بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم ارحم ضعف إخواننا المُستضعفين في غزة، اللهم احفظهم بحِفظك، اللهم أيدهم بنصرك، اللهم آمن روعاتهم يا قوي يا عزيز" لا تنسوا الدعاء لأهالي فلسطين 🙏 ________________________ من يُدافع عن الحق، هو فقط من يتم عقابه... هذه هي قوانين الحياة. طغى اللون الأبيض على المكان، لكن الأبيض هنا ليس رمزًا للسلام، بل هو رمزٌ للمكائد التي تزحرهم بها الحياة، رمزٌ للموت والإعياء، الأبيض هنا يرمز إلى لون كفن الموتى، وليس لحمامة تُرفرف بحُرية فوق الوُديان. شلالات من الدموع تنهمر من عينيها ووجهها الذي أخذ من اللون الأحمر وشاحًا، مجموعة من الأيادي تُربت على كتفها تحاول تهدئتها وإخبارها أن زوجها سيخرج منها سالمًا معافى، فقد آتاهم الخبر وهدم جلستهم الودودة ليجعلها تتحوٌل إلى ذكرى مُكفهرة يجب نسيانها، لأن تذكرها سيُصيبهم بالعذاب. تذكروا سماعهم لصافرة الإسعاف وهي تتوقف أمام البناية ليترجل منها مجموعة من المُسعفين مُتجهين صوٌب الطابق المُراد والذي كان الطابق الرابع، تذكروا جسد مُعتز المسجي ودماءه الغزيرة التي غطت ظهره وجُمجمته، تذكروا وجهه الشاحب وجسده المتهالك لتتحوٌل تلك الذكرى إلى مشاهد مُرعبة من أحد الأفلام، فلا يريدوا تصديقها ولا يريدوا ترك آخر أملٍ يجعلهم يؤمنون أن صديقهم وزوجها الحبيب سالمٌ مُعافى. جلست داليا بجوار كوكي التي صدح صوت بكاءها حتى كاد قلبها الرقيق ينخلج من موضعه، مسدت على ظهرها الساخن بكلماتٍ هادئة لا تخلو من ضيقها ورغبتها بالبُكاء هي الأخرى، فلا يجب أن يضعف الجميع في مثل تلك المواقف، يجب أن يتحلٌى البعض بالصمود لإمداد الآخرين بالأمل والمُثابرة. - خلاص بقى يا كوكي ... والله هيبقى كويس خرجت تلك الكلمات من جوف قمر التي جلست بجوار كوكي من الجهة الأخرى تحاول مواساتها كما يفعل البقية، لكن كوكي لم تُصدق أحاديثهن وبقيت الأفكار السوداء تُهاجمها ومشهد زوجها ودماءه يتمثل مرارًا وتكرارًا أمامها. - أنا عايزة زيزو ... أنا عايزة زيزو... أدلت تلك الكلمات بطريقة مُتقطعة واصلت بعدها البكاء الحاد حتى كادت عينيها الزرقاوتين تُقتلعا من جذورهما، حاولت استجماع أنفاسها والتقاط مخاطها حتى أعطتها يُسرى حفنة من المحارم لتُجفف دموعها، جذبتها داليا لتستكين على صدرها وبقيت تُربت عليها بحنانٍ جارفٍ كما لو كانت طفلتها الصغيرة، بعد برهة من البكاء حاولت كوكي استجماع أنفاسها والعودة إلى واقعها رويدًا رويدًا، ابتعدت بضع أمتارٍ عن داليا لتجول بعينيها في كل مكانٍ بحثًا عن جُزءٍ منها لا تعلم كيف أغفلت عدم وجوده، أو أن عقلها يُصيبها بالتشتت. - بوسي ... بوسي فين ؟ هدأتها يُسرى بإجابتها هذه المرة والتي كانت : - متقلقيش ... أنا قولت لماما تخليها عندها هي وغُفران ونديم .. وكمان طنط بسمة معاهم كان الرجال جميعهم داخل المشفى، فكان سيد وعبد الصبور يحاولان معرفة سبب الواقعة بينما كان هلال مع جابر وخالد يجلسان على المقاعد يدعوان له في قراراة أنفسهم، أما عن ميجو، فلم يعرف أيهم أين ذهب بعد أن اتصل بالإسعاف وأتى معهم المشفى كونه شاهدًا على تلك الواقعة التي حدثت في منزله !! يقف لؤي قُرب حُجرة العمليات بعوالم مُقتضبة تحمل الشك والغضب، فبطبيعته البوليسية يعتقد أن ما حدث لصديقهم ليس مجرد حادثٍ كما أخبرهم ميجو، يقف إسلام بجواره بمعالم تُقطر حُزنًا ونظراتٍ تائهة لا تُصدق ما حدث وكيف حدث حتى. - أنا متأكد إن إللي حصل لزيزو ده مش حادثة قالها لؤي بحدة ويقينٍ مُتدثرٍ بداخله، فأي شخصٍ يُصدق تلك القصة التي حبكها ميجو وأخبرهم أن مُعتز انزلقت قدماه وسقط على الأرض بعد أن آصاب مؤخرة رأسه بتلك الإصابة الحادة، يكاد يكون مُتيقنًا أن تلك الإصابة القوية مُفعتلة ومُتعمدة أيضًا، لكن ما سببها ؟ هذا ما لا يعلمه حتى الآن. - قصدك إيه ؟ سأله إسلام بتيهٍ فآجابه لؤي بنفس هذا اليقين : - القصة إللي قالها ميجو دي مش داخلة دماغي ... حاسس إن في حاجة أكبر التفت إسلام برأسه نحو لؤي ليُحادثه بجدية وقد بدأت تلك الكلمات تنال نصيبها في عركلة تفكيره : - وهو هيكدب علينا ليه ؟ إجابة هذا السؤال تتلخص في كلمة واحدة.. الخوف، فهو الوحيد الذي يجعل صاحبه يهم بالكذب والتلفيق، ومع إن لؤي كان يعرف الإجابة جيدًا، فضل عدم الإفصاح عنها حتى تتأكد جميع شكوكه ويعلم السبب الحقيقي فيما حدث، لذلك أنهى الحديث بنظراتٍ ثاقبة وكلماتٍ متحدية قال معها : - معرفش ... بس كل حاجة مسيرها تتكشف قطع حديثهم صوت الباب وهو ينفتح ليخرج منه طبيب يرتدي قفازاتٍ بيضاء وغطاء شعرٍ تناسق مع رداء العمليات السماوي، هرول الجميع نحوه بقلوبٍ مُضطربة ورغبة بسماع ما يُضنيهم عن تلك الأفكار السوداء، لكن ملامح الطبيب الباهتة ونظراته التي لا تحمل أي من المعالم جعلت أفئدتهم تضطرب أكثر وأقدامهم لم تعد قادرة على احتمالهم. خلع الطبيب قفازاته وهو يستمع إلى أسئلتهم المُتعددة التي تخترق أذنه كالأمطار الهائلة، تلك الأسئلة آجاب عليها بنبرة علمية فاترة حاول فيها طمأنتهم رغم أن الحقيقة هي أبعد ما يكون عن الطمأنينة. - للأسف المريض اتعرض لنزيف حاد في المُخ ... والضربة خليته يدخل في غيبوبة مش عارفين هيقوم منها إمتى .... ___________________________ تنبعث الأدخنة السامة من جوفه لتملأ عُتمة الليل وسواد السماء بسُحبٍ رمادية لا تحمل سوى غصة قلبه وندمه، يستند بظهره أمام المشفى التي يقبع شقيقه بداخلها، شقيقه الذي لا يعلم كيف أدخله هذا المكان ولا يعرف كيف ارتكبت يداه جُرمًا كهذا، يتجاهل خُصلات شعره الرطبة وملابسه البسيطة التي لا تتناسب مع برودة الطقس، فكيف لبرودة الطقس أن تُلطف النيران التي تتغلغل داخله. العام الماضي فقط، كان في تلك الأوقات يجلس بالملهى الليلي يتسامر مع هذه ويتجرع ما يرغبه من الجعة بفخرٍ أمام الملأ، لا أحد يهتم به ولا أحد يُخبره إذا كان يسلك الطريق الصائب أم لا، يعيش حياة الحُرية التي أدرك الآن أنها حُرية فانية تُكبل مبادئه وتؤذي ضميره، قبض على يده حتى ابيضت مفاصله وبدأ يضرب بها الحائط كما لو كان يُريد قطع تلك اليد التي كادت تقتل شقيقه، أو أنها قتلته حتمًا بعد تلك الضربة... تزايدت الأفكار على رأسه وأدت إلى ارتجاف جسده ورغبته العارمة في الصُراخ، ماذا إن أخبروه أن شقيقه لقى حتفه ؟ ماذا إن علِم الجميع أنه السبب فيما حدث ؟ ماذا إن قُبض عليه وحُكم عليه بالإعدام شنقًا ... ماذا وماذا وماذا والعديد من الأسئلة التي لم ترأف بحاله وبقيت تُعذبه عذابًا أقسى من عذاب السوط حينما يلتحم بجسد الإنسان. قطع تفكيره المطوٌل اشتمامه لرائحة عطرٍ ناعمٍ داعب أرنبة أنفه، تلك الرائحة الأنثوية الرقيقة يعلمها جيدًا، فظهورها كفيل بالتربيت على جوارحه مهما كانت صعوبتها، نفث الهواء من فمه ثم ازدرد ريقه وهو يُطالع شمس التي تركتهم في الخفاء حتى تعثر عليه، فلا تعلم لمَ تهتم بوجوده ولا تعلم حتى لمَ ترغب بالاطمئنان عليه وكأنه من أقاربها. بقيت في حالة من الصمت لا تعلم ماذا تقول وكيف تُخبره بحالة شقيقه دون أن توقد انقباضة بصدره، لكن لهفته وقلقه جعله يسأل ببعض الهلع : - مُعتز فين ؟؟ ... هـ..هو كويس ؟ تردد مع آخر سؤاله محاولًا مقاومة ارتجافة جسده الذي يُخبره أن الأخبار ليست جيدة، ظنٌت شمس للوهلة الأولى أن تردده وحالته المزرية سببها خوفه على شقيقه الوحيد، فهي لا تعلم بعد حقيقة ما حدث مثل جميعهم، اقتربت لتقف بجواره على بُعد أمتارٍ تلتصق بظهرها على الحائط مثله وتُخبره بنظراتٍ شاردة أمامها حتى لا تبعث القلق بداخله : - الدكتور قال إنه دخل في غيبوبة ومش عارفين هيصحى منها إمتى ... ممكن أسبوع، شهر شهرين ... لسة مش عارفين... بس يارب يقوم بالسلامة تنهد براحة بعد حديثها رغم أنها لم تُخبره أنه آفاق بسلام، على الأقل لم تُخبره ما هو أسوأ، عاود النظر للأمام ليسرق أنفاسًا من لفافته ثم يُطلقها في الهواء ويظل في حالة من الصمت حتى قطعتها هي لتسأل مُستفسرة : - مش قاعد معانا ليه ؟.. كلهم بيسألو عليك نمت قهقه ساخرة متألمة على جوفه قبل أن يعاود النظر أمامه متفوٌهًا بحسرة : - أقعد معاكم ليه ؟... محدش فيكم شبهي خرجت تلك الكلمات بسبب خوفه من أن يلمح أحدهم نظرات الندم في عينيه ويُدرك أنه السبب فيما حدث، ففي النهاية، هو لا يُعتبر فردًا منهم، حتى وإن أثبتوا له أن أمره يعنيهم، لا زالت هناك أجزاء بداخله تُخبره أنه غريبٌ عليهم ولن يجد مكانًا بينهم أبدًا، قطعت شمس هواجسه بحديثها الدافيء الرقيق : - محدش شبه التاني ... إحنا بنقعد مع بعض عشان إحنا محتاجين بعض، مش عشان إحنا شبه بعض تنهد بيأسٍ وهو يُجيبها للمرة الثانية بحسرة وشعور بالغُربة والتيه : - مش محتاج حد فيهم ... ومعتقدش إن حد فيهم محتاجني - لأ .. أنا محتاجاك هكذا أخبرته بسُرعة وتهوٌرٍ جعلها تبتعد بأنظارها عنه حتى لا يُلاحظ احمرار وجهها وعرقها الذي بدأ ينصهر على وجنتها من شدة الخجل، كيف خرجت هذا الكلمات من جوفها ؟ هي لا تعلم أبدًا، هناك معلومة تقول، أن ما يخرج من الكلمات عنوة، هو ما يُريد الفؤاد قوله لولا تحكمات العقل الذي يمنعه في كل مرة، وهي للأسف، يبدو أنها فقدت السيطرة على قلبها الساذج الآن. - أأ..أنااا... لازم أدخل بقى عشان الجو برد... أتمنى تدخل إنت كمان ... أدلت كلماتها بسُرعة وتهتهتة زادت من إعجابه ببرائتها وارتباكها الذي لا يراه سوى نادرًا، ففي تلك الأيام، أصبح من الصعب العثور على فتاةٍ لا تزال تحتفظ ببرائتها، هرولت شمس بعيدًا عنه لتُرتسم على ثغره ابتسامة اعجاب بسيطة قطعها وهو يعاود النظر بشرودٍ أمامه ليُفكر بمُستقبله وما ستؤول إليه الأيام.... __________________________ من قال أن النسيان دواءٌ لكل داء ؟ فهناك آلامٌ لا تُشفى سوى بحلولٍ صريحة، وهناك أشخاصٌ لا يوٌد المرء نسيانهم أبدًا حتى ولو اختفى عن العالم بأكمله، وهذا بالضبط ما حدث معهم في الأيام التي مرٌت، فقد مرٌ عليهم عدة أسابيع انتهى معها فصل الشتاء القارص وبدأ الربيع ثم الصيف، ويبقى الحال كما هو بين جفاء وجمودٍ وهدوء، حتى أنهم توقفوا عن البحث عن المزيد من المتنقلين وقرروا أن يُركزوا حياتهم بالدُعاء والتضرع لعل صديقهم يتخلص من تلك المحنة، فقد مرٌت ستة أشهرٍ كاملة وهو لا يزال مُحتجزًا داخل حُجرة مليئة بالأجهزة ورأسه مغطى بالكامل بشاشٍ أبيضٍ وجواره جهازٌ يعرض مؤشراته الحيوية، حتى أن الزيارة لا تزال ممنوعة بسبب حالته المُتقلبة وحُجرة العناية المُركزة التي لا يزال مُحتجزًا بها، لكن الطبيب أخبرهم أنه على وشك تركها بعد بضعة أيامٍ فقط. وقبل أن تنتهي تلك الأيام، بل وقبلها بكثير، كان إسلام وزوجته وجابر كذلك يأتون لزيارته عن كُثب، فهم فقط القادرون على ذلك ، أو بالمعنى الأدق، يتواجدون بجواره بروحهم التي تُسافر للعديد من الأماكن دون أن يُلاحظهم أحد، فها هي ميزة من تلك اللعنة التي تطاردهم وتتلبس بهم وتجلعهم يخوضون العديد من المشاكل، لكن بعد ما حدث، أدركوا تمامًا أن الكوارث تُحاوطهم حتى بدون هذه اللعنة. قرٌب إسلام أنامله لتتلامس بأنامل مُعتز التي لم يشعر بها لكن روحه شعرت أنه بتلك الطريقة سيمنحه بعض الآمان والصبر، أخبرهم الطبيب أنه ورغم غيبوبته إلى أنه قادرٌ على سماع أحاديثهم جيدًا دون أن يُبدي رأيه فيها، وفي جميع الأحوال لن يستطع مُعتز سماعه، لا هو ولا زوجته لأنهما الآن مُجرد روحين طائفتين تنتهز الفُرصة للإقتراب منه مهما منعهم الأطباء. - مُعتز ده أول صاحب يكمل معايا ... كلهم بيمشو.. بيختفو، ظروف الحياة بتلهيهم... هو الوحيد إللي فضل جنبي لحد الآخر... مع إن كل واحد فينا من عالم مُختلف عن التاني كان يتحدث بشوقٍ وجواره داليا تقف وراءه مباشرة وتنصت لأحاديثه المشتاقة وداخلها رغبة عارمة بمعرفة كيف التقت المياه مع النيران، آحاطت إسلام بذراعها كي تسأله بابتسامة متلهفة وكلماتٍ هادئة احترامًا للمريض الذي لا يسمعهم من الأساس : - اتعرفتو على بعض إزاي ؟ داعبت الذكريات رأسه بعد سؤالها هذا الذي آعاده إلى العديد من السنوات الماضية، أرخى ظهره للوراء مع ابتسامة مُشتاقة لفحت وجهه وجعلته يتنهد تنهيدة عميقة بعينان ترمقان السماء وكأنه يُعاود مشاهدة شريطٍ سينمائي عفا عليه الزمن... عاد بذكرياته إلى أحد الأحياء الشعبية العشوائية البسيطة داخل المنيا، المنطقة التي ترعرع بها بطفولته قبل أن ينتقل إلى القاهرة، كان وقتها طفلًا بالتاسعة من عُمره يجلس أمام بنايته المُتهالكة بقميصٍ أبيضٍ باهتٍ وبنطالٍ بُنيٍ نمٌ عن كونها ثياب المدرسة التي كان يذهب إليها، يمسك بأنامله الصغيرة كراسة مدرسية يكتب عليها بعض فروضه بشغبٍ واضح، فلطالما أحب الدراسة في صغره رغم عدم تحمله للمسئولية بشكلٍ كامل، اعتمد على ذكاءه الفطري في تأدية أغلب فروضه المدرسية ودائمًا ما كان يتفوق على أقرانه بالصف حتى أصبح طبيبًا جراحًا فيما بعد. لم يكن من أولئك الأطفال مُحبي الكُرة واللهو، فكانت مُتعته الوحيدة هي مشاهدة التلفاز ومشاكسة زُملاءه بالصف بمُزاح، لذلك كان يجلس دائمًا أمام البناية ينتهي من فروضه المدرسية قبل أن يدخل منزله حتى يتسنى له مشاهدة التلفاز ومباريات المصارعة متى أحب ذلك. ازداد صُخب الأطفال من حوله وتحوٌلت أصواتهم المرحة إلى أخرى تبدو مُتنمرة عابثة؛ رفع عينيه عن كراسته بفضولٍ داهمه وجعله يوٌد معرفة سبب توٌقف الأطفال عن لعب الكُرة وتجمعهم حول صبيٍ صغيرٍ يبدو أنه ليس من هذه المنطقة، وضع إسلام كراسته داخل حقيبته المدرسية، وتقدم بخطواتٍ واثقة صوٌب هذا الجمع ليجد صبيٌ يبدو بالثانية عشر من عُمره يرتدي قميصًا أزرقًا نظيفًا وحذاءً أسودًا لامعًا مع بنطالٍ أزرقٍ داكنٍ أكد له أنه ينحضر من عائلة راقية، لكن ما الذي أتى به إلى تلك الحارة البسيطة ؟ هذا ما لم يكن يعلمه ولن يترك هؤلاء الصبيا يسخرون منه قبل أن يعلم ماهية هذا الفتى. كان الصبية يحاولون انتزاع أغراضه وأخذ مُتعلقاته الباهظة بينما كان هذا الفتى يحاول التملص منهم ودفعهم بعيدًا عنه حتى ألجمتهم كلمات إسلام الصارمة رغم صِغر سنه، فقد كان يتمتع بطبيعة قيادية تجعلهم يحترمونه ويُنفذوا تعليماته : - بس يلا إنت وهو ... محدش يقرب منه ... اقتحم إسلام جمعهم وبدأ يدفعهم بيده الصغيرة وكلماته المُهددة : - لو حد قرٌب ناحيته ... والله لاقول للمعلم بُرعي وهو يتصرف معاكم كان المعلم بُرعي يُمثل أبيه الروحي، فدائمًا ما كان يجلس معه في الإجازات ويستمع إلى حكاياته ونظرياته الغريبة التي جعلته يتحدث مثله بالضبط بعد أن تقدم به العُمر، عِلم الصبية أن إسلام لا يمزح بحديثه، فجميعهم يخافون هذا المدعو ببرعي ولا يستطيعوا مجابهته، ويعلموا كذلك مدى تقرٌب إسلام بهذا الرجل ومدى استعداد بُرعي لتنفيذ جميع رغباته مهما كانت. انتهى بهم الأمر بابتعادهم عن هذا الفتى ليتقدم إسلام نحوه ويُحاوطه بذراعه رغبة في تخفيف هالة الخوف التي تلبسته، ولأن إسلام كان طويل القامة، فكانت يده تُحيط ذراع الفتى الذي كان الأقصر رغم كِبر عُمره. - محسوبك إسلام قالها إسلام بطريقة قلٌد معها أحد الأفلام مما جعل ثلوج الفتى تنصهر ويبدأ التفاعل معه بصوتٍ مُنخفضٍ ومُرتبك : - وأنا ... مُعتز تحرك إسلام معه بضعة خطوات اتجاه منزله وهو يسأل بفضولٍ وبعض الاستنتاج : - هو إنت ساكن في الفيلل إللي جنب الحارة ؟ أومأ مُعتز إيجابًا فسأله إسلام مجددًا رغبة في إرضاء فضوله : - وإيه إللي جابك هنا ؟... دنا لو مكنتش موجود كانو هيسرقوك توقف مُعتز عن السير ليخفض بصره أرضًا لتلوح على وجهه عبارات الحُزن التي كاد يُقطر معها بعض الدموع، فكان حديثه مكلومًا خافتًا ظهر معه كم أنه يُجاهد حتى يتحمل مع ما يحدث معه بسبب ثروته والتي بالنسبة له أكبر نقمة بحياته : - ماما متضايقة ... بابا ضايقها تاني ... وأنا كُنت عايز أجبلها هدية عشان متبقاش زعلانة ... بس مش عارف اجبلها منين اتسعت بسمة إسلام وداخله يهتف : لقد أتيت للشخص المناسب، آحاط مُعتز بذراعه مُجددًا وعاود السير بجواره وهو يقول بوٌد : - بس كدة ... طلبك عندي... واصل مُعتز السير بجواره متسآلًا ببعض الشك : - إنت تعرف محل هدايا ؟ ابتسم إسلام بتعنتٍ قال معه : - عيب عليك ... أنا أحسن واحد بيجيب هدايا... عاد إسلام من تلك الذكرى على صوت داليا المازح : - دا التكبر طلع عندك من بدري ... وأنا إللي كُنت فكراك اكتسبته قهقه بسُخرية على حديثها وقد تناسي للتو هذا المأزق وبقي يغوص في ذكرياته المُحببة إلى قلبه داعيًا ربه بين الفينة والأخرى أن يتخلصوا من تلك المُعضلة كما تخلصوا من جميع مُشكلاتهم السابقة، فالأوقات الصعبة، أما أن تنتهي، أو نتناسى وجودها، أما في حالتهم، لا يعلموا متى ستنتهي، ولا يعلموا كيف يتناسوها.... __________________________ لطالما ظن أن الذكريات لا فائدة منها، أم أنها هواء ملوٌث لا يتسبب سوى باختناق الأنفس والشعور بالانقباض، أو حتى مرضٌ يُشعره بسكرات الموت، فذكرياته لم تكن أبدًا جيدة، لم تكن ذات فائدة، وكلما عاد إليها زاد شعوره بالتقزز حيال نفسه. غلغل أصابعه بين خُصلات شعره تزامنًا مع تنهيدة حارقة خرجت من جوفه وكادت تجذب معها دموعه، يجلس على مقعدٍ حديديٍ في مكانٍ لا يرغب التواجد فيه حاليًا، فأصبح وجوده في تلك الأماكن ثقيلًا على قلبه، لا يعلم ما الذي حدث له في تلك الأيام، لكنه مُتيقنٌ أن الشعور بالندم يلتهمه بالبطيء، يجعله فاقدًا لمعاني الحياة، فاقدًا لشغفه ورغبته بالتلذذ بمتاع الدُنيا، لأول مرة يقضي ليلته قعيدًا على أريكة منزله يضرب عقله بالسُياط وكأنه ينتقم من ذاته. أخرج لفافة تبغٍ سميكة وأخرج قداحته لعله يُشبع جوعه للنيكوتين المُذهب للعقول، ليست رغبة في المتعة فقط، بل رغبة في النسيان، نظر للفافة التبغ قبل أن يضعها داخل جوفه لبضع دقائق، تُداهمه تلك الذكريات مُجددًا وصوت شقيقه اليآس بعد أن اكتشف أن لا أمل به، لا أمل بأن يضحى انسانًا حتى، تلك اللفافة ذكرٌته بدماء شقيقه التي لطخت جُدران منزله وجسده يرتمى قبالته في منظر يُرهب الأنفاس، فإن كانت رؤية الدماء مُفزعة، فرؤية دماء المُقربين منك أكثر فزعًا. ألقى لفافة التبغ على الأرض ليدعسها بغلٍ عبٌر عن غضبه وشعوره بالذنب، أرخى ظهره للوراء رامقًا السماء محاولًا طرد تلك الذكريات ومواصلة حياته بطبيعية، فما الذي يحدث إن آفاق شقيقه من تلك الغيبوبة ؟ هل سيُخبر الشرطة أنه الفاعل ؟ حتى وإن أخبرهم، هو لا يستحق العفو والمغفرة، لقد هدر بغباءه جميع الفُرص التي أتيحت له حتى أصبح الآن غارقًا في غياهب الندم. حاول تنظيم رباطة جأشه عندما داهمته كلماتها الرقيقة ومواساتها له بين الفينة والأخرى، لم ينسى تصريحاتها أمام المشفى بأنه يُمثل أهمية بالنسبة لها، لا يعرف حتى سبب تعاملها معه بتلك الطريقة، ما يعرفه فقط، أنه يُريد رؤيتها والارتماء بأحضانها رغم رفضها، يحتاج احتواءها وكلماتها البسيطة البريئة التي تخترق ضلوعه وتُمسد على جروحه، فقط يحتاجها الآن وفي كل الأوقات. قطع وصلة شروده أنامل رقيقة تُحيط رقبته وصوتٌ مُدللٌ رقيعٍ يعرفه جيدًا، فتلك الأصوات تغمر أركان هذا الملهى الليلي خاصة بعد أن يرحل الزبائن : - شكلك مش في المود تنهد ميجو بضيقٍ لأنه لا يتمنى وجودها الآن، فلا رغبة له بالتوٌدد مع أي فتاةٍ وهو بتلك الحالة؛ رفع يده ليدفع يدها بعيدًا محاولًا عدم إظهار حنقه أمامها، فقد كانت كلماته تخرج من جوفه بصورة جافة جعلتها ترمقه بحيرة وهو يقول : - فكِك مني يا كارمن ... أنا أصلًا مش طايق نفسي تجاهلت رغبته بالبقاء وحيدًا وانتهزت أنوثتها وحديثها المُدلل حتى تُرضي شهواتها، آعادت وضع يدها حوٌل رقبته مع ابتسامة رقيقة وقحة زيَنت ثغرها وهي تقول : - يعني إنت مش طايقني ؟... دا أنا حتى كنت عايزة افرفشك تنهد ميجو بنفاد صبرٍ ليثب بعدها عند المقعد آخذًا دربوجته ليضعها جانبًا بجوار المقعد لرغبته الجامحة بترك هذا المكان، خرجت كلماته مُحتدة بعض الشيء وهو يدفعها للمرة الثانية : - قولتلك سبيني يا كارمن... أنا مليش تُقل على الكلام ده دلوقتي قطبت كارمن حاجبيها بغضبٍ من تصرفاته ورفضه لها، فمُنذ متى وهو يُعاملها بهذا الجفاء ؟ وما الذي طرأ عليه فجأة ؟ تلك الأفكار جعلتها تربط ذراعيها بنذقٍ قالت معه باستنتاج : - ملكش تُقل عليا ولا عشان خاطر السنيورة ؟... أنا شوفتك معاها قبل كدة لما جات هنا ... وحقيقي مش قادرة افهم ازاي تبُص لواحدة زي دي ... دي متجيش قد صُباع رجلي الصُغير أنهت حديثها بمزيجٍ من التعنت والتقزز اللذان جعلا الغضب يتدفق تدريجيًا بداخله، فلو كانت أخطأت بحقه، لما شعر بهذا الغضب الذي يشعر به الآن، تلك الفتاة التي تتحدث عنها جعلته يُدرك حقارة بقية النساء اللاتي عاشرهن بحياته. قبض على كف يده حتى لا ينفجر بوجهها ويصفعها كفًا يجعلها تترنح وتسقط أرضًا، أنهى معها الحديث بنبرة مدافعة مُرتفعة أوشكت على بث انفجارًا هائلًا بوجهها : - البنت إللي بتتكلمي عنها دي أشرف منِك ومني ... ولو جبتي سيرتها تاني ورب الكعبة لامسح بيكي بلاط الكبارية بصق تلك الكلمات بتهديدٍ صريحٍ ثم تركها وهروٌل بعيدًا تجاه الباب حتى يرحل من هُنا، تغاضى عن نظراتها المتوٌعدة وغمغماتها الحقودة وتشبث بشيءٍ واحدٍ فقط، ما الذي قاله للتو ؟؟... ولمَ يُدافع عنها بتلك الطريقة ؟ فعلاقتهما حتى لم تصل إلى الصداقة، بل هي مزيجٌ من المشاعر المُختلطة التي لا يعلم إن كانت إشفاقًا أم مساعدة أم إعجاب ... وربما هي شيءٌ آخر... ___________________________ مرٌت ثلاثة أيامٍ أخرى وها هو يضب أمتعته استعدادًا لترك هذه المشفى أخيرًا، فقد سئِم البقاء في مشفى الأمراض العقلية لا يسعه خوٌض عملياتٍ جراحية كبيرة ولا حتى التعامل مع أشخاصٍ من شتى البقاع، فقط يتعامل مع المرضى النفسيين والتي تضحى أغلب حالاتهم أما حوادث غير مقصودة بعد الرحلات تحديدًا، أو محاولاتٌ للانتحار باتت قليلة بسبب تشديد الأمن حول المرضى، أي أن تواجده بهذا المكان لم يعد ذا أهمية، وحان الوقت للعودة إلى المشفى التي بدأت أحلامه من عندها. أغلق حقيبته الجلدية وحملها بيده استعدادًا للرحيل، ما إن فتح باب العيادة حتى تلاقت عيناه بجاسم الذي اعتاد المجيء من فترة لأخرى حتى يطمئن على المرضى، تعانق هو وإسلام في حرارة ثم جذبه جاسم ليسير بجواره في رواق المشفى ويتشاركا بعض الأحاديث المتبادلة، فكان إسلام يردف بارتياح : - مش أنا خلاص هسيب المُستشفى... أخيرًا القرار طلع ربت عليه جاسم مُهنئًا ثم قال : - ألف مبروك ... وأنا كمان هسيب المُستشفى ... بس هسيبها بالبلد كلها توقف إسلام عن السير ليرمق جاسم بحاجبين معقودتين ورغبة جامحة بالحصول على تفسيرٍ لهذا الحديث : - يعني إيه الكلام ده ؟... إزاي هتسيب البلد ؟ طمأنه جاسم بحديثه حتى لا يعتقد إسلام أنه سيرحل للأبد وتنتهي صداقتهما إلى هنا : - متقلقش .. ده لفترة مؤقتة... عندي بعثة في انجلترا... كلها كام شهر كدة وهرجع تاني زفر إسلام الهواء من فمه بارتياحٍ ليعاود السير بجواره ويسأله عن تفاصيل رحلته ويُخبره جاسم أن طائرته ستقلع فجر اليوم، واصل كليهما السير حتى اقتربا من باب الخروج، لكن في هذه اللحظة، وجدا فتاةٌ تبدو بأواخر العشرين تتحرك بين مرضتين وعلى وجهها إمارات الاعتراض، فكانت تصرخ بهم وتُخبرهم أنها ليست مجنونه ولا أحد يُصدقها كالعادة رغم أن صوتها بات طبيعيًا لا يوجد به أي خلل. توقف إسلام عن السير أمام هذا المشهد ليلتفت نحو جاسم الذي بدا في حالة طبيعية كونه يعلم جميع المرضى بهذه المشفى. - هما بيعملو إيه ؟ سأله إسلام ببعض القلق لعل هذه المشفى تُجري التجارب الخطيرة على المساكين كما يرى بالأفلام، لكن جاسم طمأنه بحديثه قبل أن ينجرف عقل إسلام إلى أمورٍ أخرى. - هينقلوها مُستشفى تانية ... أصل في دكتور هناك فاهم في حالتها ... وللأسف الدكتور مش هيقدر ييجي هنا يعالجها عشان هو صاحب مستشفى ... عشان كدة قررنا ننقلها عنده، وطبعًا أخدنا موافقة حد من قرايبها ازداد فضول إسلام حيال تلك المريضة مما جعله يسأل وهو يواصل السير بجوار جاسم : - وهي مالها يعني ؟ ... إزاي مفيش غير الدكتور ده إللي هيعرف يعالجها ؟ آجابه جاسم بعلمية وهو يسير بجواره : - أصله دكتور شاطر أوي ... وحالة المريضة دي معدتش علينا قبل كدة قطب إسلام حاجبيه بغرابة أكثر وهو يسأل : - ليه يعني ؟... هي عندها إيه ؟ - مفيش يا سيدي ... فاكرة إنها تقدر تبقى عفريتة وحاجات غريبة كدة ... دي عمالة تقول إنها ممكن تدخل جسم حد تاني ... بقي جاسم يتحدث عن تلك المريضة بينما توقف إسلام عن السير لتتسع حدقتيه بعدم تصديق، هل كان ما يبحث عنه طيلة هذه الفترة يقبع بجواره وهو لا يعلم ؟، لمَ لم يسأل عن جميع المرضى هنا ؟ كان من الأمكن أن يُنفذ خطته منذ وطأت قدميه هذه المشفى. التفت مرة واحدة نحو جاسم ليقطع حديثه متفوٌهًا : - بقولك إيه ؟ ... إنت عارف هما هيودوها على فين ؟ لاحت الغرابة على وجه جاسم وهو يُطالع إسلام ولا يعلم سبب سؤاله، لكنه في جميع الأحوال أومأ رأسه متفوًهًا بثقة : - أيوة طبعًا ... دا أنا إللي قايلهم على الدكتور تهللت أسارير إسلام رغم عدم إظهاره لذلك حتى لا يُثير الشكوك حياله فها هو على وشك تنفيذ أمنتيه ورغبته بالتحرر من تلك اللعنة، ها هو على وشك العثور على عينة تجريبية يُجري عليها التثبيت حتى يتأكد من سلامته ويستطيع تنفيذه هو وزوجته أخيرًا، أخرج هاتفه فورًا ومدٌه نحو جابر مُردفًا بلكنة آمرة : - طب اكتبلي العنوان بسُرعة.... ______________________________ أن تعيش بمرضٍ مُزمنٍ أفضل ألف مرة من أن تعيش بشعور الندم الذي يُسيطر على كيانك وأفكارك، فلا تقدر على مواصلة حياتك بصورة طبيعية، ولا تقدر على الابتسام وكأن شيئًا لم يكن، تسحبك دوامة من النيران تقسم على جعلك تزحر وكأنك تتلوٌى بلهيب الجحيم، وهو رغم أن مرٌ ستة أشهرٍ، لايزال مُستسلمًا للشعور بالذنب، لا يتذكر سوى صورة شقيقه الغارق في دماءه وتلك المزهرية القابعة بين يديه، لا يتذكر سوى عودته إلى المنزله وتهشيمه لتلك المزهرية رغم كونها صلبة صعبة التهشيم، لا يتذكر سوى الدماء التي بقي العديد من الأيام يُنظفها ويُنظفها رغم جهله بأمور التنظيف، فقط آراد أن يمحي هذه الذكرى عن عقله، يمحي أنه كاد يتسبب بقتل أقرب الأشخاص إليه في الأيام السابقة. لم يتحدث مع من يقطن معه بالبناية طيلة هذه الأيام، بل حتى يتحاشى نظرات لؤي المُتشككة ونظرات إسلام المتسآلة، يعلم أن تصرفاته في الأيام السابقة زادت الشكوك نحوه، لكنه لم يعد يكترث الآن، ما يشغل باله فقط هو شقيقه، يريده أن يستيقظ من هذه الغفوة ويُخبره أنه لن يُغضبه مجددًا، كأنه يطلب العفو من والده عمَ ارتكبه من ذنوب، وإن جئنا للحق، فمُعتز كان أقرب له من والده الذي لا يعلم عنه سوى اسمه فقط. وطأت أقدامه تلك الحجرة التي يقبع فيها مُعتز مُتصلة يداه بالعديد من الأجهزة، وعيناه مُغمضة مع جسده الواهن الذي لا يشعر بما حوله، أو ربما يشعر. جذب ميجو أحد المقاعد ليُقربه نحو الفراش ويجلس عليه يعوالم باهتة تنم على قلة تناوله للطعام وامتناعه عن مواصلة الحياة بصورة طبيعية، كان يمتنع كل مرة من المجيء لهذه الحُجرة وزيارته كما يفعل بقيتهم، يخشى أن تلتقي نظراته بجسد مُعتز ويزداد شعوره بالندم، فهو من تسبب بإبقائه بتلك الكومة للعديد من الأشهر ولا يعلم متى سيفيق منها، لا يعلم حتى إن كان سيفيق منها أم لا، ما يعلمه فقط، هو أنه يجب أن يطلب العفو والمغفرة حتى يتخلص من شعور الندم الذي لأول مرة يُسيطر عليه. تنهد تنهيدة عميقة يستجمع كلماته ويكبت حُزنه حتى يردف بصوتٍ واهن : - كان عندك حق ... أنا فعلًا صايع ومفيش مني فايدة ... كل إللي بعمله إني بأذي إللي حواليا ... لغاية ما آذيت أقرب الناس ليا.... توقف عن الحديث ليلتقط أنفاسه ويكبح دموعه قبل أن يسترسل بتلجلج : - عُمري ما عرفت يعني إيه عيلة ؟... يعني إيه صٌحاب ؟... يعني إيه حد يُقف جنبك ويسندك في محنتك .... طول الوقت عايش وسط ناس ضالة متعرفش ربنا... فاكرين إن محدش هيحاسبهم، إن محدش مُهم في الدنيا غيرهم .... وأنا للأسف بقيت زيُهم... أخفض نظراته ليبتسم ابتسامة متألمة أكمل بعدها الحديث بندمٍ أكثر : - عشان كدة أول إيد اتمدتلي عضتها .... كنت فاكر إن محدش هياعقبني، بس للأسف طلعت بعاقب نفسي ... اضطربت أنفاسه وتحوٌل وجهه إلى اللون الأحمر بسبب تلك الدموع التي يكبتها حتى خارت قواه وبدأت قطراتٌ ساخنة من دموعه الحارقة التي يمنعها مُنذ نعومة آظافره، ها قد بدأت تلك القطرات تتساقط رويدًا رويدًا على وجنتيه وهو يتقدم بجذعه قُرب جسد مُعتز هادرًا بأنفاسٍ مُتهدجة : - أنا إنسان حقير، وندل وزبالة، وكل إللي إنت قولته ... بس أنا مُستعد اتغيَر، والله مُستعد أتغيَر بس عايزك جنبي ... أنا محدش عرفني الصح من الغلط، محدش قالٌي أنا لازم اعمل إيه ومعملش إيه ... أنا إنسان ضايع، ومحتاجك توٌجهني انهمرت الدموع على وجنته أكثر فحاول كفكفتها ومواصلة الحديث بين دموعه : - أوٌعدك إني هسمع الكلام، أوٌعدك إني مش هتاجر في الزفت ده تاني ولا هعمل أي حاجة تضايقك .... بس بالله عليك لاترجع، أبوس إيدك اصحى ... أنا مش عايز أرجع لوحدي تاني ... مش عايز أرجع لوحدي تاني .... واصلت دموعه بالانحدار ويداه مُنبسطتان أمامه يُحرك شقيقه حتى يفيق ويُخبره أنه يُسامحه، ينتظر تعليماته وأوامره التي كان يتهرب منها سابقًا لأنها تتعارض مع مصالحه، لكنه يعلم الآن أن وجوده بينهم هو فقط ما يُريده في تلك الحياة. ابتعد بجذعه ليعتدل بجلسته مُكفكفًا دموعه محاولًا تنظيم أنفاسه وشعوره بالارتياح بعدما أطلق العنان لدموعه، فتلك الدموع ليست فقط بسبب جريمته، بل أنها دموعٌ ترسخت مُنذ الطفولة حينما لم يجد صدرًا دافئًا يحتمي به، حينما لم يجد أصدقاءً يُساندونه في محنته، فجميعهم يتلذذون بطعنه من وراء ظهره وتركه حينما تنتهي مصالحهم، كانت هذه الدموع، دموع القهر على حياته التي فناها هباءً دون أن يعلم فائدته بتلك الحياة، يعلم فقط أنه مُجرد ذُبابة هدفها فقط إزعاج الآخرين بأي طريقة كانت.... _________________________ شفتاها تتحركان بدندنة خافتة وهي تتجول داخل حُجرة الطعام تُقطع القثاء على لوحٍ خشبيٍ حتى تُعد العشاء، ففي الصباح كانت تزور مُعتز هي وكوكي وبقيتهم ثم اتجهت إلى وظيفتها بالعيادة لتعود بعدها إلى المنزل وتبدأ بإعداد العشاء قبل أن يأتي إسلام من عمله، فدائمًا ما يتأخر إسلام بسبب طبيعة وظيفته