بسم الله الرحمن الرحيم " يا من شققت البحر لموسى برحمتك، وأخرجت يوسف من السجن بقُدرتك، ونجيت يونس من بطن الحوت بلُطفك، نسألك أن تلطف بأهل غزة وتنزل عليهم رحمتك !! " لا تنسوا الدُعاء لأهالي فلسطين 🙏 _________________________ مع أننا نعلم أن نتائج الأخطاء وخيمة، لا نتوقف عن ارتكابها، بل ونُكررها مرارًا أيضًا حتى أصبحت الأخطاء جزءًا من حياتنا اليومية، وإذا سألني أحدهم لمَ ترتكب هذا الخطأ ؟ فيكون الرد دائمًا، أن الإنسان خُلق كي يخطأ.... سواد قاتم غشى أركان المعمل في ساعاتٍ متُأخرة من الليل، صرير الحشرات الليلية يحجب صوت أنفاسهم المتلاحقة الخائفة من الوقوع في كارثة أكبر. أقدام تتحرك فوق سفحة من الأرضية اللامعة التي أظهرت حذاءً جلديًا أسودًا مُهتريء، خطواتٌ لا تحمل من الأصوات قيد أنملة وهي تتحرك في أعقاب الرواق ببطءٍ يُشبه بطء وهدوء السُلحفاة، تتلفت رأسه في جميع الاتجاهات مُتذكرًا كيف اقتحموا المعمل بعد أن قامت كوكي بتعطيل كاميرات المراقبة فاستطاعوا تسلق أحد النوافذ الأرضية الخاصة بحُجرة العاملين، والتي منها استطاعوا الانسلال داخل المعمل وصعود الطابق الثامن باستخدام المصعد دون أن ينتبه لهم كوادر الحرس بعد أن قام مُعتز بتعطيلهم حسب الاتفاق. يتلفت حمدي يمينًا ويسارًا بذاك القناع الذي يُغطي وجهه ويساعده على عدم الانكشاف مثل بقيتهم، ما إن تأكد أن الطريق آمنًا حتى آشار لجابر الذي كان يتحرك خلفه مباشرة، توفقت قدميهما أمام حُجرة ذات بابٍ من المعدن موٌصدٍ بإحكامٍ، لكن حمدي استطاع بمهارة أن يُدثر نصل إحدى الأدوات الحادة التي يستخدمها دائمًا في فتح الأبواب الموٌصدة. انفتح الباب بهدوءٍ وصوت أزيزٍ خافت حاول حمدي احجامه قدر المُستطاع، ما إن توٌغل كلاهما داخل الحُجرة حتى أغلق جابر الباب وشرع يبحث عن الجهاز برفقة حمدي. لم تدم مُدة البحث طويلًا لأن الجهاز لم يكن مُتدثرًا، فكان أمام أنظارهما ما إن فتح حمدي الباب مباشرة، هذا ما جعلهما يهرعان نحوه ويحاولا فك الأسلاك عن ذاك الجهاز حتى يستطيعا حمله والعدو به قِدمًا، كانت الأوضاع هادئة، لكن الهدوء لم يدم طويلًا، فأثناء محاولتهما للهرب إذا أنهما يستمعا إلى صوت واحدٍ من الحُراس يهتف من وراء الباب مباشرة : - عباس ... أنا تقريبًا كدة سمعت صوت جوة ... على جهة أخرى كان يتجوٌل إسلام بتروٍ داخل المعمل في المحيط الذي تقبع به الحُجرة المرادة، فكان مخيمر هو من أخبرهم عن المكان الذي يوضع به هذا الجهاز دائمًا، فوجود مالكِ آخرٍ لهذا المعمل لا يعني بالضرورة تغيير أماكن الأجهزة والمُعدات، خاصة وأن الحُجر المعملية صُممت خصيصًا لتلك الأجهزة. اخترق أذنيهما صوت ذاك الحارس الذي يهتف أمام الحُجرة المرادة، ظن لؤي أن الخطر وشيك فجذب إسلام بسرعة ليلتصق بجواره على الحائط قبل أن يراهما الحارس. - لازم نلهيهم قالها إسلام بصوتٍ هامسٍ يكاد يكون مسموعًا، فآجابه لؤي بنفس تلك النبرة الهامسة : - عايزين نعرف الأول مكان مخرج تاني عشان نعرف نهرب فكرٌ إسلام هنيهة لتمر بينهما بُرهة من الصمت قطعها إسلام بعد أن أتته فكرة وأنارت عقله : - جاتلي فكرة ... خليك هنا وأنا وشوية وهاجي لم يكد يبدي لؤي رأيه حتى وجد إسلام يستلقي على الأرض مُغلقًا عينيه غارقًا في سُباتٍ عميقٍ حوٌله من جسدٍ مُتحركٍ إلى جُثة هامدة، هذه الجُثة كانت تتجوٌل روحها في الرواق ثم تركض بسُرعة غير عابئة بالحُراس الذين اخترقتهم بسلاسة ويُسر، فلا أحد يستطيع رؤيته من الأساس وهذا ما سيُساعدهم في تلك المُعضلة. هرول بأقصى ما لديه حتى توقف أمام نافذة عريضة تُشرف على البوابة الرئيسية، أخرج جذعه خارج المعمل ليتلفت برأسه حيث البوابة التي اخترقوها والتي أضحت الآن مليئة بالحرس، بقي يتلفت بجذعه بحثًا عن مخرجٍ آخر حتى التقطت عينيه بمخرجٍ يقبع خلف المبنى، ويبدو أنه مخرجًا للعُمال والموظفون. ابتعد عن النافذة بُسرعة وعاود الهرولة مجددًا حتى عاد إلى جسده يحاول التقاط أنفاسه قبل أن يثب عن الأرض متفوُهًا : - البوابة اللي جينا منها مليانة حرس، تقريبًا كدة نبطشيتهم بدأت ... بس البوابة إللي ورا فاضية، لازم نلحق نمشي من هنا قبل ما تتملي أومأ لؤي متفهمًا ثم قال : - ادخل جوة جابر وقوله ... لازم يعملو حسابهم إن خطة الهروب اتغيرت... تصلبٌت أهدابه واتسعت حدقتيه ما إن اخترقت تلك الكلمات أهدابه، كان يقف مباشرة أمام حمدي الذي يحمل الجهاز بين يديه وعوالم الترقب مُتمثلة على عينيه الثاقبة. استمعا إلى طرقات الباب وصوت الحارس الذي لم يترك مكانه مما جعل حمدي يضع إصبعه على مُنتصف شفتيه ويهتف بتحذيرٍ وصوتٍ خافتٍ للغاية : - شش ... متتحركش أومأ جابر في صمتٍ تامٍ مُستجيبًا لتعليمات حمدي بعدم الحِراك والمحافظة على هدوءه قدر المُستطاع، فما هي إلا بُرهة من الزمن حتى انتفض جسده لا إراديًا ليحل إسلام محله ويُحدق بالوضع الذي هُم به، لم يفتح فمه ولم يتفوه بأي حرفٍ أمام هذا اللص الغريب الذي بالطبع لن يتفهم قُدرته المجنونة ولن يجد الوقت الكافي ليشرح له حتى، لذلك اكتفى بلؤي الذي من المُفترض أن يُخبر جابر عن تغيٌر الخطة فور أن ينتقل جابر إلى جسد إسلام ثم يعود مجددًا إلى جسده بعد المُدة المُحددة. على الصعيد الآخر، وبعد أن عاد إسلام إلى جسده كان يهمس لؤي : - مينفعش نتدخل ... لو اتدخلنا كل حاجة هتبوظ ... شوية والحارس ده هيمشي أومأ إسلام إيجابًا وكادا يتحركا صوٌب المخرج ليؤمنا الطريق أولًا قبل أن يليهما جابر وحمدي، لكن ما حدث أوقف آمالهما وهوى بخططهما على أرضٍ صلبة. صوت الزناد وهو يتحرك اخترق أذنيهما وجعل أوجههما تُحتقن، ما إن التفت إسلام وراءه، حتى وجد واحد من الحرس يرفع سلاحه أمام وجهه ويهتف بصرامةٍ وحدة : - إنت مين إنت وهو ؟.... اختفى الصوت أخيرًا ويبدو أن الحارس قد ترك الحُجرة وعاود التجوٌل داخل المعمل ليتفقد آمانه خاصة المخازن التي تحتوي على النقود والأوراق المُهمة، فتلك هي أكثر الأشياء التي يتم سرقتها من المعمل. تحرك حمدي فورًا صوٌب الباب ومعه الجهاز الذي أصرٌ على حمله مُتحججًا بكونه الأكثر مهارة في السرقة وما يخص تلك الأمور، تبعه جابر ثم مدٌ يده ليلتقط الجهاز عنه حالما يُعاود حمدي غلق الباب مجددًا بإحكامٍ منعًا للشكوك، تحرك جابر القليل من الخطوات السريعة الانسيابية حتى قطعه صوتٌ مُرتفع مصوٌب نحوهما ... - حراميـــة .... في أقل من ثانية، تغيرت الأوضاع من الهدوء والسكينة إلى الضجيج والضوضاء، انتشرت صافرة عالية صمٌت آذانهم مع تلك الأضواء الحمراء التي يتم إطلاقها في حالة الطوارئ، انتهز