ما إن جلس الطبيب حتى رفع الأوراق قبالة وجهه عازمًا على تفسير سبب وفاة الضحية بعد أن رفض كتابة التقرير، فما يوجد بتلك الورقة لن يفهمه أحد سواه. - تقرير الطب الشرعي بيقول إن كان فيه تقلص في العضلات وتلف في الأعصاب، وده بيدل على إن الدماغ تعرضت لصدمة كهربائية بقوة 50 لـ60 أمبير.... وكمان وجود الكدمات السطحية معناها إن الضحية اتعرضت لضرب مُبرح قبل ما يتم تعريضها للصاعقة الكهربائية.... وأثناء التحاليل اكتشفنا انخفاض ضغط الدم بشكل غير طبيعي وبؤبؤ العين كان مُتقلص ... ده غير إن نشاط الجهاز العصبي مكنش مُنتظم .... وده بيدل على إن الحالة كانت واخدة نوع من الممنوعات، بس مش لدرجة الوفاة همهم لؤي بتفهمٍ وتركيزٍ جام حتى صمت الطبيب تمامًا وتغيَرت معالم وجهه إلى التيه، فهو لا يعرف طريقة مناسبة ليُفسر بها ما يُريد تفسيره، فقد ظن أنه يستطيع التفسير، لكن الحقيقة أنه لا يُصدق تلك التحاليل حتى يستطيع تفسيرها. - و...في حاجة كمان انتبه لؤي لحديثه وأمعن التحديق بالطبيب الذي أردف ببعض التيه : - التحاليل والأشعة إللي عملناها على المُخ خلتنا نلاحظ حاجة غريبة أوي تقدم لؤي بجذعه بأعينٍ مُقطبة وكلماتٍ تزداد رغبة في المعرفة : - غريبة زي إيه ؟ مرر الطبيب عينيه على التحاليل مُجددًا ثم وجهها نحو لؤي متفوٌهًا : - لقينا جِسم مُشع غريب .... وكأنه هالة... حاجة مشوفنهاش قبل كدة في أي حالة تانية بدأت الشكوك تُساور لؤي حيال هذا الأمر مما دفعه لسؤال : - وده معناه إيه ؟ آجابه الطبيب باستنتاج : - إللي اعرفه إن الهالة دي أكيد بتأثر على نشاط المُخ ... وطبعًا المُخ مسئول عن كل حاجة بتدور في الجسم ... يعني وجود هالة زي دي بيأكدلي إن الضحية مكنتش شخص عادي ... كانت شخص عنده قُدرات، عنده حاجة مش عند أي حد تاني زادت كلمات الطبيب من الشكوك التي تساور لؤي وجعلت القلق أيضًا ينهش كيانه، ماذا لو كانت هذه الضحية مثل أصدقاءه ؟ ماذا لو انتهى مصيرهم مثلما انتهى مصير هذه الضحية ؟ تلك الأفكار ما فتأت تنهش بعقله وتجعل أعصابه تتلف ببطء، فهو عاجز عن الامساك بهذا الرجل، وعاجز حتى على حماية رفاقه والتخلص من تلك الشكوك. لاحظ الطبيب صمته فتفوٌه مُستئذنًا : - حضرتك تؤمر بأي حاجة ؟ خرج لؤي من دوامة شروده متفوٌهًا : - لا خلاص ... روح إنت سلِم التقرير للمعمل الجنائي أومأ الطبيب إيجابًا ليترك لؤي وحده غارقًا في شروده وقلقه وتلك الأحجية التي تزداد تعقيدًا ورهبة .... ______________________ مرٌ يومين بسُرعة كالبرق ويبقى الحال كما هو، ما تبدل فقط، أن في هذا اليوم سيتم كتب الكتاب الخاص بشمس في منزلهم البسيط، تم تزيين المكان بشتى أنواع الزينة ليصدح صوت الأغاني الهادئة التي لم تُغطي على حديث المعازيم، فكان بعضهم يرتشف الشاي ويتحدث بالبهو، والبعض الآخر يُقهقه