التي تُحتم عليه ذلك، لكن اليوم، يبدو أنه تأخر قليلًا عن المُعتاد. ما كادت تتسآل عن سبب تأخره حتى استمعت إلى صوت الباب يتم فتحه ليُعلمها أن زوجها ها قد أتى أخيرًا، ولأنها زوجة صالحة تُحب زوجها، واصلت تقطيع القثاء والدندنة بتلك الأغنية دون الاكتراث لمجيئه حتى. اقتحم إسلام حُجرة الطعام وعلى وجهه ابتسامة واسعة زادتها غرابة، حتى أنها ظنت أن مُعتز آفاق من غيبوبته بسبب تلك الابتسامة التي تراها على وجهه، لم تجد فُرصة لسؤاله عن سبب سعادته لأنه بادر الحديث بابتسامته الواسعة ولكنته البشوشة : - داليا أخيرًا_ قطعت حديثه برأسها الذي يتمايل مع كلمات تلك الأغنية التي داهمتها فور أن أدلى بتلك الكلمة. - وأخيرًا جيه اليوم أبقى معاك .. شوف كام سنة بستناك... واصلت الغناء بصوتٍ مسموعٍ جعل ابتسامة إسلام تتلاشى ويحل محلها بعض الغضب لأنها تقطع حديثه : - يا داليا اسمعيني ... توقفت داليا عن الغناء ووجهت بصرها نحوه لتنصت إلى حديثه الذي عاود ادلاءه بعوالمه المُتلهفة والمُتحمسة : - بقولك أخيرًا_ قاطعته مُجددًا لتُشاكسه بكلمات تلك الأغنية التي علقت بذهنها : - وأخيرًا جيه اليوم أبقى معاك..... تزمر إسلام بسبب مشاكستها والتي يبدو أنها ترد على مشاكساته الدائمة، تلاشت عوالم اللهفة من عينيه وهو يقول مُنهيًا الحديث بغيظٍ : - تصدقي إنك واحدة مُستفزة ... طب مش قايلِك بقى الخبر إللي عندي كاد يهم بالرحيل لولا يدها التي قبضت على معصمه بابتسامتها المشاكسة والتي آرادت بها الاعتذار رغبة بإرضاء فضولها ولأنها لم تكن تقصد إغضابه : - خلاص خلاص تعالى ... عاد إسلام داخل حُجرة الطعام ليجدها تسأله بفضول : - ها قول .. وأخيرًا إيه ؟ ابتسم ابتسامة ماكرة وهو يرد عليها بمشاكسة ويدان تُصفقان أمامها بصوتٍ خافت مع حاجبين يتراقصين أمامها بغيظ : - وأخيرًا جيه اليوم أبقى معاك آشارت عليه بأصابع الاتهام وهي تقول : - أهو .. إنت إللي بتلاوع أهو قهقه بمُزاحٍ بعد حديثها ثم عاود الاعتدال في وفقته محاولًا صبغ حديثه بالجدية وهو يقول : - خلاص كفاية بقى هزار ... خليني أقولِك الخبر المُهم إللي عندي همهمت بموافقة ثم صلبٌت حدقتيها عليه باهتمامٍ حتى تنصت إلى حديثه الذي كان : - إنهاردة كان آخر يوم ليا في مُستشفى الأمراض العقلية ... وتخيلي بقى شوفت مين هناك لاح على وجهها ابتسامة مذهولة وهي تقول باستنتاجٍ أبله : - متقولش ... شوفت أحمد عز ؟ تلاشت لهفته بسبب حماقتها التي جعلته يلتقط ثمرة من الطماطم ويقذفها عليها بتوبيخ : - أحمد عز إيه إللي هيجيبه مُستشفى الأمراض العقلية ؟ التقطت ثمرة الطماطم التي اُلقيط عليها وهي تُبرر ببلاهة : - عادي يعني، يمكن بيصوٌر فيلم ولا حاجة أغلق عينيه ثم فتحهما حتى لا ينفجر بتلك الحمقاء القابعة أمامه، تجاهل استنتاجها الأبله وقرر أن يُخبرها الحقيقة مباشرة حتى لا تفاجئه بالمزيد من استنتاجاتها الحمقاء : - لأ يا داليا ... أنا شوفت حد أهم بكتير .. شوفت_ ولثاني مرة قطعته بنظراتها المذهولة واستنتاجها الأحمق : - شوفت رئيس الجمهورية ؟ ... يلهوي، إزاي ؟ كاد ينفجر أمامها بتلك اللحظة لكنه قرر أن يُعاقبها ولا يُخبرها حتى تتوقف عن قطعه مجددًا؛ فكان يتجه خارج حُجرة الطعام متفوٌهًا : - طب تصدقي بقى مش هقولك ... خليكي بقى كدة على عماكي... أنا إللي غلطان إني عبرتك أساسًا ولثاني مرة تتشبث بمعصمه وتُعيده داخل حُجرة الطعام متفوٌهة بتوٌسل : - خلاص مش هفتح بوقي ... قولُي بقى شوفت مين ؟ كانت نظراتها تكاد تتآكل من كثرة الفضول الذي ينهش بصدرها، استغل إسلام تلك النظرات وقرر أن يدلي الحقيقة بُسرعة قبل أن تقطعه للمرة المئة وتجعله يعود إلى تلك المشفى الخاصة بالأمراض العقلية، لكن ليس كطبيب، حاول تنظيم أنفاسه قبل أن يعاود الحديث بأهمية ازدادت أكثر هذه المرة وامتزجت أيضًا مع حدته واندفاعه : - شوفت واحدة من المُتنقلين ... اسمها سُمية، ومحجوزة في مُستشفى أمراض عقلية سقط فكها بذهولٍ بعد حديثه غيرالقابل للتصديق، فكيف بهذه البساطة يعثر على واحدة من المُتنقلين وهم طيلة هذه الفترة يبحثون عنهم، ربما قلٌ بحثهم قليلًا هذه الأيام بسبب ما حدث لمُعتز، لكنهم أيضًا لم يتوقفوا نهائيًا. - إحلف !!... وإيه إللي وداها مُستشفى المجانين ؟ وعرفت منين إنها متنقلة ؟ مش يمكن مجنونة وبتخرف ؟ آجاب إسلام على أسئلتها بطريقته الواثقة والعلمية المُعتادة : - أولًا اسمها مُستشفى الأمراض العقلية ... ثانيًا أنا متكلمتش معاها، ده الدكتور جاسم هو إللي شرحلي حالتها ... ثالثًا بقى وده الأهم ... إحنا بُكرة الصبح بدري هنروح نسأل عليها ونتلكم معاها عشان نتأكد إذا كانت واحدة مننا ولا لأ ... وساعتها هنحاول بقى نخرجها ونجرب عليها التثبيت... أنهى حديثه وهو يترك حُجرة الطعام دون أن ينتبه لملامحها المذهولة وغير المُصدقة لما حدث، وجدته يقف على حافة الباب مُنهيًا الحديث بتقرير : - اعملي حسابك بكرة الساعة تسعة الصُبح هنتحرك من هنا .... ___________________________ أحيانًا يتشبه الندم بالجروح، فهو لا يأتي سوى بعد إصابة المرء، ولا يُخلف وراءه سوى الآلام... بات منزله الصغير باهتًا خالٍ من الحياة، لطخ الندم جُدران المنزل حتى تشقق الحائط كما تشقق فؤاده، يتجوٌل بضياعٍ بين زجاجات الجعة المتناثرة التي تراكم عليها الأتربة من قلة اعتناءه بالمنزل. داهمته كلمات شقيقه وهو يُخبره دائمًا أن يُنظف المنزل ويتخلص من تلك الفوضى؛ قرر أخيرًا أن يستمع إليه لعله يفيق من غيبوبته ويتأكد أنه بالفعل تغيَر، عندما يُدرك المرء أنه على وشك الخُسارة، يبدأ بإعادة ترتيباته وأفكاره حتى يمنع التعثر بويلات الفشل. أحنى جذعه ليلتقط الزُجاجات ويضعها داخل كيسٍ أسودٍ كي يتخلص منها تمامًا، اتضح أن المتعة لا تتمثل في تلك المُسكرات والممنوعات، فالمتعة الحقيقية تتمثل بوجوده بين الأصدقاء والآقارب، بوجوده بين أناسٍ يهتمون لأمره ويساعدونه في محنته، حتى وإن لم يجد أشخاصٍ كهذه، يكفي أن يبدأ حياة جديدة بصحة جيدة ونفسٍ راضية. انتهى من جمع الزجاجات وحاول