لؤي الفُرصة وانشغال ذاك الحارس بهذه الضوضاء مما جعله ينقض عليه ويركله في معدته ثم يلوي ذراعه حتى يسقط سلاحه ويستطيع لؤي انتشاله قبل أن يلتقطه الرجل ويصوٌبه عليهما مباشرة. هروٌل لؤي بسرعة وخلفه إسلام وصوت الأقدام تهرول خلفهم في الرواق، وجدا كلًا من جابر وحمدي يهرولان أيضا حتى التقيا أمام المصعد، اعترضهما واحد من الحُرس مصوٌبًا فوهة سلاحه أمام باب المصعد لكن جابر تصرف بسرعة وأعطى الجهاز إلى إسلام كي يلتقط مطفأة الحريق ويهوي بها على رأس الحارس من الخلف. زاد عدد الحُراس وأصبح الجميع يُطلق أعيرة نارية ويهتفون باسم اللصوص مما جعل حركتهم تزداد سُرعة ويستقلون المصعد ليضغط لؤي بسُرعة على الطابق السُفلي حتى يهربوا من ذاك المعمل. توقف المصعد عند آخر طابقٍ ليخرج منه إسلام أولًا ويتلفت في كل مكانٍ ليتأكد أن الطريق آمنًا، ظن حمدي أن إسلام لن يستطع الهرولة ومعه ذاك الجهاز فعرض عليه المساعدة وأخبرهم بثقة طاووسٌ أنه يستطيع إخراجهم من تلك المحنة، فتلك المطاردات من روتينه اليومي. تقدمهم حمدي وهرول صوب النافذة التي قفز من خلالها بمهارة وتبعه جابر بسبب سُرعة ركضه وإمكانيته على القفز مثل تلك القفزة، أما إسلام ولؤي، فكانا بآخر الصف يؤمنا الطريق لهما ثم يتبعانهما من خلال تلك النافذة التي أبطأت حركتهما وجعلت جابر وحمدي يسبقانهما بعدة أمتار. استطاعوا أخيرًا الهرب من ذاك المعمل، وأضحوا الآن يركضون في الطرقات المُظلمة بحثًا عن السيارة، كان الجهاز بحوزتهم، وكان كل شيءٍ على ما يُرام بخلاف المعمل الذي غمرته عناصر الشُرطة وأضحت تُحقق في تلك الجريمة، والتي ربما جعلتهم يكتشفون إختفاء الجهاز، ومع ذلك لم يُعطوا بالًا لعناصر الشُرطة والتي على الأحرى لن تستطع العثور على الجاني بسبب حذرهم الشديد، كما أنهم سيُعيدون هذا الجهاز بعد أن يستخدموه ويتأكدوا من أن أجسادهم قد ثُبتت ولا مزيد للكوارث مجددًا. توقفت أقدامهم أمام السيارة التي أدارها مُعتز بسرعة استعدادًا للرحيل، لكن في هذه اللحظة، بدأت الأقنعة تنكشف، والستائر تُزاح، فقبل أن يصعد حمدي إلى السيارة قام بركل جابر ركلة قوية جعلته يسقط على الأرض، لا يعلم جابر لمَ فعل حمدي هذا، لكن ما حدث بعدها أكد له جميع شكوكه. أخرج حمدي سلاحه المُتدثر أسفل سرواله وأشهره أمام مُعتز الجالس داخل السيارة مُحتقن الوجه يتصبب عرقًا، فقط يستمع إلى صُراخ حمدي الغليظ الآمر : - انزل بدل ما أفجر دماغك آبى مُعتز الحِراك ووجد جسده مُتصلبًا مكانه، حتى استمع إلى صوت طلقة نارية تخترق زُجاج السيارة ثم .... _________________________ يرتفع صوت عقارب الساعة كلما مرٌت الدقائق وازداد معها وتيرة القلق، آذان الفجر قد صدح حولهن مُعلنًا عن تخطي الساعة للرابعة فجرًا، ولم يعد أحد بعد، وهذا ما يجعلهن غارقين في غُمرة الارتباك والخوف عمَ إذا صادفهم أي مكروه. مرٌت ساعة أخرى قاموا فيها بتأدية صلاة الفجر ثم عادوا مجددًا إلى الأرائك ليرتمين عليها بإرهاقٍ جامٍ لمحاولتهن المُستميتة في مُحاربة وحش النُعاس الذي يُسيطر على كل شِبرٍ بجسدهن، أرخت قمر رأسها الثقيل للوراء ثم آعادته مُجددًا للأمام كي تقول بنفاد صبر : - داليا ادخُلي جوة إسلام ولا جابر وشوفي هُما فين .... اتأخروا أوي كانت داليا مُسترخية هي الآخرى تكاد تغرق في سُباتٍ عميقٍ وهي تُجيبها بصوتٍ خافت مُهمهم : - تلاقيهم جايين لم تكد تُنهي حديثها حتى استمعن إلى صوت الباب الذي يتم فتحه ليجعلهن ينتصبن واقفين ويُهرعن سريعًا صوب الباب. شهقة مدوية خرجت من جوف كوكي التي غطت فمها المفتوح من هول الصدمة، فكانت الدماء الغزيرة تتقاطر من كتف مُعتز مما أحال لون سُترته إلى اللون الأحمر، ساعده إسلام على دخول المنزل هاتفًا بلكنة آمرة تحمل شيئًا من الغضب : - وسعو من قُدامي ... أكمل طريقه صوٌب الحُجرة ليُقطب جراح مُعتز مُستغلًا مهنته كطبيبٍ جراح، تحركت داليا بضع خطواتٍ خلف إسلام حتى تسأله بفضولٍ وهلع : - إيه إللي حصل ؟ ... الجهاز فين ؟ لم يُجبها إسلام وواصل طريقه صوٌب الحُجرة وبجواره مُعتز الذي يتأوه من الألم، وخلفهم تتحرك كوكي لرغبتها الجامحة بالاطمئنان عليه. إقتربت قمر من لؤي حتى تسأله هو وجابر بهلع : - عملتو إيه ؟... سرقتو الجهاز ؟ تنهد لؤي تنهيدة حارقة وهو يرتمي على الأريكة ويُجيبها بنفس تلك اللكنة الغاضبة : - لأ ... إحنا إللي اتسرقنا زادت كلماته من ذعرهما فارتمت داليا على المقعد المُقابل لمقعد لؤي حتى تستفسر أكثر عن طبيعة ما حدث، فكانت تسأل بضربات قلبٍ تتصاعد رويدًا : - اتسرقنا إزاي ؟... وحمدي فين ؟ لم يستطع إجابتها لأنه يشعر أنه على حافة الإنفجار وتدمير المكان حوله بسبب ذاك الحقير الذي أوقعهم في خديعته، توٌلى جابر ضفة الحديث بشرحه : - حمدي سرق الجهاز وضرب نار على مُعتز ... وبعدها سرق العربية وهَرب قالها مُستذكرًا هرولته خلف حمدي حتى توقفت أقدامه أمام جسد مُعتز المسجي على الأرض والدماء تتقاطر من ذراعه، فعلى ما يبدو أن حمدي حاول قتله لولا ابتعاد مُعتز في اللحظة الأخيرة وميله جهة اليمين مما جعل الرصاصة تخترق كتفه الأيسر وربما أصابته بخدشٍ فقط حسبما قال إسلام، لكن في جميع الأحوال، قام حمدي بخداعهم، وسرق الجهاز وكذلك السيارة. - وإنتو روٌحتو إزاي ؟ قطعت قمر شرودهما بهذا السؤال الذي آجاب عليه جابر : - وقفنا عربية وطلبنا منها تروٌحنا ... وطبعًا عشان لؤي ظابط فالسواق فضل ساكت ومسألش كُنا بنعمل إيه ولا عن إللي حصل لمُعتز غمر اليأس جنباتهم وجعلهم يتلوٌون في نيران الغضب والتيه من تلك المُعضلة التي توٌاجههم، فالجهاز الآن أضحى بعيدًا كل البُعد عنهم، بعدما ظنوا أن تلك الطريقة الخاطئة قد تُقربهم من هدفهم، فالحقيقة أن الأخطاء لا تُخلف وراءها سوى أخطاءً أكبر. بعد فترة قصيرة من الصمت سألت داليا بتيه : - هنعمل إيه ؟.... أكيد مش هنسيب حمدي ده يفلت بعملته أنهت الحديث بطفراتٍ من التحدي جعلت النيران تزداد غليانًا داخل لؤي وتجعل ألسنة الانتقام تلتهب وتُحرق دواخله؛ وثب عن الأريكة وثوب الدُب من كهفه بعد نومه لأشهرٍ في هدوءٍ تام، بصق الكلمات من جوفه بحدة جعلته يقول : - محدش فيكم يتدخل ... وحمدي ده أنا إللي هجيبه وهدفعه التمن ألقى تلك الكلمات ثم ترك المنزل وتبعته قمر بعد أن آشارت لها داليا بعينيها حتى تطمئن عليه وتُحاول تهدئته، فهي تعلم نوبات الغضب التي تُقابل لؤي حالما يخسروا بأية معركة أو تُحدٍ يواجههم، فهو يتحوٌل كالاسد الشرس الذي على أتم استعداد للفتك بما تتلقاه عينيه. بعد رحيل قمر، قرر جابر أن يرحل هو الآخر وينال قسطًا من الراحة على أمل أن يُقابلهم غدًا ويحاولوا النقاش فيما حدث، أما بالجهة الأخرى، فكان إسلام يجلس على الفِراش وجواره مُعتز يحاول كُتمان ألمه وهو يُتابع إسلام الذي يقوم بخياطة الجرح وتعقيمه جيدًا باستخدام مُعداته الطبية الموجودة داخل حُجرته، فالجميع يجتمع داخل منزل إسلام وداليا. - مش كنا روحنا المُستشفى ؟ سأله مُعتز حالما انتهى إسلام من تطبيب جرحه وبدأ يعاود وضع المشرط والخيوط الطبية والمُطهرات داخل حقيبة الأدوية الخاصة به. - مُستشفى يعني سين وجيم ... وساعتها هيعرفو إحنا كنا بنعمل إيه هكذا آجاب إسلام وهو مُنهمكٌ بوضع الأدوات الطبية، وكانت إجابته مُقنعة بالنسبة لمُعتز، فما كانوا يفعلونه لا يجب أن يخرج للعيان أبدًا، وإلا ضاعت أحلامهم وأيامهم المُقبلة، وثب إسلام عن المُقعد وأردف مُستئذنًا : - هروح اعقم الأدوات وآجي أومأ مُعتز إيجابًا ليُتابع إسلام وهو يترك الحُجرة ويبقى هو على الفراش لبُرهة قصيرة من الوقت قطعها صوت أنامل رقيقة تقترب صوٌبه يليها ظهورها أمامه بأعينٍ حمراء لا يعلم من الإنهاك أم من البكاء، فقط عينانٍ حمراءٍ حول حدقتيها الزرقاء الأشبه بالبحار الصافية، ترقرقت دمعة حارقة على وجهها الأبيض الرقيق فأزاحتها بأناملها ونصبت قامتها أمامه وهي تسأل : - إنت كويس ؟ ضربت بكلمات صديقاتها عِرض الحائط عندما وجدته يتألم أمامها والدماء تُغرق ملابسه، فكأن ما حدث حرٌك مشاعرها وجعلها تتأكد أنها لا تستطيع مواصلة الحياة بدونه، ولا تستطيع حتى على رؤيته يتألم، فصوت أنينه يجعل قلبها يتحطم ويتحوٌل إلى شظايا تكاد الشظية الواحدة تُرى بالعين المُجردة. كلماتها الرقيقة جعلت حصونه تتهدم ولسانه ينعقد، يرغب في احتضانها والغرق في عبيرها لكن جسده يمنعه ويجعله يُجيبها بجفافٍ عكس ما يدور بداخله : - كويس ... إنتِ .. كويسة ؟ سألها بارتباكٍ فوجدها تخفض رأسها بعيدًا عن عينيه التي لم تُزل عن خاصتها وكأنه يشتاق عينيها الزرقاء وشعرها البُرتقالي الأملس. بقي يُتابع وجهها في صمتٍ حتى لاحظ قطراتٌ من الدموع تنسكب على ركبتيها مع وجهها الذي يزداد احمرارًا إلى أن قالت بصوتٍ مُتقطع : - كنت خايفة عليك تراقصت الفراشات داخل قلبه عقب كلماتها الرقيقة التي جعلته يُحلق في السماء عاليًا، وجد الابتسامة تُرتسم تلقائيًا على وجهه مما جعل حرجها يظهر للعيان وتبدأ بسبٌ نفسها عما تفوٌهت به من كلماتٍ حمقاء، فهو الآن يقول أنها لا تستطيع أن تعيش بدونه وهذا ما لا تُريده أبدًا ... تبًا لهذا القلب الذي يجعلها تتحدث وتتآمر على مبادئها. هكذا كانت تلعن نفسها في قرارة نفسها حتى قطعها هو بكلماتٍ هادئة : - أنا كمان كُنت خايف عليكي ... من ساعة ما سيبت البيت وانا مش بفكر غير فيكي ... وأكتر من مرة حاولت أوصلِك بس ... بتر كلماته عند تلك النُقطة ليجدها ترفع رأسها ببطء وتتابع حديثه الذي تبدٌل إلى الاشتياق والتوُسل مرة واحدة : - وحياة بسملة بنتنا ما قرٌبت منها .... وعُمري ما بصتلها .... آشار بإصبعه ناحية فؤاده ليهتف بصدقٍ نابعٍ من طيات قلبه : - هنا مفيش حد غيرِك إنت وبنتنا .... وأنا مُستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحيني ... وعلى فكرة أنا حاولت أرفدها من الشركة ومعرفتش بسبب شرط الجزاء ... بس لو عايزاني أسيب الشركة باللي فيها أنا معنديش مانع ... المهم ترضي عني كلماته الرقيقة الهادئة تغلغلت في طيات قلبها وجعلتها تخرج من غُمرة صمتها بكلماتٍ معارضة : - لأ ... خليك في الشركة بتاعتِك ... إنت تعبت عشان تبنيها صوٌب نظراته المُلتاعة على عينيها مباشرة وهو يسألها بترجٍ : - يعني إنتِ راضية عني ؟ أخفضت وجهها وحاولت إزاحة عينيها عن خاصته كي لا يستشف نظراتها الخجولة، بعد بُرهة من الصمت وجدها تقول بنبرة خافتة جاهدت حتى تمنع معها حرجها : - أنا أصلًا مش متضايقة منك ... وعارفة إنك مبصتش للحرباية دي إللي اسمها نرمين.... I was just angry when I saw the video زادت بسمته اتساعًا حالما تأكد من صفاء قلبها من ناحيته، كانت بسمته المُشرقة كفيلة بجعلها تبتسم هي الأخرى وتتقابل عينيهما لأول مرة بعد غيابٍ دام لبضعة أيامٍ أشبه بالدهور بالنسبة لهما، فكانت أيامًا صعبة وثقيلة مُحملة بالجروح والأوجاع، وها هي الأوجاح تُمحى والجروح تُلتئم حالما عادت نصفه الآخر ودواء سُقمه الذي بعودتها أشرقت شمس حياته من جديد. رفع يده بحنوٍ لترتخي أنامله على وجنتها الصافية ليقترب نحوها أكثر ويُخبرها بكلماتٍ رقيقة نابعة من القلب : - أنا بحبِك عضت شفتها السُفلية بحرجٍ جعل وجهها يتحوٌل إلى اللون الأحمر وبريق عينيها يسطع في الأرجاء وهي تقول : - وأنا كمان قالتها بحرجٍ بالغٍ تبعه نظراتهما العاشقة التي لم تدم سوى ثوانٍ معدودة قطعتها داليا التي اقتحمت الحُجرة بشهقتها المصدومة وكلماتها الحانقة : - وحياة أمِك ... وأنا كمان !! ... هو ده إللي قولتلِك عليه ؟ ارتبكت كوكي وارتعدت فرائسها وكأن داليا اقتحمت الحُجرة ورأتهما في وضعٍ مُخل، ابتعدت كوكي عن مُعتز لتُحاول التبرير لداليا الواثبة أمامهما مباشرة : - دا... دالـ..داليا أنا كُنت بس... بقيت تُتهته بالحديث حتى طفح الكيل بداليا وانقضت على كوكي لتجذبها من سُترتها وتحاول دفعها خارج الحُجرة بكلماتها الناهرة التي تُشعرك وكأن كوكي طعنتها من وراء ظهرها : - إنتِ لسة هتهتهي ؟... دا أنا قفشاكم على السرير ... أومل لو كنت اتأخرت شوية كُنتو عملتو إيه ؟ حاولت كوكي التبرير للمرة الأخيرة : - يا داليا بس اسمعي_ قطعتها داليا لتهتف بتهكم : - أنا قولت من الأول إنك مدلوقة وهترجعيله ... بس ترجعيله في بيتي !! .. وعلى سريري !! ... إنتو فاكرنها سايبة ولا إيه ؟... لااا .. البيت ده طاهر وهيفضل طول عُمره طاهر أنهت حديثها تزامنًا مع ترك كوكي للحُجرة تمامًا ليبقى مُعتز وحده غارقًا في عالمٍ آخرٍ لا يزال غير مُصدقٍ أنها عادت إليه وسامحته بعد مُحاولاته المُستميته، لكن هيامه لم يدم طويلًا بسبب داليا التي التفتت نحوه لتردف بتهكمٍ وأعينٍ مُستنكرة : - يلا يا حلو إنت كمان من هنا ... مش إسلام خيطلك الجرح ؟ انتبه مُعتز لحديثها وحدجها بنظراتٍ بلهاء جعلتها تُعاود الحديث بصوتٍ مُرتفع : - يلا من هنا إنت لسة هتنٌح ... يلا روح للسنيورة بتاعتك أومأ مُعتز برأسه ثم وثب عن الفراش ليترك المنزل بأكمله وتبقى داليا وحدها داخل الحُجرة بعد أن رحل الجميع وارتمت هي على فراشها بجسدٍ مُنهكٍ ورغبة جامحة في الاستلقاء والغرق في أحلامٍ عميقة. استلقت على الفراش وغطت جسدها بغطاءٍ سميكٍ لأن الشتاء يطرق الأبواب، لا يزال جوفها يُتمتم بكلماتٍ مُغتاظة مما حدث مُنذ قليل : - عيال ملزقة ... أومل لو إسلام شافهم كان عمل إيه - خير ... سمعت اسمي هكذا قال إسلام بعد أن سمِع تمتمتها وهو يدخل الحُجرة بمنامته التي ارتداها في المُرحاض، ارتمى جوارها على الفِراش ليجدها تُحادثه بغضبٍ عما حدث مُنذ قليلٍ وتُخبره عما كان يفعله مُعتز وكوكي بطريقة ساخرة امتزجت باستنكارها واشمئزازها من تلك العلاقة السمجة، فإذا كان هُناك مُشتركٌ بينها وبين إسلام، فسيضحى انعدام الرومانسية هو هذا الشيء، أو بالمعنى الأدق، هو الشيء الذي اكتسبته داليا منذ أن تعرفت على إسلام الذي استطاع بسُخريته وتهكماته أن يجعلها تمقت كل ما يخص الرومانسية والعواطف الجياشة. بعد بُرهة من الأحاديث عن هذا الموضوع، بدلت داليا نبرتها إلى الجدية وهي تسأل : - صحيح إحنا هنعمل إيه بعد ما إن شاء الله نجيب الجهاز تاني ؟ ... عمالة أفكر في الموضوع ده من ساعة العملية الشوؤم دي اعتدل إسلام بجلسته على الفراش وطفق يُمعن التفكير في حديثها، فهو كذلك لم يُفكر في تلك الخطوة، ولا يعلم متى كان سيُفكر بها. - مش لما نجيب الجهاز الأول .. قالها بسُخرية لرغبته بإنهاء الحديث والنوم، لكنه يجدها تقترب بجذعها نحوه وتصرٌ على بقاءه مُستيقظًا وإجابته على أسئلتها حتى لا تؤرق مضجعها : - إن شاء الله هنجيبه .... بس لما نجيبه بقى إزاي هنجربه علينا .... إفرض حصل زي ما حصل لبطة، ومحاولة التثبيت خليتنا منعرفش نرجع جسمنا تاني ؟ بقي لبُرهة في حالة من الصمت حتى تنهد تنهيدة يآسة قال بعدها : - مش عارف ... أنا كمان قلقان من الموضوع ده .... وخايف لتكون طريقة التثبيت دي محتاجة تعديل حركٌت إصبعها قُرب شفتيها السُفلية لتغرق في عالمٍ من التفكير جعلها تبقى في حالة من الصمت قطعتها برفع سبابتها لأعلى وتفوهها بلهفة : - عرفت ... لما نجيب الجهاز ... نجربه على ناس تانيين غيرنا ... يكونو بردو مُتنقلين وعايزين يتثبتو ... عشان لما التثبيت يفشل ... نعرف نساعدهم ونرجعهم جسمهم ونعرف كمان طريقة التثبيت الصحيحة .... وبعدها نتثبت إحنا كمان راقت له فكرتها وجعلته يُفكر بحديثها لبُرهة حتى قال بإعجاب : - ممكن ... بس هنلاقي مُتنقلين تانيين إزاي ... إحنا منعرفش غير جابر، وجابر مش عايز يتثبت إقتربت نحوه أكثر وهي تُدلي اقتراحها : - ممكن نكتب على الفيس تاريخ ميلادنا ونسأل مين اتوٌلد معانا في نفس اليوم، عشان نعرف مين تاني شبهنا.... أنا بشوف الترند ده كتير كان حديثه مُندفعًا يسخر به من اقتراحها الأحمق : - أه ... عشان جماعة ضُرغام وإللي زيه يعرفو كل المُتنقلين ويخلصو عليهم واحد واحد .. مش كدة ضربٌت جهبتها من شدة غبائها وعدم تفكيرها بما يخص ضُرغام وما حدث بالماضي معهما، فعلى الأحرى، هناك من يبحث عنهما خاصة وهما يعلمان جيدًا، أن هناك مُنظمة لا تزال تلاحق جميع المُتنقلين وتسعى للوصول إليهم. بقيت في حالة من الصمت لوهلة قطعتها بكلماتٍ خافتة : - أنا إزاي مفكرتش في كدة ... طب إحنا هنلاقي مُتنقلين منين ؟ لم يُجيبها إسلام وقرر أن يتدثر داخل الغطاء ويحاول إنهاء الحديث معها ونسيان تلك الليلة الصعبة : - نامي يا داليا ولما نجيب الجهاز نبقى نشوف هنعمل إيه ؟ تنهدت داليا بخيبة أملٍ ثم تدثرت مجددًا داخل الغطاء لتستلقي على ظهرها استعدادًا للنوم، فلا تعرف كيف سيزورها النوم طالما تلك الأفكار تدور حول رأسها وتقسم على منع النوم من أن يدق حصون منزلها ويجعلها تنعم بالاسترخاء ولو بضع ثوانٍ.... _________________________ بدأت شذرات النهار بالسطوع، وكان مُعتز في هذه الأثناء داخل المنزل الخاص بميجو يضب أمتعته بسعادة بالغة لأنه أخيرًا سيعود إلى عُشه الزوجي بعد أن سامحته كوكي وسمحت له بالعودة لها ولابنتهما الصغيرة، كان يجر حقيبة سفره الصغيرة في الرُدهة غير مُكترثًا بالفوضى التي تعُم المكان والتي جعلته يقول مُستنكرًا : - إبقى هاتلك واحدة تنضف الشقة ... إزاي عايش في الرزيبة دي ؟ وجهٌ حديثه صوٌب ميجو الذي يستلقي على الأريكة ومعه دفترًا وقلمًا يدوٌن به على ذاك الدفتر وكأنه يحل أحد الألغاز، فعادة ما يبقى ميجو مُتيقظًا حتى شروق الشمس بسبب عمله بالملهى الذي يدوم حتى آذان الفجر، والذي يعود بعده إلى المنزل ويواصل سهرته الماجنة حتى يلقاه النوم على الأريكة، إنما هذه الليلة، كانت الأوضاع مُختلفة تمام الاختلاف، فطوال اليوم لم يكن يُفكر سوى بشيءٍ واحدٍ فقط، شخصٍ واحدٍ لا يعلم كيف كان قادرًا على سرقة عقله وجعله في حالة من التيه والتفكير، حتى أنه لم ينصت إلى كلمات مُعتز ولم ينتبه لنظراته العجيبة التي تُحدق به في غرابة، فعادة ما يراه مُعتز أما يُدخن من تلك اللفائف المُذهبة للعقول، أو يحتسي الخمور ويُشاهد أحد الأفلام بحالة مزرية أقرب للفوضى أو للملهى الليلي الذي يعمل به. - بقولك إيه يا زوز ... تفتكر ليه النمل بيتلم على السُكر ... ومش بيتلم على الملح ؟ قطب مُعتز حاجبيه إثر هذا السؤال الأحمق لأنه لا يعلم لمَ يسأل ميجو عن النمل ؟ ترك مُعتز حقيبة سفره ليقترب نحو ميجو بعوالمٍ حائرة لا يُزال يفكر بسؤاله العجيب حتى آجاب ببلاهة : - معرفش ... يمكن دمه خفيف حرٌك ميجو القلم بين أصابعه أمام دفتر الأوراق وهو يُجيب مُعتز : - بس النمل مش عنده دم أبعد مُعتز حدقتيه عن ميجو وهو يهتف باستنتاج : - أااه ... عشان كدة بقى لما باجي اقتل النملة صاحبتها مش بتعيط عليها ... أتاريها معندهاش دم قطب ميجو حاجبيه بغرابة تزداد أكثر حتى جعلته يسأل : - إيه ده !! ... هو النمل ممكن يعيط ؟ لوٌح مُعتز بيديه وهو يُفسر بجهل : - معرفش، ما إنت إللي بتقول معندوش دم .... بعدين إنت مالك ومال النمل .. أنا مش فاهم وضع ميجو الدفتر أمامه على الطاولة ليعتدل بجلسته ويضحى مقابلًا لوجه مُعتز لعله يُخرج ما بداخل جعبته ويلقى بعض النصائح من مُعتز شقيقه الأكبر، أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه قبل أن يقول ببعض التردد : - الصراحة كدة .... البت إللي ساكنة قُدامي دي، شغلالي دماغي ... مش عارف أصنفها ضمن أي بنت عرفتها قبل كدة ... أبعد بصره عن مُعتز ليتخيلها أمامه ويتخيل كلماتها الغريبة وحركاتها الصبيانية المجنونة أحيانًا : - حاسس كدة إنها حاجة غريبة ... عُمرها ما عدِت عليا قبل كدة .... عشان كدة عايزك تاخدلي معاها معاد رمقه مُعتز بشكٍ جعله يسأل : - هتروح تخطبها ولا إيه ؟ نفى ميجو حديثه بإصرارٍ رغم أنه يُريد التقرٌب منها لكن ليس وهو على هذه الحالة : - لا يا عم أخطبها إيه ... أنا بس عايز أتعرف عليها... بعدين إنت مش قولت إنها أخت صاحبت مراتك ... يعني ممكن تسأل مراتك لو تعزمها عندكم في الشقة، وأنا ساعتها هتعرف عليها أكتر ... وصدقني مش هقرٌب منها ... أنا بس عايز أفهمها أدرك مُعتز مكنون حديثه وعلِم نواياه المخفية والتي يحاول تجميلها بنبرة متوٌسلة وتأكيدًا على أنه لن يتعرض لشمس بتاتًا، فلا يوجد رجل عاقل يُصدق أنه فقط يُريد أن يتعرف عليها ليرضي فضوله، لهذا السبب وثب عن مكانه وحاول إنهاء النقاش بنبرة صارمة مليئة بالإصرار والتهديد : - تفهمها أااه ... لا بقولك إيه ... أنا مش متعوٌد إني أهدد حد ... بس لحد هنا وكفاية ... مراتي وصُحاب مراتي خط أحمر .... وشمس مش زي البنات إللي تعرفهم ... يعني لو كسرتها فإنت هتكون بتكسر العُمارة كلها ... وصدقني محدش فيهم هيرحمك... بصق تلك الكلمات بصورة حادة ثم جذب حقيبته ليترك المنزل أمام نظرات ميجو المليئة بخيبة الأمل وبعض الغضب من ردة فعله، فهو قد ظن لوهلة أن شقيقه سيُساعده في التقرٌب منها وربما تعليقها بحِبال غرامه، لكن يبدو أن شقيقه سيضحى الحائل الوحيد ما بينه وبين تحقيق حُلمه ورغبته في التعرف عليها كما يفعل مع بقية النساء. أرخى ظهره للوراء ليُفكر بتلك المُعضلة حتى أتته فكرة أشعلت عقله وجعلته يهرع نحو الهاتف الخاص به كي يُجري مكالمة بالغة في الأهمية ..... ____________________________ أشرقت شمس نهارٍ جديدٍ بعد هذه الليلة الطويلة المُكللة بالأحداث والصراعات، ومع ذلك لم تمنعه تلك الصراعات من مواصلة عمله وذهابه إلى مركز الشُرطة بصرامته المعهودة وكأنه لم يحاول السرقة بالأمس، بل الأسوأ أن محاولاتهم للسرقة انقلبت ضدهم وأدت إلى سرقتهم أضعافًا، وهو بطبيعته المُتحدية لن يسمح لذاك المُجرم أن يفلت بفعلته وينال منهم بتلك السهولة، فهو لا يعلم أن بإقترابه منهم خاصة من أصدقاءه يعني أنه سيحفُر مقبرته التي سيقذفه لؤي بداخلها عما قريب. ارتمى على المقعد الذي يترأس مكتبه بعوالم مُقتضبة وهالات سوداءٍ أسفل عينيه نتيجة أرقه طوال الليل، أجرى مكالمة هاتفية قصيرة انتهت بدلوف واحد من العساكر وتأديته للتحية العسكرية قبل أن يستمع إلى أوامر لؤي الصارمة وهو يمدٌ نحوه ورقة صغيرة دوٌن عليها شيءُ ما : - إمسك العنوان ده وإسأل هناك عن الاسم إللي أنا كتبهولك .... عايزك تعرفلي كل حاجة عنه، وتعرف مكانه فين دلوقتي أومأ الضابط إيجابًا قبل أو يؤدي التحية العسكرية مجددًا ويرحل عن المكتب تاركًا لؤي وحده بعوالمه الصارمة وتوٌعده لذاك الذي يظن أنه قادرًا على خِداعهم.... ____________________________ اندثرت الشمس مجددًا ليحل الليل عليهم ويبدأ هذا اليوم الروتيني المُرهق بالانتهاء، فتح مُعتز باب المنزل بعد أن أنهى أشغاله وها قد أتت اللحظة التي سيستريح فيها بمنزله بين أسرته الصغيرة وزوجته الحبيبة، فكان معه حقيبة بلاستيكية صغيرة ربما تحتوي على شيءٍ ما قد ابتاعه في طريقه للمنزل، أما يده الأخرى فكانت مُضمدة بسبب جرحه. أوصد الباب قبل أن يدلف المنزل بخطواتٍ هادئة وبسمة بشوشة تزداد حنانًا كلما إقترب نحو حجرة الطعام حيث تقف كوكي وحولها العديد من الحقائب البلاستيكية وكأنها أتت للتو من مِتجر التسوٌق. أحاطها مُعتز بذراعه السليمة حول خصرها وهو يسأل بحنانٍ حمل بعضًا من تعجبه، فهذه أول مرة يرى فيها زوجته المُدللة تقف في المطبخ وتقوم بإعداد الطعام، طبع قبلة رقيقة على رأسها تكللت خُصلات شعرها البُرتقالية ثم سأل : - عملالنا إيه إنهاردة ؟ ... وإيه الأكياس دي ؟ زادت بسمة كوكي وهي تبتعد عنه ثم تلتفت لتُقابله بعينيها الزرقاء البشوشة المُتلهفة وهي تُجيبه : - روحت إنهاردة السوبر ماركت ... وجيبت حاجات كتير أوي أنهت حديثها بحماسٍ طفوليٍ وكأنها ابتكرت اختراعًا ما، فهي بالعادة لا تذهب للتبضع وتكتفي بطلب ما تُريده وهي تجلس داخل المُنزل أو تُخبر حارس العُقار بالتبضع بدلًا عنها. وجدته يمسك الحقيبة البلاستيكية التي وضعها مؤقتًا على الطاولة ويمدها أمامها متفوٌهًا : - دا أنا كُنت لسة هقولِك إني روحت وجبتلك الباربيكيو إللي إنتِ عايزاه ... بدل ما تعمليه في البيت قطبت كوكي حاجبيها من غرابة حديثه وعينيها اللتان تُحدقان بُعلبة الصلصة المُدخنة التي وضعها مُعتز بين يديها. - بس أنا مكنتش عايزة باربيكيو وضع مُعتز عُلبة الصلصة المُدخنة على الطاولة وهو يُفسر : - مش إنتِ قولتيلي نفسي أعمل باربيكيو ... أهو أنا بقى جبتهولِك بدل ما تعمليه بنفسِك وأخيرًا قد فهِمت مقصده وعلِمت كم أنه فهِم حديثها بطريقة خاطئة تمامًا جعلتها تُصحح له بقولها : - زيزو أنا كان قصدي باربيكيو إللي هي حفلة الشوي أومأ مُُعتز رأسه مُتفهمًا ولعن كم أنه لم يفهم مقصدها كما يفعل في كل مرة، لكنه مع ذلك لم يُصدر أي تصرفات غير اعتيادية واكتفى بوضع عُلبة الصلصة المُدخنة على طاولة المطبخ متفوٌهًا ببساطة : - حفلة شوي !! ... طب خلاص أهو الباربيكيو، لما نعمل حفلة الشوي نبقى نستخدمه ابتسمت ابتسامة هادئة ثم مدٌت يدها كي تجذبه حتى يرى ما ابتاعته بلهفة تُعادل لهفة الأطفال حينما يبتاعون هدية لوالديهما : - طب تعالي شوف أنا جيبت إيه تحركت معه خطوتين حتى التفت صوٌب أحد الأكياس كي تُخرج منها ثمرة فاكهة تعادل حجم اليقطين ولكنها مُستديرة كالشهد، رفعت ثمرة الفاكهة هذه أمام مُعتز ثم أردفت بحماس : - بص أنا جيبت إيه ؟ عقد حاجبيه في حيرة وهو يستنتج : - إيه ده !! ... شمام ده ولا قرع عسل ؟ تلاشت عوالم الحماس عن وجهها وهي تُكذب حديثه : - شمام وقرع عسل إيه .... دا بابايا " فاكهة استوائية " أنهت حديثها بحماسٍ ردمه هو بحديثه الأبله : - بابايا !! ... هو أبوكي بقى يتباع في السوبر ماركت ! أخفضت كوكي ثمرة الفاكهة عن وجهها بعد أن مُحي حماسها وأضحت الآن تهتف بوجهه بحدة : - أبويا إيه يا زيزو ... دا بابايا، أنا كنت بجيبها كتير أوي في أمريكا ... ومصدقتش نفسي لما لاقتها في السوبر ماركت بـ300 جنيه بس أنهت الحديث ببساطة وحماسٍ جعل فكه يهوي حتى حنجرته ويشعر ببوادر صدمة على وشك أن تنتابه. - نعـــم !!... بقى ثمرة الشمام دي بـ300 جنيه !! ... ليه ؟ ... جواها دولارات ؟ تلاشت طفولتها للمرة الثالثة حالما شعرت ببوادر الغضب على حديثه، فهي لا تعلم ما الخطأ الذي اقترفته حتى يُقابلها بهذه الحدة. - هو إنت اتضايقت ؟ سألته ببراءة جعلته يُدرك حدته معها ويتراجع عنها متأسفًا : - لا يا حبيبتي مضايقتش .... سيبي أبوكي دلوقتي وتعالي نروح نتغدا في أي مطعم انتشل منها ثمرة الفاكهة ووضعها على الطاولة ليقبض على أناملها ويأخذها لتُبدل ثيابها وتتناول الغداء معه في أي مطعم، فهو يعلم تمام العِلم أنها لم تطهو الطعام، لأنها ببساطة لا تعلم شيئًا عن الطهي، فالحقيقة أن طهيه يفوق طهيها بمراحل عِدة. جذبت ذراعها بعيدًا عنه وهي تهتف باعتراضٍ فاجئه : - لأ خلينا ناكل في البيت ... أنا عملت search على النت وعرفت طريقة عمل الأومليت .... وكمان عملتهولك بطريقة هتاكل سنانك وراها صحح لها مُعتز بعوالم الغرابة التي اجتاحته فجأة : - قصدك صوابعي ... جذبت يده حتى يهرعا من المطبخ حيث الطاولة التي تجلس أمامها بسملة داخل مقعدها الخاص بالرُضع، فكانت تقول كوكي بحماسٍ وهي تقترب صوٌب تلك الطاولة : - مش مهم ... تعالى بس تبعها مُعتز بتيهٍ حتى توقفت قدميهما أمام الطاولة المُرتكز عليها طنجرة يفوح منها رائحة البيض المقلي، لكن رائحته لم تكن اعتيادية، بل وحجم الصفار كان أضخم بكثيرٍ من المُعتاد، ومع ذلك لم يُبالِ مُعتز وجلس بهدوءٍ على المقعد بشعورٍ من الفخر يتكلله بسبب زوجته التي تفاجئه دائمًا، وتحاول بشتى الطُرق أن تثبت أنها جديرة بالمسئولية. حملت كوكي بسملة على كتفها حتى تُهدهدها وتُسقيها من حليبها حتى تتوقف عن البكاء، أما عن مُعتز فكان لا يزال يُحدق بصفار تلك البيضة الذي يجعل حيرته تزداد أكثر حتى سألها : - هو إنتِ عملتي إيه في صفار البيضة ؟... أصل مش معقول يكون كبير كدة اتسعت بسمة كوكي وهي تُجيبه بحماسٍ وفخرٍ من ذاتها : - لاا... ما هي دي مش بيضة عادية سخر مُعتز من حديثها بإجابته : - إيه .. عندها قوة خارقة ؟ نفت كوكي حديثه ثم فسٌرت : - لأ ... دي بيضة نعام، لاقتهم بيبيعوها في السوبر ماركت فقولت لازم نجيبها عشان نجربها تبلم وجهه إثر حديثها وعِلم أن الإجابة القادمة على سؤاله القادم لن تكن جيدة بالمرة، ومع ذلك سألها حتى يرضي فضوله : - أه...وبيضة النعام دي بقى جبتيها بكام ؟ اتسعت بسمة كوكي وهي تُجيبه بحماسٍ وكأنها أذكى مخلوقات العالم وأكثرهم ادخارًا للأموال : - مش هتصدق .... كان عليها offer وجبتها بـ 5000 جنيه بس سقط فكه في صدمة وشعر وكأن قلبه سيتوقف عن النبض تمامًا، فكان يضع يده على صدره ويقول بتقطع : - خــ..خـ..خمس تلاف جنيه ؟؟.... من فلوسي ؟! أومأت رأسها بتأكيدٍ بدا بسيطًا : - أيوة ... إنت قولتلي مأخدش فلوس من بابي ضرب يده على الطاولة ضربة قاضية جعلت جسدها ينتفض فجأة وتتخلى عن بساطتها أمام حديثه الذي جعلها تشعر أنه سيُغشى عليه بعده : - خمس تلاف جنيه عشان بيضة !!... دا أنا أجيب بيهم محل بيض .... بعدين إيه بيضة نعام دي ؟ ... من قلة البيض إللي في البلد ؟ انفجر أمامها بتلك الكلمات مما جعلها تنكمش على نفسها وتحاول التبرير له بصوتٍ خافت : - بس بيضة النعام مُفيدة ... وكمان أنا لسة موٌرتكش أنا جبت إيه تاني... دا أنا جبت_ قطع حديثها بكف يده الذي أشهره أمام وجهها علامة على عدم مواصلة الحديث، ففؤاده الصغير لن يتحمل المزيد من الصدمات، لن يتحمل أن يضحى غارقًا في الضرائب بسبب بيضة النعام والمزيد من المُشتريات التي لا أهمية لها، فقط أوقف حديثها بنبرة متوٌسلة: - أبوس إيديك كفاية ... خلينا نشوف الأول بيضة النعام دي ونشوف هنعمل إيه في أيامنا إللي جاية أبعد عينيه عنها والتقط كسرة من الخُبز ليقطعها بمساعدتها ثم يبدأ بوٌضعها داخل خليطٍ من البيض الذي سيتناوله بتأني لأنه يعلم جيدًا أنه لن يستطيع ابتياع البقالة بعد هذا اليوم. بعد فترة من الصمت، هدأت بسملة وغرقت في سُباتٍ عميقٍ فوٌضعتها كوكي على سريرها المحمول الموضوع أعلى الطاولة، ثم جلست مجددًا بجوار مُعتز لتلتقط هي الأخرى كسرة من الخُبز وتبدأ في تناول الطعام بجواره. - زيزو ... انتبه إلى ندائها فالتفت ليواجه عينيها وشفاهها التي كانت تقول : - أنا عزمت قمر ولؤي وشمس على الغدا يوم الجمعة... وكمان قولت لميجو ييجي معاهم توقف الطعام بحلقه عند هذه الجُملة التي أدارت الذكريات داخل رأسه خاصة حديثه مع ميجو قبل أن يأتي إلى هُنا مباشرة. - وإشمعنا ميجو ... ومين قالِك تعزميه ؟ حادثها ببعض الحدة التي جعلتها تُبرر ببراءة : - هو إللي اتصل بيا وكان عايز يتعرف علينا أكتر .... دا أنا كمان اتصلت بإسلام وداليا وجابر بس هما قالولي إنهم مش فاضيين... وقولت لشمس تيجي عشان هي صاحبتنا وكدة توقف مُعتز عن تناول الطعام كي يردف باستنتاج : - وهو طبعًا إللي اقترح إنِك تعزمي شمس ... صح ؟ تغيٌرت ألوان وجهها وحاولت إبعاد أنظارها عن عينيه وهي تقول بكذب : - لــ ..لأ طبعًا ... أنا عزمتها من غير ما أقوله حدق بمُنتصف عينيها ليُحادثها بنبرة حادة : - ناجتس ... إحنا قولنا إن محدش يكذب على التاني تهدجت حصونها أمام كلماته الصارمة والتي جعلتها تخرٌ راكعة وتفصح عن الحقيقة من أول صفعة : - بصراحة بقى ... هو قالٌي إنه عايز يتعرف على شمس ويُشكرها عشان هي عملتله حاجة حلوة ... هو مقالش هي إيه ... بس هو قالٌي إحنا كلنا جيران، ولازم يعني الجيران يعرفو بعض وكدة أدرك للمرة الثانية أن ميجو يستغل براءة زوجته وسذاجتها حتى يخدعها بتلك الكلمات ويُنفذ رغباته، هذا ما جعل الغضب يتغلغل داخل مُعتز أكثر أثناء قوله : - بذمتِك مصدقة الكلام إللي قالهولِك ده ؟ ألحت عليه بما تمتلكه من براءتها الآسرة : - مفيهاش حاجة لما كلنا نتجمع ونعمل movie night، إحنا حتى كُلنا في نفس العُمارة .. بعدين ميجو شكله غلبان، وعايز يكون عنده صُحاب أومأ رأسه بسُخرية من حديثها وتوٌعدٍ لهذا الذي يستغل سذاجة زوجته، رفع من نبرة صوته قليلًا وهو يدلي قراره بحزم : - بلا movie night بلا هباب .... ميجو ده مش هيدخل الشقة .... فاهمة يا ناجتس ضرب على طاولة ثلاث ضرباتٍ تزامنت مع حديثه الصارم الجاد : - ميجو .. مش ... هييجي هنا .... _______________________________ - سلام عليكم يا مرات اخوية خرجت تلك الكلمات مع ابتسامة سمجة تشبه ابتسامة المعلم وهو يلقي الترحيب بطلابه أثناء الاختبار السيء الذي وضعه بنفسه، مدٌ ميجو يده ليُصافح كوكي مصافحة اخوية قطعتها يد معتز الذي صافحه بدلًا عن زوجته بنظراتٍ مقتضبة متوٌعدة، فهو لا يعلم كيف وافق على هذه العزيمة بعد إلحاحها عليه لأربع ايامٍ متواصلة وبالطبع ساعدها ميجو على هذه الإلحاحات. آشارت كوكي بيدها نحو البهو حيث الطاولة العريضة التي أفتُرش عليها شتى انواع المأكولات الطيبة، حيث يوجد الدجاج المقلي والمعكرونة الحمراء والعديد من انواع السلطات والمقبلات، كانت اكلاتٍ بسيطة تمتاز بلمحة اجنبية وبالطبع تم شراء جميع تلك الوجبات بسبب إصابة معتز التي تمنعه من الطهي. وثبت قمر عن مقعدها لتُرحب بميجو من مكانها ووثبت شمس جوارها تُرحب به هي الأخرى بابتسامة هادئة جعلته يرمقها بأخرى بلهاء قال معها : - إزيك يا آنسة شمس... والله لولا إن مرات أخوية أصرٌت عليا إني آجي مكنتش جيت ضربه مُعتز على كتفه كي يهمس بأذنه مُكذبًا إياه بنبرة ناهرة : - وحياة تيتي !! ... مش إنت إللي اتحايلت عليا عشان العزومة دي بادله ميجو بضربة مماثلة لضربته وهو يتوُسل له : - بالله عليك ما تفضحني ... أنا نيِتي سليمة تحرك بضع خطوات عازمًا على الجلوس بجوار شمس لولا يد مُعتز التي انتشلته من أحلام اليقظة وآعادته إلى المقعد الذي من المُفترض أن يجلس عليه متفوٌهًا : - لو نيِتك سليمة يبقى تترزع هنا استجاب ميجو لتعليماته الصارمة وارتمى على المقعد المجاور له استعدادًا لتناول الطعام، بينما كانت نظراته تتجوٌل تلقائيًا على حركات شمس وابتساماتها الرقيقة، لولا نظرات مُعتز المُترقبة لما غاص في ملامحها البريئة وشهاوته اللامتناهية. بدأت كوكي بجذب الصحون وتعبئتها بأطيب المأكولات وهي تسأل قمر بفضول : - أومل لؤي مجاش ليه ؟ آجابتها قمر وهي تضع القليل من المعكرونة داخل صحنها : - عنده مأمورية ... مش عارفة مأمورية إيه دي إللي يوم الجُمعة - ربنا معاه هكذا تفوٌهت كوكي وهي تمد الصحن نحو مُعتز وتساعده على تقطيع الدجاج لعدم مقدرته بسبب ذراعه المُصابة. أخرجت شمس هاتفها وعبثت به قليلًا قبل أن ترفعه أمام طعامها استعدادًا لالتقاط صورة ما، هذا ما جعل قمر تشعر ببعض الضيق وتنهرها بصوتٍ مُنخفض : - سيبي الموبيل يا شمس ألحت عليها شمس بصوتٍ يحمل القليل من الاندفاع : - استني بس أصوٌر ستريكس وهقفل تاني هنا ولم يعد يتحمل ميجو فتدخل بحديثهما بتعليقه المُتسرٌع والأبله : - إيه ده ... إنتِ كمان ليكي في الستروكس ... دا احنا فينا حاجات مشابهة أهو لاحت الغرابة على وجه شمس بينما أسرع مُعتز بإنقاذ الموقف قبل أن يُفهم المغذى من حديثه، فكان يضربه على كتفه محاولًا تغيير حقيقة الأمر بكلماته المُتلجلجة : - قـــ..قصده ... الستريكس ... هو كمان بيعمل ستريكس أنهى الحديث بابتسامة بلهاء جعلتهن يُصدقن حديثه لينحني بجذعه صوٌب ميجو كي يهمس بأذنه : - اكتم بوقك بدل ما تفضحنا حمحم ميجو باعتذارٍ ثم اعتدل في جلسته ليبدأ تناول الطعام في أجواء مرحة يتخللها بعض الأحاديث الشيقة والروتينية أحيانًا... بعد انتهاءهم من تناول الطعام، كانت قمر تُساعد كوكي بجلي الصحون وإعداد الشاي بينما كان مُعتز يؤدي صلاة المغرب في رُكنٍ من الأركان، أما عن شمس فكانت تقف أمام النافذة العريضة تُحدق في كائنٍ صغيرٍ يُشبه الفراشة لكن أجنحته خالية من الألوان وجسده طويلٍ بالنسبة لفراشة طبيعية، كانت تتفحص بعينيها هذه الحشرة العجيبة حتى أحسٌت بطيف أحدهم يتحرك وراءها ويجعلها تبتعد القليل من الأمتار عن النافذة ما إن لاحظت ميجو يظهر وراءها يحاول التحديق فيما تُحدق به ويسألها بوٌد : - بتعملي إيه ؟ ابتسمت شمس بطفولية وهي تُجيبه بحماس : - براقب حشرة اليعسوب ... أصلها حشرة نادرة جدًا بتتغذى على الناموس والذبان، وتقريبًا من أقوة الحشرات في العالم ... مش مصدقة إني شوفتها على الحقيقة ... عايزة آخدها معايا وأنا مروٌحة همهم برأسه مُتفهمًا ثم إقترب بجذعه صوٌب النافذة التي استند على حافتها وهو يسأل بفضولٍ سبقه فترة من الصمت : - هو في سؤال كدة محيَرني .... إشمعنا الحشرات ؟ .... إشمعنا بتهتمي بيهم دونًا عن الكائنات التانية التفتت برأسها صوٌب النافذة أثناء تنهيدة عميقة اخترقت شدقيها وأنفاسٍ حارة تخرج من جوفها ليتبعها فترة من الصمت قبل أن تقول : - عشان هما مظلومين .... كل الناس بتكرههم وعايزة تتخلص منهم، مع إن ربنا خلقهم زي ما خلق حاجات كتير التفتت لتستند بظهرها على النافذة وتنقل بصرها لداخل المنزل فيتابعها هو أثناء حديثها الهاديء والمُعبر : - تعرف ... الحشرات فيهم صفات مننا كتير ....يعني الجمال في الفراشات، التعاون في النمل ... وحتى الزن أخدناه من الدبان بدا حديثه هادئًا في رده عليها على الرغم من المكنون الساخر الذي يحمله بين طياته : - شكلِك شوية وهتعملي منظمة حقوق للحشرات خرجت قهقهة خافتة من جوفها وإيماءة من رأسها تعني أنها على استعدادٍ لتنفيذ حدثيه الساخر، مرٌت فترة قصيرة من الصمت قطعتها شمس بسؤالها الفضولي : - هو صحيح إنت بتشتغل إيه ؟.... المرة إللي فاتت سألتك وإنت توٌهت ومجاوٌبتش ... هو إنت بتشتغل عميل سري ؟ أنهت حديثها باستنتاجٍ أحمقٍ وٌد لو كان صحيحًا، فعميلًا سريًا أفضل بكثيرٍ من كوٌنه قارع الطبول في ملهى ليلي، وتاجر ممنوعاتٍ في الصباح، بعد فترة وجيزة من الصمت تحشرج صوٌته وقرر مصارحتها بالحقيقة لعله ينال قلبها لفترة وجيزة كما يفعل مع بقية النساء، فإن لم يُخبرها بحقيقته فبالطبع ستعلم بها وحدها، فهو لا ينسى أن زوجة شقيقه تعلم عن حياته وبالطبع أخبرت أصدقاءها وربما إن لم يُصارحها ستعلم شمس الحقيقة وتبتعد عنه تمامًا، أما إذا ظهر أمامها بمظهر المظلوم الذي ركمته الحياة باختياراتها الظالمة، فربما ستشفق على حاله وتحاول التعرف عليه أكثر. - الصراحة كدة .... أنااا ... بشتغل في .... أبدى تردده بصورة واضحة ليُبرز كم أنه مُتضايقٌ من هذه الحياة التي فُرضت عليه، طال صمته بعد كلماته مما جعلها تسأل بفضول: - بتشتغل فين ؟ أخذ نفسًا عميقًا ثم أطلقه ليعتدل في وقفته ويضحى مقابلًا لها مباشرة وهو يُدلي الحقيقة بقوله : - أنا أمي رقاصة ... والظروف خلتني اشتغل معاها في الكبارية ... والله أنا كان نفسي أبقى حاجة كبيرة ومكنتش عايز الحياة دي بس_ كاد بواصل حديثه ذا النبرة المُستعطفة وكأن الحياة تتلذذ بتعذيبه، لولا هذه الشهقة التي خرجت من جوفها عنوة مع فاهها الذي سقط مترين فغطته بيدها وهي تقول بدهشة : - مامتك رقاصة !!... بقي فاهها مفتوحًا وعوالم الاذبهلال على وجهها مما جعله يُحدق بها بغرابة، أهي مصدومة أم متفاجئة ؟ - إحلف ... إنت مامتك رقاصة بحق وحقيقي ؟ قالتها بعدم تصديقٍ جعل الغرابة تزداد على ملامحه وهو يوميء رأسه مؤكدًا : - أه .. واسمها تيتي كمان شهقة أخرى خرجت من جوفها وهدمت توٌقعاته تمامًا خاصة مع ابتسامتها غير المُصدقة التي تبعت حديثها : - مش مصدقة نفسي ... يعني إنت بتروح night club كدة زي الأفلام ؟ نفى ميجو حديثها بصدق : - لا أنا بروح كبارية ولثاني مرة تهدم توٌقعاته بتعبيراتها الطفولية وحماسها المبالغ به أثناء حديثها : - واو !!... طب مااا... تاخدني معاك ... عشان خاطري، والله مش هعمل حاجة رسم بسمة ساخرة على جوفه وهو يعترض حديثها : - أخدِك إيه بس ... دا مكان كله رقاصين وولاد حرام ألحت عليه مجددًا بلكنة أكثر صبيانية وكأنها تلح عليه للذهاب للسينما : - عشان خاطري ... أنا عايزة أشوف الكبارية زي الأفلام ... وعايزة أشوف مامتك... واصلت الحاحها لتجعله يتأكد بالفعل أنها تتماثل مع الذُباب في صوتها الطنان المُزعج، تلك الالحاحات جعلته يرضخ لطلباتها ويُساير حماقتها بقوله : - طيب .. هاخدِك معايا اتسعت بسمتها أكثر عقب موافقته التي جعلتها تُصفق بحماسٍ وتتشكره ثم تقول : - أنا هروح أقول لقمر ارتعدت أطرافه عقب كلماتها وقرارها الذي سيضعه في كارثة هو في غِنى عنها خاصة بوجود شقيقه الذي يتربص له دائمًا، لهذا السبب أوقفها بكلماته : - لا لأ .. استني بس ... توقفت شمس عن الحِراك لتستمع له : - بلاش تقولي لحد إنك جاية معايا الكبارية ... أصل أكيد أهلِك مش هيوافقو ... خليها سُكيتي أحسن، وأنا أوعدِك هنروح ونيجي بسُرعة كان الخِداع بادٍ على صوٌته لكنها لم تستشعره بسبب سذاجتها التي جعلتها تُصدقه فورًا : - أه عندك حق ... خلاص إحنا نروح بكرة الصُبح، عشان منتأخرش بليل أومأ رأسه بموافقة لترحل هي من أمامه فور أن استمعت إلى صوت قمر تناديها كي تنقل معهما أقداح الشاي، ما إن اختفت عن أنظاره حتى عادت نظراته المخادعة وهو يقول بمزيجٍ من السُخرية والمُكر : - هي طلعت هبلة ولا إيه ؟... بس حلو ... كدة اللعب هيبقى أسهل .... __________________________ كذب من قال أن للشر نهاية، فلطالما الإنسان على قيد الحياة، سيظل العالم يُعاني من ويلات الظُلم وانتهاكات الشرور، فنهاية الشر لن تأتي حتى نهاية العالم...ونهاية البشر. بقعة مُكفهرة تتكالب عليها الرمال والأتربة، تلك الأتربة التي اخترقت أفئدتهم وجعلت قلوبهم تغرق في الوحل الناتج عن تلك الأتربة وعن القليل من قطرات عطفهم التي جفت وتصلبت، يدٌ غليظة تُرتكن على جهاز معدنيٍ بحجم المُرفق يتفرع من خلاله العديد من الأسلاك مع شاشة صغيرة سوداء تدل على إغلاقه. مسدٌت هذه اليد الغليظة على الجهاز ثم ابتعدت ليظهر معها صوتًا جعسوسًا كالذئاب : - الحتة دي أمريكاني ... يعني لو هتتباع قطع غيار، سعرها مش هيقل عن أربعين باكو خرجت تلك الكلمات صوٌب رجلٌ آخر يضع اللفافة داخل فمه وينفث الأدخنة بانسيابية أثناء إنصاته لأوامر زعيمه، فكان حمدي يقف أمامه بتبهنس الطاووس بعد أن سرق هذا الجهاز وخدع هؤلاء الحمقى ونهب جزءًا من أموالهم. - ولا تقلق يا معلم ... شوية والشاري هيكون هنا قطع حديثهما صوت صافرة إنذار أوقدت العديد من الانفعالات داخلهما، قطب حمدي عينيه بترقبٍ وهو يسأل باستفسار : - إيه الصوت ده ؟ تلفت الرجل حوله في تيهٍ لعدم عثوره على إجابة مناسبة، أو لنكن صادقين، كان خائفًا من استنتاجاته التي قد تضحى صحيحة. ربت حمدي على كتفه ليُلقي أوامره الصارمة : - إطلع شوف إيه إللي برة ... ولو حكومة إدي إشارة عشان نلم البضاعة ونكٌت " نرحل " تزايدت الأصوات حولهما مما جعل كلاهما يلتفت وراءه وتتصلب الأعين في مشهدٍ يُقال عليه مشهدًا حاسمًا، نظرات الذئاب اقتحمت تلك البقعة مع العديد من الأسلحة والأصوات المُرتفعة التي أحاطت المخزن وجعلته سجنًا للمجرمين. ارتد جسد حمدي وأخرج سلاحه فورًا ليصوٌبه على تلك الأعين التي حدقت بعينيه مباشرة كما فوهة السلاح التي انتصبت على رأسه وتواجهت مع فوهة سلاح آخر لضابطٍ غاضبٍ يسعى للانتقام وتحقيق العدالة. - بقى دي أصول الضيافة ؟... عايز تسيبنا وإحنا جايين عشان خاطرك ... تبسم ابتسامة متشفية قال بعدها بتهكم : - ولا نقول إيه ؟... ما إللي زيَك ميعرفوش حاجة عن الأصول حرٌك حمدي زناد السلاح وهو يقول بتهديد : - إخرجو من هنا بدل ما تخرجو بكفنكم واجهه لؤي بقهقهة ساخرة ونظراتٍ صارمة قال معها بتحدي : - شكلنا هنديكم الكفن بتاعنا يااا.... حمدي اتكأ على آخر حروفه مُشددًا على لمحة التهديد في كلماته ليبتعد خطوتين استعدادًا للاستحواذ على المكان ونظراته تتابع الجهاز خوفًا من إصابته بخدشٍ نتيجة ما سيحدث عما قريب. ربما مخاوف الإنسان تتحقق أكثر من أحلامه، فما إن إبتعد لؤي هذين الخطوتين حتى شدد حمدي من ضغطه على سلاحه وبنظراته الحانقة المتوٌعدة، أطلق رصاصة صدى صوتها في الأرجاء لتبدأ معركة أخرى لا نعلم كيف ستنتهي .... يُتبع ❤💕 ____________________________ لمحة تاريخية عن القضية كان هناك عداءٌ وقتالٌ بين الدولتين " يهودا واسرائيل "، فكانت دولة اسرائيل كثيرة القلاقل والفتن وتغيرت فيها الأسرة الحاكمة مراتٍ عدة، أما دولة يهودا، فاستقر الحُكم في سِبط يهودا من ذُرية سُليمان بن داوود عليه السلام، وكانت تحدث العديد من الحروب بينهم وبين الكنعانيين " الفلسطينيين " والآراميين والآدميين والموأيين، كما وقع على شعبهم عبادة الأصنام خاصة في دولة اسرائيل. وفي عام 720 ق م وبعد زيادة الفساد والانقسامات، استطاعت المملكة الآشورية أن تتوٌج نصرها على اسرائيل الشمالية وأُسر بنو إسرائيل وتم أخذهم كسبايا في العراق، وبعد الآشوريين، جاءت الإمبراطورية البابلية وسيطروا على كامل المنطقة ودمروا يهودا الجنوبية. جاء الحاكم نبوخذ نصر ودمٌر هيكل سُليمان وحارب اليهود أينما كانوا حتى هاجر اليهود إلى أوروبا وشمال أفريقيا واستمورا على هذا الحال حتى عام 1897 م، عندما تأسست الحركة السياسية الصهيونية التي شجعت يهود العالم إلى الهجرة إلى فلسطين باعتبارها أرض الأجداد وأن لهم أحقية بامتلاكها، وأيضًا لاعتقادهم أن إعادة بناء هيكل سُليمان من الأمور التي كلفهم الله بها. والحقيقة، أن الله قال في قرآنه الكريم " يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدٌسَةَ الٌتيِ كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَاَ تَرْتَدٌُوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنَقَلُبِوُا خَاسِرِينَ "، مما يعني أن الله سبحانه سمح لهم بدخول تلك الأرض المُقدسة شريطة أن يحافظوا عليها ولا يعثوا الفساد بها، لكنهم خالفوا تعليماته وارتدوا وارتبكوا المعصيَات مما أفقدهم الأحقية في الأرض وجعل الله يكتب عليهم الشِتات لألفي عام. خالف اليهود تعليمات الله بعد تأسيس الحركة الصهيونية على يدِ هِرتزل والذي كان مُلحدًا لا يعلم عن الدين قيد أنملة... ( يُتبع ) ________________________ أتمنى تقولولي رأيكم في الفصل ده عشان خد مني وقت كتير، كمان قولولي رأيكم في الرواية بشكلٍ عام وفي الجزء ده بالذات، ومتنسوش تدعو لأهالي فلسطين وتلتزمو بالمقاطعة ومتنسوش تعملو فوت 🙏🥰 و غالبًا كدة الرواية هتنزل الخميس أو الأربع حسب ما أخلص الفصل...
نوران أشرف محمد