بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم بردًا وسلامًا على غزة وأهلها يارب... احفظ غزة وأهلها، اللهم إني أستودعك غزة وأهلها وسماءها ورجالها ونسائها وأطفالها وشيوخها وشبابها وكل شبرٍ في فلسطين " لا تنسوا الدعاء لأهالي فلسطين 🙏 ____________________________ تبًا لك أيها قدر، أعطيتني هدية رائعة، لأفتحها وأجدها سُما قاتلًا.... العديد من الأقدام تتهاود على المنزل وتبحث في كل شبرٍ به إلى أن أخرجت حقيبة جلدية مليئة بتلك الممنوعات المُذهبة للعقول، كان مُعتز كالصنم وهو واقف مكانه لا يسعه التحرك أمام هذا المشهد الذي حوٌله إلى صنمٍ يكاد يتحطم لأجزاء، يشعر بالخُذلان يُسيطر على جنباته، يشعر بالحرقة داخل أحراشه، يشعر وكأنه يُريد أن يصفع ذاك الذي خدعهم أكثر من مرة حتى بات كالأبله، هو بالفعل أبله، لم يكن يجب أن يُسامحه بهذه البساطة، تبًا لهذا القلب الذي ظنٌ لوهلة أن شقيقه تغيٌر وأصبح شخصًا جيدًا. كبلت الشُرطة رسغ ميجو وبدأت تدفعه خارج المنزل أمام مُعتز الذي حافظ على سكونه حتى لا ينفجر، كان يتلفت ميجو بعينيه نحو شقيقه محاولًا تكذيب ما قالته الشُرطة بصوٌتٍ متوٌسل بدا لأول مرة صادقًا بالنسبة لمُعتز : - أنا بريء يا زيزو ... وربنا أنا بريء ... أنا مش بتاجر في حاجة ... وحياة المُصحف ما بكدب... بقي يتوٌسله بعينيه وصوته الأجش الأقرب للبكاء والانهيار، وما كان من مُعتز سوى الصمت والوجوم، لا يعرف كيف يُصدقه هذه المرة على الرغم من كلماته المتوٌسلة، فإن كان صادقًا لما ترك تلك الممنوعات بمنزله ؟ ومع ذلك قلبه اللعين يجبره على اللِحاق بأقرب شخصٍ يُساعده في تلك المُعضلة.... _________________________ فتحت عينيها بوهنٍ على ضوء المصباح فوقها، أصوات صافراتٍ تُطلق بجوار أذنها تجعلها تتأكد أنها لا زالت على قيد الحياة، نعم ... فقد أهدتها الحياة فُرصة أخرى لا لأن الحياة تُحبها، بل لأن الحياة لا تزال تحمل لها المزيد من المفاجآت السارة، وربما الشاقة... حركت جسدها بصعوبة بالغة أحست معها وكأن عظامها تتهشم كزجاجة بالية، رأسها يزن أطنانًا وهي تُحرك عينيها جهة اليمين إلى أن أبصرت إسلام يستلقي على الفراش بجوارها ويداه موٌصلتان بأجهزة تعرض مؤشراته الحيوية، ترى رأسه المُضمدة وملامحه الواهنة التي يبدو عليها الإعياء. التفت للجهة اليُسرى حتى بصرت ذراعها المُضمد بأكمله والذي يبدو أنه تهشم واضطرت لتركيب الشرائح والمسامير، تجاهلت ذراعها وبدأت تتحسس جبهتها بذراعها السليمة إلى أن أحست بوجعٍ طفيفٍ سببته تلك الندبة أسفل عينها والتي تم تغطيتها بضمادة لاصقة، ورغم أنها لا تتذكر ما حدث بعد رؤيتها لتلك الشاحنة، إلى أن جميع شكوكها تُشير إلى أن الأمر لم يكن هيِنًا، فقد كانت رؤيتها لتلك الشاحنة في الصباح، وها هما الآن في المساء تكاد تقترب الساعة من التاسعة مساءً. - إسلام ... إسلام.. كانت تنادي بوهنٍ على إسلام لعله يستفيق من تلك الغفوة ويُطمئنها أنه بخير، وجدته يتململ في نومته ثم يتأوه بوجعٍ وهو يفتح عينيه بصعوبة جعلته يستشعر ما آلت إليه الأمور... أي تلك الحادثة التي انتهت معها مطاردتهما. حاول تحريك ذراعه ليشعر بحروقٍ تكاد تقتله حيًا، كان ذراعه مليئًا بالضمادات التي تركت بعض آثار الدماء، أو ربما آثار ذاك الدواء السائل الذي يوضع على الجروح، والذي يحمل نفس لون الدماء. لا يزال يشعر بشظايا الزجاج الذي تهشم على ذراعه وترك بعض الآثار على رقبته، ناهيك عن رأسه التي اصطدمت بقوة جعلته يُضمده بأكمله، حمدًا لله أنهما نجيا من تلك الحادثة رغم هذه الإصابات، فتلك الحادثة لم تكن هينة أبدًا، فقد انقلبت سيارتهما ما إن داهمتهما تلك الشاحنة على ممرٍ سريع. حاول أن يعتدل بجلسته بصعوبة لتتقابل عينيه مع داليا التي كانت تقول بحمد : - الحمد لله عدت على خير ... الناس دي معرفتش توٌصلنا جحظت عينا إسلام ما إن أدرك تلك الكارثة التي هُم بها : - الأسلحة ... إحنا سيبناها في العربية تلك الأسلحة التي جاهدا للعثور عليها، ها هما الآن يفقدانها في حادثٍ أليمٍ جعل سيارتهما تختفي عن الوجود، وربما تم أخذها للصيانة، أي سيتم تفتيشها، وسيعرف الجميع أن تلك الأسلحة معهما !! ما هي إلا لحظاتٍ قليلة حتى أدركت داليا تلك الكارثة وحاولت الاعتدال في جلستها وهي تهتف بذعر : - يا وقعة سودا ... دا لو حد اكتشف إن في أسلحة في العربية مش بعيد يفتكرونا تُجار سلاح علٌق إسلام على حديثها بسُخرية : - يعني نعدي من سرقة وخطف ومُخدرات ونيجي عند السلاح ونعطل ... أدي دي هتبقى أخرتنا أنهى الحديث بحسرة وهو يتذكر تلك المصائب التي توٌرطوا بها بدءًا من اختطاف داوُد سابقًا، وسرقة المعمل مرتين والاشتراك في الإيقاع بعصابة تبيع الممنوعات وغيرها من الكوارث التي نفدوا منها بصعوبة بالغة، حتى أتت تلك المُعضلة التي ستُنهي حياتهما ومُستقبلهما. بقيت نظرات القلق تتناقل بينهما إلى أن سألت داليا بذعر : - والعمل ؟ ... هنرجع الأسلحة إزاي واحنا متكسحين كدة ... إحنا لازم نلحقهم قبل ما يبدأو يصلحو العربية ويشوفوها أبعد إسلام نظراته عنها وهو يُغمغم بتفكير : - لازم نشوف حد يعمل كدة بدالنا مسٌد بيده السليمة على ذقنه لتمرٌ بُرهة من الصمت قطعتها داليا باقتراح : - نقول للؤي ؟ نفى إسلام اقتراحها بتبرير : - لؤي هيحبسنا - خالد ؟ هكذا اقترحت مُجددًا ليعترض اقتراحها بقوله : - محترم بزيادة وهيبلغ عننا - يبقى مُعتز ؟ نفى للمرة الثالثة وهو يقول : - غبي وهيحبسنا بردو فكرٌت هنيهة ثم رفعت إصبعها وهي تقترح : - يبقى ميجو ؟ نفى إسلام للمرة التي لا يعلم عددها وهو يقول : - دا بقى ندل ومش بعيد ياخد السلاح يتصرف فيه ... أو يذلنا بيه حاجة من الاتنين ... بعدين هو ناقص زفرت داليا الهواء من فمها بنفاد صبرٍ وقد اغتابها اليأس من تلك المُعضلة، فلا أحد يصلح لتلك المُهمة، جميع معارفهم وأصدقائهم لا يمتلكون سوى كُتلة من السذاجة والحماقة الكفيلة بدفعهم نحو الهاوية، وكأن من يقترب منهم يُصاب بعدوة تجعله يرتكب الكوارث والحماقات. انتهت فترة صمتهما بإسلام الذي اقترح بطريقة بدت وكأن هذا الاقتراح هو الحل الوحيد مع الأسف : - كدة مفيش غير جابر ومخيمر ... هما بس إللي يقدرو يعملو المُهمة دي أضافت داليا على حديثه بعد تفكير : - وأنا ممكن اتصل بقمر وريتا يساعدوهم ... هما كدة كدة عندهم قُدرات ذهنية وهيقدرو يعملو أي حاجة استحسن إسلام فكرتها، وتبقى فقط أن يتصلوا بهم ويُخبرونهم عن تلك المُعضلة، هما بالأساس لم يُخبرا أحدًا أنهما سيبتاعا الأسلحة، فكيف يُخبرانهم أن الأسلحة التي ابتاعها _ بطريقة غير قانونية_ تقبع الآن بين أيدي أشخاصٍ لا يعرفانهم وربما ينتهي بهما المطاف خلف قُضبان السجن بتُهمة الاتجار بالأسلحة. - تمام ... يبقى أنا هكلم قمر وريتا وإنت كلم مخيمر وجابر وافق إسلام على اقتراحها وبقي يتلفت حوله بحثًا عن جواله حتى سأل : - هو فين الموبيل ؟ تلفتت داليا حولها هي الأخرى حتى اردفت باستنتاج : - معرفش ... شكلهم أخدوه ... يارب ما يكون حد فيهم اتصل بماما وقالها إني عملت حادثة ... ده لو شمت خبر مش بعيد ألاقيها بتحضر لعزايا ما كادت تُنهي حديثها المُترجي حتى داهمها صوت ولولة تعرفها جيدًا تأتي من وراء باب الحُجرة مباشرة : - يا لاااااهوي... __________________________ يتحرك الضُباط أمامه ذهابًا وإيابًا ومعهم المجرمون مكبلون بالأغلال، يستند مُعتز على الجدار في حالة مُتغيبة لا ترغب بالتصديق، لا يُريد أن يُصدق أنه أتى لمكانٍ كهذا ليشهد على جرائم أخيه، ليراه مُكبلًا يذهب إلى قدره المحتوم خلف قُضبان السجن. تقف كوكي جواره ومعها بسملة تحملها على ذراعها بعد أن آبت تركها وحيدة بالمنزل خاصة وهي لا تعلم أين ذهبت والدة داليا وأين ذهبت داليا نفسها، كانت تُربت على كتفه برقة وتتابعه بنظراتٍ مقهورة ترغب معها بضمه والتهدئة من روعه : - don t worry ... هيبقى كويس لم ينبس مُعتز ببنت شفة وبقي في حالته المُتخشبة ورغبته الجامحة بصفع نفسه مئة صفعة حتى يفيق من هذا الكابوس، كان الجميع حوله يحاولون الاطمئنان على ميجو بعد أن هاتفهم معتز وطلب مُساعدتهم، بل هو لم يُهاتف سوى لؤي الذي أخبر زوجته، وجابر الذي رأى ميجو يتم جرٌه مع الشُرطة ليصعد مع المجرمين، وقتها تبعهم نحو مركز الشُرطة حتى يفهم ما حدث. استمر مثولهم أمام حُجرة النيابة لبضع ساعاتٍ زادت من قلقهم أكثر إلى أن ناهزتهم الشكوك وبدأت تؤكد لهم أن ميجو لن يخرج منها سالمًا. ترك لؤي حُجرة النيابة بعد أن كان يُتابع التحقيقات ويُدلي بعض شهوده وأقواله بما أنه يقطن مع المُتهم بنفس البناية، توٌجهت الأبصار نحوه على أمل أن يُعطيهم بعض الأمل ويُخبرهم أن ميجو سيخرج ببراءة. كان ميجو على الجهة الأخرى يتم دفعه بعيدًا عن الحُجرة مُكبلًا بالأغلال وربما يتم جذبه نحو الزنزانة. - هو في إيه ؟ هكذا سألت قمر بفصولٍ وقلقٍ فآجابها لؤي باطمئنان : - متقلقوش ... مفيش دليل يثبت إنه كان بيتاجر في الممنوعات، كمان كمية الحشيش إللي لقوها مش كبيرة ... بس التحاليل ممكن تثبت إنه كان بيتعاطي ... وده معناه إنه هياخد سنة سجن وغرامة كام ألف جنيه عارك مُعتز صمته وقرر أن يسأل رغبة في اجحام شكوكه : - هو ينفع أشوفه ؟ يريد فقط أن يعلم سبب ترك ميجو لتلك الممنوعات في منزله، يريد أن يثبت لعقله أن فؤاده على صواب، وأنه لم يرتكب خطئًا حينما قرر مساعدة شقيقه، لكن لؤي أحبطه بإجابته : - للأسف مفيش زيارة دلوقتي صمت بُرهة عن الحديث ثم قال مستئذنًا : - هروح اكمل الاجراءات... قطع جمعهم ليتحرك أمامهم ويُباشر أعماله، ربتت كوكي على كتِف مُعتز لتُهديء من باله وتُخبره أن كل شيءٍ على ما يُرام، بينما كانت قمر تُخرج هاتفها وتحاول الاتصال بداليا التي لا تُجيبها أبدًا حتى بدأ القلق يُداهمها. انتهى بها المطاف وهي تتصل بوالدة داليا لعلها تعرف مكانها، أو أن داليا ذهبت لزيارة أحد آقاربها مع والدتها وتناست هاتفها كما تفعل دائمًا، وضعت هاتفها على أذنها وبدأت تقول بهدوءٍ حتى لا تُصيب والدتها بالذعر : - ألو يا طنط ... معلش أنا بزعج حضرتك بس... بترت كلماتها ما إن داهمها صوٌت البكاء والولولة من الجهة الأخرى مما جعل فؤادها يهوي أرضًا، لكنها تذكرت فورًا أن والدة داليا تُضخم الأمور وتخلق من الحبة قبة كما يقولون. أنهت المكالمة وعوالم الخوف والقلق على وجهها، ربما صديقتها لم تلقي حتفها كما أوٌحت لها والدتها، لكن ما حدث لها أيضًا ليس هينًا، لاحظت كوكي عوالمها القلقة فسألتها فورًا : - كلمتي داليا ؟ آجابتها قمر بهلعٍ وهي تستعد للرحيل : - في مصيبة ... داليا وإسلام عملو حادثة بالعربية... أنا لازم اروحلهم استمع جابر إلى حديثهما مما جعله يسأل بذعر : - ده إزاي الكلام ده ؟... وهما عاملين إيه ؟ كان مُعتز قد ترك تجمعهم ليتجه صوٌب أخيه ويُتابع الإجراءات مع لؤي، بينما كانت قمر تتحدث بجهلٍ وقلق عمَ يُمكن أن تخلفه تلك الحادثة التي تعرضا لها، حقًا لا تعرف لمَ المصائب تأتي كلها مرة واحدة، ألا يكفيهم أن صديقهم تم القبض عليه ؟ - تعالو معايا ... أنا هوٌصلكم المُستشفى قالها جابر باقتراحٍ على أمل أن يطلبوا سيارة أجرة تقلهم إلى تلك المشفى، وبما أن الوقت متأخرًا، فركوب سيارات الأجرة الآن، ربما هو ليس حلًا جيدًا خاصة وهما فتاتان، أما بوجود جابر، فالوضع سيضحى أبسط مما يتخيلا. وافقت قمر على حديثه هي وكوكي وقرروا الذهاب إلى المشفى والاطمئنان على أصدقائهم، كانت كوكي تطلب منها بتحذيرٍ وهي تسير بجوار قمر : - إوعي تقولي لمامت داليا .... إنتِ عارفة إنها over protective وٌدت قمر لو تُطمئنها وتُخبرها أنها بالطبع لن تفعل ذلك، لكن ما حدث، هو أنها ازدردت ريقها بخوفٍ وهي تُدلي الحقيقة بصدق : - لأ ما هو .... مامت داليا هي إللي قالتلي إنها عملت حادثة.... _______________________________ صوت ولولتها بدأ يخترق الجُدران وهي تضرب على فخذها بدموعها المُنهمرة ووجهها الذي جفت دموعه من كثرة البُكاء والنحيب وكأنها في عزاء ابنتها : - ليه يا رب كدة يارب ... يارب دي كانت بت هبلة وغلبانة ... أااه، يا قلبي آااه ... أعيش أنا إزاي من غيرها ... أااه بقيت تنتحب أمام داليا التي تجلس على الفِراش تحاول إيقافها وإعادتها للواقع : - ماما ... يا ماما والله أنا لسة عايشة وكالعادة، لم تنصت لها بسمة وبقي نحيبها يخترق الجُدران وهي تقول : - يا عيني عليكي يا بنتي ... يا عيني عليكي وإنتِ لسة زهرة مفتحة ... دي كانت هبلة وعبيطة والله متستحقش إللي جرالها ده .... انفجر إسلام بالضحك على حديث والدة داليا بينما اشتعل وجه داليا حتى بدأت نيرانها تُحرق الأخضر واليابس، ألا يكفي أنها تبكي على رثائها وهي تجلس بجوارها، بل والآن تنعتها بالحمقاء والغيبة ولا تستحق مثل هذه الميتة ... مهلًا، أنتِ لم تموتي بعد أيتها الغبية. كادت تثب داليا من موضعها كمحاولة لإصمات والدتها لكن أوجاعها جعلتها تتأوه بألمٍ أخرج بسمة من غُمرة نحيبها وجعلتها تترك موضعها وتهرع نحوها حتى تُساعدها على الاعتدال وهي تقول بحنانٍ جارف كما لو أنها تناست عزاء ابنتها الوهمي الذي أقامته داخل رأسها وانقلب الوضع إلى مشهدٍ درامي من أحد المُسلسلات الهندية : - حبيبتي يا بنتي ... خليكي مكانك وأنا اعملِك إللي إنتِ عايزاه ابتسمت داليا على كلمات والدتها بينما كان إسلام يُطالعها ويُطالع والدتها التي تعتني بها بمبالغة جعلت داليا تلتفت له وتبتسم له بمشاكسة وغيظ، بل وربما كادت تُخرج لسانها له لأنها تتلقى الرعاية والاهتمام وهو لا يتلقاه. ما هي إلا بُرهة وجيزة حتى انفتح باب الحُجرة ودلف منها سيد والد إسلام وبوادر القلق على وجهه، لكن طبيعته المرحة أدت إلى نتيجة عكسية وهو يقول : - إيه يا إسلام مالك ... كدة تعمل حادثة من غير ما تقولنا ؟ تحرك سيد ليجلس على المقعد المجاور لفِراش إسلام بينما كان إسلام يرد عليه بسُخرية : - معلش يا بابا، المرة الجاية قبل ما اعمل الحادثة علطول هتصل ابلغك تدارك سيد سُخريته وبقي في حالة من الصمت لفترة وجيزة قطعها إسلام بسؤاله الفضولي : - إلا صحيح هي ماما فين ؟ رسم سيد بسمة مرحة على ثغره وهو يُجيب : - أمك يا سيدي في البيوتي سنتر ... أصلها عايزة تصبغ شعرها، فقالتلي اروح اطمن عليك وابقى اطمنها همهم إسلام بنفاد صبرٍ من والدته التي تهتم بنفسها كما لو كانت أميرة بريطانيا، تلفت نحو داليا الجالسة بكنف والدتها تتنعم بحنانها ثم التفت نحو والده الذي بقي يُحادثه ويُخبره بعض الدُعابات السمجة لعلها تُلطف على وجعه. بعد مرور أكثر من ساعة استأذن سيد ليُباشر بعض أعماله تزامنًا مع مجيء رفاقهما للاطمئنان عليهما، ألحت داليا على والدتها كي تعود إلى منزلها ولا تُرهق جسدها الواهن معها، فأصدقاءها سيتولن رعايتها، وبعد العديد من الالحاحات، ارضخت بسمة لكلمات ابنتها وصديقاتها قمر وكوكي وقررت الرحيل على أمل العودة في الصباح الباكر. جلست كوكي على المقعد المجاور لفراشها وعلى قدمها تقبع ابنتها بفراشها الذي يُحمل، كما جلست قمر على طرف الفِراش الخاص بداليا وبدأت بالاطمئنان عليها وإخبارها بما حدث معهم وكيف تم إلقاء القبض على ميجو. بعد بُرهة من الأحاديث بينهم قرر إسلام وداليا أن يُخبرونهم عن هذا الأمر الطاريء الذي هُم بصدده، فكلما تأخروا أكثر، كلما كانت فُرصة نجاتهما من جريمة أخرى تكاد تكون معدومة، لهذا السبب بدأت داليا الحديث بقولها : - احناا... عايزنكم في حاجة مُهمة هكذا بدأت الحديث بمُباشرة جعلتهم يتبادلون النظرات في حيرة، فيبدو أن الأمر له علاقة بكارثة ما، وما الذي سيتوقعوه غير ذلك، فحياتهم لا تخلو من الكوارث من الأساس. - في أسلحة في العربية ... والعربية دلوقتي راحت الصيانة بعد الحادثة... يعني فيه احتمالية كبيرة إن حد يفتح شنطة العربية ويشوف الأسلحة ويبلغ عننا أدلى إسلام الحقيقة بمباشرة جعلتهم يزدادون حيرة وتفاجؤًا إلى أن هتفت قمر : - أسلحة !! ... وإنتو إيه إللي يخليكم تجيبو أسلحة ؟ آجابتها داليا بتبريرٍ حمل قلقها : - كنا خايفين للناس اللي بيلاحقونا دول يعملولنا حاجة ... فقولنا نأمن نفسنا تدخل جابر بالحديث ليستسفر : - وهو إيه إللي خلاكم تعملو حادثة ؟ سأل هذا السؤال لأنه يعلم جيدًا أن إسلام شديد الحذر بالقيادة ونادرًا ما يتعرض لتلك الحوادث الصعبة، آجاب إسلام سؤاله بعد ترددٍ ونظراتٍ متبادلة مع داليا وكأنه يُخبرها أن لا سبيل من الكذب أو الإخفاء، يجب أن يُشركا أحدهم في تلك المصائب التي تقابلهما. - كان في حد بيلاحقنا .... وفجأة ظهرت عربية نقل ومعرفش إيه إللي حصل بعد كدة لم تترك داليا المجال ليتفاجؤوا مجددًا من كم هذه المفاجآت وقررت أن تُسرع بتنفيذ ما يبتغيانه لأن الوقت ينفد، لهذا السبب أردفت بجدية : - مش مُهم دلوقتي عملنا حادثة إزاي ... المهم نجيب الأسلحة قبل ما حد يشوفها تقدمت كوكي بجذعها لعلها تُساعدهم بتنفيذ الخُطة رغم أنها تعلم جيدًا أنها لن تشترك بها، فهي بخلاف ابنتها الرضيعة التي تتولٌى رعايتها، هي ليست جيدة أبدًا بالمُطاردات، وكلما تعرضت لواحدة منهم تنقلب إلى عصفورٍ صغيرٍ لا يفعل شيئًا سوى التغريد والصياح. - أنا ممكن اعرفلكم العربية راحت فين هكذا اقترحت كوكي لتُضيف قمر عليها : - وأنا هكلم ريتا اخليها تيجي تساعدنا ... بس محتاجين حد يكون معاه عربية غير ريتا عشان هي هتدخل معانا هنا تدخل إسلام وكأنه أعد كل شيءٍ مُسبقًا : - مفيش غير مخيمر ... هبقى اتصل بيه وأقوله .... بس لازم تنفذو دلوقتي قبل ما الأمور تتعقد.... _______________________________ في غُمرة الصِعاب، تجد الكوارث، وإن لم تجدها، فستفعلها بنفسِك.... وطأت أقدامهم مركز صيانة السيارات الذي عثرت عليه كوكي بالقليل من مهاراتها، فبالطبع تم إعلام إسلام عن المكان الذي ستذهب إليه السيارة ليتم تصليحها بعد هذا الحادث، كانت تقف ريتا خلف الباب مباشرة وجوارها قمر تُراقب المخزن من بعيدٍ هي وجابر الذي أتى لمعاونتهما وترك مخيمر بسيارته الفارهة ينتظرهم بالخارج ويستعد للتدخل إذا تأزم الموقف. كانوا يُراقبون توافد العُمال على العديد من السيارات التي يتم نقلها إلى مخزنٍ أشبه بالمرأب لكنه يحتوي على العديد من مُعدات الصيانة التي لم يعرفوا ماهيتهم بسبب جهلهم بتلك الأمور. ما جعل طيات قلوبهم تنخفض هو تلك السيارة الخاصة بإسلام والتي وجدوها خارج المرآب بوضعٍ مُهتريءٍ يجعلك تشعر وكأن فيلًا دهسها بأقدامه، ناهيك عن تلك الثقوب التي نتجت عن تبادل النيران، لا يعلمون كيف سيتم تصليحها بعد كل هذا، فحتى وإن قرروا بيعها كقطع غيارٍ لن يربحوا من وراءها ولو عُملة واحدة، والأهم من هذا كله، ما حال تلك الأسلحة المُتدثرة داخل السيارة والتي على الأحرى سيجدونها مُهشمة الآن. قطعت ريتا هذا الشرود باقترابها نحو المركز الذي لم يكن حديثًا لكنه مناسبًا لما تحتويه جيوبهم من أموال. - يلا ندخل ... قالتها بتقريرٍ لتدخل بعدها المركز ووراءها كلٌَ من قمر وجابر الذي أخذ يتلفت حوله حتى وجد واحد من العُمال يقترب نحوهم رغبة بمعرفة ما سيطلبونه، ما إن وثب الرجل أمامهم حتى بادر جابر بالسؤال : - سلام عليكم ... بعد إذنك إحنا بندوٌر على عربية واحد صاحبنا... هو