بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم احفظ أقصانا من المدنسين، اللهم احفظ اخوتنا المرابطين في فلسطين وسائر بلاد المسلمين " لا تنسوا الدعاء لأهالي فلسطين 🙏🙏 _______________________ هناك صدمات تحوٌل حياتَك جحيمًا، وهناك صدماتٌ أخرى تجعلك تُرفرف من السعادة، فربما هذا النوع يُسمى مفاجأة، لكنها تأتي على هيئة صدمات... ازداد ارتباكه وتعرق وجهه وهو يدوٌر حول نفسه بتيه، هل ما تقوله صحيح ؟ هل سيأتي طفلهم على العالم في هذا الوقت المتأخر من الليل !! أهٍ من هذه الليلة الطويلة، فلا يكفي ما حدث صباحًا حتى يختتموا اليوم بتلك المفاجأة. إقترب نحوها ليجلس قبالتها وصوت أنينها وصُراخها يرتفع أكثر، فقد تحوٌل وجهها إلى اللون الأحمر وكانت تقبض بيدها على الأريكة حتى كادت تُمزقها، فما تشعر به أصعب من أي ألمٍ شعرت به فيما سبق. - بـ.. بتوٌلدي إزاي ؟؟ .... بتتكلمي جد ؟ سألها بحيرة لتصرخ بوجهه بعد أن طفح كيَلها : - أومل بهزر... أدلت تلك الجُملة وواصلت الصراخ والاستنجاد حتى ينقلها إلى المشفى فورًا، فمع صراخها وأنينها ازداد توٌتره وبدأ يتلفت حول نفسه بأيدٍ مُرتجفة يبحث بها على الهاتف ويقول بقرارة نفسه : - لازم أكلم إسلام بُسرعة أمسك جهاز التحكم بدلًا من الهاتف ووضعه على أذنه استعدادًا لإجراء المكالمة، لكنه اكتشف أنه جهاز التحكم فألقاه بعيدًا وحاول مسُاعدة كوكي على الوثوب عن الأريكة حتى تستقل معه السيارة، فهو بالطبع لن يقدر على حملها وهي لا تتوقف عن الصُراخ وتمسك الوسادة لتضعها داخل فمها وتبدأ بعضٌها لعلها تُخفف القليل من هذا الألم. وضع مُعتز الهاتف على أذنه كي يتحدث مع إسلام الذي أيقظه من نومه، كان يتحدث بفاهٍ مُتلجلج وصوتٍ يزداد ارتباكًا وخوفًا : - إلحقني يا إسلام أنا بوٌلد ... قصدي ناجتس هي إللي بتوٌلد... أيوة بُسرعة أغلق المكالمة بذعرٍ وهو يحاول حمل كوكي التي بدأت تضربه وتقبض على ذراعه تزامنًا مع صراخها الذي لم يتوٌقف حتى استطاع أخيرًا مساعدتها على استقلال السيارة بمساعدة من إسلام وداليا التي استيقظت هي الأخرى من نومها وبدأت تُساعدهما وتسبٌهما أيضًا لأنهما أيقظاها من النوم ومن الراحة التي اشتاقتها لعدة أيام. ________________________ صوٌت صراخها لم يتوٌقف وهي داخل حُجرة العمليات ترتدي سُترة زرقاء وتستلقي بظهرها على الفُراش وأمامها إحدى الطبيبات وبعض الممرضين يُساعدونها على الولادة الطبيعية، فالطبيبة أخبرتها أن الوقت قد تأخر وأن الولادة القيصيرية قد فات أوانها، فالطفل ينزلق ويصرٌ على مقابلة الحياة بصدرٍ رحبٍ وهو لا يعلم ما تحمله تلك الحياة من أهوال، فلو كان يعلم لما بقي داخل رحِم والدته إلى الأبد. يقف مُعتز وراءها يرتدي ملابس طبية ويمسك بكفها لعله يُحاول التهدئة من روعها، فهي لا تتوقف عن الصُراخ ومحاولة تنظيم أنفاسها قبل أن تفقد وعيٌها، فالوجع يزداد أكثر كلما طلبت منها الطبيبة أن تضغط وتتحامل على ذاتها حتى يستطيعوا الإمساك بهذا الصغير. - طب تصدقي بقى ... حتى وإنتِ وبتصرخي قمر قالها ببسمة مُتغزلة على ثغره متغافلًا عن تلك الحالة التي هُم بها، فما إن أدلى تلك الكلمات حتى وجد صوٌت صُراخها يصدح عاليًا لتردف بعدها : - مش وقـــته ... انتبه إلى وضعهما المتأزم فتلاشت بسمته وعاود مواساتها وتشجيعها على المثابرة حتى هتفت الطبيبة بلهفة : - أهو ... الراس ظهرت... اضغطي كمان يا مدام كادت تفقد وعيها في تلك اللحظة، فأنفاسها تتهدج والعرق يتقاطر من جبينها كالودق، لكنها مع ذلك تماسكت وشددت من القبض على كف مُعتز وهي تضغط للمرة الأخيرة حتى ... صوت البكاء غمر الحُجرة ليجعل بسمتهما تُرتسم تلقائيًا، ترقرقت دموع الفرحة من عينيها وهي تُشاهد أمامها قطعة من أحراشها مُلطخة بالدماء يلتف حولها قطعة بيضاء من القماش، غطت الطبيبة جسده الصغير وهي تقول ببسمة واسعة : - مبروك ... بنت زي القمر ما إن أدلت تلك الجُملة حتى تبادلت نظراتهما في سعادة بالغة تبعتها الطبيبة وهي تقترب بتلك الطفلة وتضعها بحرصٍ أمام كوكي، فشعور الأمومة بدأ يتدفق إليها من الوهلة التي أمسكت بها بهذه الطفلة البريئة والتي ستتوٌج قصتهما وستُغير حياتهما للأبد، أخذت الطبيبة الطفلة مُجددًا لتضعها بحُجرة الرعاية كي تتأكد من سلامتها، كما أن حالة كوكي المزرية جعلت الطبيبة تتركها لتستريح قبل أن تنقلها إلى حُجرة عادية... مرٌت العديد من الساعات وهي لا تزال داخل المشفى تفتح عينيها بوهنٍ على أشعة الشمس الهادئة التي بدأت تتغلغل بأركان الحُجرة، وجدت مُعتز جوارها يحمل صغيرتهما على كنفه ويُهدهدها بحنانٍ جعلها تبتسم تلقائيًا، فلا شك أنه سيُصبح أبًا حنونًا يرعى صغيرتهما ويقف بجوارها في الصِعاب. انتبه مُعتز إلى استيقاظها فتقدم نحوها ومعه الصغيرة كي يضعها بين ذراعيها فتعتدل هي بجلستها وتُحدق بجسدها الصغيرة وعينيها المُغلقة، لكن خُصلات شعرها بدت بُنية اللون مما يعني أنها ربما تضحى مثل والدها. قطع لحظتهما الرائعة إقتحام كلًا من إسلام وداليا الحُجرة بأوجه مُرهقة وكلماتٍ مُعاتبة صادرة من داليا : - حمد الله على السلامة يا إللي مصحيانا طول الليل ارتمت جوارها على الفراش تحمل منها الصغيرة وتبدأ بهدهدتها بحنان، أما عن إسلام فكان يجلس على المقعد المجاور لمقعد مُعتز ويسأله بفضول : - ها ... قررتو تسموها إيه ؟ تلاشت بسمتهما لوهلة وطفقا يتبادلان النظرات في تيه، فهما لم يختارا الاسم ولم يُفكرا حتى بإختياره، فسعادتهما بالمولود أغفلتهما عن تلك النُقطة، قطع مُعتز هذا الصمت باقتراحه الواثق : - هنسميها زُليخة على اسم جدتي لاحت عوالم التذمر على وجه كوكي وهي تقول : - إيه ؟... noway .... أنا مش هسمي بنتي زلابية صحح مُعتز حديثها : - أنا قولت زُليخة اعترضته مجددًا بإصرار : - مش مهم ... المهم إني مستحيل اسميها الاسم ده تدخلت داليا بالنقاش كي تسألها بفضول : - أومل هتسميها إيه ؟ تبسم وجهها وهي تقول بأعينٍ تُحدقان بتلك الفتاة الصغيرة : - هسميها Esperanza قطب مُعتز حاجبيه من ذاك الاسم العجيب الذي هتف بعده : - أسبرينا !! .... ده اسم ده ولا دوا من الصيدلية ؟ رفعت من نبرة صوتها قليلًا وهي تُعارض حديثه وتتمسك بقرارها باستماتة : - على فكرة دا اسم حلو جدًا ... my bestfriend في أمريكا كان اسمها كدة بادلها مُعتز بنفس النبرة المُعترضة وهو يقول : - لا مفيش الكلام ده ... أنا مش هسمي بنتي أسبرينا - وأنا مش هسميها زلابية وهكذا نشب العِراك بينهما أمام إسلام وداليا اللذان يُطالعانهما بأعينٍ ناعسة وجسدٍ غير قادرٍ على الجدال رغبة في النوم، وأمام جدالهما الذي احتد قليلًا تدخلت داليا حتى لا يُداهمها الصُداع من أصواتهما : - بــــس .... بس هدأت أصواتهما لتتجه الأعين نحو داليا التي أردفت باقتراح : - أنا عندي ليكم اسم حلو .... ____________________________ أغلقت المكالمة مع صديقتها التي اطمأنت عليها قبل مواصلة العمل، فعلى الرغم من أن داليا حاولت الاتصال بها، إلى أنها تضع هاتفها على وضعية الصامت دائمًا خاصة عند الخلود إلى مضجعها، لهذا السبب تغافلت عن تلك الأحداث التي حدثت ليلة أمس حتى اتصلت بها داليا وجعلتها تطمئن على حالة كوكي وترى ابنتها الصغيرة التي رُزقت بها منذ فترة صغيرة. تسترخي بظهرها على المقعد الوثير أمام مكتبها ذا الصيحة العصرية والعديد من اللوحات التي تحمل لمحة من الأمل والشعور بالتفاؤل، أما أمامها كان يوجد حفنة من الأوراق تخص بعض الحالات التي تأتيها منذ بدأت تلك الوظيفة، فهي قد نفذت أحد أحلامها وتركت الصحافة وكوارثها لتتجه إلى وظيفة تعشقها تتعلق بالطاقة وبث الإيجابية والتفاؤل على الجميع، ولأنها ماهرة بالتنويم المغناطيسي فكانت تستخدم تلك المهارة لمُعالجة بعضًا من حالاتها. قطع خلوتها فتح باب المكتب ليتوٌغل منه إحدى الحالات مما جعلها تعتدل بجلستها وتغلق هاتفها، وجدت أمامها رجلًا يبدو بأواخر العشرين لكن وجهه وحالته تجعلك تعتقد أنه بالعقد الرابع، جلس بهدوءٍ أمام مكتبها وبقي في حالة من الصمت والشرود حتى أردفت : - سلام عليكم رمته ببسمة ودودة ولا يزال هو في حالة من الشرود مع إيماءة بسيطة تُصدر من رأسه ليجعلها تتأكد أنه يستمع إليها، أرخت ظهرها للوراء وهي تسأله : - إيه بقى مُشكلتك ؟ آجابها وهو لا يزال يُحدق في شرود : - مش عارف اعتدلت بجلستها وهي ترمقه بحيرة والعديد من علامات الاستفهام تتحرك حول رأسها، فكيف لا يعرف هذا الرجل ماهية مُشكلته، ولمَ أتى هنا من الأساس ؟ قطعت وصلة الأسئلة التي تحوم حولها بسؤالٍ مُختصر : - إزاي ؟ ... يعني إيه مش عارف ؟ فسٌر الرجل إجابته بصوتٍ هاديء : - مش عارف أي حاجة ... أنا مش عارف حتى اسمي لازالت تُحدق بحالته الغريبة حتى استنتجت : - فقدت الذاكرة ؟ لاح التيه على وجهه وهو يقول : - مش عارف ... أنا صحيت لقيت نفسي في المُستشفى ... بس محدش قالٌي إني عملت حادثة، قالولي إنهم لقوني مرمي عند صفيحة الزبالة سألته مجددًا برغبة عارمة بمعرفته أكثر حتى تُحاول مساعدته : - يعني إنت مش فاكر مين إللي عمل فيك كدة ؟ نفى برأسه بأعينٍ تزيغ في بُقعة عشوائية ليتحلٌى بعدها بالصمت إلى أن وثبت قمر من مقعدها لتتخذ المقعد المقابل له وتبدأ النظر في عينيه الداكنة التي حملت مزيجًا من الغموض والإرهاق، فوجهه ذابلٌ وجسده هزيلٌ كما لو أنه خرج من إحدى المعارك، أحنت جذعها وهي تحاول التحديق بعينيه اللتان تحدقان بالأرضية. - ممكن تبُصلي ؟ سألته بهدوءٍ لتجده يستجيب لحديثها ويرفع رأسه بهدوءٍ لتضحى قبالتها، فما إن تلاقت عينيها بعينيه حتى أطلقت نظراتها الثاقبة نحوه وبقيت هكذا لفترة حتى جعلته يغرق في سُباتٍ عميقٍ تعلم جيدًا أنها بتلك الطريقة ستجعله يعثر على تلك الذكريات المفقودة. ارتمى رأسه للوراء وبقي في حالة من السكون لفترة وجيزة عاد بها إلى طفولته ووالدته التي لا تُعيره أي انتباهٍ بعد أن توٌفي والده، العديد من الذكريات تتدفق أمامه بصورة عشوائية جعلت الدمعات تتساقط من عينيه ثم... انتفض جسده فجأة وبدا وكأن مسًا كهربائيًا قد مسٌه في تلك اللحظة، انتابها الذعر وهي تتابع حالته ولا تُعلم كيف توٌقفه؛ وثبت عن المقعد لتتقدم نحوه وتبدأ بمناداته رغم أنها لا تعرف اسمه حتى : - يا أستاذ ... يا أستاذ .. ولكنه لا يستفيق ولا يزال ينتفض بهستيرية حتى قررت خوٌض التجربة وتجربة تلك المهارة التي اكتسبتها مؤخرًا والتي تُساعدها على الشعور بما تشعر به الحالة أثناء تنوميها مغناطيسيًا، قبضت على يده الباردة وأغلقت عينيها جيدًا حتى... أحسٌت بالكهرباء تسري بجسدها وتتغلغل إلى عقلها، مع صوٌتٍ غليظٍ يضرب أذنها مُحملًا بكلماتٍ قاسية تُحطم الأنفاس، شعرت بالإختناق لوهلة مع صوت المياه الذي شعرت بانسكابه على وجهها ليُعيق تنفسها، بل وأصوات السُياط والضربات بدأت تشعر بهم في جسدها حتى كادت تفقد الوعي ووجدت نفسها تبتعد عن يده في ذعرٍ وتحاول إفاقته بصوتٍ مُرتفع وبهزاتها الحادة. عاد الرجل من تلك الذكريات بأنفاسٍ مُتهدجة وبعض قطرات العرق تتصبب من جبينه، وجد قمر تقف وراءه تتابعه بنظراتٍ قلقة حتى وجدته يمسك برقبته ويحاول تنظيم أنفاسه دون أن ينبس ببنت شفة، آرادت أن تسأله عن تلك الذكريات لكنها وجدته يترك المقعد ويترك المكتب بأكمله بتقاسيم وجهٍ حادة ورغبة في الانتقام تشعر بها بين نظراته. ترك المركز بأكمله ولا تزال هي تتابعه بحيرةٍ وقلبٍ مُنقبضٍ، فما حدث مع ذاك الرجل ليس هينًا أبدًا.... _________________________ فتح عينيه بوهنٍ وجسدٍ يكاد يتهشم من كثرة الإرهاق، رفع رأسه قليلًا لينتبه إلى كونه داخل مكتبه عليه أن يُباشر عمله رغم أن عقله شاردًا في عالمٍ آخرٍ والإرهاق لا يترك جسده من ليلة البارحة، كذلك يُفكر بصغيرته التي اخترقت عالمه وبثته ببعض الطاقة لمواصلة العمل كي يوٌفر لها حياة تليق بها. ارتسمت ابتسامة هادئة على ثغره كلما تذكر وجهها الملائكي الذي يُشبه والدتها للغاية، وهذا أكثر ما يُميزها، يكاد الحماس ينهشه لرغبته العارمة بعودة المنزل وهدهدتها ومغازلة والدتها كما يفعل دائمًا، لكن ما حدث أنه وجد باب المكتب يتم فتحه بهدوءٍ لتتوٌغل فتاةٍ تبدو بمُنتصف العشرين من عُمرها، كانت تحمل حفنة من الأوراق بين يديها وتجلس بهدوءٍ قبالة مُعتز الذي يُطالعها بنظراتٍ مُستفهمة، فهذه أول مرة يرى بها هذه الفتاة ممشوقة الجسد ذات القامة المتوٌسطة والملابس المُثيرة التي تحمل شِِقًا من الرسمية، تنهدت الفتاة المدعوٌة بنرمين قبل أن تُعرف نفسها بوٌد : - أنا اسمي نرمين .... و.. وضعت حفنة الأوراق أمامه كي تدلي كلماتها : - انا كنت شغالة في شركة شحن قبل ما آجي هنا ... بس سيبتها لظروف خاصة داهمها بعض التوتر قبل أن تقول : - أنا عندي مشروع ممكن يرفع اسم الشركة ويخليها تنافس شركات تانية فقط الصمت هو ما كان يتحلٌى به وهو يُتابعها بإمعانٍ ينتظر حديثها المُهم، تنحنحت نرمين قبل أن تقول ببعض العملية : - حضرتك عارف طبعًا إن الستات بتخاف تركب مواصلات بليل عشان موضوع الخطف وكدة أمسك بحفنة الأوراق وبدأ يُطالعها باهتمام ورأسه يوميء إيجابًا على حديثها، هذا ما جعلها تواصل الحديث بثقة أكثر : - انا بقى عندي فكرة ممكن تخلٌي زباين أكتر يستخدموا البرنامج بتاعنا ويحسو بآمان تقدم بجذعه كي يسألها باهتمام : - فكرة إيه ؟ سرقت نفسًا عميقًا ثم أطلقته كمحاولة للحفاظ على ثباتها وهي تقول : - إننا نخلٌي في option يقدر يسمح للي بيستخدم البرنامج إنه يحدد جنس إللي بيسوق .... يعني لو واحدة ست كانت عايزة تركب مواصلات بليل وخايفة من موضوع الخطف، ممكن تخلٌي واحدة ست تانية هي إللي توٌصلها، وبكدة مش هتحس بخوف، كمان إللي هنشغلهم معانا من الستات هنتأكد من أصلهم وفصلهم الأول، وأنا عارفة إن في ستات كتير أوي بيدورو على شُغل وبيعرفو يسوقو مرٌت بُرهة من الصمت بينهما وهو يُفكر في اقتراحها الذي من الُممكن أن يُعالج إحدى المُشكلات ويُميز برنامجهم عن البرامج الأخرى الخاصة بالتوٌصيل، لكن الشكوك لا تزال تساوره وتُخبره أن السيدات لن تقبل بالقيادة