بسعادة ويلتقط العديد من الصوٌر، وهناك من تتحدث مع شمس وتُهنئها بحرارة. كانت قمر تُساعد والدتها بتوزيع أكواب الشاي والترحيب بالمعازيم، لم يأتي منزلهم سوى آقاربهم المُقربون وجميع جيرانهم بما فيهم عبده شقيق داليا الذي يقف أمام الباب يرفع مطواته أمام المعازيم بتهديد : - طلع يا حلو إللي في جيبَك حمحم الرجل بذهولٍ من تصرفات هذا المُراهق الجعسوس، تلفت حوله بتيهٍ لعل الحديث لا يٌوجه له، أو أنها مزحة من ذاك الفتى الذي يبدو على ملامحه الوقاحة. - إنت لسة هتبحلق ؟...بقولك هات إللي معاك بدل ما تترحم على روحك لوٌح بالمدية أمام وجهه بتهديدٍ جعل الرجل يخضع ويُخرج حفنة من الأموال من جيبه لينتشلها عبده بسُرعة ويفسح له المجال بدخول المنزل، استند بعدها على حافة الباب مُخرجًا بقية الأموال التي جمعها ويبدأ بحصيِها والابتسامة المُفتخرة على وجهه وكأنه أحرز هدفًا ما ولم يُهدد أحدًا أو يأخذ أمواله عنوة... أما بالبهو فكانت سُمية تجلس على الأريكة وجوارها إحسان الذي تلبس جسدها وأصبح هو الفتاة الآن، لكنه مع ذلك لا يتصرف على هذا الأساس وواصل التحديق بها بهيامٍ قال معه بتمني : - نخلص بس من إللي احنا فيه ده وأنا هعملِك فرح ... مش هتنسيه لآخر يوم في عُمرِك رسمت بسمة خجولة على ثغرها بدت بلهاء وهي داخل جسده خاصة وهي تقول بدلالٍ لا يتناسب أبدًا مع جسد الرجل الذي تتلبسه : - بجد يا حاسونتي ؟ رد عليها إحسان بنفس ذاك الهيام وتلك العينان المصوٌبتان نحوها : - بجد يا قلب حسوٌنتي كانت نظرات داليا المُشمئزة تتابعهما من بعيدٍ وتشعر وكأنها على وشك التقيؤ؛ مالت بجذعها نحو يُسرى التي جلست جوارها تراقب هي الآخرى تلك الرومانسية المُفرطة غير المتناسقة بالمرة. - حاسة إني هرجع من الرومانسية المعكوسة دي ردت يُسرى عليها بنفس همسها : - ومين سِمعِك ... ده لو حد شافهم هيفتكرهم مُختلين عقليًا.... بنفس ذاك البهو، كان يجلس جابر وعيناه تٌحدقان بتلك الفتاة الغريبة ذات الشعر الأصفر والأعين الزرقاء الواسعة، لا ينكر أنها لفتت انتباهه وجذبته ناحيتها من أول وهلة، لذلك قرر أن يتحدث معها ولو قليلًا، ولأنه لا يتحدث أبدًا مع الفتيات ولا يعرف كيف يُفكرن حتى، قرر الاستعانة بخالد وإسلام لعلهما يُساعدانه بتلك المُعضلة. - هي إللي هناك دي اسمها إيه ؟ قالها وهو يُشير على تلك الفتاة ليُجيبه إسلام بصدق : - أااه... دي قريبة كوكي.. اسمها ساندي باين، بس إنت بتسأل ليه ؟ تلعثم بالحديث وهو يقول مُرتبكًا : - لــ ..لأ ولا حاجة ... عادي يعني تبادلت نظرات إسلام مع خالد بخُبث حتى انتهى الأمر بجلوس إسلام بجوار جابر من جهة وخالد من الجهة الأخرى لعلهما يستطيعا نصيحته، فكان إسلام يقول ببعض المُكر : - إنت وقعت ولا إيه ؟ تصبب العرق على جبين جابر ليُجففه وهو يقول باستنكار : - وو.. وقعت إزاي يعني ؟ ربت خالد على فخذه ليُطمئنه : - لا تخف من مشاعرك .... فإنكار القلوب، كالموت في الحروب لاحظ إسلام أنه لن يفهم حكمته العميقة نسبيًا فأمسك ذقن جابر ليوٌجه عيناه نحوه عنوة حتى يستمع إلى نصيحته : - سيبك منه وركز معايا ... عشان تكلمها، لازم تتقل عليها ... عشان الستات بتحب الراجل التقيل، إللي مش بيعبرها ... إللي مصدرلها وش الخشب علطول، إللي_ كاد يواصل الحديث لولا خالد الذي قطعه باندفاعٍ وبعض السُخرية : - والذي يضربها بالسُياط يوميًا وينتظر منها أن تُسامحه ظنٌ إسلام أنه يتحدث بصدقٍ فقال ببلاهة : - مش للدرجة ... بس ممُكن_ قطعه خالد مُجددًا ببعض الحدة : - توٌقف عن الهبد يا هذا .... لا أحد يُعامل المرآة هكذا قطٌب إسلام حاجبيه بحيرة بعد أن تغافل عن ما يكنيه حديث خالد وركز على شيءٍ آخر : - توُقف عن الهبد !! ... إنت جبت الكلمة دي منين ؟ هو جابر أثر على دماغك ؟ تدخل جابر ليُصمت إسلام بصوتٍ هامسٍ قبل أن يفضحه : - ششش... إكتم الله يخليك ... دا أنا قايله إن هبد دي كلمة بالفُصحى وإني أخدتوها في درس العربي لاحظ خالد همسهما فأردف بتساؤل : - ماذا تقولان ؟ تنحنح إسلام قبل أن يبتعد عن جابر متفوٌهًا بمرح : - ولا حاجة ... كنا بنتناقش في الكلام العربي الجديد إللي جابر أخده في درس العربي لاح الفضول على وجه خالد وهو يعتدل في جلسته متسآلًا في حماس : - وما هذه الكلمات ؟ تبادلت نظرات إسلام وجابر في مُكرٍ مع ابتساماتٍ حاولا إخفاءها عندما قال إسلام : - كلمة جديدة كدة اسمها مُزة .... داخل حُجرة النوم حيث ابتعدت قمر عن المعازيم وقررت دلوف الحُجرة مع زوجها الذي يبدو على وجهه التخبط كما لو كان هناك عنكبوتٌ يُحيطه بشباكه ويرفض تحريره وتركه وشأنه، كان يجلس بوجومٍ على الفِراش حتى لا يُلاحظ أحدهم تيهه ويُعركل تلك الأجواء السعيدة؛ جلست قمر جواره على الفِراش حتى تسأله بقلق : - مالك يا لؤي ؟ بقي لؤي في حالة من الصمت حتى قطعها متفوٌهًا بوجوم : - أنا عرفت إللي اسمه طلال ده ... طلع دكتور في مُستشفى كبيرة وليها مكانة ... بعت ناس يراقبوه ويشوفو وراه إيه رغم أن الخبر يبدو سعيدًا أو به بعض الأمل، إلى أن طريقة حديثه جعلتها تستشعر القلق وكأنه يُخفي شيئًا آخرًا : - طب حلو ... إيه إللي يضايق في كدة ؟ تنهد تنهيدة عميقة قبل أن يقطع صمته بكلماتٍ صادقة، فهو لا يُخفي عنها شيئًا خاصة فيما قد يتعلق برفاقهما : - الفكرة إن إنهاردة الصٌبح لقينا جُثة مرمية عند صفيحة الزبالة ... وتقرير الطب الشرعي بيقول إنها ماتت بصدمات كهربائية ... بس الغريب بقى إنهم لاقو جسم غريب في دماغ الضحية ... جسم مُشع شبه هالة أو.... بتر كلماته عند تلك النقطة مما جعل القلق يطغي على قمر كليًا بعد أن بدأت شكوكها تزداد مع قلقها : - هيئة نجمية ؟؟ .... هي الهالة دي ممكن تبقى هيئة نجمية ؟... زي إللي شوفناها في تحاليل داليا وإسلام إللي ضُرغام عملها ؟ سألته بشكٍ وهي تتذكر تلك التحاليل قبل أن تقوم بحرقها هي ولؤي، بقي هو في حالة من الصمت لبُرهة من الوقت حتى قال بجهل : - الله أعلم ... أنا بردو شكٌيت في كدة ... وشكيت إن الضحية دي من المُتنقلين ... يعني ممكن أي حد تاني يكون مكانه فهمت مقصده فورًا وهذا ما جعلها تغرق في دوامة من القلق، ماذا لو كان أحد أصدقاءها مكان هذه الضحية المسكينة ؟ ماذا لو كان هذا الذي يُدعى طلال يُجري تجاربًا قاسية عليهم دون أن يكترث لحياتهم، أوقف لؤي شرودها بتحذير : - المهم ... أوعي تقولٌي لأي حد عن إللي قولتهولِك ... مش عايزين حد يقلق كفاية إللي احنا فيه رمته بنظراتٍ واثقة قالت معها : - متقلقش ... أنا عُمري ما قولت أسرارنا لحد لم يُصدق لؤي حديثها أثناء قوله المُتهكم : - وحياة أمِك !!.... دا أنا لما بنطلوني اتقطع في نُص الشارع من حتة وحشة ... روحتي عرٌفتي الناس كلها وكان ناقص تعملي فيديو وتفضحيني على السوشيال ميديا تذكرت قمر هذا الموقف المُحرج الذي تعرٌض له زوجها وكيف كان غضبه حينما توارى بأحد المتاجر حتى يبتاع بِنطالًا آخرًا، وهي بدلًا من أن تخفي سره، وجدت نفسها تقُص ما حدث لوالدته أولًا ثم أصدقاءها حتى امتد الأمر لرفاقه وبعض زملاءه بالعمل، حمحمت بحرجٍ وهي تقول بتبرير : - أيوة بس دي كانت حاجة صُغيرة ... إنما دي حاجة كبيرة بقي يُطالعها بعدم تصديق ويعلم جيدًا أن الخبر سينتشر في أقل من ساعة زمن، حاولت هي تغيير الموضوع بجذبها لذراعه وإيصاله حتى الخزانة كي يرى صوٌرها وهي صغيرة مُعلقة على الخِزانة، آشارت بإصبعها على إحدى الصوٌر حيث كانت ترتدي رداءً ورديًا وتحمل معها دُمية كبيرة تصل حتى قدميها وشعرها مُشعث كالقُنفذ، كانت تبدو بالثامنة من عُمرها وكانت ابتسامتها الواسعة الطفولية تُعرب عن مدى سعادتها بتلك الدُمية. - الصورة دي كانت يوم عيد ميلادي ... كان وقتها أمنية حياتي أجيب عروسة كبيرة، وأول لما جبتها اتصوٌرت بيها علطول عشان احتفظ بيها ذِكرى رسم بسمة هادئة على ثغره وهو يُطالع صورتها وبرائتها الطفولية التي لا تزال تحتفظ بها حتى الآن، آشارت قمر على صورة أخرى وهي تواصل الحديث عن طفولتها البريئة والمُتشردة، حيث كانت تلك الصورة تضمها هي وشقيقتها عندما كانت كل واحدة منهما تجذب خُصلات الأخرى، وكان وراءهما شهاب وهو رضيع يشاهد عراكهما بوجهٍ متُبلم، كانت تُقهقه بسُخرية وهي تشرح تلك الصورة : - دي بقى كُنت أنا وشمس بنتخانق كالعادة ... راحت ماما هددتنا وقالتنلنا والله العظيم لاصوركم واوريها لكل الناس قهقه لؤي بخفة على حديثها الذي علق عليه : - الواضح إن طفولتِك كانت هادية أوي لم تكن تعلم كيف تُجيبه على ذاك الاستنتاج، فحياتها كانت روتينة