عمل حادثة قبل كدة وقالنا إن في آمانة في العربية لازم ناخدها بداله بادل الرجل نظراته بينهم في شكٍ وداخله يعتقد أنهم مجموعة من اللصوص أتوا لسلب ما تحتويه تلك السيارة المُهشمة، لاحظت قمر شكه فأخرجت هاتفها لتُظهر صورة من البطاقة الخاصة بإسلام ومررتها قُرب الرجل متفوٌهة : - أهو ... ده صاحب العربية، اسمه إسلام ... وإحنا جايين بداله عشان هو عمل حادثة بقي الرجل في حالة وجيزة من الصمت حتى أردف بعوالم شكٍ لا تزال على وجهه وربما اجتمعت مع بعض المُكر : - مفيش حاجة في العربية بصق تلك الكلمات بصورة بدت واثقة لكنها زادتهم تعجبًا، فإسلام أكد على وجود تلك الأسلحة وعلى ضرورة استعادتها، فكيف يُخبرهم هذا أن لا شيء بالسيارة، أو ربما هو... قطعت ريتا أفكارها بنظراتٍ مُترقبة قالت معها : - هو حضرتك متأكد .... صاحب العربية أكدلنا إن في صندوق فيه حاجات مُهمة في العربية رمقها الرجل بنظراتٍ مقتضبة أنهى معها الحديث بقطعٍ : - زي ما قولت قبل كدة .... العربية مفيهاش حاجة، ولو عايزين تشوفو ... فللأسف مش هينفع عشان بتتصلح رماهم بتلك الكلمات المؤكدة ورحل بعدها تاركًا عوالم الشك والابهام على وجوههم خاصة ريتا التي وجهٌت بصرها نحوهما بحدة تزامنًا مع قمر التي هتفت بيأس : - إزاي الكلام ده ... إسلام قال إن كان في أسلحة بقيت نظرات ريتا ثاقبة كالصقر وهي تقول بثقة وصوتٍ مُنخفض : - الراجل ده بيكدب ... ميعرفش هو واقف مع مين قالتها بتحدٍ وهي تعدو صوٌب الرجل مجددًا وتناديه بصوتٍ مسموع : - لو سمحت يا أسطا التفت لها الرجل مرة أخرى ليجد قمر قد اقتربت من ريتا وجابر وثب بجوارها من الناحية الأخرى وثلاثتهم يُحدقون بهذا الكاذب بحنقٍ إلى أن وجهٌت قمر نظراتها نحو الرجل وبقيت تُحدق به بإمعانٍ حتى خارت قواه وأصبح مُغيبًا عن العالم، في تلك اللحظة تشدقت ريتا بصرامة وهي تعقد ذراعيها وكأنها تستجوب أحد المُجرمين : - الصندوق إللي كان في العربية راح فين ؟ ودون أن يدري الرجل، وجد نفسه يُجيبهم بتيه : - وفيق وعبد الله أخدوه على المخزن .... وقالو هيسترزقو منه ازداد حنقهم بعد تلك الكلمات وأدركوا وضاعة هذا الرجل ورفاقه المُخادعون اللصوص، تبادلت نظراتهم لوهلة حتى بادر جابر بالسؤال الذي وجهه نحو هذا الرجل المُغيب : - فين مُفتاح المخزن ؟ - مع عبد الله هكذا آجابهم الرجل قبل أن تُعيده قمر إلى واقعه ويرحل من أمامهم بعوالم الريبة التي لا تزال على وجهه، فهو لا يتذكر أي من الكلمات التي قالها ولا يتذكر أي كارثة أوقع نفسه ورفاقه بها. وقبل أن يرحل الرجل، كانوا قد سألوه عن سِمات هذا الذي يُدعى عبد الله حتى يسهل العثور عليه، فقد أخبرهم أنه أسمر البشرة كثيف اللحية وحليق الرأس ودائمًا ما يضع اللفافة داخل فمه خاصة وهو يعمل، وبما أن المركز لم يكن به سوى بضعة أشخاص، فكان سهلًا عليهم العثور على ذاك الذي يُدعى عبد الله والذي كان يرتدي ثيابًا زرقاء مليئة بالأتربة ويقف أمام سيارة شبه مُهشمة واللفافة داخل فمه أثناء توٌجهيه لذاك الصبي ذو العشرة أعوام. - أسطا عبد الله ؟ هكذا سأل جابر ليترك عبد الله ما كان يفعله ويلتفت نحو ثلاثتهم بغُلظة لا تترك وجهه أبدًا : - أيوة ... نعم يا أخينا وجه جابر نظراته نحو الصبي لأقل من ثانية ثم آعادها نحو عبد الله وهو يقول بجدية : - عاوزينك في حوار مُهم لاحظ عبد الله نظراتهم فحدق بالصبي وأخبره بصوتٍ آمر : - واد يا سعد ... روٌح إنت دلوقتي وابقى تعالى كمان ساعة وثب الصبي عن الأرض يُنفض الأتربة عن ثيابه قبل أن يستجيب إلى تعليمات عبد الله ويترك المركز بأكمله، عادت نظرات عبد الله الغليظة تُحدق بجابر وريتا وقمر لكن جابر حاول الوثوب أمامهما حتى لا ُتداهمهما نظراته الوقحة. - نعم ... حوار إيه إللي عايزني فيه ؟ سألهما بتهكمٍ فآجابه جابر بهدوءٍ وأدب : - عايزين مُفتاح المخزن .... في آمانة جوة عايزين نستردها استند عبد الله بجذعه على السيارة وهو يسأل بصوتٍ جهوري : - آمانة إيه ؟ تبع حديثه بأخذه لنفسٍ من لفافته وأطلقه في الهواء لتلفح أدخنته وجه جابر وتجعله يبتعد عنوة، فلطالما كانت رائحة السجائر تُذكره بحياته السابقة وتجعله يُصاب بالاشمئزاز، ومع ذلك منع ظهور هذا الاشمئزاز وهو يسأل : - صندوق كبير كان جوة عربية من العربيات اللي جات الصُبح ... والصندوق ده مُهم ولازم ناخده همهم الرجل بتفهمٍ بعد أن فهِم المغذى من حديثهم، وعلِم كذلك أنه لن يُعطيهم هذا الكنز الثمين لآخر نفسٍ بحياته، فهو ليس أي صندوقٍ وحسب، ما يحتويه هذا الصندوق إذا قام ببيعه فسوف يربح أضعاف ما يربحه لو عمِل لسنوات، لهذا السبب أنهى الحديث بصرامة : - مفيش مفتاح ... واتفضل يا شملول خُد حريمك واتكل على الله كانت نبرته وقحة دفعت الادرينالين داخل ريتا التي آرادت أن تضربه برأسها، وهذا ما جعلها تتقدم خطوة للأمام وتقول باندفاع : - يعني إيه مفيش مُفتاح .... بقولك الحاجة دي بتاعتنا ولازم ناخدها تحداها الرجل أكثر بكلماته الجهورية : - وأنا قولت مفيش مُفتاح .... والحاجة إللي بتدخل المخزن مش بتخرج تاني وجهت ريتا نظراتها صوٌب قمر تُخبرها بإشارات عينها أن ذاك الرجل قد جنى على حاله، وما كاد يرحل عبد الله من أمامهم حتى داهمته ريتا بوثوبها أمامه مباشرة والتحديق بعينيه بنظراتها الثاقبة والغاضبة التي جعلته يرمقها باستخفافٍ في باديء الأمر حتى.... اقشعر بدنه وبدأ يشعر بارتجافة تسري بجسده، خارت قواه مرة واحدة وجعلته يرتمي على الأرض واللفافة تسقط من يده، بقي يُطالعها بنظراتٍ مُستنجده ودموعه تنهمر لا إراديًا وكأن هذه الفتاة مارست عليه نوٌعًا من أنواع السحر، فهو لا يعلم أن بقُدرتها العجيبة جعلته يعود إلى ذكرى أليمة وأسرار مدفونة حتى بكى كالطفل الرضيع وهو يهتف باستنجاد : - لأ لأ ... أنا آسف... أنا آسف يا فوقية ... والله ما قصدي أقتلِك أنا آسف ... بقيت دموعه تنهمر بكثرة حتى انتهزت قمر الفُرصة ونفذت تعليمات ريتا الصامتة والتي كانت أن تُخرج هاتفها وتبدأ بتسجيل كُل كلمة يقولها هذا الرجل الذي يجد نفسه يفصح عن أسراره دون أن يدري : - أنا بحبك يا فوقية مكنش قصدي اقتلِك ... إنتِ إللي مكونتيش عايزة تعملي كدة بمزاجك ... أنا آسف ... انهمرت دموعه أكثر أمام نظرات ريتا المُستحقرة والمُنتصرة في نفس الوقت، فهذا الرجل أحقر مما كانت تتخيل بمراحل، وبما أنه أفصح عن أسراره بعد أن تحكمت بطاقته وعقله، قررت إنهاء تلك اللعبة وإعادت الصندوق بسُرعة. توٌقفت ريتا عن العبث بعقله وآعادته كما كان، حقيرًا وضيعًا؛ آفاق الرجل مما كان يفعله ليجد نفسه مُسطحًا على الأرض وآثار الدموع لا تزال على وجهه، وثب عن الأرض والحيرة لا تزال تُداهمه حتى وجد ثلاثتهم يقفون أمامه كسور الصين العظيم، يرمقونه بنظراتٍ مُحتدة حاقدة خاصة مع كلمات ريتا : - فين المُفتاح ؟ تنهد عبد الله بنفاد صبرٍ وهو يُعيد عليهم قراره بحدة : - أنا قولت مفيش مُفتاح تدخلت قمر هُنا لتُخرج هاتفها وتفتح هذا المقطع الذي التقطته له وهو يعترف بجريمته، فكانت نظراتها الماكرة مصوٌبة نحوه وهي تقول : - خلاص ... نبقى ناخد المُفتاح لما البوليس يطب علينا ... أو ناخده في الزيارة وإحنا معانا العيش والحلاوة أنهت حديثها بمزاحٍ وضحكة ساخرة تبعها جابر بحديثٍ مُهدد : - وليه بس نفوٌل على الأسطا ... مش يمكن يعطينا المُفتاح قبل ما نوٌدي التسجيل ازدادت زمجرة الرجل الذي تحوٌل إلى ذئبٍ مُفترسٍ وهو يمد يده بوقاحة صوٌب قمر رغبة في انتزاع هاتفها وتهشيمه إلى العديد من القطع لولا يد جابر التي منعته متفوٌهًا باستفزاز : - حيلك يا أسطا ... هو ضرب الحريم في سلوٌكم عادي ولا إيه ؟... إحنا كل إللي عايزينه مفتاح ... وبعدها مش هتشوف وشنا تاني هدأت النيران قليلًا داخل عبد الله وهو يقول : - وأنا إيه إللي يعرفني إنكم مش هتمسحو التسجيل بعد ما اعطيكم المُفتاح تدخلت ريتا لتُجيبه : - خليك معانا وإحنا بنجيب الآمانة ... وإحنا هنمسحه قُدام عينيك زفر الهواء من فمه كشُعلات نارية قبل أن يرضخ لهم عنوة وداخله يوٌد الفتك بثلاثتهم، فهو حتى لا يعلم كيف عثروا على اعترافٍ منه بتلك الطريقه. ساروا خلفه صوٌب المخزن حتى وقفوا قبالته مُباشرة ليُخرج عبد الله المفتاح من جعبته وينخفض بجذعه حتى يُدثره في القِفل ثم يرفع باب المخزن عاليًا حتى يستطيعوا الدخول، كان المخرن مليئًا بالأغراض البالية والمليئة بالأتربة ناهيك عن الظلام الذي لم يترك إنشًا بالمخزن حتى جعلك تعتقد أنك داخل تابوت أحد الأموات. فتح عبد الله الإضاءة التي كانت خافتة لكنها كفيلة بالسماح لهم برؤية هذا الصندوق الذي تحدث عنه إسلام، صندوقًا صلبًا من الخشب الذي تشقق قليلًا بفعل الحادثة، لكنه لا يزال متينًا يستطيع حماية ما بداخله. اقتربت قمر نحو هذا الصندوق وفتحته لتتأكد أنه هو، وجدت بداخله ثمانية أسلحة ذات تُراثٍ إيطاليٍ فاخر، أغلقت الصندوق مُجددًا وحاولت رفعه لكنه كان ثقيلًا لدرجة جعلت عروقها تبرز ووجهها يتلطخ باللون الأحمر وهي تُحاول رفعه عن الطاولة. - ده تقيل أوي لم تبدو الحيرة على وجه ريتا، لأنها تعلم كم أن الأسلحة ثقيلة، وتعلم أيضًا أن قمر هزيلة لا تقدر على حمل تلك الأشياء، بدأت تعثر بعينيها عمَ يمُكن مساعدتهم حتى وقعت نظراتها على صندوقٍ خشبيٍ كان يحتوي على قطعٍ غيار، أحنت جذعها لتلتقط هذا الصندوق وتبدأ بإلقاء محتوياته على الأرض بلا اكتراثٍ ثم ترفعه بجوار الصندوق الآخر وتبدأ بتقسيم الأسلحة على الصندوقين ليسهل حملهما. أصبح الصندوق أخف وزنًا فحملته ريتا كما اقترب جابر نحو الصندوق الآخر ليقوم بحمله لولا هذا الظل الذي غطا عليه مع كلمات قمر المُحذرة : - جابر حاســـب ترك جابر الصندوق مرة واحد وانتفض جسده ليبتعد عن البقعة التي يقف بها ما إن وجد نصل المدية يهوي بالقُرب منه، تحوٌل عبد الله إلى وحشٍ كاسر مرة واحدة جعلته يُخرج مديته ويحاول الفتك بثلاثتهم حتى لا يفضحوا سرٌه. انتشلت قمر الصندوق وقررت أن ترحل عن المخزن لتكتشف بعدها أن المخزن مُغلق، هذا الحقير أغلق عليهم المخزن واستغل انشغالهم حتى يُنفذ جريمته، ركلت الباب بقدمها بغضبٍ حتى داهمها ذاك الرجل مُجددًا ورفع مديته نحوها عازمًا على قتلها لولا انقضاض جابر عليه وإحاطته بذراعه. بقي يتحرك جابر يمينًا ويسارًا وهو يُحيط هذا الرجل المجذوب ويصرخ بقمر : - نيِميه بسُرعة كان يعلم جابر بُقدرتها لذلك أخبرها أن تُنفذ عليه تنويمها المغناطيسي ويتخلصوا من تلك المُعضلة، أخذت قمر نفسًا عميقًا لعلها تُهديء من روعها وهي تُمعن التحديق به لفترة وجيزة إلى أن غفى الرجل وهمدت حركته ثم سقط على الأرض مغشيًا عليه مُلقيًا لمديته أرضًا. أخفض جابر جذعه ليبحث عن المفتاح حتى أخرجه من جعبة عبد الله واستطاع فتح الباب بينما كانت ريتا تحمل أحد الصناديق وقمر تحمل الآخر وكلاهما ينتظران جابر وهو يفتح الباب حتى يرحلوا من هنا بسُرعة، لكن، ربما الحياة لن تدعهم وشأنهم أبدًا، فما إن فتح جابر الباب حتى وجد عدد غفير من الرجال يقفون قبالة المخزن مباشرة بعد أن استمعوا إلى صوٌت الشجار والصياح. تصلبت أهداب العاملون وهُم يجدون هؤلاء الغُرباء يتركون المخزن بوجهٍ أصفرٍ كقُرص الشمس، تغلغل الغضب حصون الرجال وهم يرمقون كبيرهم مُستلقٍ على الأرض فاقدًا للوعي تمامًا حتى بدا كجُثة فاقدة للحياة .... فاقدة للحياة بسببهم !!! ________________________ وظيفة القلب بدأت تتداخل مع الأقدام، فهو أيضًا يسوق الجسد إلى أماكن عديدة، لكن الفرق أن الجسد لا يعلم سبب ذهابه لتلك الآماكن.... دخلت مركز الشُرطة وهي لا تعلم ماذا ستفعل، فقد عاندت والديها وعصت أوامرهما رغبة برؤيته والترطيب على هذا القلب المكلوم، جلست داخل حُجرة النيابة بعد أن توٌسط لها لؤي حتى تستطيع رؤية نصفها الآخر وإضمار تلك النيران المتأججة داخلها. ما هي إلا برهة قصيرة من الزمن حتى انفتح باب الحُجرة وأطل منه ميجو بثيابه المُهترئة وشعره المُشعث، فهو لم يتم عرضه على النيابة بعد، لكن جميع المؤشرات تُشير إلى أنه سيبقى هنا لعامٍ من حياته، فهو قد تم إلقاء القبض عليه مُتلبسًا. جلس بهدوءٍ على المقعد أمامها مُكبلًا بالأغلال، لا يرغب بالنظر في عينيها البريئة وإغراقها في وحل قذاراته، آراد أن تنشق الأرض وتبتلعه حتى لا يتقابل معها مجددًا، فهي لا تستحق أن تكون مع شخصٍ مثله، ولم تكن علاقتهما صحيحة مُنذ البداية، وبعد ما حدث، زادت الفجوة بينهما وأصبح من الصعب أن يُبرر لها. - ميجو ... أناا ... جيت اطمن عليك قالتها بهدوءٍ وصوٌتٍ مُرتجف لم يستطع إخفاء حُزنها الذي تقاطر مع كلماتها، لم يشأ أن ينظر في عينيها وهو يُجيبها بجفاءٍ رغم ما يعتمر فؤاده من نيران : - أنا كويس لاحظت تهربه من نظراتها ومحاولاته المُستميتة لتجاهل قلبه والابتعاد عنها، لكنها آبت أن تتركه يفعل ما يُريد وأصرٌت على الحديث معه ومواجهته حتى تتخلص من تلك الحروق ويهدأ بالها : - لؤي قال إنك مش هتاخد أكتر من سنة إن شاء الله .... وأنا هجيلك في كل الزيارات عشان متحسش إنك لوحدِك حاولت صبغ كلماتها بالأمل حتى يتخلٌى عن جفافه ويردخ لبرائتها، لكنها وجدته يرفع حدقتيه الذابلتين نحوها ليُخبرها بقسوة : - هاتيجي ليه ... أنا مش عايز حد يجيلي ... بالذات إنتِ كم وٌد أن يصفع نفسه على تلك الكلمات القاسية التي يقولها بوجهها، كم آراد أن يتنحٌى عمَ يفعله ويعود إليها كما يحدث دائمًا، لكنه وجد أن هذا أنسب قرارٍ عليه اتخاذه، فلا مزيد من هذه العلاقة غير المتكافئة، لا بأس من شعوره ببعض الألم الناتج عن وجع الفُراق، لكنه أفضل مئة مرة من أن يجعلها تتعلق بآمالٍ واهية ويتسبب بكسر قلبها الرقيق. - مش عايزني ليه ؟... هـ...