الفصل الخامس ( تصفية حسابات )

الفصل الخامس ( تصفية حسابات )

20 0

بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم إنا نستوٌدعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين، اللهم كُن لهم عونًا، اللهم إنا لا نملك إلا الدعاء فيارب لا ترد لنا دُعاء ولا تُخيب لنا رجاء، اللهم أنصر ضعفهم فإن ليس لهم سواك " لا تنسوا الدُعاء لأهالي فلسطين 🙏🙏 _________________________________ تذكر أنك تحمل الحلول دائمًا، لكنك تخشى استخدامها مُعتقدًا أن تلك الحلول ستُدمر حياتك، بينما الحقيقة أن الصمت وعدم التدخل هو سبب الدمار في النهاية... فتحت باب المنزل لتُرتسم بسمة هادئة على ثغرها وهي تبتعد بضعة أمتارٍ عن الباب كي تفسح المجال للزوار بالتوٌغل، دلف مخيمر أولًا وتلته ريتا التي أتت بناءً على دعوٌتهما الطارئة، تحركا داخل المنزل حتى توقفت أقدامهما عند البهو تحديدًا عند تلك الأريكة ذات الصيحة الحديثة والتي يُقابلها التلفاز مباشرة. كانت الحيرة والتساؤل يتقاذفان من نظراتهما لتلك الزيارة المتأخرة، لكن إسلام وداليا لم ينبسا ببنت شفة حتى دق الجرس مجددًا وتحرك إسلام كي يفتح الباب ويفسح المجال لجابر الذي أتى هو الآخر وجلس على أحد المقاعد بالبهو. حمحم إسلام قبل أن يبدأ الحديث بعملية : - إحنا بنعتذر عشان جبناكم في الوقت المتأخر ده ... بس الموضوع مش هينفع يستنى أكتر من كدة بترت داليا حديثه بلهفة وهي تتقدم بجذعها : - إحنا قررنا نتثبت ... خلاص مبقناش عايزين نبقى مُتنقلين تاني أكمل إسلام عبارتها بنفس تلك الطريقة الجدية : - خصوصًا بعد إللي حصل آخر مرة ... مش عايزين حياتنا تبقى في خطر تبادلت النظرات بينهم في تيهٍ حتى أردف مخيمر مستنتجًا : - إنتو عايزينا نساعدكم ؟ أكد إسلام على حديثه بقوله : - أيوة ... عايزِنك تدوٌرلنا على طريقة مضمونة نعرف نتثبت بيها وجهٌت داليا ضفة الحديث نحو ريتا لتُخبرها : - وبما إن جابر زيِنا ... فإحنا عايزينِك يا ريتا تعلميه إزاي يستخدم قُدرته زي ما علمتينا .... وده لغاية لما نتثبت كلنا رسمت ريتا بسمة هادئة على ثغرها وهي توميء برأسها بموافقة : - تمام... معنديش مُشكلة ثم التفتت بعدها نحو جابر كي تُخبره عن تلك القُدرة التي لديه وكيف أتته لتزداد نظراته الحائرة وشعوره بالدهشة لما يستطيع فعله بعد أن ظنٌ أنه نكرة لا فائدة منه... _______________________ - أخويـــة !! قالها بصدمة وأعينٍ جاحظة أمام هذا الواثب أمامه ببسمته السمجة ونظراته التي بدت مُرعبة بالنسبة لمُعتز رغم أن الحقيقة أنها كانت ودودة، فحقيقة أن يكتشف أن لديه أخٌ لم يكن يعلم عنه شيئًا يكاد يجعله يفقد صوابه. - أخوية إزاي ؟ ... جِت إمتى ؟ تقدم ميجو خطوة داخل المنزل مع حقيبة سفره عازمًا على المبيت في منزله بتلك الليلة، أما عن كوكي فكانت تُتابع ما يحدث في صمتٍ ولا تُريد التحرك قبل أن ترضي فضولها وتفهم حقيقة الأمر. - انا أخوك من الأب ... أمي اسمها تحية بركات ... ومشهورة بتيتي .. إنت أكيد عارفها سقط فكه في صدمة ما إن استمع إلى ذاك الاسم الذي يعلمه جيدًا، هذا هو اسم تلك العاهرة التي أتت منزله بعد أن تزوجها والده وتسبب في وفاة والدته المسكينة، أي أن الذي يقف قبالته هو ابن الـ.... - الرقاصة !! ... يعني إنت ابن الرقاصة إللي أبوية كتب عليها ؟ بقي فاهه مفتوحًا رغم أن كوكي كانت تبتسم بلهفة قالت معها : - !! wow this is gorgeous " واو ... هذا مُذهل " تدخل مُعتز ليسأل مُستفسرًا : - إزاي ... أبوية اتجوز الرقاصة دي وأنا عندي 14 سنة ... لحق يخلف شحط زيَك إمتى ؟ ابتسم ميجو بفخرٍ وهو يُشير على نفسه : - لأ ...هو فعليًا اتجوزها وإنت عندك خمس سنين ... بس كُنا قاعدين في الكباريه لغاية ما هو قرر يجبنا الفيلا ... ساعتها كان عندي تسع سنين، بس إنت مكنتش موجود في البيت ... وعمومًا يعني إحنا مقعدناش غير سنتين ورجعنا الكباريه تاني تذكر مُعتز هروبه من المنزل ومبيته بمنزل صديقه إسلام هربًا من والده ومن حقيقة كونه السبب في موت والدته، صدح صوت ابنته التي بدأت بالبكاء لكن كوكي هدهدتها ثم رمقت ميجو بابتسامة هادئة تبعتها بترحيب : - هاي ... أنا كوكي اتسعت بسمة ميجو وهو يتابع كوكي بشعرها البُرتقالي وعينيها الزرقاء التي جعلته يتغزل بهما بقرارة نفسه رغم أن كلماته خرجت من جوفه بطريقة ودودة حاول معها الحِفاظ على أدبه : - محسوبِك ميجو_ آشار على نفسه مع آخر كلماته لكن مُعتز قطعه بنيرانٍ تشتعل بداخله من ذاك الذي يُذكره بالماضي، تقدم نحوه مُعتز ليدفعه بعيدًا عن زوجته متفوٌهًا بعبارتٍ حادة : - إبعد عنها .... ويلا خُد حاجتك وإمشي من هنا لم يتحرك ميجو مكانه وبقي ساكنًا يرميه بنظراتٍ مُستعطفة قال معها : - استنى بس يا شقيق ... دا أنا حتى أخوك واصل مُعتز دفعه هادرًا بصرامة ولا مبالاة لنظراته المُترجية : - أنا مليش إخوات ... وأبوك معرفش هو فين تمسك ميجو بحافة الباب ولازالت عوالم الترجي على وجهه وهو يقول : - طب خليني بس أبات الليلادي هنا وبكرة أشوف حتة تانية ... دا أنا غلبان ومش لاقي حتة أقعد فيها تحلٌى بالبراءة الزائفة مما جعل كوكي تأخذ صفه وتحاول ترجي زوجها بكلماتها المُستعطفة : - سيبه يا زيزو ... he seems lonely .... وأنا أساسًا هروح لبابي آشار ميجو على كوكي وهو يُدعٌم حديثها بترجٍ رغم أنه لم يفهمها : - أيوة أيوة أنا لولي ... بقيت تلح عليه بنظراتها حتى تنهد مُعتز بنفاد صبرٍ جعله يستجمع غضبه ويدفع ميجو من ياقة ملابسه داخل المنزل تزامنًا مع ترك كوكي المنزل وتوٌديعها لهما بابتسامة هادئة. رماه مُعتز بنظراتٍ غاضبة متوٌعدة قبل أن يهدر بصرامة : - أنا هدخل أنام ... ومش هسيبك هنا عشان مش واثق فيك ... فيلا قُدامي على الأوضة لم ينتظر إجابته وخطى نحو الحُجرة ليتبعه ميجو في صمتٍ وهو يجر حقيبته صوٌب الحُجرة، إرتمى على الفراش الفسيح الذي ينام عليه مُعتز وزوجته بينما كان مُعتز بالمرحاض المُلحق بالغرفة، وضع ميجو حقيبته جانبًا ليُخرج لفافة سميكة من التبغ ويضعها في فمه لكبح شهيته الجامحة باستنشاق تلك الممنوعات التي أدمنها. أخذ نفسًا من تلك اللفافة ثم أخرجه على هيئة دُخانٍ سميكٍ تزامنًا مع فتح باب المرحاض وخروج مُعتز منه ليشهد هذا الذي يحدث بمنزله. اتسعت حدقتيه في صدمة وهو ينتشل لفافة التبغ عنوة من بين أصابع ميجو ليرفعها نحو وجهه ليشهق بصدمةٍ ثم يردف بعدها بدرامية : - حشيش !! ... في بيتي !! ... وعلى سريري !! قطب ميجو حاجبيه بحيرة من نبرته الدرامية التي جعلته يهتف بسُخرية : - إنت قفشتني مع مراتك ولا إيه ؟ إزداد الغضب داخل مُعتز مما جعله يقبض على تلابيب ميجو بعد أن أطفأ لفافة بمطفأة السجائر، حرك ميجو من تلابيبه كي يستمع إلى صوته الموٌبخ الصارم : - ولاا... اتعدل بدل ما اعدلك، مش عشان فتحتلك بيتي هتبرطع فيها .... الزفت ده ميتشربش في البيت ... واسم مراتي ميجيش على لسانك إنت فاهم ... ويلا اتخمد خلينا نخلص تركه مُعتز ليُعدل ميجو من هِنداب نفسه دون أن ينبس ببنت شفة، فهو يتحمل طريقته الحادة لعدم وجود مكانٍ آخر يختبيء به بعيدًا عن تلك العصابة التي تُلاحقه، مرٌت بينهما بُرهة من الصمت جعلته يستلقي بظهره على الفراش بجوار مُعتز الذي يوٌليه ظهره رافضًا النظر إليه حتى، إكتفى بإغلاق الأضواء ومحاولة النوم ونسيان وجوده. لم يتركه ميجو وشأنه لعدم مقدرته على النوم، فهو بالأساس لا ينم قبل شروق الشمس، والساعة الآن لم تصل حتى إلى الرابعة فجرًا، إقترب بجذعه نحو مُعتز وبدأ يُحرك كتفه مناديًا : - مُعتز ... مُعتز همهم مُعتز وهو لا يزال يُغمض عينيه لا يتحرك من مكانه حتى واصل ميجو الحديث : - أنا جعان أفأف مُعتز بنفاد صبرٍ من صبيانيته التي جعلته يفقد هدوءه المُعتاد : - وأنا مالي أنا مكلتش ليه قبل ما تيجي برر له ميجو بصوتٍ خافت : - منا كلت بس جعان تاني غطا مُعتز رأسه بالغطاء وأزاحه بعيدًا عنه وهو يقول بنفاد صبر : - الأكل عندك في التلاجة ابتعد عنه ميجو ووثب من فراشه ليترك الحُجرة في الظلام بحثًا عن الطعام وحتى يُدخن تلك الممنوعات دون أن يلقى معارضة، فيبدو أن شقيقه صارمًا أو هذا ما أظهره نتيجة غضبه وتذكره لوالدته، فإذا علِم ميجو حقيقته ستتغير وجهة نظره تمامًا... _____________________________ أشرقت شمس يومٍ جديد وكانت داليا تجلس أمام مكتبها تُباشر عملها أخيرًا بعد أن انقطعت عنه لمُدة، تجلس أمامها فتاة تبدو بمُقتبل الثلاثين من العُمر، تتحدث بنبرة مكلومة وصوتٍ يحمل الشكوى والاعتراض كما اعتادت داليا من حالاتها، فالجميع هنا يشكوها ويطلب رأيها في مشكلاتهم الزوجية، ولأنها خبيرة بتلك الأمور كانت تُجيبها بحكمة أدلت معها ما درسته طوال حياتها : - لازم تعرفي يا مدام سُندس إن جوزك شخصية عيٌابة .... بتنتقد إللي قُدامها دايمًا ودايمًا مش عاجبها حاجة ... وأنا هتكلم معاه بخصوص الموضوع ده ... بس الأول لازم تعرفي إنه مهما انتقدك خليكي زي ما إنتِ ... لأنك كل ما تنفذي إللي هو عايزه هيزوٌد في الأوامر والطلبات والانتقادات .... عشان كدة المفروض تأدي واجبِك كزوجة طبيعي جدًا ومتحاوليش تبرريله لأنه هيدخل معاكي في خناق ممكن نهايته متعجبكيش استمعت المدعوٌة بسُندس لما تقوله بإمعانٍ شديدٍ حتى أردفت بيأسٍ : - يا دكتورة والله أنا تعبت ... لما بطنش بيزعق فيا، ولما بنفذ مش بيعجبه، أنا مبقتش عارفة أعمل إيه تقدمت داليا بجذعها وهي تتحدث لآخر مرة : - متعمليش أزيَد من إللي بتعمليه ... وحاولي تتكلمي معاه بهدوء، وتفهمي هو بيعمل كدة ليه ... بقيت تتحدث معها لفترة وتُخبرها ببعض الحلول حتى انتهت تلك الجلسة على أمل أن يأتي زوجها بالجلسة الأخرى، وثبت داليا عن مقعدها تُصافح تلك السيدة ببسمة بشوشة ثم تتُابعها وهي ترحل عن المكتب لتُعاود الجلوس على المقعد ومراجعة بقية الأوراق الخاصة بحالاتها. انتابها الذعر تزامنًا مع صوت الباب الذي انفتح على مصراعيه ليتوٌغل منه خورشيد وزوجته شهيرة مع صوت شجارهما المُعتاد والذي جعلها تتنهد بنفاد صبر. - يا دكتورة إحضرينا .... دلوقتي أنا كنت عند حماتي عشان عزمانا على الغدا .... راح هو فضحني وقال لحماتي إني مش بعرف أطبخ أنهت حديثها بتذمرٍ ونبرة مُرتفعة جعلته يؤكد حديثها بفظاظة : - ما إنتِ فعلًا فاشلة في الطبيخ ... ولا نسيتي الملوخية الصايصة إللي عملتيها أول امبارح شهقت باستنكارٍ آشارت معه على ذاتها لتُكذب حديثه : - أنا بعمل ملوخية صايصة يا مفجوع يا طفس وها قد بدأ الشجار للمرة المئة أمام داليا التي لم تتحرك من أمام مكتبها وبقيت تُطالعهما بخيبة أمل، فمُنذ فتحت هذه العيادة وهذين الزوجين يتشاجران بهذه الطريقة وبتلك الأسباب الساذجة. ارتفعت الأصوات داخل المكتب وكانا على وشك العِراك لولا تدخل داليا التي وثبت مرة واحدة وهدرت بصوتٍ مُرتفع : - بس بقى ... إنتو مش بتزهقو من الخناق ؟ لاح الغضب على وجهها وعلى نبرة صوتها مما جعلهما يتوقفا عن الجدال وتسألها شهيرة بتشفٍ : - نعمل إيه يا دكتورة ؟... ما هو إللي دايمًا يقلل مني قُدام الناس تذمر من اتهامها فدافع عن ذاته ببعض الغضب : - دا على أساس إنك الملاك البريء .. دا أنا_ قطعت داليا جدالهما بنبرة قاطعة صارمة : - بقولكم إيه ... ما تطلقو وتريحوني ؟... ما هو مش كل يوم خناق خناق لغاية ما ودني هتنفجر منكم قطبت شهيرة حاجبيها بحيرة من غرابة هذا الإقتراح مما جعلها تقول : - نتطلق !! ... يا دكتورة إحنا جايين عشان_ قطعت داليا حديثها وهي تدفعها خارج المكتب بنفاد صبر : - أنا بقى بقولكم اتطلقو .... عشان أنا زهقت ومعدش فيا طاقة .... فيا تطلقو ... يا متجوش هنا تاني أنهت حديثها بصوتٍ مرتفعٍ وهي تدفهما خارج المكتب وتغلق بعدها الباب بغضب، ارتمت مُجددًا على المقعد أمام مكتبها وقسمات وجهها لا تخلو من الغضب خاصة بعد أن اضطرت لمخالفة مبادئها وطبيعة وظيفتها وطلبت منهما الإنفصال وهي من المُفترض أن تُصلح بينهما، فقد فاض كيلها منهما ومن تدميرهما لمكتبها العزيز، هذا ما دفعها لتقول وهي تسترخي بظهرها على المقعد : - كرهتوني في الشُغلانة .... _________________________ دوى صوت الطلقات النارية في كل مكانٍ مع