في أوقاتٍ متأخرة ومن الممكن أن ترتكب حادثًا، لكنه يتراجع عن تلك الأفكار العُنصرية مرة واحدة ويقول أن الحوادث يتعرض لها الرجال والسيدات أيضًا، بقي أمامه فقط أن يعثر على فتياتٍ توافق على تلك الوظيفة التي يمتهنها الرجال بدرجة كبيرة. وضع مجموعة الأوراق على مكتبه بعد أن انتهت شجارات عقله وقرر أن يقول : - تمام يا أنسة نرمين ... أنا هشوف المشروع وهبقى أرد عليكي اتسعت بسمتها في سعادة بالغة وثبت بعدها عن المقعد كي تترك المكتب بعد أن ودعته توٌديعًا ودودًا حمل لهفتها، فهي لا تعلم كم السعادة التي ستجنيها ما إن يتحقق مشروعها وترتفع مكانتها بتلك الشركة وربما هي من ترفع من شأنها لأنها لا تزال شركة ناشئة... _______________________ مرٌت العديد من الساعات حتى بدأت الشمس تنحدر لأسفل تاركة المجال لتلك السماء البنفسجية بإغراق الأجواء وإمتاع الجميع بهذا المنظر المُبهر، كان العمل يسير على قدمٍ وساقٍ داخل هذا المتجر الصغير بعد أن تخلفت داليا عن العمل هي وإسلام لتحظى بالقليل من الراحة التي لم تدم طويلًا لأنها استيقظت بمُنتصف النهار كي تُساعد جابر على فتح متجره الصغير كما اتفقا معه فيما سبق. انتهى العُمال من وضع البضائع داخل المتجر وكان إسلام يتحدث معهم ويُعطيهم بعض الأموال قبل أن يرحلوا نهائيًا، بينما كان جابر يقف بمُنتصف المتجر بفاهٍ فاغرٍ لا يُصدق أنه يبدأ حياةً جديدة تختلف عن تلك الحياة البائسة التي كان يعيشها، لم يكن يعلم أن مِذاق الحلال والحياة الجيدة يختلف عن مِذاق حياته السابقة المليئة بالسرقة وارتكاب الجرائم، فكأنه بالضبط يتناول الكعكة بعد أن تعوٌد على الحَلظم مُر المذاق... - أنا مش عارف أقولكم إيه ... جميلكم هيتشال فوق راسي لآخر عُمري قالها بامتنانٍ بالغٍ أمام داليا التي تبتسم له بهدوءٍ ووٌد حتى أتى إسلام وشاركهما الحديث : - انا اتفقت مع واحد هييجي يساعدك في الشُغل وهيعلمك الشُغلانة كمان ... بس دلوقتي لازم تعرف إنك لازم تتعلم القراية والأرقام نصب قامته وهو يقول بثقة : - أنا معنديش مانع اتعلموهم دلوقتي ربت إسلام على كتفه بابتسامته الودودة التي قال معها : - طب يلا عشان أنا وداليا هنعلمك... ______________________________ تنهيدة حارة خرجت من جوفه وهو يرتمي على أريكة البهو بجسدٍ مُتهدهلٍ وعقل يكاد يفقد صوابه من كثرة الإرهاق، ما يُريده فقط هو نومة عميقة لأيامٍ عديدة تعوٌضه عن هذا الإرهاق الذي دام لبضعة أيام، وجد عينيه تُغلقان وحدهما ليترك للراحة مجالًا للتوٌغل داخل جسده قبل أن يثب ويُبدل ملابسه إلى أخرى بيتيه. - زيزو .. أيقظه هذا الصوت الذي حمل في طياته الغضب مما جعله يفتح عينيه ويجدها تقف أمامه تحمل معها ورقة وترفعها أمامه كي تهتف بنزق : - إيه ده ؟ قطب حاجبيه بحيرة من غضبها غير المُبرر وكأنها اكتشفت أنه يُتاجر بالسلاح من وراءها، أو أنه جاسوسٌ أو زعيم عصابة وهي لم تكن تعرف بذلك، لكنه نفض تلك الأفكار الحمقاء عن رأسه واعتدل بجلسته لينتشل تلك الورقة من يديها ويبدأ بتفحصها تزامنًا مع كلماتها الغاضبة : - احنا مش اتفقنا هنسمي بنتنا بسملة ؟ ... إيه بقى إللي مكتوب ده ؟ قرأ مُعتز الاسم بصوتٍ مُرتفع : - بسلة !! ... هي نسيت الميم ؟ ربطت ذراعيها وهي تهتف بتذمر : - مين بقى بسلة دي ؟ وضع مُعتز الورقة جانبًا ليتشدق بسُخرية : - معلش يا حبيبتي ... المرة اللي جاية لو جبنا ولد نبقى نسميه جزر عشان يكون عندنا بسلة وجزر ازداد غضبها من سُخريته فهتفت بوجهه : - إنت بتهزر يا زيزو ... اتفضل روح غيَرها لم يتحرك ساكنًا وبقي مُحافظًا على هدوءه وهو يجذبها بتروٍ كي تجلس بجواره وتُهديء من روعها، ضمٌها ناحيته وهو يقول بحنان : - معلش ... تلاقيها كانت جعانة وهي بتكتب الاسم ... بعدين ده حرف، أنا ممكن أغيره وأنا قاعد هنا وضع يده داخل جعبته ليُخرج قلمًا صغيرًا كان مُتدثرًا بجعبة سُترته لأنه يستخدمه بالتوقيع على الأوراق والصفقات، خط بهذا القلم على شهادة الميلاد تحديدًا عند خانة الاسم كي يُضيف حرف الميم بين السين واللام ثم يضع القلم مجددًا داخل جعبته وكأن شيئًا لم يكن، أعطاها الشهادة لتمسكها بين يديها وتُعاود قراءة الاسم مجددًا بعد أن خلا وجهها من علامات الضيق، فكانت تستمع لحديثه الذي يحمل قدرًا من البساطة : - الموضوع سهل أهو ... مش محتاجة العصبية دي كلها حاوطها بذراعه وبدأ يُمسد على خُصلات شعرها بحنانٍ جارفٍ جعلها تبتسم بهدوءٍ وداخلها سعادة طفولية آذابته، فقد كان يتوٌدد لها كما يفعل دائمًا حتى أوقفهما بُكاء ابنتهما الذي صدح وغمر أركان الحُجرة... __________________________ تلطخ وجهه بالدماء وهو يقف داخل مكتبه والجروح لا تترك وجهه، نظرات التوٌسل تتقاذف من عينيه لتسقط في بحرٍ من الصرامة والشدة يتمثل أمامه على هيئة ضابطٍ صارمٍ لا يكترث لتلك النظرات المتوٌسلة ولا هذه الكلمات المترجية... - والله يا باشا معملتش حاجة ... هما السبب يا بيه، هما إللي وقعوني يا بيه ... صدقني معملتش حاجة... بقيت تلك الكلمات المتوٌسلة تُصدر من جوفه أمام لؤي الذي يُتابعه ببرود ويأمر أحد الضُباط بصرامة : - دخله على الحجز استجاب الضابط لأوامره وجذب الرجل رغم اعتراضه وتوٌسلاته التي لا داعي لها، فطالما معهم الأدلة التي تثبت إدانته، فتلك الكلمات التي يصدرها لا أهمية لها، حتى ولو كانت تلك الأدلة باطلة... أرخى لؤي ظهره للوراء وبدأ يتفحص بعض الأوراق التي تخص بعض القضايا، قطع انهماكه بالعمل بضع طرقاتٍ على الباب تبعها دلوف أحد الضباط برُتبة أقل من رُتبته يحمل معه حفنة من الأوراق المهمة، أدى التحية العسكرية قبل أن يتشدق بصرامة : - الملفات إللي طلبتها يا حضرة الرائد وضع الملفات أمام لؤي ثم أدى التحية العسكرية مجددًا قبل أن يترك المكتب بأكمله، ترك لؤي ما كان يحمله من أرواقٍ ليعتدل بجلسته وينتشل هذه الأوراق التي ترأسها صورة لفتاةٍ مراهقة تحمل اسم " ليلى عيد عبد المجيد ". _________________________ أسدلت السماء ستارها وحلٌ الليل عليهم، كان يقف هو أمام بناية عتيقة تتكوٌن من عدة طوابق على أمل أن يصعد تلك الدرجات ويتجه إلى منزلٍ يعرفه جيدًا، فعلى الرغم من تلك الملابس الحديثة التي يرتديها وهذه السيارة الفارهة التي يستقلها إلى أن جميع أصدقاءه ينحدرون من طبقاتٍ أقل من طبقته الإجتماعية، فلم يكن يتقبله أحد في هذه الحياة حتى أتوا هُم وتقبلوه كما هو، وهذا ما يُشعره بأنه طبيعي كالجميع، وليست هذه التشوٌهات ما ستجعل حياته عسيرة. اصطدم بفتاةٍ ذات جسدٍ ممشوقٍ وخُصلات شعر داكنة تعقصها لأعلى، كانت تضع الهاتف على أذنها وتتحدث ببعض الهجوم : - يا ماما مش هرجع دلوقتي لسة ورايا حاجات ... وبعدين أنا مش هتجوز ابن عمي ومش هقابله، إنتِ عارفة إن أنا مش بطيقه .... يووه هو كله تحكمات على فكرة أنا مبقتش صغيرة ... أفأفت بتذمرٍ قبل أن تغلق الهاتف وُتنهي تلك المكالمة التي آثارت أعصابها، بقيت عوالم الغضب تُلطخ وجهها مما أرسل لمخيمر إشارات أخبرته أنها تتشاجر مع والدتها بطريقة فظة لا يجب أن تستخدمها مهما كان أبويها، قرر أن ينصحها قبل أن تندم على تلك الكلمات وتضحى وحيدة مثله، لهذا أردف بهدوء : - حاولي تفهميهم ... حتى لو إنتِ حاسة إنهم مش فاهمينِك انتبهت لحديثه الموٌجه نحوها والذي جعلها تُحادثه ببعض الهجوم الذي أخرجت معه ما بجعبتها : - عُمرهم ما عملولي حاجة عدلة ... طول الوقت عايزين يتحكمو بيا، مش قادرين يفهمو إني كبرت وأقدر اعتمد على نفسي احتدت نبرته قليلًا وهو ينصحها : - هُما مش عايزين يتحكمو فيكي ... هما خايفين عليكي، عايزِنِك أحسن منهم .... شايفين إللي إنتِ مش شايفاه، ومش عايزينِك تشوفيه استدار بجسده ليُقابلها ويوٌجه نصيحته بطريقة مباشرة حملت حُزنه الدفين : - صدقيني هتندمي على كُل كلمة قولتيها لما تلاقيهم بعدو عنِك .... وقتها هتتمني بس وجودهم جنبِك أنكس رأسه لأسفل مع نظرات الحُزن ودموعه التي تجمدت بحدقتيه، تابعته هي ببعض الضيق الذي بدأ ينتقل إليها مما جعلها تُحاول تقبل نصيحته : - هحاول اتكلم معاهم ... بس أتمنى يفهمو رسمٌت بسمة هادئة على ثغرها وهي تسأل بوٌد : - صحيح ... أنا اسمي ريتا .. إنتِ اسمِك إيه ؟ تلاشى ضيقه لوهله ليحل محله بوادر الغضب من حديثها معه وكأنه فتاة، حاول كبت شُعلة الغضب بداخله وهو يُجيبها بجمودٍ وصوتٍ صادقٍ غليظ : - مخيمر .... اتشرفت بمعرفتِك تجاهل تعبيراتها المصدومة وواصل صعوده الدرجات لتتبعه هي الأخرى وكأنها أتت لنفس الغرض ... _________________________ بدأت الأصوات الصخبة وبدأ الزبائن يأتون الملهى واحدًا تلو الآخر، كان ميجو يتحرك وراء الراقصة التي هي بالأصل والدته، يتحرك وراءها حتى وصل إلى حُجرة تبديل الأوعية ليثب خلفها وهي تضع مُستحضرات التجميل على وجهها وتستمع إلى أسئلته التي لم تتوقف، فهو الآن على حافة الموت، هُناك رجالٌ يتبعونه ويريدون الفتك به، وهُناك بضاعة من الممنوعات يحوذها ويُتاجر بها بعد أن سرقها من إحدى العصابات، أي أنه مُجرمًا هاربًا من العدالة وهاربًا من المجرمين كذلك. نفض تلك الأفكار الواهية عن ذهنه قبل أن يسأل تيتي بأهمية : - هو ابوية فين يا تيتي ؟ وضعت رموشها الاصطناعية وهي تُجيبه بصوتٍ رقيع : - كَت وسابك يا موكوس ... بتسأل عليه ليه ؟ تقدم ميجو بضع خطوات حتى وثب وراءها مُباشرة لتنعكس صورته على المرآة التي تجلس أمامها، أسند يديه على المُقعد وهو يسأل : - يعني مفيش لا عمة ولا عم ولا حتى جدة ؟... معقولة يعني مفيش حد خالص من عيلتي ؟ آجابته تيتي وهي تضع أحمر الشفاه وتتحدث بصوتها الرقيع : - لا يا عنيا مفيش ... مفيش إلا خالتك فاتيكا العالمة والفتاحين بتوعها لاحت طفرات اليأس على وجهه وبدا واثقًا أن حياته ستنتهي دون أن يجد من يحتمي بكنفه، لم يترك للاستسلام مجالًا فسأل مرة أخرى: - طب متعرفيش أي حد ممكن يوٌصلني بأبوية ؟ بدأ الغضب يطغي على وجه تيتي ما إن ذكرٌها بتلك الذكرى التي تٌريد نسيانها، فكان صوُتها مُحتدًا وهي تقول : - مالك يا أخوية حنِيت لابوك كدة ليه مرة واحدة ... دا إحنا لا شوفنا منه أبيض ولا اسود ... دا حتى المحروس ابنه كت وسابه قطب حاجبيه ما إن انتهت من تلك الجملة والتي جعلته يسأل باستفسار : - ابنه ؟ ... هو أبوية كان عنده ابن غيري ؟ أكدت على حديثه وهي تُمرر قطعة القُطن على وجهها لإضافة بعض البودرة : - أيوة كان عنده تصاعدت اللهفة بداخله وهي يقترب بجذعه نحو والدته كي يسألها بلهفة : - طب فاكرة اسمه ؟ شهقت شهقة رقيعة قبل أن تُجيبه بثقةٍ وتبهنس : - إيه إللي فاكره ... دا أنا مفيش حاجة بنساها ارتسمت البسمة على ثغره وهو يسألها ويُخرج هاتفه ليضعه أمامها متفوٌهًا : - ملٌيني اسمه وأنا هجيب عنوانه بمعرفتي ... عاد من تلك الذكرى التي حدثت منذ مُدة قصيرة خلال هذا اليوم الذي لم ينتهي، لكنه استطاع بسهولة أن يصل إلى عنوان شقيقه الذي سيحتمي به من أولئك الرُعناء، يقف الآن أمام منزله يسرق نفسًا عميقًا قبل أن يضع يده على الجرس كي يدقه... ____________________________ تتحرك أصابعه على الهاتف بحثًا عن تلك المقاطع التي يُشاهدها باستمرار، فكان المقطع عبارة عن شخصٍ يقوم بتنظيف السجاد بواسطة آلة حديثة وبعض الأدوات التقليدية، فرؤيته لتلك المقاطع تجعله مُنتشيًا ولا يعلم سبب هذا الانتشاء، هو فقط يُحب مشاهدة مقاطع تنظيف السجاد. قطعت داليا انغماسه بالمشاهدة عندما ارتمت جواره على الفراش لتضع يدها على كتفه وتبدأ بهزه هزٌاتٍ متوالية حتى ينتبه لها : - إسلام ... اتصل بالسباك ييجي يصلح السخان ... يلا بسُرعة لم يتحرك إسلام من مكانه وكان يقول بثقة : - وأكلمه ليه ... أنا ممكن أصلحهولِك لطخ وجهها عوالم الاستخفاف وعدم التصديق عندما قالت : - إنت بتعرف أصلًا ؟ لم تروقه نبرتها المُستخفة وهذا ما جعله يترك جواله على الأريكة ويُحادثها بتبهنس : - أنا بعرف أعمل كل حاجة إنتِ فاكراني إيه وثب عن الأريكة ليسألها باستعداد : - تعالي وريني في إيه وثبت داليا هي الأخرى لتتحرك أمامه نحو المرحاض وداخلها العديد من علامات الشك، فهي ليست متأكدة أن بإمكانه تصليحه لكنها مع ذلك فضلت الصمت على أن يُريها بنفسه ما يستطيع فعله، فربما شكوكها ليست صائبة. توقفت أقدامها داخل المرحاض أمام جهاز التسخين المُعلق على الحائط، آشارت بإصبعها أسفل الجهاز متفوٌهة : - أهو ... بينقط ماية إقترب إسلام نحوه بنظراتٍ جامدة ادعٌى معها أنه يفقه كيفية تصليحه، بقي يتفحص الجهاز بعينيه حتى أردف بأمر : - هاتيلي العِدة من جوة لم تتحرك داليا وبقيت تُطالعه بحيرة قالت معها : - إحنا معندناش عِدة لاح الغضب الطفيف على وجهه وهو يقول بتهكمٍ : - يعني إيه مفيش عِدة ... إزاي يعني بيت ميكونش فيه عِدة رفعت من نبرة صوتها وهي ترد على تهكماته : - هو بيت صنايعية ... وبعدين أنا مالي، إنت إللي المفروض تجيبها تنهد إسلام بنفاد صبرٍ ثم طلب منها مجددًا بنفس طريقته العملية : - طب هاتيلي المفك من جنب السرير أومأت داليا برأسها ثم تركته يواصل تدقيق النظر بالجهاز حتى أتت من الداخل وأعطته المِفك الذي كان بحوٌزتها، فما إن أمسكه حتى قرٌبه من جهاز التسخين وبدأ يُحركه حركاتٍ عشوائية لا يفقه ماهيتها لكن عقله يُخبره أنه بتلك الطريقة سيقوم بإصلاحه. بعد بُرهة من الوقت، اخترق أذنيهما صوت صافرة عالية تُصدر من الجهاز تزامنًا مع المياه التي زاد انهمارها، تصاعدت ضربات قلبها وهي تتقدم نحو إسلام وتسأله بذعر : - هو في إيه ؟ واصل العبث بالجهاز وهو يُطمئنها رغم ذعره : - متقلقيش هو كدة بيتصلح لم تُصدقه وبقيت تُشير على الجهاز هادرة : - بيتصلح إزاي ؟ .... دا الماية بتزيد التفت بجذعه نحوها وهو يُحاول اقناعها بطريقته العلمية المُعتادة : - ما هو الحاجة لما بتتصلح لازم تطلع أصوات كدة ... مش إنتِ لما تروحي عند دكتور السنان ويفضل يحفر في سنانك بتقعدي تصرخي وتتألمي، بس في الآخر سنانِك بتتعالج ؟ أومأت رأسها إيجابًا فواصل الحديث بنفس الطريقة : - هو ده بقى إللي بيحصل ... شوية وهتلاقي كل حاجة اتصلحت لم تنبس ببنت شفة وبقيت تُطالعه في صمتٍ حتى عمٌ السكون وانتهى صوت تلك الصافرة المُزعجة، بل وانتهت أيضًا قطرات المياه التي كانت تتقاطر من الجهاز وتتسبب بالفوضى، رسم إسلام بسمة متبهنسة على وجهه وهو يبتعد عن الجهاز متفوٌهًا : - شوفتي ... مش قولتلِك سقط فكٌها في صدمة وهي تقترب من الجهاز وتتحسسه حتى تأكدت أنه توقف عن العمل تمامًا، كاد قلبها يهوي أرضًا وهي تهتف بتوٌبيخ : - إيه إللي عملته ده ... السخان باظ خالص اختفت الألوان عن وجهه بعد أن أدرك الكارثة التي ارتكبها وأدرك أيضًا أنه دمٌر الجهاز تمامًا ولم يقُم بتصليحه، لكنه مع ذلك أخفى توتره وحافط على تعنته وثقته بذاته وهو يقول : - إييه .... إيه المُشكلة يعني ؟ رفعت من نبرة صوتها وهي تنهره بحسرة : - حرام عليك يا إسلام الشتا داخل وإحنا كدة هنستحمى بماية ساقعة رفع رأسه بشموخٍ وهو يتحدث بعلمية كادت تقنعها : - بردو فين المُشكلة ... أساسًا فيه نظرية بتقول ... إنِك لما تستحمي بماية ساقعة في الشتا، مناعتِك بتزيد وبشرتِك بتبقى أحسن قطبت حاجبيها بعدم تصديقٍ من حديثه الذي جعلها تسأل بتشكك : - لا والله ؟ واصل إسلام إقناعها بطريقته العلمية : - أيوة ... إللي بقوله حقيقي .. إنتِ مش مصدقاني ولا إيه ؟ بقيت تُطالعه في صمتٍ وداخلها يرغب بالانقضاض عليه بسبب ما فعله، لكنها مع ذلك تحلٌت بالصمت حتى قطعهما صوت جرس الباب الذي صدح وتوٌغل صديده أركان المنزل؛ تنهدت بيأسٍ ثم تركت المُرحاض مُعللة : - أنا هروح افتح الباب .... __________________________ حُجرة متوٌسطة يعتليها طاولة عريضة يترأسها لؤي ومعه هاتفه الذي يتصفحه بإمعانٍ خاصة تلك الأخبار التي تُتلف أعصابه، فالجميع يتحدث عن تلك المعركة الناشبة بين أشقائنا العرب والصهيون، الجميع يتحدث عن الفقد والخُسارة وهذا الدمار الذي غمٌر تلك البلدة، والأسوأ أنه لا يستطيع إيقاف ما يحدث، فالجميع يخشى التدخل والمدنيون يكتفون بالدعم المعنوي لعدم قُدرتهم على المواجهة، وهذا ما يجعل غضبه يشتعل أكثر كلما تزايد عدد الضحايا خاصة من الأبرياء. تقدمت قمر نحوه ومعها صحنٌ كبيرٌ يحتوي على الارز الأصفر وبعضًا من قطع الدجاج، أزاحت المُقعد حتى تجلس عليه بعد أن وضعت هذا الصحن أمام لؤي الذي أغلق الهاتف حتى يتناول وجبة الغداء مع زوجته، إعتادا على تناول الغداء في وقتٍ متأخرٍ لأنه يبقى بالعمل لساعاتٍ طويلة، فهذه الوجبة بمثابة آخر وجبة يتناولانها قبل أن يخلدا إلى مضاجعهما بعد ساعتينٍ أو أكثر. قطب حاجبيه وهو يتأمل الطاولة ويتعجب من عدم وجود الأواني والملاعق، ويبدو أن قمر قد نسيَتهم أو ربما تعمدت نسيانهم، لهذا السبب سأل : - فين الأطباق والمعالق ؟ توٌترت قمر قليلًا لكنها في النهاية أردفت بثقة : - لا ما هو ... أصل أنا بقى إيه .. قولت مش لازم أطباق ومعالق إحنا كدة كدة اتنين يعني مش مستاهلة اعترض حديثها بهدوء : - يعني إيه مش مُهم ؟..... هناكل بإيدينا يعني ؟ آجابت استفساره ببساطة : - عادي ... دي سُنة عن الرسول على فكرة .... بعدين أجدادنا كانو بياكلو كدة قبل ما يخترعو المعالق والأطباق، وإحنا مش فارقين عنهم في حاجة أوقف تبريراتها بنبرة صارمة : - قمر ... قومي هاتي الأطباق والمعالق تذمرت كطفلة لم تبتاع الحلوة بسبب نفاد مصروفها : - يووه بقى ... أنا مش عايزة أغسل مواعين تاني .... منا مش هغسل في بيت أبوية وهنا كمان أغلق عينيه ثم فتحهما في محاولة جاهدة لاستجماع هدوءه وهو يقول : - قومي يا قمر هاتي الأطباق والمعالق وأنا إللي هغسل المواعين رفعت حاجبيها بعدم تصديقٍ قالت معه : - يعني إنت إللي هتغسلهم ؟ آجابها بنفاد صبر : - يا قمر إحنا من ساعة ما اتجوزنا وأنا إللي بغسلهم تنهدت بأريحية بعد أن أزاح عنها هذا العبء الذي لا تتحمله من الأساس، فهي قد سئِمت من التنظيف وجلي الصحون منذ أن كانت بمنزل والديها تضطر لمساعدة والدتها بأمور المنزل، أما الآن، فهي تتشارك تلك الأمور مع لؤي الذي ورغم إجهاده بالعمل إلى أنه يحاول قدر الإمكان التخفيف عنها القليل من الأمور، منهم جلي الصحون وأحيانًا التنظيف. وثبت من مقعدها لتتجه مجددًا صوٌب المطبخ ثم تأتي ومعها الأواني والملاعق لتضعهم على الطاولة وتبدأ بمليء الصحون بهذا الطعام الذي أعدٌته بمهارة، بدأ الحديث يدور بينهما عن الأوضاع من حولهما حتى انتبهت أنها لم تفتح الصفحات الإخبارية اليوم، فقد كانت من عاداتها أن تتصفح الأخبار دائمًا نظرًا لكونها تعمل بالصحافة فيما سبق. - صحيح فكرتني ... دا أنا مشوفتش الأخبار إنهاردة أدلت تلك الجملة وهي تبحث عن هاتفها حتى قال لؤي : - طب استني بعد الأكل آجابته وهي لا تزال تبحث عن هاتفها