هادئة، فهي في أسرة متوٌسطة الحال لم تتعرض للتشرد أو المعاناة حتى، ومع ذلك لا تعتبر حياتها مثالية ودائمًا ما تقارنها بحياة غيرها المُطرفة. - مش أوي ... بس عارف ... صمتت بُرهة عن الحديث لتزورها هالة من الرضا وهي تقول : - رغم إن أسرتنا تحس إن فيها حاجة غلط ... بس أنا مش هقدر اتخلٌى عنهم ... وحاسة كمان إني محظوظة بيهم، كفاية إننا أسرة بسيطة مش بتعمل_ انتفض جسديهما مرة واحدة إثر اندفاع باب الخزانة ليصدح صوٌت انفجارٍ مع أوراق الزينة التي ألقيت عليهما فجأة، تصاعدت أنفاس قمر في رُعب جعل ضربات قلبها تضرب بهوادة من شدة الفزع، بينما كان الغضب حليف لؤي وهو يزيح أوراق الزينة عن ثيابه ويتابع شهاب الذي لم يتوقف عن القهقهة بشيطانية وهو يقول ومعه تلك الأداة التي نثرت أوراق الزينة عليهما : - أنا بحب صحابي ... أنا بحب صحابي... زادت كلماته من غضب لؤي مما جعله ينقض على شهاب ويرفعه عن الخزانة كي يحمله من قدميه بينما جذعه العُلوي يتدلى على ظهر لؤي، فكان لؤي يهتف بتوٌعد : - تعالى بقى هنا .... عشان وحياة اللي خلقني منا سايبك الليلادي حاول شهاب التملص من قبضته وهو يستغيث بشقيقته : - قمر .. ساعديني يا قمر ... يا قمر أنا أخوكي.. التفت لؤي نحو قمر ليسألها : - عايزة الواد ده ؟ حركت قمر رأسها نفيًا وهي تقول بشماتة ورغبة عارمة بالانتقام : - لأ ابتسم لؤي ابتسامة خبيثة وهو يواصل السير بشهاب الذي لم يتوقف عن الاستغاثة.... لا نعلم كيف تنقضي الأوقات السعيدة بسُرعة، فعندما يخترق الشقاء الأجواء يجعل الثانية تمُر كالدهر... هدأت أصوات الموسيقى وحلٌ محلها صمتٌ مؤقتٌ يعتليه عوالم السعادة والتهنئات، تجلس شمس على الأريكة برداءٍ أبيضٍ هاديء ومُستحضرات تجميل بسيطة لم تَطغي على برائتها، كانت عيناها تلتصقان بالأرض ووجهها أحمرًا يشع منه حرارة تكاد تجعلها تبكي فرحًا، فهي لا تُصدق أن حياتها ستتغير في أقل من لحظة، ستتحوٌل من إمرأة عاذبة إلى سيدة متزوجة، ستتحوٌل من فتاة وحيدة إلى أخرى ترتبط حياتها بحياةٍ شخصٍ آخر لم تتوٌقع أبدًا أنه سيعترض طريقها. حرٌك ميجو حدقتيه نحوها يحاول الاعراب عن لهفته بكونه سيتزوجها ويجعلها ترتدي خاتمها بيدها اليُسرى، لكن ما منعه من الإعراب عما يكنيه هو والد شمس الذي جلس بينهما تاركًا مكانًا للمأذون الذي سيعقد قرانهما. أفسح الجميع المجال للمأذون الذي جلس بين هلال وميجو بوقارٍ فتح معه دفتره وأخرج منديله القماشي ليبدأ عمله، ربت إسلام على ظهر ميجو بحنانٍ جارف يواسيه على تلك الخطوة بكلماته المرحة المُشجعة : - خليك دكر ... عشان بعد اللحظة دي هتشوف أيام ما يعلم بيها إلا ربنا كان يقولها بسُخرية جعلت داليا تضربه على كتفه بزمجرة بينما قهقه البقية بمرح، رفع ميجو يده نحو هلال ليضع المأذون المنديل على كفيٌهما حتى يبدأ عقد