هذا الإقتحام الذي حدث، جموع من الرجال يرتدون ملابس سوداء مع واقي الرصاص التي اجتمع مع أسلحتهم وأقنعة رؤوسهم، فهم ليسوا لصوصًا، بل هُم ضُباطٌ ارتدوا تلك الملابس لتنفيذ إحدى العمليات التي يترأسها لؤي ويقود فرقته تجاه المخزن القديم... يتحرك بهدوءٍ داخل المخزن ووراءه واحد من الضُباط يُشهر سلاحه أمامه كما يفعل لؤي بالضبط، فما إن وجدا أحد المجرمين أمامهما حتى أطلق لؤي رصاصة آصابت ذراعه ثم آخرى تُصيب قدمه حتى لا يُحاول الهرب منهم، تقدم نحوه لؤي بأعينٍ نارية ونظراتٍ غاضبة جعلته يضع قدمه فوق إصابة الرجل الذي يزحر آلمًا ويرتفع صوت أنينه ما إن يضغط لؤي على هذا الجرح الذي ينسل منه الدماء : - العيال فين ... إنطق هتف لؤي بتلك الكلمات بصوتٍ صارمٍ وقدمه لا تزال ماكثة فوق هذا الجرح؛ تأوه الرجل بصوتٍ مُرتفعٍ ولم يكن يرغب بالحديث لكن ألمه دفعه للاستسلام وإخباره بمكان الأطفال. تركه لؤي ملقيًا على الأرض وأمر أحد رجاله بأخذه وتسليمه للعدالة، بينما توٌغل هو أكثر داخل المخزن بعينين تُحدقان بكل مكانٍ بحثًا عن تلك الحُجرة المرادة، فما إن وجدها حتى هرع نحوها وأطلق رصاصة على المقبض حتى يفتح الباب ويقتحم الحُجرة. وجد مجموعة من الأطفال يتقوقصون بأماكنهم بحالة مزرية وبعض الجروح الطفيفة على وجوههم، ناهيك عن الحبال التي تُكبل حركتهم والدموع التي تنهمر على وجنتيهم، أخفض لؤي سلاحه وهرع فورًا صوٌبهم يحاول فك وثاقهم بأقصى ما لديه من سُرعة، وثب بعدها عن الأرض وطلب من الأطفال أن يتحركوا أمامه في هدوءٍ ويتجنبوا النظر للعِراك الذي يحدث حولهم. تحرك جميع الأطفال ولم يبقى سوى طفلٌ واحد بقي جالسًا على الأرض ودموعه تزداد انهمارًا، إقترب لؤي نحوه حتى لاحظ قدمه الصغيرة المجروحة والتي تمنعه من التحرك، هذا ما جعل لؤي يرفعه عن الأرض ويُطمئنه بكلماته الحنونة قبل أن يترك الحُجرة، لكن فوهة السلاح هذه اعترضت طريقه ليظهر أمامه أحد الرجال بنظراتٍ مُقتضبه وأعينٍ غاضبة. أخفض لؤي الصغير على الأرض وطلب منه أن يُغلق عينيه حالما ينتهي من هذا الأرعن، فما إن نفذ الصبي الأوامر حتى وجه لؤي نظراته النارية صوٌب الرجل الذي لم يتزعزع وكان على وشك إطلاق النيران من فوهة سلاحه، قبض لؤي على ذراعه وقام بلوي يده حتى سقط السلاح على الأرض، ركله لؤي في معدته ثم ركله مُجددًا على فكه مما جعل الرجل يبصق الدماء من فمه ويسقط على الأرض فاقدًا للوعي. حمل لؤي الطفل مجددًا وجعله يجلس على أكتافه كي يستطيع الهرولة بأقصى سرعة حتى هرِب أخيرًا من ذاك المخزن، وضع الصبي داخل عربة الشُرطة مع بقية الأطفال ثم عاد إلى المخزن مُجددًا ليقبض على المجرمين ويُكبل رسغهم، فكان الرجال يتركون المخزن بجروحٍ جسيمة ونظراتٍ متوٌعدة بسبب فشل خطتهم وانتهاء مُستقبلهم. __________________________ خرج الهواء من فمه مُفعمًا بالغضب والوعيد، فتلك المكالمة التي وردته عكرٌت صفوه ودمٌرت جميع مُخططاته وُربما تُدمر حياته فيما بعد، لاحظ شريكه طفرات الضيق على وجهه فتقدم ليجلس أمام مكتبه متسآلًا : - مالك يا طلال ؟ ... العملية حصلٌها حاجة ؟ زفر طلال الهواء من فمه وهو يهتف باقتضاب : - العملية باظت ... رجالتنا اتقبض عليهم لم تهتز شعرة من شريكه وبقيت عوالم الهدوءٍ واللامبالاة على وجهه حتى أردف ببساطة : - وإيه يعني ... ما إنت عارف إنهم مش هيبلغو عننا ... دا لو لحقو أساسًا ... أنا ليا حبابيب في الحجز هخليهم يخلصو عليهم دُوغري... ولو على العيال ففي غيرهم كتير وجه طلال نظراته الحاقدة نحو شريكه كي يُبرر سبب غضبه : - وإنت فكرك يعني هو ده إللي مضايقني ... تقدم بجذعه وهو يواصل الحديث بغضبٍ أكثر : - أنا إللي مضايقني إنهم بيتحدوني وفاكرين نفسهم هيقدرو عليا ... وأنا موتي وسمي إن حد يتحداني رسم شريكه بسمة خبيثة على ثغره وهو يُطمئنه : - وماله .... مش إحنا لما نلاقي حباية مضيقانا ... بنشيلها بادله طلال بنفس البسمة ما إن فهِم تلميحاته التي تتوافق مع كوٌنه طبيبًا للتجميل، انتهى الحديث بينهما بنظراتٍ متوٌعدة ورغبة عارمة في الإنتقام ممن يتسبب بتدمير مُخططاتهما الماكرة. _______________________________ عدُل من هِندام قميصه وهو يرمق نفسه أمام المرآة بحلٌته الأنيقة وخُصلات شعره اللامعة، ترك الحُجرة بخطواتٍ هادئة حاول جعلها رزينة لتتناسب مع كوُنه ذاهبًا إلى العمل، توقف داخل المطبخ يضع يده على البراد على أمل أن يجد ما يتناوله في الفطور قبل أن يترك المنزل، لكن ما حدث، هو أنه وجد البرادٍ خالٍ تمامًا سوى من بعض بقايا الطعام الفاسد. استشاط وجهه غضبًا وسقط فكٌه بذهولٍ من ذاك المظهر؛ أغلق البراد بحدة ليهرول خارج المطبخ حيث يجلس ميجو أمام التلفاز بأريحية ومعه جهاز التحكم الذي يُمرره على التلفاز لعله يجد ما يُشاهده ويُمتع به وقته. اقتحم مُعتز خلوته بسؤالٍ حادٍ يحمل الغضب : - فين الأكل إللي كان في التلاجة ؟ انتبه ميجو لسؤاله الذي آجاب عليه ببساطة دون أن يُعيره انتباهًا حتى : - أكلته ... ما أنا قولتلك كنت جعان وإنت قولتلي شوف أي حاجة من التلاجة اشتعل مُعتز أكثر من هذا الوقح الذي يأخذ راحته كاملة رغم أن مُعتز لا يطيق وجوده من الأساس، أمسكه من ياقة ملابسه من الخلف هادرًا بتوٌبيخ : - أنا قولتلك أي حاجة من التلاجة مش كل إللي في التلاجة حاول ميجو إبعاده بصوتٍ مُرتفعٍ دافع به عن ذاته : - في إيه يا عم ما تصتبح ... كمان هتبُصلي في اللوقمة أطبق مُعتز على شفتيه وهو يتركه بنفاد صبرٍ ونيرانٍ تشتعل مع تنهيداته، تجاهل تضوره جوعًا وقرر ترك المنزل على أمل أن يبتاع الشطائر في طريقه للعمل، أما عن ميجو، فكان لا يزال يجلس أمام التلفاز لا يُعيره انتباهًا، يُطلق الصافرات من جوفه بنغمة موسيقية تُغنيه عن هذا الملل حتى يرحل مُعتز عن المنزل. ما إن تأكد أن شقيقه رحل حتى أخرج عُلبة سجائره السميكة ووضعها بين أصابعه ليتلفت بعدها باحثًا عن قداحته التي تدثرت داخل جعبته الأخرى، قرٌب القداحة نحو فوهة لفافة التبغ المُذهبة للعقل على أمل أن يُشعلها ويستنشق سمومها، لكن