حتى وجدته بجوارها : - أنا لو استنيت هنسى وأنا عارفة نفسي ... فخليني أشوف الأخبار دلوقتي وإحنا بناكل لم تُكذب حديثها وفتحت الهاتف لتتصفح ما يحدث بالعالم وتتناول طعامها في نفس الوقت، كانت تُمرر أصابعها على الهاتف لتجد أغلب الأخبار مشابهة تتحدث عن نفس القضية، هذا ما جعلها تنغمس أكثر لترضي فضولها وتفهم ما يحدث بالتفصيل، لكن إصبعها توٌقف فجأة أمام هذا الخبر الذي ملئها ذعرًا. توقف الطعام بحلقها وهي تقرأ هذا العنوان الذي يُزين الشاشة " وهدان صديق ... يرتكب جريمة أخرى "، اتسعت حدقتيها وهي ترى صورة هذا الشخص الذي تعرفه جيدًا، فكيف تنسى من كان في المركز يتعالج عندها منذ بضعة ساعات !! لاحظ لؤي صدمتها فسأل : - في إيه ؟ وجدت لسانها يهتف بتردد : - الـ... الراجل ده ... بترت حديثها عند هذه الكلمة وهي تُشير على صورة الرجل مما دفع لؤي لسؤالٍ : - ماله ؟... دا مُجرم هربان من العدالة ... إنتِ تعرفيه ؟ لم تُجب أسئلته وبقيت في حالة من الصدمة حتى وثبت عن المقعد متفوٌهة : - لازم أكلم ريتا... _____________________________ صوت الأزيز يُصدر من حقيبتها التي أحكمت غلقها تزامنًا مع وضعها لآخر قطعة من ملابسها، كي تتحرك بتلك الحقيبة خارج الحُجرة، وجدت مُعتز يجلس على الأريكة يحمل بسملة بين يديه ويُداعب وجنتها المُكنتزة التي تجعله يبتسم ابتسامة لطيفة لا إرادية وهو يُتابع ضحكاتها البريئة ويُصدر بعض الأصوات المرحة حتى يجعلها تبتسم. إقتربت كوكي نحوهما ومعها حقيبة سفرها وكأنها على استعدادٍ للرحيل، فكانت تقترب من مُعتز لتنتشل بسملة من بين ذراعيه مع قولها : - يلا يا زيزو ... I need to go وثب مُعتز أمامها بملامح الأسى المُطلية على وجهه وهو يقول : - ما تخليكي .. أنا ملحقتش اشبع منها رسمت بسمة هادئة على ثغرها وهي تقول بأسف : - بابي مستنيني ... كمان أنا مش هقدر على بسملة لوحدي خصوصًا الفترة دي ... وعند بابي الناني هتساعدني كان حديثها صادقًا يُعرب عن شعورها بالإرهاق والتعب الذي لن يترك جسدها لمُدة أربعون يومًا بأكملهم، لهذا السبب قررت أن تذهب إلى والدها وتمكث في بيته طوال هذه الفترة على أن يأتي مُعتز يوميًا ويبقى معها بعد أن ينتهي من عمله. إقترب نحوها ليُربت على كتفها متفوٌهًا باعتراض : - هو مكنش ينفع يعني تجيبي الناني دي هنا ؟ ردت على اعتراضه بصدق : - مش هينفع عشان بابي متعوٌد عليها ... بعدين أنا قولتلك تيجي معايا وإنت مش راضي أنهت حديثها بتذمرٍ جعله يفصح على حقيقة رفضه بقولٍ : - إنتِ عارفة إني مش بحب أسيب بيتي ... بعدين هي كُلها أسبوع وهروح أخطفِك منه، وأنا هسيبِك الأربعين يوم ولا إيه أنهى حديثه ببسمة واسعة جعلتها تبتسم هي الأخرى بدلالٍ ثم تجذب حقيبتها نحو الباب مع قولها : - طب يلا بقى عشان السواق مستني تحت سار وراءها حتى وصل كلاهما نحو الباب مُباشرة، وضع مُعتز يده على المقبض كي يفتح الباب وتتغير معالم وجهه ما إن وجد أمامه هذا الغريب. قطب مُعتز حاجبيه في حيرة من ذاك الرجل متوٌسط الطول ذو الأعين الخضراء الحادة التي اجتمعت مع بشرته الحنطية وملابسه المُكوٌنة من سُترة صيفية واسعة خمرية اللون أسفلها بنطالٌ من الجينز الأزرق الباهت، يرسم ابتسامة بلهاء على وجهه وهو يخفض يده التي كانت على وشك دق الجرس ليضعها على حقيبة سفره التي زادت من حيرة مُعتز ونظراته المغتابة. تراجعت كوكي خطوتين أمام ميجو الذي كاد يقتحم المنزل لولا يد مُعتز التي منعته بصرامة : - حيلَك يابا !! .. هي وكالة من غير بواب ... رايح فين ؟ سأله مُعتز بحدة جعلت ميجو يتوُقف عن السير ويُبقي تلك الابتسامة البلهاء على ثغره وهو يقول بوٌد : - إيه يا مُعتز ... مش هترحب بيا ولا إيه ؟ كان مُعتز على وشك أن يلكمه ويهتف بوجه هذا السمج الذي يرغب باقتحام منزله دون أي داعٍ، فكان صوته حادًا وهو يقول : - وأرحب بيك ليه إن شاء الله !! ... كُنت من بقية عيلتي !! اتسعت بسمة ميجو ما ان استمع إلى تلك الجملة التي جعلته يدثر يده داخل جعبته كي يُخرج منها بطاقته التي تحمل اسمه بالكامل، مدٌ بطاقته نحو مُعتز وهو يؤكد حديثه : - أيوة من بقية عيلتك ... أنا ماجد محمد اللملوم ... أخوك سقط فك كلًا من مُعتز وكوكي التي تتابع ما يحدث في صدمة، وكانت صدمة مُعتز ضعفي صدمتها وهو يُحدق بالبطاقة ويتأكد أنها أصلية تحمل اسم هذا الرجل الذي يدٌعي أخوته مما جعله يهتف بغير تصديق : - أخويـــة !! ... يُتبع ❤💕 فصل هادي بيمٌهد للفصول إللي جاية، فقولولي رأيكم بالفصل وبالرواية بشكل عام ولو في أي نقد أو أخطاء إملائية ياريت تقولولي ومتنسوش الفوت ومتنسوش كمان تدعو لأهالي فلسطين 🥰🙏
نوران أشرف محمد