هو أنا عملت حاجة ؟... أنا والله قولت لماما إني مش هتجوز غيرك، وكمان جيت هنا من وراهم ... وو.. تجمعت الدموع بعينيها وما كادت تواصل حديثها المكلوم حتى قطعها هو بنبرة أليمة : - إرجعي يا شمس ... وجودِك هنا غلط، وجودِك معايا غلط من الأول .... أنا مش مناسب ليكي، ولا عُمري هكون مُناسب ... أنا كل حاجة في حياتي غلط ... أنا ذات نفسي جيت الدنيا بالغلط ..... ومش عايزِك تغلطي إنتِ كمان معايا .... بالله عليكي ارجعي، ارجعي وشوفي حياتِك من غيري ازدادت شهقاتها وبدأ وجهها يتلطخ باللون الأحمر ودموعها تنهمر كالأمطار الغزيرة، كل تلك الدموع لم تمعنها من التشدق بوجع وصوتٍ بدا مُرتفعًا : - بس أنا مش عايزة اشوف غيرك .... أنا معرفش حد غيرك أصلًا .... ومش عايزة أمشي استجمعت قواها وهي تواصل الحديث بألم : - صحابي في الجامعة كانو بيقولولي إن محدش هيحبني عشان أنا واحدة غريبة ... زادت دموعها حتى قطعت نُياط قلبه وهي تقول : - طلع كلامهم صح ... أنا مفيش حد هيحبني، حتى إنت كمان لم يتحمل رؤيتها بهذا المنظر، شعر أنه يؤذيها ويجعلها تفقد ثقتها بنفسها، كان يظن أنه يتركها من أجلها، لكنه اكتشف الآن أن عليه مواصلة الحرب معها، لن يترك هذا الملاك البريء يحمل السلاح وحده. ركع على ركبتيه أسفل رُكبتها وبقي يُحدق بعينيها ودموعها المُنهمرة والتي جعلته يقول بأسف آراد معه نفي حديثها : - صحابك كُلهم كدابين .... وأنا لو رجع بيا الزمن هحبك بدل المرة ألف .... ومش هسيبِك .... والله ما هسيبك تاني رفعت وجهها نحوه لتُجفف دموعها المُنسابة كي تُحدق بابتسامته الهادئة الأشبه بالبلسم الذي يُرطب على الجروح، وجدته يرفع أنامله ليُجفف دمعتها الواهنة برقة تبعت كلماته : - خلاص متعيطيش ... أحسن لو دخلو علينا دلوقتي مش بعيد يزودو على قضية الحشيش قضية دعارة قهقهت بخفة على دُعابته وهذا ما آراده بالضبط، آراد ألا يرى دموعها ووجهها البريء الذي يتحوٌل مرة واحدة إلى وجهٍ ذابلٍ أرهقته تعثرات الحياة، آراد فقط أن يرى ابتسامتها البريئة ووجها الصافي وكلماتها الساذجة البسيطة التي تخترق حصون قلبه، رماها بابتسامة أخيرة قبل أن يعود إلى مقعده ويواصل حديثه بهيام : - حقك عليا ... إنتِ متعرفيش إنتِ بالنسبالي إيه ... دا إنتِ النور إللي نورلي حياتي يا شمس اتسعت بسمتها بحرجٍ وهي تُضيف على كلماته بنفس طريقته الهائمة : - ولا إنت عارف بردو إنت بالنسبالي إيه ؟ ازداد فضوله وهو يسألها : - بالنسبالِك إيه ؟ رفعت وجهها نحوه ليرى ابتسامتها وهي تُجيبه بلهفة : - دودة القز تلاشت بسمته مرة واحدة وحلٌ محلها الغرابة والسُخرية أثناء قوله : - دودة القز .... وأنا إللي عمال أقول إنتِ نوري ونيني عيني ... وفي الآخر أنا بالنسبالِك زي دودة القز !! داهمتها وصلة الدفاع عن حقوق الحشرات مُجددًا وهي تهتف : - ومالها يعني دودة القز ... مش كفاية إنها بتتعب وبتشقى عشان تتحوٌل لفراشة قهقه بمرحٍ على حديثها مُتذكرًا تلك الأحاديث الساذجة التي كانت تدور بينهما فيما سبق، لكنه هذه المرة قرر مجاراتها قبل أن تنتهي مُدة الزيارة ولن يستطيع رؤية وجهها مرة أخرى، فكان يُحدق بعينيها بابتسامته المُتأملة وكلماته المسايرة : - ماشي يا ستي ... خليني أنا دودة القز... وإنتِ الفراشة إللي أنا عايز أوصلها أحنت رأسها بخجلٍ ما إن داهمتها كلماته الرقيقة ليتحوٌل مجرى الحديث بينهما إلى آخرٍ يحفه الهيام والمرح حتى انتهت فترة الزيارة وانتهت معها تلك النيران التي لم تترك قلبيهما وشأنه، لا تزال الرحلة بينهما طويلة، لكنهما سيبذلان قصارى جُهدهما حتى يتخلصان من تلك العواقب ويستطيعا الفوز في النهاية.... ____________________________ أن تتخلص من الوحش في مُنطقة عادية، أفضل مئة مرة من أن تتخلص من نفس ذاك الوحش في بُقعة مليئة بالوحوش... آحاطهم العاملون من كل حدبٍ وصوٌبٍ وأمامهما جابر يبسط ذراعيه لحماية ريتا التي تقف خلفه ومعها الصندوق وقمر تحمل الصندوق الآخر وجميعهم يُراقبون هذا الجمع من الرجال الغاضبون العازمون على الانتقام لكبيرهم. تقدم جابر بضع خطواتٍ لعله يستطيع التبرير لهم بصوتٍ مُرتعد : - بُصو يا رجالة ... الموضوع مش زي ما إنتو شايفين ... الراجل ده عايش ... حتى.. حتى روحو شوفوه وهتلاقو إن هو عايش عادي تجاهل أحد الرجال تبريراته وبقي يرمقه بنظراتٍ حادة قال معها : - رجٌع الصناديق لم يكن يعلم الرجل أن تلك الصناديق تخصهم، بل ظنهم مجموعة من المُجرمين يقومون بسرقة قطع الغيار من المخزن، خاصة وهم يحملون صندوقًا يحمل شِعار مركز صيانتهم. تدخلت قمر وهي تتقدم بضع خطواتٍ لعلها تنجدهم من تلك المحنة : - الصناديق دي فيها حاجتنا ... حتى بُص.. كادت تفتح الصناديق وتُريهم الأسلحة لولا تدخل ريتا بآخر لحظة لتقطع ما تفعله قمر قبل أن تُدمر كل شيء. - أيوة فيها حاجتنا ... ومن فضلك ابعد إنت وهو وسيبونا نمشي من هنا هكذا قالت ريتا بتحدٍ ليُداهمها الرجل بكلماته الأكثر تحديًا وهو يقول : - وأنا قولت محدش هيمشي من هنا بالصناديق ... طالما الصناديق خارجة من المخزن يبقى تخُصنا ... ومحدش لو دعوة بيها تراجع جابر بضع خطواتٍ حتى توٌقف أمام الصندوق الذي تحمله ريتا، طالعته ريتا بحيرة لكنه تجاهلها وهو يفتح الصندوق بهدوءٍ ويُخرج أحد الأسلحة مُغمغمًا : - هي الأسلحة دي فيها رصاص ؟ قطبت ريتا حاجبيها بحيرة ثم آجابته بجهل : - معرفش أخرج جابر واحد من الأسلحة وهو يقوم بتعميرها مُستخدمًا مهاراته الإجرامية التي اكتسبها قديمًا. - يبقى فيها قالها جابر وهو يرفع السلاح أمام أوجه الرجال الذين ارتعدوا في رُعبٍ وظنوًا أن الذي يقف أمامهم ما هو إلا مُجرمٌ هارب من العدالة، صبغ جابر صوٌته بالقيادية التي لا تليق به وهو يقول : - إبعد ياض إنت وهو ... إبعد رفع الرجال أيديهم باستسلامٍ أمام نظرات جابر الحادة، تحركت ريتا وقمر بخطواتٍ مدروسة خلف جابر اتجاه الباب، بقي السلاح مُشهرًا على أوجه الرجال حتى تأكد جابر أن ريتا وقمر تركتا المركز ومعهما تلك الصناديق، ما إن تأكد من هذا حتى وضع السلاح داخل جعبته استعدادًا للهرب هو الآخر. - متأخذونيش بقى ... ورانا مشاوير بصق تلك الكلمات ثم انطلق بأقصى ما لديه داخل المركز وخلفه أولئك الرجال يحاولون اللحاق به والنيل منه، واصل جابر الركض بسُرعة حتى قفز بمهارة على سيارة بالية عتيقة ليقفز على المزيد من السيارات مُستخدمًا مهاراته في المطاردة، لم يتوقف الرجال عن الركض وراءه والعدو بين السيارات وداخلهم شُعلات من الغضب من ذاك الأرعن والفتاتين اللتان نفدا بجلدهما. قفز جابر قفزة مُرتفعة ساعدته على الإمساك بحافة السور ليرفع جسده لأعلى استعدادًا للقفز من الجهة الأخرى، فهو يعلم أن مجموعة من الرجال ركضت صوٌب الباب حتى تمنعه من الرحيل، لا يعلمون أن الذي أمامهم يُسابق القردة في التسلق على الجُدران. - سلام يا أفندينا ... قالها جابر بشماتة قبل أن يقفز من الجهة الأخرى ويتشبث بأحد الأشجار ثم يقفز على الأرض ويواصل الركض حتى وجد سيارة مخيمر تنتظره على قارعة الطريق، فتح جابر باب السيارة واستقلها لينطلق مخيمر بأقصى ما لديه قبل أن يجد واحد من عُمال المركز يقطع طريقه.... زفرت قمر الهواء من فمها بأريحية قالت معها : - الحمد لله ... نجحنا ... ياريت بقى إللي حصل ده ميروحش للؤي ... ده ممكن يطلقني لو عرف، كفاية القضايا إللي دخلناه فيها ... آضاف جابر على حديثها بسُخرية : - دا لو قبض علينا مش بعيد ياخد ترقية ابتسمت قمر على سُخريته لتتدخل ريتا بالحديث كي تسأل بقلق : - وهما كدة مش هيبلغو عننا ؟ آجابتها قمر كي تُطمئنها وتُذكرها في نفس الوقت : - إنتِ نسيتي التسجيل ولا إيه ... أكيد إللي اسمه مش عارفة إيه ده هيكون خايف مننا آضاف مخيمر على حديثها ليزيدهم اطمئنانًا : - ده غير إنكم مسرقتوش حاجة من المخزن ... دي حاجتنا ... وأنا كمان هتدخل وهحاول انقل عربية إسلام من المركز ده قبل ما يعملو حاجة.... _________________________ مرٌت عدة أيامٍ حتى اختتم شهرٌ كاملٌ لم يتغير به الأحوال، لا يزال البحث قائمًا على طريقة للتثبيت ولا تزال المُطاردات والتحذيرات تغتابهم حتى اعتادوا عليها وأصبحت جُزءًا من حياتهم. في هذا اليوم وبعد أن اسدلت السماء ستارها وتشدقت بُعتمة الليل والنجوم اللامعة، كانت داليا ترتمي على أريكة البهو بجسدٍ أنهكته الحياة، قامت اليوم بإزالة ضمادة يدها أخيرًا بعد العديد من المعاناة والعديد من العمليات الجراحية، بقي فقط بعض جلسات العلاج الطبيعي حتى تعاود استخدام يدها بصورة طبيعية تمامًا، فهي لا تستطيع حمل المواد الثقيلة ولا تستطيع تحريك يدها بمرونة بسبب تلك الإصابة. كان إسلام جوارها يقرأ من كُتبه الدراسية بإنهاكٍ لا تراه عليه كثيرًا، تعلم أنه مُجتهدٌ بدراسته ووظيفته لكنه لا يُظهر هذا كثيرًا أمامها، ربما يخشى أن يتم نعته بالمُجتهد، وربما لا يُريدها أن تقطعه كما تفعل كل مرة، وكما ستفعل الآن. - إسلام ... إسلاام نادته بصوتٍ مسموعٍ بدا مُزعجًا بالنسبة له وهو يُغلق الكتاب ويلتفت لها متفوٌهًا بنفاد صبر : - نعم يا داليا رسمت داليا بسمة مُتلهفة على ثغرها وهي تقترب نحوه حتى جلست بجواره لعله يستطيع رؤية نظراتها المتوٌسلة وهي تقول : - ما تيجي نروح السينما .... إحنا مروحناش خالص من أول ما اتجوزنا اعترض إسلام اقتراحها بقوله : - هو احنا مش شوفنا كل الأفلام إللي في السينما ؟ كانت تعلم داليا أنه سيتحجج بتلك الحُجة لأنها دائمًا ما تطوف بروحها وتُشاهد العروض السينمائية دون أن تدفع ثمن التذكرة ودون أن يُلاحظها أحد، وعادة ما كان يُرافقها إسلام حتى تتسنى لها التعليق معه على أحداث العروض ويسخران منها كما يفعلان دائمًا، فلا أحد سيتذمر من حديثهما الذي لا يسمعه أحد من الأساس. - يا إسلام أنا عايزة اروح السينما بحق وحقيقي ... عايزة احس بملمس الكُرسي المُريح ... آكل فشار، يبقى ليا كُرسي أقعد عليه، كدة تقدم إسلام بجذعه وهو يحاول تلبية طلباتها بطريقته الخاصة : - يا ستي لو عايزة فشار ... أنا هقوم اعملِك بس تسبيني اذاكر زمجرت داليا بغضبٍ من حديثه حتى انقلبت توٌسلاتها إلى نبرة هجومية وهي تهتف بوجهه : - قوم بقى بطل سخافة .... إحنا متفسحناش خالص من أول ما اتعرفنا على بعض كذٌب إسلام حديثها حتى لا تنتصر عليه بتلك المعركة : - ليه وأنا مش جبتلِك قبل كدة أيس كريم ؟... وروحت قعدتِك في كوكي بارك ؟ ازداد الحنق على وجه داليا وهي تتشدق ببعض السُخرية : - يا إسلام هو إنت فاكرني بنت أختك .... أنا عايزة اتفسح فُسح كبار ... فُسح متجوزين تجمع الهواء داخل جوف إسلام ليُطلقه على هيئة أنفاسٍ مُحملة بنفاد الصبر من تلك التي لا تتوقف عن الالحاح، لا يعلم من عبث بعقله وأخبره أن الزواج هو الحل الوحيد للحياة السعيدة، يقسم أنه سيذهب إلى مشفى الأمراض العقلية بسببها. - ماشي يا داليا ... إدخلي البسي وتعالي نروح السينما قالها مُجبرًا حتى يتخلص من الحاحها وتتركه فيما بعد يواصل المذاكرة بهدوء، أما عن داليا، فكانت تُصفق بحماسٍ وطفولية وهي تبتعد عن الأريكة وتهرع نحو حُجرتها لتتجهز، لكنها قبل أن تخُط خطوة بعيدة عن زوجها حتى سألته بفضول : - هنروح فيلم إيه ؟ فكٌر إسلام هنيهة في ماهية ما سيُشاهدانه، وأدرك أنهما شاهدا مُعظم الأفلام التي يتم عرضها وهُما مُجرد أرواحٍ عابرة، انتهت أفكاره بابتسامة ماكرة وكلماتٍ مُطمئنة جعلها واضحة حتى تثق به وبإختياراته : - هندخل فيلم كوميدي ... وأنا إللي هختاره.... ________________________________ صوٌت صُراخها كاد يخترق الجُدران وهما في تلك القاعة السوداء وحولها العديد من الأشخاص المُنهمكون بمشاهدة الفيلم، ارتعدت أطراف داليا وهي تُشاهد شاشة العرض التي تعرض فتاةٌ وجهها مليءٌ بالدماء وملامحها مُتدثرة لا يظهر منها شيئًا، تجد تلك الفتاة المُخيفة تدثر أصابعها في عين رجلٍ مسكين يطالعها بُرعبٍ لا يختلف عن الرُعب الذي لا يترك وجه داليا بعد أن أدخلها إسلام هذا الفيلم الـ " كوميدي ". - يا إسلام وحياتك خلينا نخرج من هنا قالتها وهي تنكمش على نفسها بجوار إسلام الذي كان يُشاهد العرض بابتسامات واسعة بدت مُختلة بالنسبة لها، وحفنة من البوشار يُدخلها فمه كما لو كان يُشاهد عرضًا كوميديًا بالفعل : - إيه يا حبيبتي ما الفيلم حلو أهو .... دا لسة هتاكل دراعه أخفت داليا عينيها حتى لا ترى تلك المرأة المخيفة وهي تبقر بطن الضحية وتنتشل فؤاده، كادت الدموع تنهمر على وجه داليا وهي تهتف بتوٌسل : - يا إسلام أبوس إيدك خلينا نُخرج من هنا زادت قهقهات إسلام الشامتة وهو يراها مُنكمشة على نفسها تستمع إلى كلماته اللامبالية : - مش إنتِ إللي عايزة تدخلي السينما ... أهو ده الفيلم الوحيد إللي مشوفنهاش غضبت داليا من لامبالاته فهتفت بصوتٍ مُرتفع : - أنا مش عايزة اشوفه ... خلينا نمشي بقى أدت كلماتها المُرتفعة لغضب الرجل الذي يجلس خلفهما والذي نهرها : - لو سمحتي يا مدام خلينا نتفرج.... ولو عايزة تمشي اتفضلي من غير إزعاج تنهدت داليا بضيقٍ ورغبة عارمة داخلها بصفع إسلام وتلقينه درسًا على تلك الخديعة، فهو لم يُخبرها باسم الفيلم ولم يجعلها تأتي معه وهو يقطع التذاكر حتى يُفاجئها بهذا الفيلم الذي لا يتمتع به سوى الراغبون بجلد الذات، أو المختلون عقليًا. عاد كليهما إلى المنزل ولم تتوقف تذمرات داليا وسبابها لإسلام طوال الطريق حتى فتح إسلام باب المنزل : - تاني مرة .. أنا إللي هقطع التذاكر وأنا إللي هختار الفيلم .... يإما هروح بقى السينما من وراك ولوحدي لم يهتم إسلام لحديثها المُهاجم وبقي يُحادثها بهدوءٍ وبرودٍ وهو يدفع الباب ويستعد لدخول المنزل : - ماشي يا حبيبتي ... روحي السينما لوحدِك، أنا مش هقولِك حاجة كادت ترد على بروده حتى تُثير حنقه كما يفعل معها دائمًا، لكن جسدها تصلٌب مرة واحدة كما تصلٌب إسلام هو الآخر أمام هذا الذي يجلس على أريكة منزلهما بأريحية ويوليهما ظهره كما لو كان منزله. خرجت شهقة نابية من جوف داليا وعاود جسدها بالارتعاد مُتذكرة هذا الفيلم الذي كان عبارة عن شيطانية تتجسد بجسد إنسان وتدخل البيوت دون إذن صاحبها حتى تلتهم من بالمنزل، هذا الفيلم اللعين جعل مخاوفها تزداد أضعافًا وهي ترى أمامها هذا الغريب الذي يبدو أنه لا يُلاحظ وجودهما من الأساس. تجهمت ملامح إسلام وهو يتقدم فورًا نحو هذا الرجل ثم يهتف بغُلظة : - إنت مين ؟... ودخلت هنا إزاي ؟ ارتعدت فرائس الرجل وهبٌ واقفًا يُبادل نظراته بينهما في تيهٍ ووجهه ينم بالتعجب، بينما كان إسلام يُطالعه بغضبٍ عارمٍ وكان على شفة جرفة بالاتصال بالُشرطة حتى تُلقي القبض على ذاك اللص. - إنطق يا جدع إنت ... ولا عايزني أكلم البوليس كان إسلام يُحادثه كما لو كان شرطيًا يقوم بالقبض على أحد المُجرمين، بينما كان الرجل لا يزال في غُمرة تيهه ونظراته المتبادلة بينهما حتى انتهى به الأمر بسؤالٍ : - هو إنتو ... إنتو شايفني ؟ تعجبت داليا من سؤاله فأخذت تُغمغم بسُخرية : - هو شايفنا عُمي ولا إيه ؟ انتبه إسلام لغمغمتها لكنه لم يكترث لها وهو يقترب أكثر نحو هذا الرجل ليُحادثه بنبرة غليظة أكثر : - ولاا... انطق وقول إنت تبع مين بدل ما البوكس ييجي يلمك كانت عوالم الرجل هادئة وهو يقول مُطمئنًا : - متخافوش .... أنا محدش يقدر يشوفني تهكم إسلام من حديثه الذي لم يُصدقه : - ليه إن شاء الله ... عندك قوة خارقة ؟ اتسعت بسمة الرجل وهو يُجيب بهدوء : - لأ .... أنااا... أنا زي عفريت كدة ... مش كُل الناس تقدر تشوفني ... ناس مُعينة بس كان يُلمح على شيءٍ ما لكن تلميحاته لم تصل إلى داليا وإسلام اللذان كانا شبه متيقنان أنه لصٌ ويقول تلك الكلمات حتى يتركانه وشأنه، ازدادت حدة إسلام وهو يقول باستهجان : - إنت فاكرنا عُبط ولا إيه .... عايز تقولنا إنك عفريت، عشان نسيبك تسرق الشقة وتنفد بجلدك وتطلعنا مجانين في الآخر .... لا يابابا، دا إللي قدامك صايع ومعديها ... وعارف الشُغل ده كويس تلاشت بسمة الرجل وحاول طمئنتهما مُجددًا بنبرته الهادئة : - لأ والله أنا مش حرامي .... وممكن تتأكدو بنفسكم إن محدش تاني يقدر يشوفني أحنى إسلام جذعه لينزع حذائه وهو يقول باستنكار : - ماشي يا خويا ... لما نشوف مين فينا إللي عفريت أنهى الحديث وهو يُلقي الحذاء بقوة على الرجل، لكن الحذاء اصطدم بالخطأ بالتلفاز وكان الاصطدام قويًا أثر على شاشة الجهاز وجعله يسقط على الأرض. أطلقت داليا شهقة مرتفعة كادت تؤدي إلى توقف قلبها عن تأدية وظائفه، فتلفازها العزيز لا تعلم إن كانت ستستطيع استخدامه مُجددًا أم لا، هرعت فورًا نحو جهاز التلفاز وخلفها إسلام يطمئن على أمواله التي دفعها بهذا الجهاز ذو الشاشة العريضة. - إيه يا إسلام إللي عملته ده التلفزيون باظ.... قالتها داليا بصوٌتٍ غاضبٍ وهي ترفع الجهاز عن الأرض بمساعدة من إسلام الذي كان يُحاول تبرير فعلته : - مكنش قصدي أجيبها في التلفزيون .... أنا كنت بحدفها على.... قطع حديثه وهو يتلفت جهة هذا الرجل الغريب الواثب أمام التلفاز مباشرة ويبدو أنه لم يتحرك أثناء تلقيه تلك الضربة، اتسعت حدقتا عينيه في ذهولٍ كما اتسعت حدقتا داليا هي الأخرى وتحوٌل غضبها مما فعله إسلام، إلى تفاجئها من هذا الرجل الذي ظهر فجأة وجعل كلاهما يقولان بدهشة : - عفريت !!.... يُتبع 💕❤ ________________________________ تطورات القضية 1- نتنياهو رفض جميع طلبات بلينكن خلال زيارته الأخيرة لاسرائيل باستثناء " عدم مهاجمة حزب الله "، كما أن الخلافات والانقسامات قد زادت بين واشنطن وتل أبيب بسبب الحرب على قُطاع غزة. 2- طبيب فلسطيني يبتر قدم إبنة أخيه في المنزل بدون مُخدر. 3- أطفال اسرائيليون يسبون ويصرخون بأحد المُعلمين المتعاطفين مع غزة. 4- طفل بالثامنة من عُمره يتحدث كصحفي مرموق في غزة عن الأوضاع التي تواجههم ويستجدي الجميع بالمطالبة بوقف إطلاق النار وإعادتهم إلى المنازل. 5- محتجون يسيرون في تل أبيب ويطالبون بوقف إطلاق النار وتغيير السياسة والحُكام الاسرائيليون، ونشر السلام بين الفلسطينيون واليهود... ( لا تنسوا القضية ) _____________________________ ياريت تقولولي رأيكم في الفصل وفي الرواية بشكل عام ولو في أي أخطاء إملائية أو نحوية أو نقد على الرواية بشكل عام ياريت تقولولي ومتنسوش الفوت 🥰
نوران أشرف محمد