جاهدًا تنظيف المنزل لكن بسبب انعدام خبرته اكتفى فقط بجمع القمامة ووضعها داخل حُجرة الطعام على أمل أن يُلقيها خارجًا حينما ينتهي تمامًا، توقف بمُنتصف حُجرة الطعام ليُطقطق ظهره الذي يُمزقه من شدة الإرهاق، فبسبب إهماله لنفسه ولصحته، باتت تحركاته البسيطة تُرهقه كما لو كان يركض لأميال. أحس بالصُداع يداهمه ويكاد يُفتك برأسه، بل وجسده بدأ يحكه بطريقة لا إرادية جعلت الهواجس تتكٌون بذهنه مُجددًا، لم يعُد يتحمل هذا الصداع الذي يجعل الرؤية تتشوٌش أمامه، بل لم يعد يتحمل الشعوربانعدام الرغبة في الحياة الذي يُداهمه منذ أوقف تدخين الماريجونا لبضعة أيامٍ فقط. سيطر شيطانه عليه ودفعه نحو البراد ليفتحه ويجد أمامه المزيد من زُجاجات الجعة المُثلجة التي جعلته يتصلب أمامها بشهوانية، يشعر بجفاف حلقه وكأنه بصحراءٍ مُكفهرة، يشعر بصُداعٍ يلازمه حتى أوهمه عقله أن تلك الزجاجات هي دواءٌ لعذابه، فدائمًا ما يأخذ عهدًا على نفسه بأن يتوقف لكنه يعود ويزداد ضعفًا حتى يتجرع المزيد والمزيد، لكنه هذا المرة، قرر أن يتحامل على نفسه أكثر، ليس فقط من أجله وبسبب ندمه، لكنه أيضًا بدأ يُفكر بها، يُفكر بكلماتها الرقيقة وأحاديثها البريئة معه، يُفكر بمُستقبلهما سويًا وأطفالهما الذين يحملون براءتها وابتسامتها الرقيقة، لن يقدر على تحمل مسوئليتها وهو لا يستطيع تحمل مسوئليته. تلك الأفكار والخيالات جعلته يُغلق البراد بغضبٍ ويتحرك بعيدًا عن حُجرة الطعام وبعيدًا عن ذاك المنزل المُدنس، فتح باب المنزل عازمًا على الرحيل لكنه توقف أمام الباب ليُعيد ترتيب أفكاره، أين سيذهب في هذا الوقت المتأخر من الليل ؟ هل تظن أن العالم قطعة من الجنة ؟ لن ينقذه العالم من التهلكة والانسياق خلف شيطانه، بل ربما سيضحى العالم سببًا في تراجعه بدلًا من الخطوة مئة. توقفت حركته أمام السُلم لا يرغب بالعودة للمنزل ولا بالرحيل عنه، يشعر وكأنه عالقًا بين رغبته بالتحرر وبدء حياة جديدة ورغبته بالعودة كالسابق، لطالما أخبروه أن السعي وراء الأحلام صعبًا، لكنهم لم يُخبروه عن الماضي الذي يركض وراء تلك الأحلام حتى يلتهمها. تهدلت أقدامه على السُلم ليجلس عليه داثرًا وجهه بين قبضتيه محاولًا تشتيت عقله عن تلك الأفكار التي تتوقف عن إصدار ضجيجها، قرر أن يبقى هكذا لعل النوم يُداهمه ويُنسيه آلامه، فهو لم يذق النوم لأيامٍ ولا توجد لديه حتى شهية لتناول الطعام، هذا فقط لأنه قرر أن يتخلٌى عن إحدى ملزات الحياة التي ظن أنها ستُحرره من مشاق العالم، لكنها كانت تُحرره لتُكبله مجددًا حتى يُصبح عبدًا لها. قطع وصلة أفكاره صوت باب المنزل المجاور وهو يتم فتحه يليه صوت شمس التي كانت تتحدث مع والدتها باعتراضٍ ثم تخرج من المنزل مُرتدية اسدال الصلاة ومعها كيس القمامة الذي تُلقيه داخل الحاوية. انتبهت لوجوده يجلس على السُلم ويبدو عليه الاعياء حتى ظنٌت أن به مرضٌ ما، لا تعلم سبب اهتمامها به لهذه الدرجة، فهي تذهب دائمًا لتطمئن عليه وتُعطيه طعامًا مما تطهوه بالمنزل، بل وحتى تحاول مواساته وإخماد ضيقه حتى لا يشعر بالذنب عمَ اقترفه بأخيه، فلا تنسى أنه اعترف لها مُسبقًا عمَ فعله وهي أكدت له ألا تُخبر أحدهم وأنها ستُساعده حتى يتخلص من هذا الذنب الذي بات يُلازمه لعل مُعتز سيعود إليهم ويستطيع هو طلب العفو منه. تقدمت نحوه بخطواتٍ هادئة مُترددة تشعر أن فؤادها يسوقها، وقفت قبالته مباشرة تناديه بصوتٍ هاديءٍ رخيم : - ميجو ... ميجو إنت كويس ؟ انتبه على صوتها الحاني والذي ربت على نيران قلبه، رفع وجهه ليُطالع عينيها البراقة ثم يتنهد بحرقة ويُعيد رأسه لأسفل غارقًا في تردداته وندمه، لم ينبس ببنت شفة فاستنتجت أنه لايزال شعور الندم يلازمه بل يزداد كلما طالت فترة غيبوبة شقيقه التي تسبب بها هو، إقتربت نحوه لتجلس بجواره على السُلم بالمصاطب السُفلية، فكان يفصل بينهما بضع مصطباتٍ كفيلة بعدم التصاق جسديهما. رغم أنها تعلم أن ما تفعله يكاد ينافي مبادئها لكنها لا تعلم لمَ اعتبرته ابنها ويجب أن تنصحه وتُربت على أحزانه، وبطبيعتها البريئة والعفوية كانت تسأله بصوتٍ هاديءٍ : - لسة بردو متضايق ؟ كان يرغب بإفراغ ما بجعبته أمامها لكنه لسببٍ ما وجد لسانه مُنعقدًا لا يقدر على الحديث، تحلٌى بالصمت لوهلة حتى شجعته هي بكلماتٍ بريئة : - ماما دايمًا كانت تقولي ... لو في حاجة مضايقاكي، قوليها على طول ... كانت بتقولي بلاش ترمي ورا ضهرِك عشان ضهرِك مش هيستحمل ألحت عليه ببراءتها حتى يتحدث وبقي هو صامتًا أمام الحاحها حتى وثبت عن السُلم هادرة بيأس : - خلاص إنت حُر ... بس لو عايز تتكلم أنا موجودة كادت تتجه نحو المنزل لتُداهمها كلماته المُبهمة : - كنت فاكر إني حُر ... أعمل إللي أنا عايزه من غير ما حد يوٌجهني... بس اكتشفت إني مش عارف أنا عايز إيه توقفت عن الحِراك لتُطالعه ببعض الشفقة وهو أمامها جالسٌ على السُلم يبصق ما يدور بجعبته : - حاسس إني كل ما أقدم خطوة، في قطر هيعدي وهيشلني من على وش الدنيا زاد شعورها بالشفقة اتجاهه ولا تعلم أهذه شفقة أم شعورٌ آخرٌ لا تدري ماهيته، وجدت قدماها تُعاودان الجلوس على السُلم أسفله بعدة مصطباتٍ لتُطالعه بوجهٍ مُستنيرٍ حمل معه بعض الإرشاد أثناء قولها : - فكرتني بقصة النمل مع سيدنا سُليمان... اعتدلت لتقابل عينيه التي تلاقت مع عينيها العسلية وبدأت تسرد القصة وكأنها تُحاكي طفلًا صغيرًا : - جيش سيدنا سُليمان عليه السلام كان داخل مملكة النمل، وكان وقتها النمل بيشتغل وبيسعى ... لغاية ما نملة منهم حسَِت بالخطر، عرفت إن الجيش داخل عليهم .... وبدل ما تنفد بجلدها، فضلت مكانها تساعد بقية النمل إنه يهرب، كانت فاكرة إن الجيش هيدوسها، بس كانت راضية عشان أنقذت أصحابها .... بس تعرف بقى إيه إللي حصل ؟... زادت لهفتها وإرشادها وهي تواصل الحديث بعد أن وجدته مصوٌبًا حواسه عليها بتركيز : - سيدنا سُليمان سمعها ... وأمر جيشه إنه يقف لغاية ما النملة تعدي تنهدت بعُمقٍ ثم آعادت بصرها نحوه لتُخبره المغذى من حديثها : - القطر