القِران. توٌقفت الأفواه عن الحديث وتصاعدت ضربات القلوب استعدادًا لاطلاق التهنئات والزغاريد، لكن ما حدث هدٌم جميع آمالهم وطموحاتهم... تلاشت عوالم السعادة من الوجوه ليحل محلها عوالم الحيرة ما إن لمحوا خطواتٍ أنثوية مُدللة تقتحم الجلسة بعوالم تنضب بالغضب، فقد كان باب المنزل مفتوحًا تمهيدًا لاستقبال المزيد من المعازيم. احتقن وجه ميجو وهو يرمق كارمن تقف أمامه بشُعلات من النار تنطلق من عينيها، رداءها القصير اللامع ومُستحضرات تجميلها المبالغ بها جعل الشك يتغلغل بجميع الحضور، رسمت بسمة ماكرة ومُتهكمة على ثغرها أثناء حديثها الذي أوقف كلمات المأذون : - مالكم ... وقفتو ليه ؟ ... ما تكمل يا شيخنا .... عايزين نفرح بي .... اتكأت على حروف كلماتها وهي تُحدق بميجو : - ابن الرقاصة أخفض ميجو يده بوجهٍ أحمرٍ كجمرة نارية، اطبق على أسنانه بغلٍ وكاد يصفع تلك الفتاة التي يبدو من حديثها أنها تعايره وتحاول فضح حقيقته. - اطلعي برة يا كارمن قالها ميجو بتهديدٍ وصوتٍ مُرتفعٍ لعله يُحاول انقاذ الموقف، لكن كلماته أدت نتيجة عكسية تمامًا، فما إن أظهر معرفته بتلك الفتاة حتى زادت شكوك المعازيم من بينهم شمس التي كانت في حالة من الخوف لأنها تعلم تلك الفتاة جيدًا، كما تعلم ماضي ميجو أيضًا، لكن والديها خاصة والدتها لا تعلم عمَ تتحدث تلك العاهرة، وما علاقتها بميجو ... الذي سيضحى زوج ابنتها، لهذا السبب سألت ببعض الحدة التي وجهتها نحو كارمن : - مين ده إللي ابن الرقاصة ؟ التفتت كارمن صوٌب نجمة مُنتهزة تلك الفُرصة لتبث سُمها وتُنفذ ما أتت لأجله، كانت تقهقه قهقهة بسيطة ساخرة ثم قالت : - إلا هو إنتو متعرفوش ؟... وجهٌت نظراتها نحو ميجو وهي تواصل الحديث باتكاءٍ على حروف كلماتها : - متعرفوش إن اللي هيكون زوج بنتكم المصون .... يبقى ابن رقاصة وبيشتغل في كبارية !! يُتبع ❤💕 _______________________________ تطورات القضية : 1- جنوب أفريقيا تُقدم مرافعتها أمام محكمة العدل الدولية أمام اسرائيل. 2- مرض خطير يُصيب أقدام جنود الاحتلال الاسرائيلي في غزة. 3- انفلات أعصاب قادة الكيان الصهيوني بعد مرافعة جنوب أفريقيا. 4- الرئيس السيسي يبحث مع رئيس وُزراء بريطانيا عن وقف إطلاق النار في غزة وتأمين البحر الأحمر. 5- طفلة شهيدة ارتقت في قصف اسرائيلي لمنزل عائلة أبو ناموس في خان يونس. 6- اسرائيل تُهاجم جنوب أفريقيا وتصفها بـ " ذراع حماس القضائية ".... ( لا تنسوا القضية ) _________________________ أتمنى الفصل يعجبكم واحتمال الفصل اللي جاي يتأخر شوية عشان هراجع الفصول إللي فاتت كلها قبل ما اكتب آخر فصول في الرواية.. قولولي رأيكم في الفصل دي وفي الرواية بشكل عام ولو في أي أخطاء إملائية أو أي نقد على الرواية ياريت تقولولي ومتنسوش الفوت 🥰
نوران أشرف محمد