لسوء حظه أن قداحته لم تكن تعمل مما يفرض عليه أن يترك المنزل حتى يملئها بالوقود. _______________________ يُدندن بنغمة موسيقية وهو يجلس بطريقته المُعتادة واضعًا القدم فوق الأخرى على مكتبه وظهره يسترخي للوراء وأمامه شاشة التلفاز المفتوحة على النشرة الجوية التي يُتابعها بلا إكتراث، فبدلًا من أن تنشر القنوات أخبارًا عمَ يحدث بالبلاد كانت تذيع أخبارًا لا فائدة لها تخص الممثلين والمطربين، وكان هو ينتظر مرور تلك الفقرة الساذجة حتى يأتي بعدها أهم الأنباء. إنفتح باب المكتب على مصراعيه ليتوٌغل أحد الأطباء بابتسامة بشوشة وخطواتٍ هادئة رزينة دفعت إسلام للاعتدال في جلسته ليستقبل هذا الطبيب ببسمة ودودة مرحة، فهناك علاقة حميمة تربط ما بين هذين الطبيبين. وثب إسلام من مقعده ليُصافحه أولًا قبل أن يجلس كلاهما ويبدأا الحديث عن أحوالهما لفترة وما حدث بالفترة الأخيرة، انتهت تلك الترحيبات ليُباشر هذا الطبيب المدعو بجاسم الحديث بجدية : - أنا الحقيقية جاي عشان أطلب مساعدتِك قطب إسلام حاجبيه ببعض القلق وهو يسأل : - مساعدة إيه ؟ حمحم جاسم قبل أن يبصق طلبه مرة واحدة : - حصلت كام مُشكلة في المصحة إللي شغال فيها ... خصوصًا عنبر تمانية ... إنت عارف بقى إن عندنا حالات انتحار وساعات المرضى بيأذو نفسهم ... صمٌت بُرهة ليواصل بعدها الحديث برجاءٍ اجتمع مع جديته : - عشان كدة أنا محتاجك ... محتاجك تكشف على العيانين، عشان الجراح إللي كان عندنا واخد أجازة ممتدة ... وأنا استأذنت دكتور ضياء وقالٌي إن حد ممكن ييجي مكانك مؤقتًا لغاية ما ترجع تاني رماه إسلام بقهقه ساخرة بعد أن فهِم طلبه : - إنت عايزني أشتغل في مُستشفى مجانين !! تقدم جاسم بجذعه ليٌحاول إقناعه بصفته طبيبًا للأمراض العقلية بتلك المصحة، فهي تحتوي على العديد من الأطباء النفسيين وكذلك الممرضين، لكن الجراحين في تناقصٍ مُستمرٍ بسبب هروبهم الدائم ورغبتهم بالاستقلال والعمل بمشفياتٍ عريقة رغم أن المصحى تحتاجهم وبشدة. - كلها خمس ست شهور بالكتير وهترجع المُستشفى تاني ... بس صدقني يا إسلام أنا محتاجك أومأ إسلام رأسه متفوٌهًا بموافقة : - ماشي يا جاسم ... هشوف ظروفي وهبلغك بمواعيدي اتسعت بسمة جاسم وهو يثب عن المُقعد ويُصافحه مجددًا قبل أن يترك المكتب تاركًا إسلام يسترخي مجددًا بظهره ويُتابع تلك الأخبار التي لا فائدة منها مجددًا حتى أتاه المريض الأول.... _______________________________ يزفر الهواء من فمه على هيئة غماماتٍ كثيفة سامة نابعة من سيجارته التي يشربها فور ما ملأ قداحته بالوقود، وبيده الأخرى كانت تحمل كيسًا بلاستيكيًا يحتوي على شطائر قد ابتاعها في طريقه للمنزل في حالة تضوٌره جوعًا، عقله شاردٌ في ما آلت إليه الظروف وكيف سيتخلص من تلك العصابة، وشاردٌ أيضًا في شقيقه الذي يبدو أنه لا يُرحب بوجوده، فهو لم يلقى منه سوى القساوة والحدة منذ وطأت أقدامه المنزل، وهذا فقط بسبب والدته الراقصة التي سلبت كل ما تملكه والدة مُعتز. يتسآل حقًا كيف ستضحى معاملة شقيقه له عندما يعلم أنه يُتاجر بتلك الممنوعات، بل إنه أيضًا يعمل بالملهى الليلي وراء والدته الراقصة دون حتى أن يغار عليها، إذا انكشفت حقيقته فحتمًا سيزداد مُعتز مُقتًا له وربما لن يسمح له بالمكوث في منزله، وهو معه الحقٌ في ذلك، فيبدو أن شقيقه وهذا المحيط حوله يختلف تمامًا عن المحيط الذي ترعرع به والذي لا يخلو من الفُجر والمجون. قطع وصلة أفكاره صوت شِجارٌ حاد صادرٌ من أحد المتاجر الخاصة بالطعام، وما انتبه إليه هو ذاك الصوت الأنثوي الذي يهتف بحدة ويكاد يتعارك مع أحد الرجال بشراهة. تدفقت الدماء بعروقه وبدأت الأفكار تطالبه بالتدخل ليرى تلك القطة الشرسة التي رُبما تُدافع عن شرفها؛ ألقى لفافة تبغه على الأرض ليدعسها بأقدامه ويتجه فورًا صوٌب هذا المتجر حيث يجد فتاةً متوٌسطة الطول ذات بشرة حنطية ووشاحٍ يُغطي شعرها ويزيدها جاذبيه خاصة بثيابها العصرية المُحتشمة، فكانت هذه شمس شقيقة قمر، والتي كانت تبتاع الطعام من هذا المتجر فور أن انتقلت هي وأبويها لتلك البناية التي تقطن بها شقيقتها مع زوجها. تقف شمس بين مجموعة من الرجال هادرة بصوتٍ مُرتفعٍ يكاد يُمزق حنجرتها : - يعني إيه مش هتسمع الكلام ... والله لو عملت إللي في دماغك لاكون موٌرياك النجوم في عز الضُهر كادت تلتحم مع هذا الرجل فسارع ميجو بالتدخل هادرًا بعصبية : - في إيه يا جدع إنت ؟ ... محدش قالك قبل كدة إن إللي يتشطر على حريم ميبقاش راجل دفعه دفعة بسيطة على كتفه مما زادت الرجل مالك المتجر غضبًا فهتف بوجهه : - وإنت مال أهلك إنت كمان ... هي السنيورة من بقية عيلتك ؟ إقترب ميجو أكثر نحوه ثم استدار نحو شمس ليُعطيها الشطائر حتى لا تتدمر أثناء العِراك الذي على وشك البدء، فكان يدفع الرجل بكلتا يديه هادرًا بصوتٍ حادٍ مُرتفع : - أه يا خوية من بقية عيلتي ... وأحسنلك تبعد عنها بدل ما لغبطلك ملامح وشك السِمح ده هدده بنظراته الجاحظة الحادة ويداه اللتان تلوٌحان أمام عيني الرجل، لكن نظرًا لضخامة مالك المتجر وطوله الفارع، لم تؤثر تلك التهديدات عليه بل زادته غضبًا، وهذا ما جعله يُبادل ميجو بدفعة قوية كادت تجعله يقع على الأرض. - لو فاكر إنك بتهددني ... يبقى كدة انت بتلعب في عداد عُمرك ... وجه ضفة الحديث نحو بعض الرجال العاملين بالمتجر، فكان جميعهم ذوي أجسادٍ ضخمة ونظراتٍ حادة مصوٌبة نحو كلًا من ميجو الذي ارتعدت فرائسه وشمس التي حاولت الاختباء خلف ميجو لعله ينجدها من أولئك الأشرار، فهي لا تعلم أن ميجو الآن يكاد يُبلل سرواله من شدة الهلع. ثانية ... اثنتان .. ثلاث... وها قد تراجعت خطواتهما بعيدًا عن المتجر ليبدأا الركض بأقصى ما لديهما وخلفهما هذا الحشد من الرجال، يركضان بسرعة لبضعة أمتارٍ حتى دلفا البناية الخاصة بهما ليتأكدا بعدها أن الرجال قد هربٌوا لعدم مقدرتهم على ولوج البناية بسبب حارس العُقار، والبوابة التي غلقها بسُرعة. توقف ميجو عن الركض ليستند بيده على الحائط برأسٍ مُنكسٍ لأسفل وهو يحاول استعادة أنفاسه، وثبت شمس قبالته على بُعد أمتارٍ تلتقط أنفاسها هي الآخرى وتحمد ربها أنها هرٌبت من أولئك الوحوش، بعد بُرهة من الصمت بينهما أردفت شمس بامتنان بين لهيثها الذي هدأت وطأته : - متشكرة أوي ... مش عارفة من غيرك كُنت هعمل إيه رد عليها ميجو بنبرة حاول جعلها مُهذبة : - ولا يهمِك يا أنسة ... أنا عارف الأشكال الزبالة دي كويس ... ما بيصدقو يلاقو أي تاء مربوطة عشان يعاكسوها احتدت نظرات شمس وهي تُكذب حديثه بشموخ : - مين دول إللي يعاكسوني ... أنا محدش يقدر ييجي جنبي ... بعدين الراجل ده ولو إني نفسي أضربه وأهزقه تاني إلى إني حاسة إنه مش بتاع معاكسات رمقها ميجو بنظرات مُرتابة سأل معها بحيرة : - أومل الخناقة دي كانت عشان إيه ؟ اشتعلت النيران داخل شمس وهي تهتف مستذكرة سبب هذا الشِجار بقولها : - عشان الحيوان ده كان ... كان .. حاولت استجماع ثباتها كي تواصل الحديث أمام فضوله : - كان معاه بيروسول ... وكان عايز يقتل الذبانة المسكينة إللي كانت يعيني بتلف في المحل ... أنا مشوفتش بجاحة كدة يا أخي شُل لسانه عن الحركة وكان على وشك صفعها على وجهها من شدة الغضب، أكان هذا الشِجار الذي كاد يفقد حياته بسببه بهذه السذاجة ؟ وجد نفسه يهتف بوجهها بصوتٍ مُرتفع : - نعـــم !! ... يعني الهلومة دي كُلها عشان حتت دبانة آشار إلى عُقلة إصبعه مع آخر كلماته بطريقة مُستخفة جعلتها تستشيط غضبًا، فهي على عكس جميع من بالعالم، تُحب ما يتعلق بالحشرات وتقوم بدراستهم أيضًا، ولن تقبل أن يتم معاملتهم بتلك الطريقة خاصة لو لم تكن كثرة الحشرات تُسبب أذية للبشر، وجدت نفسها تربط ذراعيها وتُدافع عن الذُباب باستماتة : - إنت إزاي فاكر إنها حاجة تافهة ... يعني لو ربنا خلقك دبانة كُنت هتبقى مبسوط لو حد قتلك ؟ استجمعت هدوؤها لتواصل الدفاع بطريقة علمية : - وعلى فكرة بقى الدبان ظهر في القُرآن ... في قوله تعالى " وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ " والآية دي كانت موٌجهة للكُفار وكان قبلها آية بتقول إنهم مش هيقدرو يخلقو دبانة واحدة إللي هي من أصغر الحاجات إللي خلقها ربنا، لأ ومش بس كدة ... دول كمان مش هيقدرو يرجعو إللي بتسلبو الدبانة وبتاكله .... اندمجت بالحديث وهي تستند على الحائط وتوٌاصل التفسير بعلمية : - تعرف بقى ... بعدها بكام سنة، العلماء اكتشفو إن الدبان ملهوش معدة ... إللي هي أساسًا مسئولة عن الهضم ومسئولة كمان إن الأكل يفضل موجود في الجسم ... وسُبحان الله، عندها مادة إنزيمية بتفرزها على الأكل إللي لسة هيدخل معدتها وبتخليه بدوب تمامًا وبتمتصه بعد كدة للدم علطول ... فبالتالي لو فتحنا بطن الدبانة مش هنلاقي حاجة خالص، عشان كدة ربنا سُبحانه وتعالى قال إننا مش هنقدر نرجٌع أي حاجة أكلتها ... كان يُطالعها بنظراتٍ مُبهمة لا يعلم سبب اندماجه بحديثها ورغبته بمعرفة ما لديها من معلومات، فكانت لا تزال تُدافع عن الذباب بطريقتها العلمية المُفسرة التي أعجبته للغاية : - في سنة 1958 قررت الصين إنها تعمل حملة لإبادة كل الحشرات إللي موجودة منهم الدبان والجراد ... كانت فاكرة يعني إنها بكدة هتطهر الدولة ... بس اللي حصل إن بعد الحملة ديه، في مرض خطير اتنشر ومات بسببه حوالي 20 مليون مواطن صيني، وده لأن الدبان بيتغذى على البكتريا السامة إللي موجودة في الجو، وده بيفسر طبعًا وجودهم دايمًا عند أكياس الزبالة والجُثث اعتدلت في وقفتها وهي تُنهي الحديث بصرامة : - عشان كدة يا بني آدم الدبان مُهم ... وفي مليون طريقة نطردهم بيها برة المحيط بتاعنا من غير ما نقتلهم ... والمبيدات الحشرية دي بتلوث الجو وممكن تعمل أضرار في التنفس بقي يُطالعها في صمتٍ وذهولٍ جعله يُغمغم بصدق : - هو أنا ليه بدأت اتعاطف مع الدبان ؟ عاد بأنظاره نحوها لينتشل كيس الطعام منها هادرًا بنفاد صبرٍ ورغبة في إنهاء هذا الجدال الذي بدا أحمقًا، فهى على وشك أن تفتح لجنة لحقوق الحشرات وتضمها بجوار بقية اللجان. - بقولك إيه يا أنسة .... أنا مش عايز أشوف وشِك تاني ... وكفاية أوي إللي حصل ... تركها ورحل ليصعد السُلم بنظراتٍ متوٌعدة وكلماتٍ خافتة ساخرة قال معها : - على آخر الزمن اتخانق عشان حتة دبانة... أما عنها فكانت تُطالعه باستحقارٍ هدرت معه : - ناس معندهاش دم صحيح ثم تبعته لتصعد السُلم دون أن تكترث له، فكان صوٌت خطواتها على السُلم يُعادل صوت بناية على وشك السقوط، وهذا فقط لأنها ترغب بدخول المنزل بُسرعة لتجمع ما تبقى من أعصابها وتُحاول نسيان هذا العِراك وهذا النِقاش مع هذا الرجل الغريب الذي لأول مرة تراه بالبناية... ____________________________ صوت القلم الذي يضرب حافته الطاولة اجتمع مع ضجيج عقلها الذي يسبح في بحرٍ من الافكار المُشتتة وربما المُستحيلة، تتذكر هذه الساعة التي أخبرها فيها أن مشروعها قد تم الموافقة عليه وتم توقيع العقد بينهما، فها هي الآن تجلس داخل أحد المكاتب أمامها العديد من الأفكار والمُستندات وجوارها فتاة أخرى تعمل معها بالإدارة التنفيذية. كان الجدار من الزجاج مما سمِح لها برؤيته أمامها يتحدث برزانة مع أحد الموظفين ويُملي عليه بعض التعليمات، لا تعلم لمَ هامت بابتسامته الهادئة وعينيه البُندقية، أحبٌت تعامله مع الموظفين وكأنه شقيقهم، بل وأحبت مرٌحه ومزحاته التي تتصنت عليها منذ وطأت هذه الشركة، تتذكر حينما كانت معه بالجامعة عندما كانت تتجوٌل بالرُدهة واصطدمت به عنوة، كم آرادت وقتها أن تتعرف عليه لولا هذه التي كان يُرافقها والتي علِمت فيما بعد أن الإشاعات كانت تتكاثر حولها بصورة سيئة، آرادت وقتها أن تقترب منه وتوٌاسيه على تركها إياه دون وجه حق، لكنها تكتشف فيما بعد أنه ترك الجامعة بأكملها لسببٍ لا تعلمه هي، لكنها منذ رآت إعلانات هذه الشركة الناشئة وصورته بين الروؤساء، أدركت فورًا أنه نفس الشاب الذي سحرها بجاذبيته وحنانه، لهذا السبب انتهزت الفُرصة حتى تصطاده مُجددًا ولا تعلم إن كانت ستغتنمها أم لا. - مالِك يا نيمو ... سرحانة في إيه ؟ قطعتها زميلتها بتلك الكلمات الودودة التي سرقتها من غُمرة شرودها، انتبهت نرمين لحديثها فالتفت نحوها تُحاول تغطية ارتباكها وهي تقول : - مفيش ... ولا حاجة لاحظت زميلتها تحديقها الدائم بمُعتز مما جعلها تحاول تحذيرها بقولٍ : - شايفاكي وإنتِ بتبُصي عليه ... بس نصيحة مني ... صمتت بُرهة لتُرتب بعض الأوراق ثم وجهٌت نظراتها نحو نرمين كي تواصل تحذيرها : - بلاش أحسنلِك .... مستر مُعتز متجوز وبيحب مراته ... ومعتقدش هيبص لواحدة غيرها اشتعلت نيران الغضب داخل نرمين ما إن استمعت لتلك الكلمات، لكنها بعد بُرهة وجدت نيرانها تهدأ ليحل محلها ابتسامة خبيثة تبعتها بحديثٍ واثق : - فيها إيه يعني ؟.... مش الشرع محلل أربعة ؟ _________________________ أسدلت السماء ستارها ليُزيح القمر بجاذبيته وبريقه أشعة الشمس الساطعة ويُبدلها بأجواءٍ هادئة تحمل السكينة، في تلك الليلة الهادئة كانت الفتيات تجتمعن بالقصر الخاص بوالد كوكي، يجلسن بالبهو على أريكة عصرية أنيقة ولم تكن كوكي معهن بسبب انشغالها بابنتها التي لم تتوقف عن البُكاء، تحمل يُسرى كراستها وهي تجلس بين قمر وداليا تحاول أن تطلب مساعدتهما في كتابة روايتها الجديدة، فكانت تسأل وهي ترفع قلمها قبالة وجهها : - بقولكم إيه ؟.... أسمي البطل اسد ؟ ولا نمر ؟ ولا فهد ؟ .... ولا اسميه صقر ؟ قطبت قمر حاجبيها وهي تستفسر بغرابة : - هو البطل حيوان برٌي ؟ نفت يُسرى حديثها ببعض الاندفاع : - لأ راجل عادي .... بس لازم الاسم يبقى كرييتف تدخلت داليا بالحديث لتقترح بسُخرية : - خلاص سميه أبو جلامبو تبعت حديثها ببسمة ساخرة لكن يُسرى ظنٌت أنها تتحدث بجدية بل وأعجبها الإقتراح أيضًا مما جعلها تردف بلهفة : - حلو ده ... أنا هسميه أبو جلامبو ... ودلعه هيبقى أبو جلاليبي لوٌت قمر فكها باستحقارٍ لهذا الاسم الأحمق مما جعلها تقول : - أبو جلاليبي ... إيه الدلع في كدة ؟ تركت يُسرى كراستها لتُبرر بعلمية : - ما هو كدة ... فن الدلع في الروايات، معناه إنِك تحُطي ياء ملكية على أي اسم ... يعني إنتِ اسمِك قمر، يبقى دلعِك قمري لازالت عوالم الغرابة تُرتسم على وجه قمر وهي تردف بتذمر : - لؤي عُمره ما قالٌي يا قمري قطعت داليا نقاشهما كي تسأل ببعض السُخرية : - يعني أنا اسمي داليا ... هيتحطلها ياء ملكية إزاي ؟ ردت عليها يُسرى بثقة : - هتبقى داليتي ... هو إسلام مش بيقولهالِك ولا إيه ؟ أرخت داليا ظهرها للوراء وهي تهتف باعتراضٍ لحديثها : - ده أحسن إنه مش بيقولهالي .... بعدين لما يُحطُ ياء الملكية على اسمي يعني هو عايزني ملكه هو وبس ... وأنا مش هقبل إني أكون ملك حد ربطت ذراعيها مع آخر حديثها بعوالم ثقة لا تزال على وجهها مما جعل يُسرى تعترضها كي تُبرر لها أكثر : - وليه ميكنش عايزِك تحت حمايته ... ما إنتِ في الأول وفي الآخر مسئولة منه وهيخاف عليكي زي ما هيخاف على نفسِك... دار النِقاش بينهما حتى تحوُل إلى جدالٍ عن حقوق المرآة بعد أن كان نقاشًا على مُجرد اسمٍ في رواية لم تُكتب بعد، فقد كانت تُدافع داليا عن حقوق المرآة باستماتة موٌضحة أن لها كيانًا مُستقلًا حتى بعد الزواج، فهي ترفض تمامًا أن يتم التحكم بها من قِبل شخصٍ أضحى في ليلة شريك حياتها، فتلك التحكمات هي ما تُدمر أغلب العلاقات بسبب إختلاف آراء الشريكين، وكانت يُسرى على الصعيد الآخر تحاول اقناعها أن هناك تحكمات يفرضها كليهما على الآخر لكن الرجل يجب أن يضحى مسؤولًا عن حمياتها مهما كانت المرآة قوية، وكانت قمر في عالمِ آخرٍ فقط تستمع لهما وترتشف من عصير البُرتقال الذي وضعته الخادمة أمامهن. قطع نقاشهما مجيء فتاةِ تبدو بأواخر العشرين ذات جسدٍ رشيقٍ يميل إلي النحافة مع بشرة ناصعة البياض وعينان زرقاواتان تُشبه خاصة كوكي، رسمت تلك الفتاة بسمة هادئة على ثغرها وهي تلوٌح لهن بوٌد قالت معه برقة : - هاي ... أنا ساندي ارتسمت بسمة على داليا وهي تثب لمُصافحتها وتقبيلها على وجنتيها كما فعلت يُسرى وقمر التي تركت كوب عصيرها لتُعانقها عناقًا ودٍيًا، فهي قد رآتها مُسبقًا هي وداليا عندما كانت تأتي لزيارة كوكي، أما بالنسبة ليُسرى، فلم تكن تعرفها جيدًا لذلك عرٌفت ساندي نفسها أكثر بقولها : - أنا عمت كوكي وخالتها ... بس تقدرو تعتبروني صاحبتكم إزدادت الغرابة على وجه يُسرى وهي تسأل : - عمتها وخالتها في نفس الوقت !! ... بعدين إنتِ شكلِك أصغر منها أساسًا ابتسمت ساندي وهي تؤكد حديثها : - أيوة، أنا أصغر منها بسنتين تدخلت قمر كي تُعلق : - أومل كوكي فين ؟ آجابتها ساندي بصدقٍ : - جوة she's sleeping bossy انتشلت يُسرى كوب العصير متفوٌهة : - ربنا معاها ...هي كدة الخِلفة في الأول بتبقى صعبة ، بس بعد كدة هتتعوٌدي .... عقبالكم وجهٌت حديثها لجميعهن وهي تدعي لهن بإنجاب ذُرية صالحة من أزواجهن خاصة قمر التي دعٌت وراءها كما فعلت ساندي التي لم تتزوج حتى الآن، أما عن داليا، فبعادتها المُعارضة أردفت : - لااا ... أنا مش هخلف دلوقتي خالص ... أنا أساسًا اتفقت مع إسلام إننا مش هنخلف قبل سبع سنين من جوازنا قطبت ساندي حاجبيها بحيرة من قرارها مما جعلها تسأل : - واشمعنا سبع سنين ؟ تنحنحت داليا قبل أن تُفسٌر وجهة نظرها بعلمية : - عشان وفقًا للـseventh years itch " نظرية الهرشة السابعة " العلاقة الزوجية بعد مرور سبع سنين بتتعرض لعدم الاستقرار، سواء بقى خيانة، عدم قبول ... المهم إن مُعظم حالات الطلاق بتحصل بعد سبع سنين من الجواز، وعشان الطلاق ميأثرش على الأطفال، لازم نتأكد الأول إن إحنا هنقدر نكمل مع بعض السبع سنين دول أنهت حديثها بثقة جعلتهن يُطالعنها بغرابة إلى أن استنكرت قمر حديثها وهي لا تزال ترتشف ما تبقى من عصيرها : - أدي أخرت إللي يتجوز خبيرة علاقة زوجية .... دا إنتِ احمدي ربنا إن إسلام مستحملِك لحد دلوقتي كادت ترد عليها داليا إلى أن ساندي تدخلت بأعينٍ جاحظة حملٌت معها الذهول : - واو ... هو إنتِ marital relation expert ؟ ... على كدة هتعرفي تحليلي مُشكلتي ؟ رمقتها داليا بغرابة وهي تسأل : - مُشكلة إيه ؟ اعتدلت ساندي بجلستها وهي تقص عليهن : - أنا هقولِك ... أنا .. بحب واحد اسمه رامي معايا في الشُغل ... لاح على وجهها العبوس وهي توٌاصل : - بس رامي بيحب عبير ومش شايفني ... وعبير بقى إللي هي زميلتنا بردو ... بتحب زياد زميلنا ... وزياد بيحب كاميليا السكرتيرة... بس كاميليا وحُسام مخطوبين قطٌبت قمر حاجبيها وهي تهتف بسُخرية : - دي شركة دي ولا وقر أفاعي ... إيه كمية العلاقات دي ؟ تقدمت ساندي بجذعها وهي تُفسٌر لهن : - أنا مليش دعوة بده كله، أنا عايزاكم تساعدوني أفركش خطوبة كاميليا وحُسام ... عشان كاميليا تتجوز زياد ونوٌقع بينهم مرة تانية عشان زياد يتجوز عبير ورامي يبُصلي تهكمت داليا من حديثها ببعض السُخرية : - إيه مسلسل العشق الممنوع ده كمان ... وبتتريقو عليا عشان بتفرج على هندي كادت تتحدث ساندي إلي أن كوكي قطعت حديثهن وهي تقترب نحوهن بوجهٍ شاحبٍ وهالات سوداء تتكوٌن أسفل عينيها، إرتمت جوارهن على الأريكة وهي تقول بأريحية حملت إجهادها : - بوسي مصحياني طول الليل ... أنا بجد تعبت كانت على وشك البكاء لكن يُسرى ضمتها وحاولت تشجيعها بكلماتها المُحفزة : - معلش ... هي الخلفة في الأول صعبة، دا إنتِ احمدي ربنا إنها واحدة ... دا أنا كان عندي توأم مطلعين عيني ... أنيٌم دي يروح التاني يصحى ... والاتنين مبيبطلوش عياط .... يلا ... ربنا يكون في عون ماما، أصل أنا سيباهم عندها انتشرت القهقهات والمزحات بينهن لفترة وجيزة قطعتها داليا بجدية : - اسكتو بقى يا جماعة عايزة أقولكم حاجة مهمة توقفن عن الحديث كي ينتبهن لحديثها الذي أخرجته بلهفة بعد أن سرقت نفسًا عميقًا ثم أخرجته مُجددًا : - أنا وإسلام .... قررنا نتثبت ... _________________________________ اجتمع كلٌ من إسلام وخالد، وجابر ولؤي داخل المنزل الخاص بإسلام بعد أن طلب منهم لأمرٍ بالغ الأهمية، فهو قد قرر أن يُخبرهم عمَ قرره هو وداليا بشأن كونهما من الأرواح المُتنقلة، فرحلة التثبيت على وشك أن تبدأ وهو يعلم أنها ستدوم وستجعلهم يواجهون العديد من العوائق، لكنه يعلم جيدًا أنه سيتخطى تلك العوائق كما تخطى ما قبلها. يسترخي بظهره للوراء على الأريكة وجواره خالد، طاف ذهنه في تلك اللحظة وبدأت الأفكار الفلسفية الغريبة تُداهمه، فكان يقول بشيءٍ من الاستعطاف : - والله يا خالد حاسس إن محدش فاهمني أرخى خالد ظهره للوراء وهو يرد عليه بنفس طريقته وطريقة حديثه المُعتادة : - وأنا كذلك يا شقيق زوجتي .... أشعر وكأنني كتابٌ مفتوحٌ أمام أشخاصٍ لا يستطيعون القراءة أوقف لؤي حديثهما وهو يُلقي النرد على لُعبة خشبية يلعبها مع جابر : - كفاية فلسفة إنت وهو وقومو اعملو شاي على ما نخلص الجيم قطعه جابر الذي هتف بانتصار : - الله عليا ... دوبش تاني صك لؤي على أنيابه وهو يهتف باستنكار : - وربنا بتخُم في الزهر .. إزاي يجيلك دوبش مرتين ابتسم جابر وهو يُحرك القطع الخشبية بانتصار : - حظٌي ... واصلا اللعب لوهلة حتى سأل إسلام : - هو صحيح مُعتز فين ؟ آجابه لؤي وهو مُنهمكٌ باللعب : - أنا كلمته قالٌي إنه جاي لم يكد ينهي الحديث حتى صدح صوت جرس المنزل مما جعل إسلام يثب من مضجعه ويفتح الباب لمُعتز الذي اقتحم المنزل وعلى وجهه تقاسيم الغضب، ارتمى على حافة الأريكة ليسترخي بظهره للوراء أمام نظراتهم التي تتابعه في حيرة، فالجميع يتسآل عمَ أوصله لتلك الحالة وكأنه تعرٌض للإفلاس أو السرقة. - إيه ياض مالك ؟ سأله إسلام وهو يضرب فخذه بتروٍ فآجاب مُعتز بين نيرانه المُشتعلة : - طلع عندي أخ ... ومش أي أخ ... ده ابن الرقاصة إللي أبوية اتجوزها على أمي سقطت فكوكهم وترك لؤي النرد ليلتف نحوه هو وجابر الذي بدأ الفضول ينهش صدره، فكان لؤي أول من بادر بالسؤال بعد بُرهة من الصمت : - إزاي يعني ؟ ... وعرفت منين ؟ تنهد مُعتز قبل أن يُجيب : - جالٌي البيت وقالٌي .... ووراني البطاقة وشهادة الميلاد ... اسمه ماجد، بس بيقولوله ميجو عقب جابر بتساؤلٍ : - وفيها إيه لما يكون ابن رقاصة ... هو ده ذنبه ؟ ... ما يمكن يكون شخص كويس اعترض مُعتز حديثه ببعض الحدة والسُخرية : - كويس !! ... ده متربٌي في كباريه وبيشرب حشيش جحظت عينا لؤي عقب هذه الكلمة التي هتف بعدها : - بيشرب إيه ؟ ارتبك مُعتز بعد أن أدرك ما اقترفه من خطأ، لم يكن يجب أن يفشي هذا السر الخاص بشقيقه أمام ضابطٍ الذي بالطبع سيُكبله بالأغلال، حمحم قبل أن يُعدٌل إجابته بحُجة : - قـ...قصدي بيشرب سجاير أومأ لؤي بلا اكتراثٍ لتمر بُرهة أخرى من الصمت وعلامات الحنق لم تزل عن وجهه مما جعل إسلام يسأل باستفسار : - وإنت متضايق عشان هو ابن رقاصة ... ولا عشان ممكن يطلع مش متربي زي أمه ؟ نفى مُعتز قبل أن يردف بضيق : - ولا ده ولا ده .... أنا متضايق عشان مش عايز أدخل الجيش التفت ليواجه إسلام ويواصل الحديث باستعطاف : - يا إسلام مش عايز أروح الجيش أنا لسة بكوٌن مستقبلي انفلتت ضحكة من جوف خالد الذي كان يُتابعهم في صمت، أما عن لؤي، فكانت عوالمه توٌحي بعدم التصديق لهذه الحماقة والتي جعلته يهتف : - جيش إيه يا متخلف، إنت معدٌي التلاتين سنة ازداد مُعتز ذعرًا بعد تلك الكلمات التي جعلت شهقة تنفلت من جوفه تبعتها حديثه : - يعني كمان هبقى هربان من الخدمة العسكرية !!... يا عيني عليكي يا بسملة، مش هتلحقي تشوفي أبوكي... واصل النواح بدرامية بينما علٌق خالد بسُخرية : - ربما من الأفضل أن تبتعد ابنتك حتى لا تُصاب بعدوة الحماقة هذه تبع حديثه بقهقهة ساخرة جعلت إسلام يُقهقه بخفة هو الآخر بينما توقف مُعتز عن النواح وبدأ يُطالعهما بنظراتٍ نارية، فخالد لن يتوقف عن مضايقته مهما مرٌ عليهم الزمن، كاد يرد عليه مُعتز لولا لؤي الذي أوقف كلماته بسؤالٍ صارم : - أخوك ده فين ؟ ... مش تجيبه معاك نتعرف عليه آعاد مُعتز ظهره للوراء وهو يُجيب ببساطة : - سايبه في البيت شهق إسلام بذعرٍ بعد تلك الكلمات التي أردف بعدها : - سايب راجل غريب في بيتك لوحده !! رمقه مُعتز بتيهٍ سأل معه : - وفيها إيه يعني ؟ آجاب إسلام باندفاع : - فيها إنه ممُكن يسرقك يا حمار قطٌب مُعتز حاجبيه بحيرة سأل معها : - يسرقني ليه ؟... أنا معنديش حاجة تتسرق، هو ممكن يطلع نصاب ولا إيه ؟ أنهى الحديث بذعرٍ هدأه لؤي بمنطقية وثقة : - النصابين مش بيسرقو غير الأغنية ... مش إنت... وده معناه إنه فعلًا أخوك إقترب لؤي بجذعه ليواصل الحديث بجدية حملت شكوكه : - بس بردو مش معناه إنه سليم ... إنت قولت إنه ابن رقاصة، والبيئة إللي اتربٌى فيها مش أحسن حاجة، يعني أكيد هتنعكس عليه تدخل جابر ليعترض حديث لؤي بدفاعٍ عن ذاته : - لا على فكرة مش شرط ... منا كمان اتربيت وسط نشالين وحرامية ... وأديني قاعد معاكم أهو من غير ما اعملو حاجة علٌق إسلام ليُكذب حديثه بسُخرية : - إشحال لو مكناش عارفين البير وغطاه ... دا إحنا جايبِنك من إسكندرية حرامي وهربان من عصابة أضاف لؤي على حديثه بنفس لكنته الواثقة : - ده غير إن اللي اسمه ميجو ده إحنا لسة مش عارفينه ... يعني ممكن يبقى حشاش ... مُدمن... خمورجي، ممكن يستغل قعدته لوحده في الشقة عشان يسرقها ويشتري الزفت إللي بيبلبعه ازدادت ضربات قلبه وهو يستمع إلى تلك الكلمات التي بدأت تُصيبه بالذعر، فهو يعلم أن شقيقه يُدخن من تلك السجائر المُذهبة للعقول، ويعلم أن تركه بالمنزل ليس قرارًا جيدًا،خاصة بعد أن تذكر... - الشبكة ... الشبكة بتاعت ناجتس في البيت ... أنا لازم أقوم ألحقه قالها بذعرٍ ليثب بعدها ويهرول بعيدًا عن المنزل لعله يستطيع اللحاق بهذا المُجرم من وجه نظره... ___________________________ أغلق باب المنزل بتروٍ ليتلفت بعدها يمينًا ويسارًا وكأنه لصًا سرق المنزل ولا يُريد أن يُكشف أمره، وضع يده في جيبه ثم أخرجها ما إن تأكد أن لا أحد يقف بالرُدهة، تحرك بخطواتٍ هادئة صوٌب الدرج لينسلٌه بسرعة قبل أن يعود شقيقه ويكتشف تركه للمنزل، فلا يُريد أن يتم سؤاله ولا يُريد لأحدٍ أن يعرف أين يذهب خاصة وهو مُتيقنٌ أن شقيقه لا يتحمٌل وجوده. طغى سكون الليل ورهبته على تلك البُقعة مع اشتداد الظلام نظرًا لكوٌن الساعة توشك على الإقتراب من ساعة الصفر، لفح الهواء البارد سفحات وجهه ليُدثر يديه داخل جعبته وهو يتحرك بضع خطواتٍ وعيناه تزيغان بكُل بقعة ليتأكد من عدم وجود من يتبٌعه. توقفت أقدامه عند رجلٍ يبدو بمُقتبل العشرين من عُمره، يحمل بين أصابعه لفافة تبغٍ مُشتعلة لكنه يُلقيها ما إن يبصر ميجو مُتمثٌلًا أمامه بهيته الحادة ونظراته المُترقبة، تقدم الشاب خطوة قُرب ميجو ليتسأل ببعض الانتشاء : - معاك تذكرة ؟ نفى ميجو برأسه وهو يُجيب بصوتٍ خافت : - لأ ... بس معايا إللي أحسن منها أخرج من جعبته كيسًا بلاستيكيًا يحتوي على مادة بُنية اللون وسميكة، أخرج الشاب حفنة من النقود من جعبته وأعطاها لميجو بالخفاء ليُبادله ميجو بهذا الكيس البلاستيكي بعد أن حصي الأموال جيدًا. رحل الشاب من أمامه ليستدير ميجو عازمًا على العودة بوجهٍ يحمل ابتسامة خبيثة مُنتصرة، وضع النقود داخل جعبته وما كاد يتحرك خطوة واحدة حتى ... - ليك واحشة يا ميجو .... مش تقولنا يا راجل إن بقى ليك اسم في السوق ؟... احتقن وجه ميجو واختفت الألوان من معالمه وهو يبصر إدريس أمامه مباشرة؛ تراجع بضع خطواتٍ للوراء ليصطدم جسده بجسدٍ صلبٍ يخص أحد الرجال، تلفت حوله ليُلاحظ هذا الجمع الذي يُحيط به ويلتفون حوله استعدادًا للانقضاض عليه. إقترب إدريس نحوه ببسمة ماكرة تُزين ثغره وكلماتٍ مُهددة تخرج من جعبته : - مش قولتلك هجيبِك... قهقه بدهاءٍ ثم واصل الحديث بنفس اللكنة الخبيثة : - أدينا أهو بنتصافى تلاشى الدهاء عن وجهه ليحل محله الغضب العارم وهو يُشير على رجاله ويُخبرهم بصرامة : - امسكوه .... يُتبع 💕❤ إحنا لسة في التمهيدات فقولولي رأيكم عشان أنا أساسًا بكتب الفصول دي بالعافية. متنسوش تعملو فوت ومتنسوش تدعو لإخواتنا في فلسطين 🙏🙏

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرواح ضائعة " أرواح متنقلة 2 "

المؤلف نوران أشرف محمد
2024/06/15 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 0: المقدمة
2024/06/15
الفصل 17: الفصل السادس عشر ( النصف الآخر )
2024/06/15
الفصل 18: الفصل السابع عشر ( ضيوف غير مُرحب بهم )
2024/06/15
الفصل 19: الفصل الثامن عشر ( بداية المعركة )
2024/06/15
الفصل 20: الفصل التاسع عشر ( تبادل )
2024/06/15
الفصل 21: الفصل العشرون ( كشف المستور )
2024/06/15
الفصل 22: الفصل الحادي والعشرون ( مكبلًا بالأغلال )
2024/06/15
الفصل 23: الفصل الثاني والعشرون ( عفريت !! )
2024/06/15
الفصل 24: الفصل الثالث والعشرون ( البوابة !! )
2024/06/15
الفصل 25: الفصل الرابع والعشرون ( أوقعهم العدو )
2024/06/15
الفصل 26: الفصل الخامس والعشرون ( جسدٌ بلا روح )
2024/06/15
الفصل 27: الفصل السادس والعشرون ( العين بالعين والسن بالسن )
2024/06/15
الفصل 28: الفصل السابع والعشرون ( التثبيت )
2024/06/15
الفصل 29: الفصل الثامن والعشرون ( النهاية )
2024/06/15
الفصل 30: أرواح ضائعة ( الخلاصة )
2024/06/15
الفصل 16: الفصل الخامس عشر ( مشفى المجاذيب )
2024/06/15
الفصل 15: الفصل الرابع عشر ( عصيان نتيجته الدمار )
2024/06/15
الفصل 1: ملخص الفصل الأول
2024/06/15
الفصل 2: الفصل الأول ( عد تنازلي )
2024/06/15
الفصل 3: الفصل الثاني ( قرار إجباري )
2024/06/15
الفصل 4: الفصل الثالث ( طلق !! )
2024/06/15
الفصل 5: الفصل الرابع ( عودة الأخ الضال )
2024/06/15
الفصل 6: الفصل الخامس ( تصفية حسابات )
2024/06/15
الفصل 7: الفصل السادس ( لن تخرج حيًا )
2024/06/15
الفصل 8: الفصل السابع ( خائن !! )
2024/06/15
الفصل 9: الفصل الثامن ( قطعة ناقصة )
2024/06/15
الفصل 10: الفصل التاسع ( لصوص )
2024/06/15
الفصل 11: الفصل العاشر ( وقع بين يديه )
2024/06/15
الفصل 12: الفصل الحادي عشر ( اختطاف جماعي )
2024/06/15
الفصل 13: الفصل الثاني عشر ( جاسوس )
2024/06/15
الفصل 14: الفصل الثالث عشر ( ضربة أفقدته الوعي )
2024/06/15
الفصل 31: الرواية الجديدة
2024/06/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة