بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم إن نستودعك غزة وأرضها وجوها وبحرها ومجاهديها ومٌرابطيها، فاحفظهم بحِفظك يا خير الحافظين " لا تنسوا الدُعاء لأهالي فلسطين 🙏 __________________________ يومًا ما، ستكتشف أن من حوٌلك هُم مجموعة من المجاذيب والأوغاد... انتهى مصيرهما داخل حُجرة عريضة داخلها أكثر من عشرة أسرة يحتوي كل منهم على سيدة يتراوح عُمرها ما بين الثانية والعشرون حتى الأربعون، جميعهن يرتدين ثيابًا بيضاء وعلى وجوههن ابتسامات طفولية ومنهن من تجلس في شرودٍ على فراشها تُحدق في الخِواء، تتلفت داليا حولها في تيهٍ لا تعلم ماذا تفعل، تتحسٌر على حالتها وحياتها التي وضعتها في مكانٍ كهذا، أحقًا سينتهي بها المطاف وهي مُحتجزة داخل مشفى للأمراض العقلية !! بقيت تسٌب ذاتها وتسبٌ هاتفها الذي منعها من الاتصال بأصدقائها وأوقعهما في مأزقٍ كهذا، بل بدأت تسب حتى هذه اللحظة التي قررت فيها أن تأتي مع إسلام إلى هنا، هي حتى لا تعلم أين تلك المُتنقلة وإذا كانت مُتنقلة من الأساس كما يقول إسلام أم لا. لم تكد تغوص أكثر داخل بحر أفكارها حتى باغتتها فتاةٌ تبدو بالثلاثين من عُمرها، كانت تربط خُصلات شعرها جديلتين وتضع يدها برقة على فخذ داليا حتى تسألها بصوتٍ بدى طفوليًا للغاية : - إنتِ قاعدة كدة ليه ؟... تعالي العبي معايا قطبت داليا حاجبيها في حيرة من تصرفاتها لكنها سُرعان ما قررت مسايرتها لعل هذه الفتاة لديها خللٌ ما بعقلها كما هو المُعتاد في مكانٍ كهذا، حاولت داليا تقليد نبرتها الطفولية وهي تقول : - ألعب إيه ؟ اتسعت بسمة السيدة بطفولية وهي تهتف بحماس : - نلعب صلح ... أنا هلف ضهري وانتِ ابدأي أغلقت داليا عينيها محاولة الحفاظ على هدوءها ومراعاة عقلية تلك السيدة التي تبدو بعُمرٍ أكبر منها، وضعت يدها برفقٍ على كتِف السيدة متفوٌهة : - طب بوصي ... ممكن نلعب مرة تانية عشان أنا مصدعة وعايزة أنام قطبت السيدة حاجبيها بتذمرٍ بدا واضحًا للغاية وهي تربط ذراعيها وتلوي شفتيها ثم تقول : - لأ ... سرسورة عايزة تلعب دلوقتي تنهدت داليا بنفاد صبرٍ حتى لا تغضب على هذه الصغيرة والكبيرة بالوقت ذاته، حاولت المحافظة على هدوءها وهي تلح عليها للمرة الثانية وكأنها أمٌ تُحادث طفلتها : - معلش يا سرسورة ... ممكن تسيبيني دلوقتي وشوية كدة وهبقى العب معاكي لم تُبدِ السيدة ردة فعلٍ وبدا وكأن ملامحها تتحوٌل مئة وثمانون درجة، ففي أقل من ثانية ظهرت عوالم الحنق على وجهها الذي كان طفوليًا، لكنه الآن يتحوٌل إلي ملامح سيدة تتعارك في إحدى الحارات الشعبية، فكانت تلوٌح بيدها وتلوي شفتيها مع شهقة سبقت حديثها وهي تقول : - سرسورة مين يا ام سرسورة ... وبعدين مالِك يا ختي معووجة علينا كدة ليه ؟ لتكونيش فاكرة نفسِك جاية جاردن سيتي ... احتقن وجه داليا وارتد جسدها للوراء خوفًا من تلك السيدة التي كادت تنقض عليها، بسطت داليا ذراعيها في محاولة عارمة لتهدئة غضبها وهي تعتذر : - أنا أسفة ... أنا أسفة والله ولثاني مرة تجد ملامح السيدة تتغير لتنبت على وجهها ابتسامة مُدللة تبعتها بضحكة رقيعة ثم يدها التي جذبت إحدى جديلتيها وبدأت تتلاعب بأطرافها وهي تقول بميوعة لاذعة : - متخافيش يا عينيا ... أنا مش أأذي حد خالص خالص ... حركت شفتيها وكأنها تلوٌك علكة وهمية، اقتربت بجسدها نحو داليا التي ارتدت للوراء وعلى ملامحها عوالم الرُعب من تصرفات تلك السيدة ومزاجها المُتقلب، حيث وجدت يد هذه السيدة تمتد لتُملس على خُصلات داليا وتواصل حديثها المائع : - بيكي مش تضايق حد ... بيكي تفرفش، وتدلع، وتهشتِك .... وبس تبعت حديثها بقهقهة رقيعة مُرتفعة جعلت داليا تزداد انقباضًا وتدفع يد هذه السيدة الوقحة وهي تستغفر ربها وتهتف بحدة : - ابعدي عني يا ست إنتِ هروٌلت داليا بعيدًا عن هذا الفراش وبعيدًا عن تلك السيدة لتجلس على فِراشٍ آخر يستوطنه فتاة أخرى تبدو بمُقتبل العشرين أو مُنتصفه، كانت هذه الفتاة تجلس بهدوءٍ على فراشها وتُسلط عينيها للأمام وكأنها لا تكترث لما يحدث حولها، جلست داليا جوارها وهي تضع يدها على صدرها محاولة أن تُهديء من روعها، ودون أن تدري كان جوفها يُغمغم بما يعتمره صدرها : - هي الست دي ملبوسة ولا إيه ؟ ما إن أنهت سؤالها حتى وجدت الفتاة المجاورة لها تقول وكأنها إنسانٍ آلي : - رصيدك خلص بس الكلام لسة مخلصش ... كمل المكالمة لمدة تلات دقايق مع خدمة عالنوتة بستين قِرش ... أو إنهي المكالمة تيت قطبت داليا حاجبيها للمرة الثانية بحيرة لكنها هتفت بعدها بمُعارضة : - رصيد إيه ... أنا لسة شاحنة امبارح ولثاني مرة تجد الفتاة تُجيبها وكأنها إنسانٌ آلي : - دلوقتي تقدر تستمع بعروضنا الشهرية ... لو عايز عرض المتكدرة اضغظ واحد ... لو عايز عرض الملبوسة، إضغط اتنين، أما لو عايز عرض الموكوسة ...إضغط .. تلاتة آشارت داليا بإصبعها وهي تُجيبها ببلاهة وصِدق : - أيوة أيوة ... أنا عايزة عرض الموكوسة ده لم تكد الفتاة تُجيبها حتى وجدت فتاةٌ أخرى تبدو بمُنتصف العشرين من عُمرها، كانت تحمل البشاشة على وجهها وهي تقترب من داليا تمدٌ يدها للمصافحة وانتشالها أيضًا من تلك البقعة، فكان حديثها هادئة طبيعيًا جعل داليا تتعجب لأمرها، فربما هذه أول فتاة تتحدث معها بطبيعية منذ وطأت أقدامها هذا المكان. - هو إنتِ المُستجدة ؟ تنهدت داليا بارتياحٍ وهي تثب عن الفِراش وداخلها يحمد ربه بوجود عاقلٌ واحدٌ في هذا المكان، فكانت توميء برأسها وهي تقول : - أيوة أنا .... هو الست دي مالها ؟ قالتها وهي تُشير على تلك الفتاة التي تتحدث بآلية لتجد الفتاة الأخرى تجذبها من ذراعها وتجُيبها بصدق : - إنتِ قصدِك نور ؟... دي كانت بتشتغل كول سنتر في شركة اتصالات ... ومن كُتر الشغل لسانها علق على الكام جُملة دول... أصلها كانت شيفت صباحي ومسائي همهمت داليا بتفهمٍ وشفقة أيضًا على حال تلك الفتاة التي فقدت عقلها بسبب وظيفتها، واصلت السير بجوار تلك الفتاة التي أخبرتها فيما بعد أن اسمها علياء، حيث كانت علياء تجذبها نحو فراشها وتقول بلهفة : - تعالي تعالي أما اعرفِك على فيروز تبعتها داليا بتيهٍ وداخلها بعض الشك حيال تلك العلياء، لكنها لم تتبين حتى الآن حقيقتها، فربما الحقيقة مُتدثرة أسفل قناعٍ من التعقل. جلست داليا على فراشٍ أبيضٍ لا يختلف عن بقية الأسرة، وكانت علياء أمامها ترسم ابتسامة واسعة على شفتيها زادت من الغرابة على وجه داليا. - أهي فيروز قالتها علياء بلهفة جعلت داليا تتلفت حول نفسها حتى تعلم أين هي تلك الفيروز. - هي فين دي ؟ سألتها داليا وهي تتلفت حول نفسها فآجابت علياء وهي تُشير بيدها على بُقعة خاوية وتقول : - أهي فيروز أهي ... ثم التفت برأسها نحو هذه البُقعة الخالية وبدأت تتحدث بصوتٍ خافتٍ أقرب للهمس ولكن داليا استطاعت سماعه بوضوح : - معلش يا فيروز ... أصل أول يوم ليها انهاردة ... راقبت داليا حديث علياء مع تلك البُقعة الفارغة مما جعلها تكاد تفقد صوابها وهي تهتف بخيبة أمل : - أنا شكلي هتجنن بجد ولا إيه ؟... __________________________ وطأت أقدامه ذات الحجرة التي تقبع بها زوجته، لكن حُجرته لا تختلف في شيء سوى أنها تحتوي على الرجال، فلا يجوز للرجال والنساء أن يختلطا بنفس الحُجرة خاصة وهم يُعانون من خللٍ عقلي، علِم إسلام للوهلة الأولى ما سيُقابله نظرًا لعمله لفترة داخل إحدى المصحات النفسية، فهو يعلم تمامًا طبيعة المرضى وحالاتهم التي قد تكون غريبة، لهذا السبب قرر أن يرتكن على فراشه ويلتزم الصمت حتى يعثر على طريقة تُنجده من هذا المكان. جلس على فراشه وأرخى ظهره للوراء، أغلق عينيه حتى يغرق داخل أفكاره ويُحافظ على هدوءه حتى يعثر على طريقة للخروج أو ربما الهرب، والأهم من هذا كُله، أنه آراد الذهاب إلى تلك المدعوة بسُمية لأن هذا ما أتى من أجله مُنذ البداية. يبدو أن الحياة لن تمنحه ما يُريده للمرة التي لا يعلم عددها، فما إن أغلق عينيه حتى انتفض جسده مرة واحدة إثر هذا الرجل الذي انقض عليه وبدأ يُحركه في فزع؛ اعتدل إسلام في جلسته ليرمق ذاك الرجل الذي استحال لون وجهه إلى الأصفر من شدة هلعه. - ققـ..قوم بسرعة ... ففــ..في حد في الحمام ... تتـ...تعا..تعالى بسُرعة ساعدني بقي الرجل مُتشبثًا بذراع إسلام الذي علِم للوهلة الأولى أنه لن يستطيع البقاء بهدوء في مكانٍ لا يحتوي سوى على المجاذيب، وبعد العديد من الإلحاحات التي أطلقها هذا الرجل، قرر إسلام أن يترك موٌضعه على أمل أن يُساعد ذاك الرجل كونه طبيبًا يُساعد المرضى، وكوٌنه إلى حدٍ ما، العاقل الوحيد في تلك الحُجرة. جذب الرجل ذراع إسلام حتى توقفا أمام المرحاض، وقف الرجل أمام الباب ليُشير إلى الداخل ويقول بنبرة مُرتجفة : - أنا شوفته ..ششـ...شوفته جوة ... بالله عليك خلصني منه أنا مش عارف ادخل الحمام رمقه إسلام بحيرة ثم ربت على كتفه واعدًا إياه بتخليصه من هذا الذي يُرهبه، اخترق بجسده المِرحاض ليجده مرحاضًا عاديًا متوٌسط الحجم لا يوجد به أي شيءٍ يُصيب بالذعر، أو ربما هذا الرجل يخشى المراحيض. هذا ما استنتجه إسلام في البداية وجعله يمد ذراعه صوٌب الرجل محاولًا تشجيعه بقوله : - تعالى متخافش ... أنا جوة أهو ومحصلش حاجة ... تعالى بس... بقي يلح عليه إسلام بنبرة حنونة دفعت الرجل للتحرك بخطواتٍ هادئة داخل المرحاض وجسده لا يزال يرتجف وكأنه داخل برادٍ شديد البرودة، دلف المرحاض بهدوءٍ وبقي يتحرك بأنفاسٍ مُضطربة حتى توقف بمُنتصف المرحاض، ظنٌ إسلام أنه نجح بعلاجه وشعر بالفخر لوهلة كونه يستطيع تأدية ما يؤديه الأطباء النفسيون، فكان يهتف بفخرٍ ونبرة تحمل بعض التشجيع : - شوفت ... مفيش حاجة أهو اطمأن الرجل له لوهلة فرفع رأسه لأعلى في محاولة جاهدة منه للتهدئة من روعه، لكن فجأة... انتفض جسده مُجددًا وأطلق صرخة مدوية ما ان آدار وجهه جهة المرآة وتلاقت عيناه مع انعكاس صورته، قفز جسده في ذعرٍ ثم هروٌل بسُرعة خارج المرحاض وهو لا يزال يصرخ بهلعٍ وكأنه شهد عفريتًا، لاحظ إسلام ما أصابه من ذعرٍ، فوٌجه نظراته نحو المرآة ليجد قطعة من القماش أسفلها يبدو أن أحدهم قام بانتزاعها، أمسك قطعة القماش وغطى بها المرآة ثم ترك المرحاض على أمل أن يعثر على هذا الرجل مجددًا ويحاول مساعدته لمرة ثانية. ترك المرحاض ليبحث بعينيه عن ذاك الرجل الذي يبدو وكأنه اختفى بين بقية المرضى، وجد إسلام رجلٌ آخرٌ يجلس على طرف الفراش وعيناه مصوٌبتان للأمام بشرود، ظنٌ إسلام لوهلة أن هذا الرجل ربما يُساعده في البحث عن ذاك الذي يرتعد من المرآة؛ جلس بجواره على الفراش ليضع يده على كتف الرجل متسآلًا : - بقولِك إيه يا أخينا ... متعرفش الراجل إللي جري برة الحمام ده راح فين ؟ دون أن ينتبه له الرجل، كان يُجيب وهو يرمق الخواء بنبرة صوتٍ أشبه بمُذيعٍ يُعلق على فيلمٍ وثائقيٍ : - في ظل درجات الحرارة هذه ... يبحث هؤلاء المتمرسون عن مخابيء ليتواروا فيها وينتظروا مرور العاصفة... بقي يُقلد صوٌت العصافير والرياح حتى ربت إسلام على كتفه مرة أخرى وهو يسأل : - يا أستاذ أنا بقولك على_ وقبل أن يواصل حديثه وجد الرجل يقطعه بنبرة إخبارية : - أوضح المركز الإعلامي- في بيان اليوم - أنه توٌصل مع وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، مؤكدة أنه لا صحة لتغيير نظام امتحانات الثانوية العامة خلال العام الدراسي.... واصل ادلاء الأخبار مُقلدًا طريقة المُذيع وجواره إسلام يُراقبه بغرابة ويُقرر لمسه مُجددًا لعل شكوكه التي تساوره تتأكد، وبالفعل ما إن لمسه للمرة الثالثة حتى وجد نبرة الرجل تتبدل إلى نبرة تحمل الهيبة وربما المبالغة أيضًا، فهو الآن أصبح يتحدث كما يتحدث أحد الممثلين المشهورين بصوتٍ جهوري : - سيرة إيه يا فاطمة ؟... ثم بدٌل صوٌته إلى صوت سيدة وهو يقول : - إنت جيت ؟ عاد مُجددًا إلى الصوت الجهوري وهو يُجيب نفسه : - إيه .. مالكم ؟ بتزعقوا كدة ليه ؟ عاد مرة أخرى إلى صوت تلك الفتاة وبدأ يلوٌح بيده وهو يقول : - يا أخويا لا ينزعق ولا حاجة ربنا ما يجيب زعيق ولا حاجة ولآخر مرة عاد إلى صوٌت الرجل الجهوري وهو يهتف بغضب : - إيه يا عبد الوهاب ... بتزعق لأمك ليه يا بني... قبل أن يواصل المشهد وضع إسلام يده على ذراعه وكأنه يلهو بأحد الألعاب، فما إن وضع يده حتى تبدلت نبرة الرجل للمرة التي لا يعلم عددها وأصبح الآن يُغني بصوتٍ جهوري : - أنا إللي كان شاغلني .. وأنا إللي كان قاهرني... اديتهم كل حـــاجة ... هما استغنو عني ... هما استغنو عني ... واصل الغناء بصوته الجهوري المبالغ به حتى ترك إسلام فراشه وعوالم الغرابة لا تزال على وجهه، كان على الفِراش المجاور رجلًا يبدو بالثلاثين من عُمره، يحمل معه كتابًا مفتوحًا على إحدى الصفحات، كان يرتدي عويناته ويرتخي بجسده للوراء واضعًا القدم فوق الأخرى، لاحظ الرجل حيرة إسلام فأخبره عن حالة هذا الرجل العجيبة : - متلمسهوش تاني ... أصله فاكر نفسه تلفزيون .. فلما تلمسه هيغير المحطة لاحظ إسلام كلماته التي تدل على القليل من الغموض على التعقل، لهذا السبب قرر أن يبقى جواره حتى لا يُصاب بالجنون ولا يستطيع الخروج من هنا أبدًا، لكنه قبل أن يتحرك خطوة واحدة قُرب هذا الرجل الغامض حتى انقض عليه رجلٌ ثالثٌ لا يدري من أين أتى، فكانت نظرات هذا الرجل لا توحي بالخير أبدًا، كان يضع يده على كتِف إسلام بنعومة أدرك إسلام مغزاها جيدًا مما جعل الرهبة تتقاذف إلى عينيه خاصة مع حديث الرجل الهائم : - مها ... حبيبتي يا مها ... أخيرًا جيتي بقي الرجل يقترب نحوه بابتسامة هائمة جعلت إسلام يرتد للوراء، فعن أي مها يتحدث هذا الغريب ؟ - إبعد عني يا جدع إنت أنا مش_ قطعه الرجل الغامض بسرعة وهو يثب عن الفراش ويضع يده على فم إسلام متفوٌهًا بتحذير : - ششش.. أوعى تقوله إنك مش مها ... لاحسن آخر مرة انهار ومعرفناش نفوقه أنزل يده من جوٌف إسلام كي يُفسر له بصوتٍ هامسٍ : - أصل خطيبته إللي اسمها مها دي ... خانته مع واحد صاحبه، وهو من ساعتها مُخه اتلحس، وبقى أي حد مُستجد يفتكر إنه مها وإنها جات عشان تصالحه جال الصمت على وجه إسلام وهو يتفهم حديثه دون اعتراضٍ، فيبدو أن ذاك الرجل بحاجة جامة للمساعدة ويجب أن يُسايره حتى لا ينهار ويقع هو في كارثة، بينما كان الرجل يضع يده على كتف إسلام ويُمسد عليه مع كلماته الهائمة : - حبيبتي يا مها ... أنا كُنت عارف إنِك هتيجي ومش هتسيبيني حاول إسلام حجب اشمئزازه وهو يُغمغم : - دا انت ملزق أكتر من الواد مُعتز لم يكترث الرجل لغمغمته وأخرج من جعبته طوٌق للشعر يحمل شكل تاجٍ فضي اللون، رفع هذا الطوٌق أمام إسلام ليُعطيه له متفوٌهًا : - بوصي يا حبيبتي جبتلِك إيه ... عشان تبقي أميرة في الحقيقة وقُدام الناس ... زي ما إنتِ أميرة بالنسبالي قرٌب هذا الطوٌق نحو رأس إسلام الذي ارتد للوراء حتى التصق جسده بالحائط وهو يهتف باعتراض : - لا بقولك إيه ؟... ابعد البتاع ده عني_ لاحت عوالم الضيق على وجه الرجل وكانت بوادر الانهيار على وجهه حتى تدخل الرجل الغامض وهو يقترب نحو إسلام مُحذرًا إياه : - وافق الله يخليك .... ده ممكن يروح فيها لو انهار تاني تنهد إسلام بنفاد صبرٍ حتى قرر أن يُجاري هذا الرجل عنوة حتى لا يؤذي نفسه بسببه؛ رسم البسمة الهائمة المُزيفة على وجهه وهو يقول : - ميرسي أوي يا حبيبي ... دي .. دي حلوة أوي كان الرجل قد وضع الطوٌق أعلى رأسه ليجعل صورته أشبه للفتيات، أو أشبه للحمقى، فهذا التاج النسائي أكد على كوٌنه مجنونًا بالفعل، كاد يواصل الرجل الحديث لولا إسلام الذي قطعه متوٌسلًا ومُقلدًا صوٌت المرأة الذي لم يتماشى معه بتاتًا : - معلش بقى يا .. يا حبيبي .. لازم أمشي بقى وهنبقى نتكلم بعدين... بصق تلك الكلمات ثم هرع من أمامه صوٌب الرجل الغامض الذي جلس على أحد الأرائك، كان لا يزال التاج على شعره لكنه نزعه فور أن جلس بجوار الرجل الغامض الذي يحمل معه كتابه ويقرأ منه بنهم، فكانت هيئته لا توٌحي بأنه مجذوب، بل ربما توحي بعبقريته أيضًا. - الحمد لله خلصت منه .... هو إنتو إزاي يعني متعوٌدين على الجو ده ... دا أنا بقالي أقل من ساعة وحاسس إن عقلي هيشت ابتسم الرجل الغامض ابتسامة متشفية قال بعدها بطريقة علمية : - الكاتب وليام شكسبير قال : التدقيق في أتفه التصرفات قد يهوي بك إلى الجنون، لذا تغافل مرة، وتغابى مرتان ازدادت حيرة إسلام حول هذا الرجل لكنه لا يعلم لمَ يناهزه إحساسًا بأن هذا الرجل يخفي أمرًا ما وعليه أن يعرفه الآن، فربما هو من اولئك الذين يدٌعون الجنون حتى يتهربوا من أحد الجرائم. - إلا صحيح يعني، اسم الكريم إيه ؟... أصلي شايفك يعني ماسك كتاب ومُثقف ومش وش مستشفيات أمراض عقلية خالص قهقه الرجل بتشفي قبل أن يغلق الكتاب ويضعه جانبًا ثم يقترب بجذعه صوٌب إسلام مستطردًا : - أنا هقولك اسمي بس بشرط ... أوعي تقول لحد رفع إصبعه مع آخر كلماته لتزداد الحيرة على وجه إسلام، لكنه يتحلٌى بالصمت أمام ذاك الرجل الذي اقترب بجذعه صوٌب أذن إسلام متلفتًا برأسه يمينًا ويسارًا قبل أن يردف بصوتٍ خافتٍ : - اسمي رأفت لم ينصت إسلام لحديثه الخافت فسأله مُجددًا : - إيه ؟ تلفت الرجل مجددًا حوله مما زاد إسلام غاربة. - رأ..فت ... اسمي رأفت تعجب إسلام من صوٌته الخافت الذي تبع اسمه، وكأن اسمه هو سرٌ من الأسرار الحربية، وهذا ما دفع فضوله لسؤال : - إنت موٌطي صوتك ليه ؟ أحنى الرجل جذعه مجددًا وعاود التلفت حوٌله ثم آجاب بصوتٍ هامس : - عشان محدش فيهم يسمعنا قطب إسلام حاجبيه في غرابة وهو يسأل : - هو مين دول إللي يسمعونا ؟ آجابه رأفت بنفس ذاك الصوت الهامس : - الفضائيـيـــن ... زادت حيرة إسلام وهو يسأل : - فضائيين مين ؟ آجابه رأفت مُجددًا بصوته الهامس ونظراته المُتلفتة حوله وكأن هناك من يُراقبه ويترصد له : - الفضائيين إللي عايزين ييجو الأرض ..... و ... ويدمرو العالم ... تبع حديثه بقهقهة شيطانية جعلت إسلام يضرب كفًا بالآخر وهو يُغمغم بخيبة أمل : - يا حول الله يا رب ... أنا قولت بردك فين الخازوق وجه نظره بعيدًا عن رأفت وهو يواصل غمغمته اليآسة : - هي شكلها ليلة مش معدية .... ________________________________ مرٌت أكثر من ساعة عليهم وهُم داخل المنزل يُفكرون بتلك المُعضلة بعد أن أتى ميجو ومُعتز وأضحى الجميع يتوٌسط البهو يحاول اعتصار عقله لعله يستطيع انقاذهما، كان الأكثر ضجرًا هو لؤي، حيث كان يتجوٌل بمُنتصف البهو ذهابًا وإيابًا بعقلٍ يكاد ينفجر، فما الذي أوقعهما بمكانٍ كهذا ؟ هذا ما يُحاول فهمه كما يفعل البقية. - إحنا لازم نروح نجيبهم ... أكيد مش هنسيبهم محجوزين في مُستشفى المجانين !! قالتها قمر باندفاعٍ وكأنها على أهبة الاستعداد لتخليص رفيقة دربها وزوجها وإعادتهما سالمين، أوقف لؤي اندفاعها بكلماتٍ زادت من إحباطها : - هنطلعهم إزاي ؟... بعدين هو إيه إللي وداهم هناك أصلًا ؟ كان صوته مُفعمًا بالغضب والنيران تتقاذف من عينيه بسبب أولئك الغبيان اللذان يتعمدا الغرق في المصائب، وكما يعلم لؤي وجميعهم، تلك المصائب التي يقعون بها لا تنتهي سوى بمصائب أكبر وأكثر دمارًا. - ما لازم نطلعهم من هناك ... إن شاء الله حتى نهربهم قالها مُعتز بحدة رافقت رغبته الصارمة بانقاذ صديقه، تلك الكلمات أنبتت بعض الأفكار داخل ذهن لؤي، مما جعله يتوقف عن السير بُرهة ويتجه بجسده ليثب أمام جابر متفوٌهًا بتقريرٍ وثقة : - أنا عرفت هنخرجهم إزاي ... جابر ... نادى على جابر فاستجاب له لأنه سيكون بداية هذه الخطة وحلقة الوصل بينهم وبين إسلام وداليا، ما إن وجه جابر نظراته المُنتبهة صوٌب لؤي حتى قال لؤي : - ادخل جوة إسلام دلوقتي وخليه ييجي هنا عشان أقوله الخطة .... على الجهة الأخرى، حيث الهرج والمرج يعُمان المكان، فها قد انقلبت الحجرة إلى ملعب كُرة القدم وإسلام يقف في المُنتصف بعد أن تغافل عن عثوره على طريقة للهرب وأضحى الآن يستمتع بوقته ويُمرر الكُرة لأحد المرضى الذي بدوٌره يتحرك بها حتى أحد الأسرة التي انقلبت إلى مرمى، وكان صوت أحد المرضى يصدح في الأرجاء مُقلدًا صوٌت مُعلقٌ رياضيٌ وهو جالس على الفراش كعادته، فهو ذاك المريض الذي يعتقد نفسه تلفازًا. - وهياخد الكٌرة ... ويباصي ... يلا يا رأفت ... يلا .... وجووون ... جون... ينهااار أبيض ينهااار أبيض .... ارتج جسد إسلام مرة واحدة أثناء قفزه مع بقية المرضى واستعداده لمواصلة اللعب مجددًا، وجد نفسه فجأة يترك هذه الحُجرة لينتقل إلى منزل لؤي وحوٌله العديد من النظرات التي تُحدق به في إمعان، ما إن انتقل إسلام إلى هذا الجسد حتى أخذ يهتف بتذمرٍ ويضرب فخذه : - يخسارة ... كنت خلاص هجيب جون كان صوٌته خافتًا وحمدًا لله أن لا أحد سمِعه وإلا ظنوا أنه لم يكن بمشفى الأمراض العقلية وإنما كان بساحة رياضية، أو أنه فقد عقله بالفعل. - هو إنت إسلام ؟ قطع شروده هذا السؤال الذي انبثق من ميجو الذي حتى هذه اللحظة يشعر بالذهول حينما ينتقل أحدهم إلى جسد الآخر، انتبه إسلام إلى نظراتهم واسئلتهم فأومأ رأسه إيجابًا ولاتزال بوادر الضيق على وجهه. - أيوة أنا ... لسة فاكرين إنـ... قطع جُملته ما إن لمح مُعتز يجلس جواره مباشرة بعد أن آفاق من غيبوبته، فما إن رآه حتى اتسعت بسمته وعانقه عناقًا أخويًا ليطمئن عن حاله ويُعرب عن مدى سعادته برؤيته سليمًا مُعافى : - زيــزو !!... عامل إيه ؟.... كدة يا عم تغيب عننا كل ده ؟ كان حديثه مُعاتبًا بعض الشيء فآجابه مُعتزٍ بوٌدٍ حتى كاد الحوار ينشب بينهما لولا كلمات لؤي التي قطعتهما : - مش وقته إنت وهو .... عايزين نعرف دلوقتي إنت وداليا بتعملو إيه في المُستشفى دي ؟ اعتدل إسلام في جلسته وهو يجُيب : - كنا رايحين نجيب واحدة من المُتنقلين ... أصلي عرفت بالصدفة إنها محجوزة في المُستشفى تدخلت يُسرى بالحديث كي تسخر منه : - يعني إنتو كُنتو عايزين تطلعو واحدة من مُستشفى المجانين روحتو اتحجزتو معاها نهرها إسلام ببعض الاندفاع وكأنه يُبرر لنفسه أمام القاضي : - أولًا اسمها مُستشفى الأمراض العقلية .... ثانيًا، كل ده بسبب إللي اسمه جابر ... هو إللي دخل فينا في وقت غلط وخلاهم يفتكرونا مجانين قطع لؤي هذا الجِدال مُجددًا ليردف بصورة آمرة وقاطعة : - خلينا في المهم ... أنا عارف طريقة اخرجكم بيها من هناك... بس لازم تركز معايا عشان أي غلطة هتوٌدينا كلنا في داهية .... _________________________ أشرفت الساعة على الحادية عشر مساءً وفي هذا اليوم الشاق المليء بالأحداث والكوارث، كانت داليا تجلس على فراشها مُستلقية على ظهرها على أحد الجانبين، وكعادتها تتحسر على حالها كما تفعل كلما تواجهها مُشكلة، أي دائمًا. - يعني على آخر الزمن هبقى مجنونة ... على آخر الزمن هعيش بقية حياتي في المُستشفى دي .... منك لله يا إسلام، هفضل أدعي عليك ليوم الدين_ - هتدعي على مين ؟ قطعها هذا الصوت المماثل لصوت إسلام، بل هو صوٌت إسلام بالفعل بعد أن شرع بتنفيذ الخُطة وانتقل بروحه في طرُقات المشفى بحثًا عن الحُجرة التي أُحتجزت زوجته بداخلها، وبسبب ذكاءه الفطري استطاع بنجاحٍ أن يعثر على الحُجرة ويعثر أيضًا عن تلك الحُجرة التي أُحتجزت بداخلها تلك المُتنقلة. اعتدلت داليا على فراشها تتلعثم قليلًا لتحجب ما كانت تقوله بغُلافٍ من الحيرة والدهشة من مجيئه : - إنت إيه إللي جابك ؟... وإزاي عرفت مكاني ؟ ابتسم إسلام بثقة وهو يُجيبها بفخر : - عيب عليكي .. فكراني أي حد ولا إيه ؟ قطع حديثهما مجيء تلك الفتاة المدعوة بعلياء والتي لاحظتها من بعيدٍ وهي تتحدث مع الخِواء، دفعها فضولها للجلوس بجوار داليا على فراشها حتى تسألها : - بتكلمي مين ؟ ترددت داليا قليلًا قبل أن تُقرر مصارحتها وكان هذا القرار اسوأ قرارٍ تتخذه، فلطالما حذٌرتها والدتها من الكذِب حتى باتت تقول الحقيقة دائمًا دون التفكير في العواقب : - لا مفيش حاجة ... ده واحد أعرفه، اسمه إسلام ما إن أدلت تلك الجُملة حتى شهقت علياء بدهشة ليسقط فكها أمتارًا لأسفل ويدها تُغطيه لفترة قبل أن تردف بحماس : - إنتِ كمان عندِك صُحاب زي فيروز !!... سُرعان ما تشبث ذراعها بذراع داليا وبدأت تلح عليها بطفولية : - طب ممُكن تخليه يتعرف على فيروز ... بقيت تلح على داليا بطفولية حتى تنهدت داليا بنفاد صبرٍ لتوٌجه نظرها نحو إسلام وتُخبرها : - ماشي ... إسلام ... دي فيروز صاحبة علياء قطب إسلام حاجبيه بحيرة وهو يرى زوجته تُشير إلى الفراغ وتطلب منه أن يتعرف على فتاة ليست موجودة، فكان يسألها بحيرة : - فيروز مين ؟ غمزت داليا بعينها اليُسرى وهي تعض على شفتها السُفلية بمعنى ألا يكترث لحديثها، زادت بسمة علياء وهي تتلفت برأسها يسارًا ثم تُقهقه قهقهاتٍ خافتة وكأنها تُحادث زميلتها وتُخبرها أحد أسرارها الحرجة : - بس بقى يا فيروز عيب كدة ... إنتِ لسة عرفاه انحنت بجذعها قُرب داليا كي تهمس بأذنها ببعض الحرج : - فيروز مُعجبة بإسلام ... لا تعلم داليا سبب اندفاعها في تلك اللحظة، لكنها وجدت لسانه يتنحٌى عن هدوئه وينفجر بوجه علياء : - مُعجبة بمين ... إسلام ده جوزي بينما كان إسلام يُتابع حديثهما ويُقهقه بتبهنس وذهولٍ أيضًا. شهقت علياء بذهولٍ عقب كلمات داليا للمرة الثانية، ثم أخبرتها ببعض الشماتة : - هو إنتو عرفتو تتجوزو ... طب اشمعنا أنا ربطت ذراعيها بتذمرٍ فقطبت داليا حاجبيها وهي تسألها بشكٍ وحماقة : - هو إنتِ وفيروز كُنتو عايزين تتجوزو !!؟ نفت علياء حديثها الأحمق بسُرعة حتى لا تفهمها بشكلٍ خاطيءٍ على الرغم من أن فيروز لا وجود لها من الأساس : - لأ طبعًا ... أنا كُنت بتكلم عن فوزي تغافلت داليا عن وجود إسلام وانجرفت بحديثها مع تلك الفتاة حتى سألتها بفضول : - فوزي مين ؟ اقتربت علياء من أذن داليا وهي تقول بصوتٍ مُنخفض : - أخو فيروز ... أصل إحنا كُنا بنحب بعض .... وكلهم مكنوش عايزنا نتجوز أدركت داليا في تلك اللحظة أنها لن تنتهي من تلك الفتاة وأصدقاءها الخياليين، لذلك قررت إنهاء الحديث حتى تستمع إلى إسلام وما يُريد قوٌله؛ وضعت يدها على كتِف علياء وبدأت تُحادثها بنفس طريقتها لعلها تقنعها بالرحيل : - طب ممُكن تسبيني مع إسلام شوية ... أصل إحنا عايزين نتكلم في موضوع حساس ... وأنا أوعدِك إن بعدها هقولِك إنتِ وفيروز تيجو تقعدو معانا اتسعت بسمة فيروز وهي توميء برأسها بطفولية ثم تبتعد عن فراشها على أمل أن تعود مُجددًا، لهذا السبب قررت داليا انهاء الحوار مع إسلام بسُرعة. وجدت إسلام لا يزال يتذكر عراكها مع تلك الفتاة ويسترخي بظهره للوراء ليستند على باطن كفه متفوٌهًا بتبهنس : - بتغيري !! ... يااه، عيشت وشوفتِك بتغيري عليا لاح الغضب على وجه داليا وهي تنتشل ورقة من دفترها الذي أعطته إياه الطبيبة، جعدت الورقة وألقتها على طيف إسلام لتخترقه لكنه بصورة لا إرادية وجد جسده يرتد بعيدًا، فغريزة البقاء تجعله يتفادى الضربات حتى وإن لم يكن سيشعر بها. - يعني يوم ما هغير عليك هغير من واحدة مش موجودة !! اعتدل إسلام بجلسته وهو يقول مُحذرًا : - طب اسكتي احسن تسمعِك تنهدت داليا لتستجمع هدوئها ثم تُعدل من وضعية جلوسها حتى تسأله باهتمامٍ ورغبة عارمة بالرحيل من هنا : - إنت جاي ليه ؟... عرفت هنطلع من هنا إزاي ؟ أومأ إسلام رأسه إيجابًا وهو يقول : - كُنت جايلِك عشان كدة ... لازم تخرجي من جِسمِك دلوقتي عشان نروح لسُمية نتكلم معاها ونتأكد إنها مننا ... عشان لو كدة نهرب كلنا سوا همهمت داليا بتفهمٍ ثم سألته لتتأكد : - يعني إنت عايزني أخرج من جسمي ؟ أومأ إسلام إيجابًا وتأكيدًا فوجدها تُخرج ورقة من دفترها وتكتب بها بعض الكلمات ثم تضعها بجوارها على الفِراش استعدادًا لتنفيذ ما آمرها به إسلام. قطب إسلام حاجبيه بحيرة وهو يُقرأ ما دوٌنته في تلك الورقة بصوتٍ مسموعٍ لم تسمعه سوى داليا : - أنا مش ميتة .. دا روحي هي إللي خرجت رفع رأسه ليواجه داليا وبداخله يلعن هذه الحماقة : - إنتِ عبيطة يا داليا ؟... ما روحي خرجت هي هي ميتة فكٌرت داليا في حديثه لبُرهة لتكتشف أنه على صواب، هذا ما جعلها تنتشل الورقة مُجددًا وتدوٌن كلمة أخرى وهي تقول : - تصدق عندك حق ... وضعت الورقة مُجددًا على الفِراش ليلتقطها إسلام بعينيه ويسخر منها بصوتٍ مسموعٍ بالنسبة لها فقط : - أنا مش ميتة ... دا روحي هي إللي خرجت في مشوار !! ضرٌب كفٌ على الآخر وهو يواصل حديثه بحسرة : - يا حول الله يارب ... البت مخها اتلحس من كام ساعة هنا نهرته داليا وهي تُدافع عن نفسها وتُبرر موقفها : - الله ... مش إنت إللي قولتلي إن ميتة يعني روحي خرجت ؟ - تقومي إنتِ حطيتي خرجت مشوار ... على أساس إنها كدة هتفرق يعني ؟ كان يُحادثها بسُخرية منها لكنه يجدها توميء برأسها ببلاهة وتُبرر مجددًا مُتذكرة ما حدث بالماضي : - ما لازم يعرفو إن أنا مش ميتة احسن يدفنوني زي ما حصل قبل كدة وضع إسلام كفه على يدها كمحاولة لطمأنتها بحديثه : - يا داليا يا حبيبتي ... مفيش حد أساسًا هياخد باله، هي كلها كام دقيقة هنروح نشوف فيهم سُمية وهترجعي لجسمِك تاني عشان ننفذ الخطة الأساسية تنهدت داليا بخيبة أملٍ وبعض التردد فيما هُما مُقبلان عليه، فآخر مرة، أخبرها أنهما سيقضيان بضع ساعاتٍ في هذه المشفى وها هُما الآن أصبحا مُحتجزان لمُدة غير معلومة، والآن يُخبرها أن تترك جسدها لبضع دقائق لا تعلم ما الذي سيحدث فيهم، فدائمًا ما تترك جسدها وهي وحدها بالمنزل حتى لا يعتقد أحدهم أنها فقدت روٌحها ويقومون بدفنها كما حدث بالماضي، ومع ذلك قررت أن تستجيب لحديثه على أمل أن ترى تلك المُتنقلة وتعلم من وضعها بمكانٍ كهذا.... ____________________________ أطيافٌ تتحرك في طيات رُدهة المشفى كسرب الطيور الذي يُحلق دون أن يُعيره أحد أي انتباه، أطياف تتحرك بهمسٍ لا تُرى ولا تُسمع ولا تُشكل فارقًا في مساحة هذه الرُدهة الضيقة، فالأجساد المادية تخترقها كما لو كانت غير موجودة. تحركت هذه الأطياف الخاصة بروح إسلام وروح داليا، اللتان تركتا جسديهما بحثًا عن ضلعهم المُختفي والذي سُيساعدهما على تنفيذ حُلمهما، آشار إسلام بآصابعه على أحد الحُجرات المعزولة ثم يُشير على داليا حتى تتبعه، قبل أن تخترق أجسادهما هذا الجدار الأبيض، التفت إسلام صوٌب داليا كي يُخبرها بصوتٍ هامسٍ تحسبًا لمقدرة تلك الفتاة على سماعهما : - إحنا هندخل ومش هنفتح بوقنا .... لو هي شافتنا ... يبقى هي واحدة مننا أومأت داليا رأسها ولاظت بالصمت حتى اخترقت أجسادهما هذه الحُجرة بهدوء.... فتاة شاحبة الملامح تجلس على فراشها الوثير بخُصلات شعرٍ بُندقية مموجة تنسدل على كتفيها بعشوائية نمت عن قلة اعتناءها بتلك الخُصلات الطويلة، عيناها السوداء الغائرة أظفرت عن مدى يأسها من تلك الحياة، تلك الجفون الحمراء دليلًا على بُكاءها بالساعات في تلك الحُجرة التي سجنت حُريتها وكبلت أحلامها. تحمل معها دفترًا ورديًا وقلمًا ترسم به دوائر وخطوطٍ لا فائدة منها، ربما تلك الدوائر تُعرب على تيهها وتلك الخطوت المُتعرجة تُعرب عن صعوبة طريقها، فلا أحد يمُر بما مرٌت به ويزال مُتلعقًا بأحبال هذه الحياة. استطاع إسلام وداليا اختراق جُدران تلك الحُجرة ولاتزال هذه الفتاة تخُط على هذا الدفتر وكأنها لا تنتبه لوجودهما، بقي إسلام يتحرك بتأنٍ حتى وثب مباشرة أمام فراشها، ولا تزال هي على وضعيتها وكأنها لا تراهما. - شكلها مش شايفانا ... أنا كُنت حاسة من الأول إنها مش مننا بصقت داليا تلك الكلمات بصوتٍ مسموعٍ أعرب عن خيبة أملها، فاحتجازهما في مكانٍ كهذا ذهب هباءً بلا أية فائدة. توقفت عن الرسم بذاك الدفتر لتتسع حدقتيها في ذهول ما إن اخترقت تلك الكلمات أذنها، تركت القلم ببطء لترفع رأسها بتلك الأعين المُتسعة التي وجهتها مباشرة صوٌب إسلام وداليا، وبشفاهٍ مُرتجفة مُترددة أخذت تسأل : - إنـ... إنتو مين ؟ ...ووعايزين مني إيه ؟ قالتها بصوٌتٍ مُرتعدٍ تظن أنهما زوجين من الأطباء جاءا من أجل علاجها كما يحدث دائمًا، فلطالما تهربت من العلاج وأخبرتهم أنها ليست مجذوبة. نمت بسمة واسعة على ثغر إسلام وهو لا يُصدق أنها تسمعهما، كانت اللهفة تُلطخ صوته وهو يقترب أكثر نحوها ليجلس على حافة الفراش يُريد أن يتأكد من شكوكه بسؤاله : - إنتِ شايفانا ؟ لاحت الحيرة على وجهها وهي تبادل حدقتيها بينهما في غرابة ولا تفهم لمَ يسألها إذا كانت تراهما أم لا ؟ فهما أمامها وكأنهما حقيقيين، جلست داليا على حافة الفِراش من الجهة الأخرى لتتأكد هي الأخرى بسؤالها المُتلهف : - إنتِ سامعانا وشايفانا كدة عادي ؟ تصاعد التوتر داخل سُمية وهي تُبادل نظراتها بينهما وسخونة تجتاح جسدها وهي تقول بخوف : - هـ...هو في إيه ؟... إنتو عايزين مني إيه ؟... ووليه بتسألو إذا كُنت شايفاكم ؟ حاولت داليا التهدئة من روعها وهي تقول : - متخافيش ... أنا داليا ... وهو إسلام آشارت على إسلام مع آخر حديثها ثم واصلت الحديث بنبرة ودودة : - إحنا الاتنين محدش يقدر يشوفنا .... عشان إحنا مُتنقلين ... وطالما إنتِ قادرة تشوفينا يبقى إنتِ واحدة مننا تقاذفت عليها المعلومات كحجارة صلبة تُقذف على رأسها من مسافة عالية، وضعت كلتا يديها على أذنيها تُغطيهما وكأنها تحاول منع هذه المعلومات من اختراق عقلها والعبث بها مُجددًا، فهذا هُراءٌ ولا وجود له من صحة، هذا ما أخبروه بها وما يجب أن تُصدقه حتى تترك ذاك المكان. - لأ..لأ..إنتـ...إنتو كدابين ... إنتو مش حقيقيين ... إنتو موجودين في دماغي بس ... أنا مش متنقلة، أنا واحدة عادية ... إبعدو بقى عني كانت نبرتها مُرتعدة وبعض القطرات تنبثق من عينيها جعلت الشفقة تغمرهما، حاول إسلام تسلم ضفاف الحديث لعله يُهديء من روعها ويشرح لها بهدوء : - متخافيش ... إنتِ كمان تقدري تبقي زيينا .... تقدري تتحركي بروحِك من غير ما حد ياخد باله... حاولي بس تـ_ كان يُريد إرشادها على طريقة تتبعها حتى تتحدث معهما بروحها، لكنها فاجئته بقطعها لحديثه بنبرة باهتة واثقة : - عارفة ... عارفة إني ممكن أبقى زيكم ... وجربت كتير ... بس ... صمتت بُرهة لتأخذ نفسًا عميقًا وتُخرجه لعلها بتلك الطريقة تحجب هذه النيران المتأججة داخلها، بقيت تلتقط أنفاسها وتُغلق عينيها ثم تفتحهما وسط نظرات التيه المتبادلة منهما، وجدا سُمية تُطيل إغلاق جفنيها ثم تسترخي بظهرها للوراء عازمة على الحديث معهما بأريحية قبل أن يراها أحد الأطباء ويُطيل من مُدة بقاءها هنا، فما هي إلا بضع ثوان حتى وجدا طيفها يترك جسدها الذي ارتمى على الفراش كجثة هامدة. ابتعدت سُمية عن جسدها تمامًا وأخذت تتحرك داخل الحُجرة حتى توقفت أقدامها على أريكة صغيرة ملاصقة لفراشها الصغير، ارتمت على تلك الأريكة مُكملة ما تبقى من جُملتها المُعلقة : - عايزة أعيش طبيعية ... مش عايزة أعمل كدة تاني .... مش عايزاهم يفتكرو إني مجنونة بقيت داليا تُراقبها بشفقة وداخلها يضمر بعض السعادة لسهولة اقناعها بالتثبيت، فيبدو أنها شهدت الكثير من وراء تلك اللعنة كما شهدت هي وزوجها، لكن فضولها هذه المرة انتصر على لهفتها كالعادة وجعلها تسأل : - هو إيه إللي جابِك هنا ؟ تحلٌت سُمية بالصمت لفترة وجيزة قبل أن تشيح بأنظارها عنهما وتُجيب بنبرة فاترة متألمة : - مرعي ... مرعي أخوية هو إللي خلاهم يحجزوني هنا تحرك إسلام من موضعه ليجلس بجوار داليا أمام سُمية مباشرة بأعينٍ جاحظة لا تُصدق ما يُتلى على مسامعه، كيف لشقيقٍ لا يحمل في قلبه ذرة شفقة أن يُلقي بشقيقته في مكانٍ كهذا ؟ كيف له أن ينعتها بالجنون وهي أعقل منه ألف قيراط ؟ فهو الذي يستحق أن يبقى هنا بعدما فعل. - أخوكي !! .. إزاي ؟... وإزاي أهلِك سابوه ؟ سألها إسلام بصوتٍ مُندفع لتسرق سُمية بعض الأنفاس ثم تطلقهم في الهواء مُقررة أن تُزيح هذا الهم عن كاهلها وتفصح عن معاناتها : - أهلي ماتو من وأنا صًغيرة ... ماتو في حادثة بالقطر ... وأخوية مرعي هو إللي رباني .... بس هو مُتشدد شوية تنهدت تنهيدة عميقة قبل أن ترفع رأسها لتوٌاجههما مُسترسلة : - في يوم صحيت لقيت نفسي في جسم تاني .... كان واحد اسمه إحسان ... اتسعت بسمتها وهي تواصل هذا الشِق من الحكاية أمام نظرات إسلام وداليا المُستفهمة : - فضلنا نبدل جسمنا لغاية ما عرفنا نقابل بعض .... عرفنا إن احنا الاتنين نقدر نعمل حاجات محدش يعملها ... درٌبنا نفسنا إننا نستخدم قُدرتنا ... لغاية ما عرفنا نتحكم فيها كويس .... روح إحسان كانت علطول تقابلني، كُنت بقعد أتكلم معاه وقت ما أنا عايزة .... وأنا كمان... كنت ساعات بسيب جسمي واسافرله لما اكون محتاجاله .... بس... أخفضت وجهها لتتلاشى عوالم اللهفة وتتحوٌل في أقل من ثانية إلى آخرى مُتخمة بالضيق والألم : - مرعي شافني قبل كدة وأنا بكلم روح إحسان .... قعد يزعقلي وقالي متكلميش نفسِك تاني .... كان بيلاحظ كمان تصرفاتي الغريبة إللي بيعملها إحسان لما بيدخل جسمي ... كل ده أكدله إن فيا حاجة ... مع إني حاولت أقوله الحقيقة، حاولت أقوله إللي أقدر أعمله، أنا حتى وريته إزاي بخرج من جسمي .... رفعت رأسها مع آخر كلماتها بعد أن انسجمت بالحديث مُتذكرة كل ما حدث في تلك الأيام الأليمة، أخفضت رأسها مجددًا لتواصل بنبرة خافتة تكاد الدموع ترافقها وتعانق وجنتيها : - مصدقنيش ... وقال عليا مجنونة، وكان بيزعقلي، ده حتى افتكر إني ملبوسة وحبسني في البيت ... ساعتها اتضايقت وقولت لإحسان لما روحتله بروحي ... إحسان قالٌي إنه هيطلب إيدي ... وفعلًا عملها ... نمت بسمة هادئة على ثغرها سُرعان ما تلاشت ليحل محلها العبوس مُجددًا وهي تواصل : - بس مرعي رفضه ... وقاله إني مجنونة ... وإنه مش هيخليني أتجوز قبل ما اتعالج ... بعدها لقيته كلم المُستشفى وخلاهم ياخدوني على الخانكة .... ومن وقتها معرفش أي حاجة عن إحسان ... ومعرفش إيه إللي حصله .... بقالي تلات سنين هنا، حاولو يكهربوني كتير، بس أنا كُنت بسيب جسمي واوهمهم إني ميتة أو اغمى عليا ... عشان كدة مكنوش عارفين يعالجوني قطعت داليا حديثها بسُرعة رغبة في ملئها بشُعلات الأمل حتى تُنير عُتمتها؛ تركت الفراش لتقترب نحوها وتركع على رُكبتيها كي تُحادثها بثقة : - إحنا هنعرف نعالجك ... إحنا نعرف طريقة للتثبيت ... ولو جيتي معانا هنخلصِك من اللعنة دي تمامًا وجهٌت سُمية نظراتها نحو داليا بعوالم اليأس التي لاتزال مُلاصقة لوجهها : - آجي معاكم إزاي ؟... وأنا عارفة أخرج من المكان ده هنا تسلٌم إسلام ضفة الحديث بوثوبه عن الفراش مُحادثًا كليهما في ثقة : - هنعرف كمان نخرجِك من هنا، وهنُخرج معاكي ... بس تنفذو إللي هقولكم عليه.... ___________________________ باليوم التالي حيث بداية خطتهم للرحيل من هُنا، تُعانق الشمس سفوح الأرض مُخلفة وراءها خليطٌ من الألوان البنفسجية والبُرتقالية وغيرهم من الألوان المُبهرة، ووسط تلك النسمات العليلة والرطوبة العالية، كان الأطباء يجتمعون داخل حُجرة فسيحة حيث المرضى يلتفون حولهم في حيرة أمام جسد إسلام المسجي على الفِراش بشفاهٍ زرقاءٍ كالبحر الميت، ووجهٍ أبيضٍ كلون مُعطف الطبيب الذي يضع سماعته على قلِب إسلام يتحسس نبضاته بتوتر، فما أمامه لا يدُل سوى على فُقدان هذا المريض لحياته، وفُقدان المريض لحياته لا يعني سوى مسآلة المشفى قانونيًا وربما تُرفع دعوة قضائية تتهمهم بالإهمال. توٌترالطبيب ولم يكن يعلم ما يفعل، يتصبب العرق من جبينه وهو يطلب من بقية الممرضين بإزاحة هذا الجسد إلى حُجرة أخرى لتتسلمه مشفى عامة وتدعي أنها حاولت إسعاف المريض حتى لقي حتفه وبالطبع سيدفع الثمن لتلك المشفى، هكذا يحاول حجب حقيقة موٌته داخل مشفتهم العريقة، وفي نفس الوقت يتخلص من تلك الجثة. وكان إسلام يقف بين هذا كُله يُتابع ما يحدث من بعيدٍ وعلى وجهه ابتسامة ماكرة .... أسدلت السماء ستارها وكانت هذين السيارتين تتحركان بسُرعة على الطريق وراء سيارة الإسعاف مباشرة، صوٌت احتكاك السيارتين لا ينم سوى على سُرعة تحركهما وإصرارهما على تأدية تلك المُهمة على أكمل وجه. بعد بضع أمتار، توقفت سيارة الإسعاف نتيجة هذه السيارة التي عركلت طريقها الذي يبتعد عن مشفى الأمراض العقلية ببضع أمتارٍ فقط، ترجل لؤي من سيارته كما يترجل زعيم العصابة وهو يوٌقف سيارة حتى يسرقها، فلطالما كان ضابطًا طوال حياته، لكنه مُنذ أن تعرٌف على أولئك الأصدقاء وهو يرتكب جميع انواع الجرائم التي لم يتوٌقع أنه سيرتكبها يومًا، ولا يعلم حتى لمَ يفعل هذا من أجلهم. أشهر لؤي سلاحه على سائق سيارة الإسعاف الذي رفع يديه مُستسلمًا أمام هذا المُلثم الذي لا يعرف أنه ضابطًا، كان ميجو من الجهة الأخرى يُمثل دور المُجرم الذي يليق عليه كوٌنه مُجرمًا سابقًا، آشهر سلاحه على الأطباء وأجبرهم على الترجل من السيارة رافعي الأيدي راكعين على الأرض حتى يستطيع خالد ومُعتز تكبيلهما، فكان خالد يعتذر لهما وهو يُكبلهما. بعد أن انتهوا من أمر هؤلاء الأطباء، خرج بقيتهم من السيارات بعد أن تلطخت السماء بُعتمة الليل، تدثروا بظلال الأشجار التي اكتنفت ملابسهم وجعلتهم كالأشباح بالنسبة للمارة، فلا أحد بالعادة يمٌر بجوار هذه المشفى التي تقع في بُقعة خالية من السُكان، وهذا لحُسن حظهم. يقف لؤي أمامهم مباشرة يُلقي عليهم التعليمات بينما كان ميجو يحرس الأطباء كما المُتفق، أزاحوا الأقنعة عن رؤوسهم وارتدوا بدلًا منها معاطف بيضاء مُدعيين أنهم أطباء سيدخلون المشفى وينتشلون تلك الجُثث. - شمس وقمر هيروحو لداليا ... كوكي ومُعتز هيروحو عند إسلام .... خالد ويُسرى وجابر هيروحو عن المُتنقلة الجديدة، وطبعًا جابر هو إللي هيعرف يحدد مكانها بالظبط ... وانا وميجو هنفضل هنا نراقب الدكاترة دول عشان ميفضحوناش .... التصاريح المُزيفة إللي عملتهالكم هتساعدكم تاخدوهم وكأنهم جُثث... مش عايز أي غلطة ... ومش عايز أي مصايب، الموضوع سهل وبسيط، كل إللي هتعملوه هو إنكم هتجيبو الجُثث من جوة تنقلوهم عربية الإسعاف... إتفقنا ؟ أومأوا رؤوسهم إيجابًا عازمين على تنفيذ تلك الخطة على أكمل وجه، أو على الأقل نصف وجه.... ______________________________ تتحرك قدما مُعتز في جميع الاتجاهات بحثًا عن الحُجرة المُرادة، الحُجرة التي من المُفترض أن يجد فيها إسلام، كانت كوكي بجواره تتفحص بعينيها جميع الحُجرات بينما كان طيف إسلام يقف على مقربة منهما يُريد إرشادهما لكنه لا يعلم كيف، فلا يستطيع حتى الانتقال إلى جابر حتى لا يُعركل اتصاله بسُمية ومعرفته عن مكانها. بعد العديد من المحاولات والكثير من البحث الشاق، خرجت كوكي من إحدى الحُجرات وعلى وجهها عوالم اللهفة والانتصار أثناء قولها : - زيزو ... I found him عادت مُجددًا داخل الحُجرة ليتبعها مُعتز نحو هذا الجسد المُغطى بملآة بيضاء، وضع مُعتز يده على الملآة ليرفعها ويتفقد وجه إسلام الشاحب الأشبه بالموٌتى، لكنه يعلم جيدًا أنه لا يزال على قيد الحياة، كما يعلم أيضًا أن زوجته استطاعت بذكاءها وفطنتها أن تعثر على الحُجرة المُرادة. لاحت بسمة الإعجاب على وجهه وهو يُغطي وجه صديقه مُجددًا ليلتفت ببسمته نحو كوكي التي تبادله نفس تلك البسمة وتستمع إلى حديثه بخجلها المُُعتاد : - الله عليكي يا أحلى ناجتس في حياتي ... تناسى ما أتيا لأجله والتفت نحو كوكي ليُغازلها بطريقته كما اعتاد أن يفعل في تلك الأوقات العصيبة، او في كل الأوقات. - تعرفي يا حبيبتي إيه وجه الشبه بينِك وبين الأرض ؟ عضت كوكي على شفتها السُفلية وهي تسأل بصوتٍ خافتٍ خجل : - إيه ؟ آجابها بنفس هيامه وحدقتاه مصوٌبتان على خاصتها : - إنتو الاتنين عندكم جاذبية ما كاد يستمع إلى ردة فعلها حتى أتته صفعة مدوية على رقبته من الخلف جعلته يتأوه بألمٍ ويستمع إلى صوٌت إسلام الغاضب الذي لم يتحمل هذه الرومانسية المُفرطة التي لا وقت لها وعاد إلى جسده حتى يزجره : - إخلص يا حيوان بدل ما أجيبِك مكاني هنا بحق وحقيقي ملس مُعتز على رقبته بألمٍ بينما ارتدت كوكي إلى الخلف حتى لا تنال من غضب إسلام شِقًا، ترك إسلام جسده مُجددًا بعد أن انتقل على فِراشٍ مُتحركٍ ليُحركه مُعتز ويترك به الحُجرة، أغلقت كوكي الباب وراءها وطفقت تسير بجوار مُعتز على رُدهة المشفى استعدادًا لنقل تلك الجُثة وفق التصريح المزوٌر والذي يقول أنهما تابعان لتلك المشفى الخاصة الصغيرة التي ستتسلم الجُثث وتدٌعي معالجتهما بعد أن حصل مُديرها على مبلغٍ جيدٍ من المال. استوُقفهما واحدٌ من كبار الأطباء حاملًا معه مجموعة من الأوراق، لم يكن يدري ما الذي يفعلانه هذين الغريبين بتلك الجُثة، وآراد أيضًا أن يتأكد أنهما من تلك المشفى، لذلك سأل بحدة وطريقة رئاسية : - بتعملو إيه ؟ حمحم مُعتز وهو يبتعد بيديه عن الفراش محاولًا استجماع كلماته والمحافظة على هدوءه أثناء الإجابة : - إحنااا ... إحنا من مُستشفى رحيم ... كنا متفقين إننا ننقل الجُثث عندنا في المُستشفى همهم الطبيب بتفهمٍ ولا تزال نظرات الصرامة تلوح على وجهه وهو يسأل : - فين التصريح ؟ أومأ مُعتز رأسه بثقة حاول معها إخفاء ارتباكه، فنظرات هذا الطبيب تجعله يعتقد أن أمرهما سينكشف أو أنه سيكشفهما بسهولة، مع ذلك حافظ على هدوءه وهو يُخرج ورقة التصريح المطوية من جعبته ويمدٌها نحو ذاك الطبيب الذي انتشلها وبسطها أمام عينيه ليتفحصها ويتأكد من هوٌيتهما. ربتت كوكي على يد مُعتز لتُهديء من روعه وتُخبره أن الخطة تسير على قدِم وساق، لكن اطمئنانهما ذهب مع أسراب الطيور حينما لاحت عوالم الغرابة على وجه الطبيب وهو يقرأ ما بالورقة بصوتٍ مسموع : - جبنة رومي ... مربى فراولة ... عيش فينو_ قبل أن يواصل القراءة انتشل مُعتز تلك الورقة بعرقٍ يتصبب من جبهته لهذا الخطأ الذي ارتكبه : - لا لأ ... مش دي الورقة ... ثانية واحدة طوٌى الورقة مُجددًا وآعادها داخل جعبته ليُمرر يديه على بنطاله ويتفقد جميع جيوبه بحثًا عن تلك الورقة التي أدرك الآن أنه لن يجدها أبدًا. - في إيه يا زيزو ؟ سألته كوكي بارتباكٍ وصوتٍ خافتٍ فآجابها بارتباكٍ يفوقها أضعافًا : - أنا شكلي كدة جبت ورقة السوبر ماركت بدل التصريح زادت كلماته من ارتباكها فسألته بصوتٍ خافت : - طب وهنعمل إيه ؟ - معرفش ... معرفش يا ناجتس هكذا آجابها مُرتبكًا والعرق يكاد يتصبب كقطرات الندى الساخنة، رفع رأسه ليواجه نظرات الطبيب المُترقبة لعله يستطيع استخدام أيه حيلة للتخلص من تلك المُعضلة : - أنا تقريبًا نسيت التصريح ... ممكن ناخد الجُثة وبعدين نبقى نشوف موضوع التصريح ده بعدين ؟ سأله بعوالم مُستعطفة لم تُزعزع هذا الطبيب ولا نظراته المُرهبة، فكان عقله صلبًا كصلابة الجبال وهو يرفض طلبهما بصرامة : - للأسف مش هينفع ... اتفضل رجع الجُثة مكانها وإلا هطلبلك الأمن تبخرت جميع الحلول السلمية من أمامه ولم يتبقى سوى آخر حلٍ لم يُرد أبدًا اللجوء إليه؛ آعاد ظهره للوراء وهو يقول بخفوتٍ موٌجهًا حديثه نحو كوكي : - إحنا كدة مقُدمناش إلا حل واحد... أنهى حديثه تزامنًا مع دفعه للفراش دفعة قوية اصطدم على إثرها هذا الطبيب المُتعجرف وجعلته يسقط على ظهره، هروٌل مُعتز بسرعة داخل المشفى مُستمعًا إلى صياح ذاك الطبيب الذي يأمر زُملاءه باللحاق بهما.... على جهة أخرى كانت قمر تجُر الفراش الذي تقبع فيه صديقتها داليا وجوارها شمس شقيقتها تتحرك بجوارها حتى تركا تلك الحُجرة، كانت شمس تلتصق بشقيقتها عازمة على جرٌ الفراش وهي تقول بجِدال : - يا قمر بقى سيبي السرير أنا إللي المفروض أجره دفعتها قمر بعيدًا عنها باعتراضٍ وجِدال : - لأ أنا الكبيرة ... أنا إللي هجرٌه زادت شمس من نبرتها المُجادلة وهي تدفع قمر بعيدًا عن الفراش : - إنتِ جريتي السرير وإحنا داخلين المُستشفى، يبقى المفروض ده دوري... وهكذا أخذت الشقيقتين تتجادلان على من منهما تُحرك الفراش بينما كانت روح داليا تُتابعهما من بعيدٍ وتضرب يدها بجبهتها متفوٌهة بخيبة أملٍ وتوٌبيخ : - يعني ملقتوش إلا الاتنين دول ؟ زادت حدة الجدال بينهما حتى تناسيا أنهما داخل مُهمة يجب عليهما تنفيذها دون ارتكاب الكوارث، آرادت شمس أن تنتصر بتلك المعركة فجذبت الفراش عنوة لتدفعه بسُرعة داخل رُدهة المشفى؛ استشاطت قمر غضبًا من تلك الحركة فانقضت على شقيقتها لتجذب منها الفِراش وتُحركه هي. لكن ما حدث، أن نتيجة هذا العِراك لم تكن بصالحهما، فعندما دفعت قمر شمس بعيدًا عن الفِراش حتى وجدته ينقلب ويسقط على الأرض جهة اليمين، هوٌى جسد داليا على الأرض ليرتطم ارتطامة قوية دفعت داليا للعودة إلى جسدها مُجددًا، فما إن يتألم الجسد المادي تفقد الروح قُدرتها على التنقل بأريحية. عادت داليا إلى جسدها عنوة تضع يدها على ظهرها بألمٍ نتيجة هذه الارتطامة، بقيت تتألم بصوٌتٍ مُرتفعٍ وتسبٌهما بغضب : - أبو شكلِك إنتِ وهي .... فاكرين نفسكم بتتخانقو على عربية بورش توقفت داليا عن السُباب والألم حالما استنتجت هذا السرب من الأطباء والممرضين الذين تركوا أعمالهم فجأة ليُطالعوا تلك الجُثة التي عادت للحياة مُجددًا !! تجهمت وجوههن واحتقن وجه داليا وهي تُدرك أن خروجها من هنا، سيضحى ضربًا من الخيال، اتكأت على ذراع قمر حتى تثب عن الأرض تزدرد ريقها في خوفٍ بينما كانت شمس تقول بارتباك : - شكلنا مش هنعرف نخرج من هنا تراجعت قمر بضع خطواتٍ للوراء وهي تقول بصوتٍ خافتٍ مُقررٍ : - إحنا كدة هنلجأ للي إحنا مكناش عايزينه ... إجــرو... رفعت صوتها مع آخر كلماتها مما دفع كُلٌ من داليا وشمس للركض بأقصى ما لديهما داخل رُدهة المشفى ووراءهن سربٌ من الممُرضين والأطباء وبعض رجال الأمن أيضًا... بنفس تلك اللحظة وداخل جحافل هذه المشفى الواسعة، كانت يُسرى تجرٌ فِراشًا فارغًا داخل الرُدهة بجوارها خالد يتفحص معها عوالم المشفى الخاصة بالأمراض العقلية بينما كان جابر على مَقربة منهما يتلفت يمينًا ويسارًا لعله يعثر على طيف تلك المُتنقلة. - المُستشفى دي ... بتفكرني بآدم إللي في الجزار .... تفتكر هنلاقي هنا حد زيه قالتها لخالد الذي فهِم مقصدها فورًا وأكد عليها بلهفة : - نعم هذا صحيح ... هذه الحُجرة تُشبه تلك التي كان يتم علاجه داخلها ... بقيا يُثرثران حوٌل تلك الرواية بينما التقطت عينا جابر طيف فتاةٍ ذات ملابس بيضاء وبسمة تنم عن البراءة والقلق خاصة بتلك الخُصلات البُندقية المُنسدلة على وجهها كشلالات آنجل؛ اتسعت بسمة جابر ما ان تقابلت عينيهما وخطا نحوها خطواتٍ قليلة قبل أن يسألها بصوتٍ خافت : - إنتِ سُمية ؟ لم تنبس ببنت شفة واكتفت بالإيماء برأسها إيجابًا والإشارة بإصبعها على تلك الحُجرة التي يلتصق ظهرها ببابها، فهِم جابر فورًا أنها الحُجرة التي يقبع جسدها داخلها فآشار على كُلٍ من يُسرى وخالد مستطردًا : - تعالو بُسرعة ... أنا لقيت الأوضة كانت تلك الحُجرة هي نفسها التي سُجنت بها مُسبقًا، فلم يُكلف الأطباء أنفسهم حتى ينقلونها إلى حُجرة أخرى حتى تأتي المشفى الأخرى وتنقلها من هُنا، اقتحموا الحُجرة بروية واتجهوا فورًا صوٌب جسد سُمية المسجي على الفِراش لترفعها يُسرى بمساعدة من خالد وينقلونها إلى الفِراش المُتحرك ثم يتركوا الحُجرة في هدوءٍ لا يُعكره شائبة. تحركوا مُجددًا على الرُدهة عازمين على ترك المشفى كما اتفقوا عليه، إلى أن جابر استوقفهما وهو يتلوٌى كدجاجة مُبتلة، كانت قدماه تضربان على الأرض أثناء قوله : - بقولكم إيه .... آني محسور ومحتاج أفك ماية ... خليكم هنا دقيقتين وهاجي أومأت يُسرى برأسها هي وخالد وبقيا على حافة الرُدهة بجوار دورة المياه التي دخلها جابر، أغرق الفضول كيان يُسرى حتى دفعها لرفع الغطاء عن وجه تلك المُتنقلة حتى تراها، كانت ملامحها شاحبة وشفتيها زرقاء ومع ذلك لا تزال مُحتفظة ببرائتها. - تفتكر روحها موجودة حوالينا ... أنا عايزة اتعرف عليها أوي قالتها يُسرى بتمنٍ ورغبة عارمة بالحديث معها ولو بضع ثوانٍ، كانت سُمية قد استمعت لها ورآت أن الوقت مناسبٌ حتى تعود إلى جسدها ولو لبضعٍ ثوانٍ فقط قبل أن يُلاحظها أحد، فالردهة خالية تمامًا من الجميع. عادت سُمية إلى جسدها لتعود إليه نضارته وتُزهر شفتيها لتُصبح وردية اللون بدلًا من زرقاء، فتحت سمُية عينيها بهدوءٍ لتلقى نظرات يُسرى المذهولة والمُتلهفة في نفس الوقت، حاولت الاعتدال بجسدها قليلًا حتى تواجههما وتقول بلطافة : - إزيكم ... أنااا ... بجد مش عارفة أقولكم إيه...شـ..شكرًا عشان بتساعدوني كانت نبرتها خجلة ودودة جعلت يُسرى تُمسد على كتفها بحنانٍ جارفٍ محاولة إخبارها أنها الآن فردًا مُنهم. - ولا يهمِك ... أنا بس مش مصدقة ليه واحدة زيِك تيجي هنا آحاط خالد ذراعه حول زوجته كي يُجيبها بحكمته المُعتادة والتي وجهها نحو سُمية لعله يواسي جراحها : - لا بأس يا عزيزتي ... هكذا هو العالم، من يقول الحقيقة يتم نعته بالجنون خرج جابر من دورة المياه في تلك اللحظة تزامنًا مع اختراق أذنيهم لصوٌت مُعداتٍ ترتطم بالأرض مُخلفة وراءها صوٌتًا أذعر النفوس، تركت سُمية جسدها مُجددًا ليرتمي على الفِراش وتُغطيه يُسرى بأصابع مُرتجفة ونظرها مصوٌبٌ أمام هذا الطبيب الذي يُحدق بهم بعيونٍ جاحظة وجسدٍ مُتصلب، هل رآى بالفعل جُثة تتحدث !؟ - إإ...إيه ده ؟ قالها الطبيب بآصابع مُرتجفة تُشير على الجُثة التي رآها تتحرك على الرغم من سكونها؛ التصقت يُسرى بذراع زوجها بينما التصق جابر بخالد ويداه تقبضان على الفراش استعدادًا لأية حركة مفاجئة. - شكله شافنا ... شكله شافنا قالتها يُسرى بذعرٍ وصوٌتٍ هامس هدائه خالد بنبرته الحكيمة : - لا تتحركوا ... حافظوا على هدوءكم وثقتكم ... فالحكمة تقول : إذا أردت أن تستحوٌذ على عقل شخصٍ آخر ... فاجعله يبدو مجنونًا فهِم جابر مقصده فسُرعان ما وجه نظراته صوٌب هذا الطبيب ليسأله مُدعيًا البلاهة : - في إيه يا دكترة ... إحنا جايين ننقلو الجثة بقيت آصابع الطبيب مُنبسطة أمامه وهو يقول بارتعاد : - الججـ...الجثة ... أنا شوفتهااا... بقيت جملته مُعلقة وشفتاه لا تستطيعان الحديث وعقله آبيًا للتصديق، أكملت يُسرى جُملته تنفيذًا لتلك الخُطة الماكرة : - بتتحرك !!.. شوفتها بتتحرك ؟ أومأ الطبيب رأسه إيجابًا والخوف بادٍ على ملامحه، بينما انبثقت قهقهة ساخرة من خالد تبعها بحديثٍ واثق : - ما الذي تقوله يا هذا ... بقي يُقهقه بسُخرية حتى آضاف جابر على حديثه بنفس تلك السُخرية الزائفة التي أخفت حقيقتهم : - جثة إيه إللي بتتحرك ... هو حد يصدقو الكلام ده بردو توالت مسرحيتهم أمام أعين الطبيب الذي جعلوه يبدو مجذوبًا، انتشل الطبيب أمتعته عن الأرض وتقدم نحوهم خطوة وهو يقول بثقة : - والله شوفتها بتتكلم ... أنا متأكد رفع جابر الغطاء عن وجه سُمية ليُري الطبيب شحوب وجهها مؤكدًا على كلامه : - شوفتها إزاي ... ما هي قُدامك أهي قاطعة النفس اقترب الطبيب نحو الجُثة بأنامل مُرتعشة وضعها على رقبتها ليتحسس نبضاتها المُختفية ويتأكد من مفارقتها للحياة، بقي يُحدق بتلك الجُثة الشاحبة بينما كان جابر خلفه يُشير بعينيه على طيف سُمية لتسُاعدهما بتلك الخطة الماكرة. انفتحت عينا الجُثة مرة واحدة آصابت الطبيب بالذعر وجعلته يرتد للوراء خوفًا وهلعًا، عادت الجُثة مرة أخرى إلى شحوبها وعادت كلماتهم الساخرة تُكذب آحاديث الطبيب الذي تحوٌل وجهه إلى اللون الأبيض، ثم في أقل من ثانية، كان يهرول بعيدًا عنهم كما الذي رآى عفريتًا. قهقهت يُسرى بسُخرية حقيقية هذه المرة، لكنها قالت بعدها بشفقة : - والله صِعب عليا تحرك جابر بالفِراش نابسًا بقيادية : - إللي يصعب عليك يفقرك ... خلونا نمشي من هنا قبل ما نتقفشو تاني ما إن تحرك بالفراش بضع أمتارٍ حتى اخترق آذانهم أصوات صياحٍ وهِتافٍ وكأن ساحة المشفى انقلبت إلى ساحة عروضٍ استعراضية، فكان الأطباء يركضون في العديد من الاتجاهات وصوٌت الإنذار يصدح في كل مكان..... خارج المشفى حيث يقف كلٌ من لؤي وميجو أمام مجموعة من الأطباء يستلقون على الأرض غارقين في سُباتٍ عميق، فقد خدٌرهم لؤي حتى لا يُزعجونهما بتوٌسلاتهم وصياحهم المُستنجد، يقف ميجو مجاورًا له يتجاهل نظرات لؤي المقيتة ويُخرج زجاجة معدنية صغيرة بحجم الكف، يفتح هذا الزُجاجة ويتجرع منها أثناء سؤاله : - تفتكر هينجحو ؟ بقيت نظرات لؤي ترمقه بحنقٍ حتى اقترب نحوه ليجذب تلك القنينة الصغيرة بعد أن ارتشف ميجو منها رشفة واحدة، مرر لؤي تلك القنينة على أنفه لتخترقه تلك الرائحة الكريحة والتي زادته مُقتًا وهو يقول : - إيه ده !!... خمرة !! بسط ميجو يداه وهو يتوٌسل بما لديه من قوة : - بالله عليك استر عليا ... دا انا قايل لمُعتز إني مبطل، بس والله النفس غلابة لم يكترث لؤي لتوٌسلاته وأفرغ ما بتلك القنينة على الأرض متفوٌهًا بصرامة : - خليك قد كلمِتك ولو لمرة واحدة ... مش كفاية إني سيبتِك رغم إني عارف إن إنت إللي ضربت مُعتز... لم يقدر على النبوس ببنت شفة بسبب شعوره بالخذي الذي بدأ يُغلفه، تنهد بعدها بيأس ليستند بظهره على عربة الإسعاف بينما التفت لؤي بأنظاره على جهة أخرى مُخرجًا هاتفه من جعبته ليعبث به قليلًا ثم يضعه على أذنه مُنتظرًا زوجته لعلها تُطمئنه وتُخبره أن الخطة تسير على قدمٍ وساق... انتشر الصياح والهتافات وكان مُعتز يهرول بالعربة مُخلفًا وراءه عاصفة من الرياح نتيجة حركاته السريعة، كان يدفع كلًا من يقابله أمامه بتلك العربة حتى أسقط الكثير من الأطباء على الأرض وألقي العديد من قصيصات الزرع والأثاث المترامي على الأطراف، توقفت حركته أمام سُلمٍ عريضٍ يفصل بين المشفى والعالم الخارجي، ومن شدة حركته انفلتت زمام الأمور وهوى الفراش المُتحرك من السُلم ليتقلب جسد إسلام كحبة بازلاءٍ تتدحرج من فوق صحنٍ مُستدير. عاد إسلام إلى جسده عنوة ليجد الفراش المُتحرك فوقه وجسده يأن من الوجع، حاول الاعتدال عن وقفته وهو يسبٌ مُعتز بأبشع السُبابات ويمتزج حديثه بالتأوهات والسُباب، هرع مُعتز نحوه ليرفعه عن الأرض بسُرعة ويدفع الفراش بعيدًا حتى يتركا تلك المشفى. - أيوة يا لؤي ... قالتها قمر وهي تهرول بُردهة المشفى بجوار شمس وداليا التي عادت إلى جسدها كي تنفد بجلدها من هاتين الحمقاوتين، كانت أصوات الضجيج تنبعث من حولها تزامنًا مع سؤال لؤي على الهاتف من الجهة الأخرى : - إنتو كويسين ؟... عرفتو تجيبوهم ؟ واصلت قمر الهرولة وهي تقول : - أه أه إحنا كويسين .... وداليا معانا - حد قالكم حاجة ؟... حد عِرف إنكم بتهربوها ؟ سألها لؤي بقلقٍ فالتفتت قمر حولها حيث أصوات الأطباء التي تنادي عليها وتُهدد بمهاتفة الشُرطة. - لأ محدش قالنا حاجة ... كل حاجة تمام التقط لؤي أصوات الضجيج حولها فسألها : - أومل إيه الصوت ده ؟ توترت قمر وتلعثمت بالحديث لكنها في النهاية أردفت بكذب : - ده .. ده..ده تلاقيها واحدة مجنونة هربت فهُما بيجرو وراها ... لؤي اقفل دلوقتي وهكلمك بعدين أغلقت المكالمة بسُرعة لتواصل الركض حتى استوٌقفهما رجلٌ ضخمٌ من رجال الأمن، كان يُشهر سلاحه عليهما لكن نظرات قمر الثاقبة اخترقت كيانه وجعلته يرتمي على الأرض كبناية شاهقة، جذبت قمر يد داليا ثم يد شقيقتها لتترك تلك المشفى التي تركت بها بصمتها وأحدثت فيها الكوارث كما تُحدثها في أي مكانٍ تذهب إليه. وعلى جهة ثالثة، كان جابر يتحرك بالعربة بهدوءٍ مُستغلًا تلك الفوضى التي منعت الأطباء من التركيز عليهم مما سهل عليهم ترك المكان بهدوء وكأنهم ينقلون جُثة بالفعل. _____________________________ شارفت الساعة على الحادية عشر مساءً، وأضحى القمر البازغ يتوٌسط السماء المُعتمة ليُخبرها صراحة أنها لن تجعل للعُتمة مكانًا، فها هُم يجتمعون بأجسادٍ تئنٍ وجعًا وكدمات تُغرق جسد إسلام الأكثر تضررًا مما حدث، يتحرك لؤي أمامهم ذهابًا وإيابًا ونظرات الغضب تنبثق من عينيه، فكما يحدث دائمًا، ارتكب جريمة من أجل رفاقٍ يُعانقون الكوارث والمصائب وكأنها جُزءًا منهم. - إللي حصل ده مش هيعدي بالساهل ... كلكم هتتعرضو على النيابة .... تقدمو اعتذار وكفالة على إللي عملتوه في المُستشفى... وبالنسبة للدكاترة إللي جوة عربية الإسعاف إللي وقفناها، فأنا اديتهم قرشين ومشيتهم، يعني مش هيفتحو بوقهم .... وكدة كدة إسلام وداليا متكبتش عنهم تقرير إن عندهم مرض نفسي ... بس سُمية هي الوحيدة إللي اتكتب عنها... عشان كدة هتفضل هنا لغاية ما نجيب قرار خروجها من المُستشفى... أدلى تلك المُحاضرة عليهم وعاتبهم على استهتارهم وعن الكوارث التي تسببوا بها، انتقل بعدها الحديث إلى الشِق الأكثر أهمية، الشِق الذي بسببه مروا بكل هذا؛ وثبت داليا عن مقعدها لتتجه صوٌب سُمية لعلها تحاول اقناعها بقولها : - إحنا ممكن نساعدِك تاخدي إذن خروج من المُستشفى ... بس الأول لازم تعملي التثبيت أضاف إسلام على حديثها دون أن يُظهر الحقيقة : - أنا كلمت مخيمر وحسن وهُما قالولي إن التثبيت مش هيعملِك حاجة .... وهيخلصِك كمان من اللعنة دي بقيت سُمية تبادل حدقتيها بينهما في شكٍ جعلها تسأل : - هو إنتو ليه عايزني اتثبت ؟ احتُقن وجهيهما بعد هذا السؤال الذي يكاد يُفشي سرهما، فلا يجب أن يُخبرانها أنهم يستخدمانها كفأرة تجاربٍ حتى يتأكدا من سلامة التثبيت، لهذا السبب تلعثمت داليا قبل أن تخفي الحُجة بكذبتها : - عشان .... عشان إحنا عايزين نساعدِك ... إسلام لما شافِك في المُستشفى حس إن اللعنة دي أثرت على حياتِك ... عشان ... عشان كدة قولنا لازم نساعدِك... بما إننا الوحيدين إللي معانا الحل أومأت سُمية إيماءة بسيطة ولاتزال تعابير وجهها لا تُصدق ما قالته داليا، فرائحة الكذِب تفوح من عينيها، ومع ذلك بقيت تُفكر مليًا في حديثهما، ماذا لو كان الحلٌ بيديهم بالفعل ؟ وحتى وإن لم يكن، فحياتها لا أهمية لها من الأساس، الموت أفضل لها من البقاء في تلك المشفى مُجددًا، وربما إذا كان كلامهم صائبًا، تتخلص من تلك اللعنة التي دمٌرت حياتها. - موافقة ... موافقة اعمل التثبيت قالتها لتنتشلهم من غياهب القلق، فما إن أدلت تلك الكلمات حتى غمرتهم اللهفة ونبتت داخلهم بذرة الأمل، الأمل من تخلصهما هُما أيضًا من تلك اللعنة إذا تأكدا من سلامة التثبيت. وثب إسلام بتثاقلٍ من مقعده متفوٌهًا بتقرير : - يبقى خلاص ... أنا هكلم مخيمر اخليه ييجي هو وحسن عشان يركبو الأجهزة... كاد يهم بتنفيذ ما قاله لولا كلمات سُمية التي أحبطت شِقًا من آمالهم : - بس أنا عندي شرط تلاشت عوالم اللهفة وحلٌ محلها الفضول والحيرة وهم يلتفتون صوٌب سُمية التي أدلت شرطها : - أنا عايزة إحسان ... عايزة أشوفه ... ومش هتثبت قبل ما اشوفه تبادلت النظرات بينهم في صمتٍ من صعوبة مطلبها، فكأنهم سيبحثون عن إبرة في كوٌمة من القش، وبعد فترة وجيزة من الصمت والتحديق، أردف لؤي بعزيمة وثقة تبعت وثوبه أمام سُمية مباشرة : - يبقى تمام .... هندوٌر على إحسان.... يُتبع ❤💕 _____________________________ لمحة تاريخية عن القضية : توٌجه دافيد بن جوريان إلى بولندا في مؤتمر قال به أن أملهم الوحيد هو تطهير العرب وخلق دولة يهودية 100%، وقرر أن يتخلص من جميع الفلسطينين الذين يُعكرون هذا الحُلم، لهذا اتخذت حركته شعار " أرض بلا شعب لشعبٍ بلا أرض " على الرغم من أن العُرب يمُثلون 70% من سكان الأرض و90% من المكان، إلى أن الصهاينة لا يزالوا مُتمسكين بتلك المقولة على أمل الاستحواذ على الشرق الأوسط بأكمله. انقسم الفلسطينيون إلى ثلاث فئات داخل أرض فلسطين: 1) فلسطين الداخل : عددهم 2 مليون يحملون الجنسية الاسرائيلية ويُشكلون 20% من الدولة، يُعاملون كمواطنون من الدرجة الثانية، سنوات تعليم أطفالهم أقل من الصهاينة واليهود، كما أن دخلهم بالوظائف أقل من دخل الاسرائيليون، ولا يُسمح لهم أيضًا بطلب الجنسية لعائلتهم من خارج اسرائيل. 2) فلسطينيون في الضفة الغربية: يمُثلوا 2 مليون و700 ألف مواطن تحت الاحتلال الاسرائيلي المُباشر، حياتهم أشبه بالسجون، العديد من القطاعات والبوابات المُحكمة والحواجز العسكرية، مُحاطون بأكثر من 130 مستوطنة غير قانونية يسكنها 500 ألف مواطن، هدمت اسرائيل أكثر من 150 منزلًا فلسطينيًا، ولا يُسمح للذين تركوا منازلهم عنوة ببناء منزلٍ أو خيمة دون الحصول على الإذن من قوات الاحتلال، كما أن نصيبهم اليومي من المياه لا يتعدى 80 لترًا. 3) فلسطينيون في غزة : 2 مليون مواطن في مساحة صغيرة جدًا خالية من الحواجز أو البوابات، لكن القُطاع مُحاصرٌ ومُنعزلٌ عن العالم، واسرائيل تتحكم بمأكلهم ومشربهم، كذلك أرض القِطاع مُعظمها غير صالحة للزراعة، وقوت يومهم يعتمد على المساعدات الدولية، والآن تحوٌلت إلى سجنٍ كبيرٍ اعتبرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر انتهاكًا كاملًا لاتفاقية جنيف. اسرائيل هي دولة إثنوقراطية هدفها خدمة اليهود ومصالحها فقط، هدفها القضاء على العرب والمُسلمين والاستيلاء على خيرات الشرق الأوسط، وحربها على غزة ليست حربًا ضد الفلسطينيين فقط، بل حربًا ضد جميع العرب وجميع من لا يعترف بهم ويمنع نفوذهم.... ( النهاية ) __________________________ أنا عرضتلكم القضية كلها عشان مننساش ونفضل ندعمهم وندعيلهم، فياريت تعرفو إن الموضوع كبير وإننا لازم نقاطع ونعمل أي حاجة عشان نُقف جنبهم... قولولي رأيكم في الفصل ده وفي الرواية بشكل عام، ولو في أي نقد أو أي أخطاء كتابية أو إملائية ياريت تقولولي ومتنسوش الفوت 🥰
نوران أشرف محمد