إللي إنت فاكره هيدوسك وهيمنعك تكمل ... هتلاقيه فجأة وقف ومقدرش يقرب منك ... وحتى لو داسك، لازم تكمل وتسعى لغاية آخر نفس، على الأقل تكون حاولت، بدل ما تهرب وتنسى إنت عايز توٌصل لإيه كلماتها كانت كالدواء بالنسبة له، رغبته بالتغيير زادت أكثر بعد حديثها، خوفه من التراجع تقاعس بسبب كلماتها، فوجودها أحدث فارقًا لم يكن يعلمه أبدًا بحياته، لم يعُد يتحمل حتى رؤيتها أمامه دون احتواءها داخله حتى تبقى بجواره أبد العُمر. ظنٌت أنها أدت مُهمتها فوٌثبت فورًا حتى تعود لمنزلها قبل أن تُلاحظ والدتها غيابها. - أنا همشي بقى عشان ماما متزعقش كادت تهم بالرحيل لولا كلماته التي قطعت سيرها : - شمس توقفت عن السير لتلتفت نحوه وتجده قد وثب عن السُلم يرمق قسمات وجهها وداخله يُخبره أن يعترف لها ويطلب يدها للزواج، قلبه يطالبه بالإفصاح عن مشاعره وعقله يطالبه بالتراجع، فهذا ليس وقته أبدًا، وأمام هذه التناقضات، قرر أن يستسلم لعقله ويقول : - شُكرًا كلمة واحدة عبٌرت عن جُزءٍ فقط من امتنانه، ورغم أنه آراد أن يُغرقها ببحور الأشعار إلى أن لسانه لم يسعه قول سوى هذه الكلمة البسيطة، اتسعت بسمتها البريئة وهي توميء برأسها دون أن تنبس ببنت شفة، فكان قلبه يضطرب أضعاف ما يضطرب قلبه، لكنها اكتفت بتلك الإيماءة وعادت إلى منزلها تاركة إياه يسب نفسه لعدم مقدرته على الاعتراف، أين ذهبت وقاحته وهو يغازل النساء ؟ حقًا لا يعلم ما الذي فعلته به هذه الفتاة. صدح صوت هاتفه داخل جعبته فأخرجه وحدق به لتتغير عوالم وجهه إلى أخرى مٌقتضبة غاضبة، فتح سماعة الهاتف ووضعها على أذنه هاتفًا بجفاء : - نعم أتاه الرد من الجهة الأخرى وكان طلال يتحدث معه بعوالم تفوقه غضبًا، فهو لفترة طويلة لم ينقل لهم الأخبار ولا يرد حتى على اتصالاته. - شكلك نسيت الاتفاق إللي بينا داهمه طلال بتلك الكلمات مُذكرًا إياه بأنه نذلٌ وخائن، هذه المرة لم يتحمل ميجو وقرر أن يبدأ صفحة جديدة، قرر أن يمحي من كان سببًا بإبعاده عن عائلته الحقيقية، ورغم عِلمه بطلال وقوٌته، إلى أنه لم يكترث له وهتف بصرامة : - لأ منسيتش ... بس أنا خلاص ... مش لاعب تاني احتدت نظرات طلال وإذا كان ميجو أمامه الآن لما هشم رأسه لقطعٍ صغيرة، فكانت الشُعلات تتقاذف من عينيه وهو يقول : - يعني إيه مش لاعب ؟... والفلوس إللي بتاخدها ؟ حافظ ميجو على صرامته ولامبالاته وهو يقول : - مش عايزها لم ينتظر إجابته وأغلق المكالمة فورًا وداخله شعورٌ بالارتياح، فكونه خائنًا كان يضعه في دائرة الندم والقلق دائمًا. على الجهة الأخرى، كان طلال في حالة من الغضب يكاد يقذف ما أمامه بعدما تفوٌه به هذا الأحمق، ارتمى على المقعد الخاص بمكتبه داخل المشفى الخاصة به والتي أضحت خالية تمامًا بعد رحيل الجميع، ما كاد يتحدث حتى وجد داغر شريكه يقول ليزيده غضبًا : - البت إللي بعتٌها اتقبض عليها ... شكلهم قفشوها كان يتحدث عن نرمين التي ألقي القبض عليها بعدما انكشفت حقيقتها، لم يبدو أن طلال يستمع إليه وبقي في حالة غضبه حتى سأله داغر : - إيه أخبار العميل إللي بعته ؟ كان هذا السؤال كالقشة التي قصمت ظهر البعير، فسُرعان ما عاود الغضب زيارته وعاود الانفعال يُلطخ حديثه الذي كان : - الخاين الحقير ... شكلهم ضحكو عليه التقط طلال أنفاسه وترك مكتبه ليتجوٌل داخل الحُجرة محاولًا تهدئة روعه والتفكير مجددًا، بقي داغر وراءه يسأله باستفسار : - والعمل ؟ امتنع طلال عن الإجابة وواصل السير داخل حُجرة المكتب حتى توقفت أقدامه بمُنتصف الحُجرة وعيناه تنضبان بشراراتٍ من اللهب والوعيد والمُكر، كل تلك الصفات اجتمعت بحديثه الذي كان : - مفيش ... شكل اللعب المرادي هيبقى على المكشوف... يُتبع ❤💕 ___________________________ لمحة تاريخية عن القضية قام هذا الجيش المُرتجل بقيادة " عبد القادر الحُسيني / فروق القاوجي / حسن سلامة " بعمليات مُنفصلة ضد الصهاينة لكنها فقدت تأثيرها مع الوقت، تلك المعارك المُنفصلة زادت من شراسة الصهاينة وجعلتهم يعزمون على القضاء على جميع الفلسطينين حتى يستولوا على الأرض بأريحية. حدثت اجتماعات مُكثفة للهاجاناه أدت إلى الوصول إلى الخطة المشهورة " دالت " وهي خطة تطهير عرقي كاملة جاهزة على الورق لكنها تحتاج إلى تجربة، وفي 15 فبراير 1948 قام القائد إسحاق رابين " قائد فرقة عصابة البلمارخ " بالهجوم على قرية قيسارية في منطقة حيفا، أدى هذا الهجوم إلى طرد 1500 مواطن من منزله ليتجهوا بعدها إلى خمسة قُرى أخرى ويطردوا منها المزيد من السُكان، فكانت بداية الخُطة هي الهجوم المُنظم على القُرى المحاوطة للقدس تمهيدًا للاستيلاء عليها. ازدادت جرائم هذه العصابات وحاصروا العديد من القُرى من ثلاثة جهات، ولم يتركوا سوى منفذٍ واحدٍ فقط لهروب المواطنين، وفي 9 ابريل عام 1948، كانت هناك قرية هادئة تُسمى دير ياسين يعيش فيها حول 700 مواطن من الفلاحين والتُجار، وبعد الهجوم على تلك القرية، قتلت العصابات الصهيوينة 25 مواطنًا بريئًا من أجل الاستعراض الإرهابي. تسبب هذا الاستعراض بطرد حول 75 ألف فلسطينيًا من بيوتهم بيافا وحيفا والقُدس، وقاموا ببناء متحف قاشيم ياد بدلًا من قرية دير ياسين حتى يمحوا ذكرى وجود مذبحة في هذا المكان. خرجت القوات البريطانية من فلسطين جبرًا وسلٌمت موانيها للصهاينة، كما سلموهم أيضًا 2700 مبنى حكومي و50 محطة قطار و300 كيلو من الطُرق ونحو 34 مُعسكر مُجهزون بالأسلحة وقطع الغيار، تلك المُعدات زادت من نفوذهم ومكنتهم من تدمير 530 قرية فلسطينية مُعظمهم تم التطهير العرقي بداخلهم، وفي 14 مايو 1948، تم إعلان دولة اسرائيل وأعلنت عن نفسها كداوود صغير أمام جالوت العملاق، وزاد من سيطرتها اعتراف الدول العُظمى بها. وفي 15 مايو 1948، أعلنت الجيوش العربية دخول الحرب للقضاء على الكيان الصهيوني، لكن.... ( يُتبع ) _______________________ عارفة إن الفصل كئيب إلى حدٍ ما بس هيتعوٌض الفصول إللي جاية، فمتنسوش الفوت ومتنسوش تقولولي رأيكم في الفصل وفي الرواية بشكل عام 🥰
نوران أشرف محمد