بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم مُستقبلًا أعظم مما حلمت، و حياة ألطف مما أردت .. اللهم توفيقًا و رضًا و حُبًا و خيرًا " _____________________ أيتها الدموع اللعينة، لما تتعمدين الانطلاق في الأوقات التي أمُثل فيها أنني الجدار الذي لن ينهدم مهما كانت الأوجاع، و لما تخشين التحرر من تلك المحاجر عندما تأتيني الرغبة في الاستسلام للمشاق، فحتى أبسط حقوقي و هي البكاء لا يُمكنني التحكم بها ... توقف الزمن عند هذه اللحظة، فكأن العالم توقف عن الدوران و هو جالس مكانه يخشى أن يتحرك مجددًا حتى لا يُدمر ما حوله، فالنيران بداخله كانت كفيلة بإحراق بلدة بأكملها... بقي جالسًا مكانه و شريط من الذكريات يمُر أمام عينيه مُنذ نعومة أظافره حتى هذه اللحظة ... حياة هادئة سعيدة مليئة بالدفء و الراحة ... لكنها كانت راحة مُزيفة، بل و حياة مُزيفة أيضًا .. كم هو صعب أن تكتشف في وهلة أن الواقع الذي تعيشه ما هو إلا أكذوبة كبيرة، أو مسرحية يتم تمثيلها بحرفية حتى ظن المُتفرج أنها حقيقية، لكنه ينصدم ما إن يُغلق السِتار و يُرغم على العودة إلى الواقع، يُرغم على ترك حُلمه الوردي ليهبط على عالمٍ يمتطيه الكذب و الخِداع، فكلهم خائنون ... كُلهم مُخادعون... كان هذا ما يدور بذهنه قبل أن يترك المقعد بعُنفوانٍ دفع معه الطاولة بحدة ليتحرك بعدها خارج الحجرة بأكملها.. لاح الذهول على ملامحها و هي تتابع ردة فعله بشفقة تجعلها تتصلب مكانها و لا تدري ما الذي تقوله، فقط أرادت أن تُكذب ما يقوله و تُخبره أنه ربما يخدعهما و أن التنويم المغناطيسي لم ينجح معه من الأساس، لكنها تعود و تُذكر نفسها أنها لا يجب أن تخدعه كما خدعه البقية، فأسوأ ما يُصيب المرء هو التعرض للخداع خاصة من أقرب الناس إليك . تركت مقعدها هي الأخرى لتركض وراءه بين أروقة مركز الشُرطة تحاول أن تناديه بصوتٍ مُرتفع لكنه لا ينتبه إليها و كأنها لا تتحدث من الأساس... - لؤي استني ... قالتها بنفاد صبرٍ ما إن توقفت أمام سيارته لتمنعه من استقلالها و المضي إلى وجهة ربما لا تعرفها لكنها مُتيقنة أن نهاية طريقه لن يضحى جيدًا.. صوٌبت حدقتيها على عينيه الحمراوين التي جاهدت كي تحبس الدموع داخلها، يبدو أنها كانت دموع الغضب التي اجتمعت بدورها مع دموع الضيق، حيث خرج صوته حادًا غليظًا و هو يُبعدها عن طريقه بطريقة فظة لم يعتدها أبدًا، فالغضب هو من يتحكم به الآن و ربما يجعله يرتكب أمورًا يندم على ارتكابها فيما بعد .. - سبيني يا قمر ... تشبثت بذراعه كي يتوقف عن التحرك و ينصت لمواساتها : - لؤي اسمعني ... أكيد عمو كان مجبور_ قطع حديثها بنبرة هجومية : - مفيش حد كان مجبور ... كلهم كدابين دفع يدها بحدة ثم استقل سيارته لينطلق بها بسرعة دون أن ينتبه إلى توٌسلاتها، فما إن رحل بعيدًا عنها حتى بدأت تقرض أظافرها بقلق لا تعرف ماذا تفعل و كيف تُهديء ثورانه، بل تدعو أيضًا بقرارة نفسها أن يمر هذا اليوم على خير دون أن يحدث أي حوادث.. بعد برهة من التُفكير وجدت سيارة أجرة تمر من أمامها فانتهزت الفرصة و آشارت بيدها حتى توقفت سيارة الأجرة فاستقلتها و انطلقت بها إلى وجهة تعرفها جيدًا و تعرف أن لؤي سيذهب إليها ... ______________________ يُحرك أنامله المُجعدة على ذاك الإطار القديم الذي يحوي بداخله العديد من الذكريات، تفحص الصورة بعينيه لوهلة و كم كان يوٌد أن يعود إلى تلك الذكريات الهادئة حيث الدفء و العائلة السعيدة، فقد تملكه الشيَب و لا يعلم إلى متى سيحيا لينعم بمثل تلك الأيام مُجددًا... أحس بيدٍ حنونة تهبط على ظهره ثم تقف بجواره لتنتشل منه الإطار بهدوءٍ كي تضعه بالصندوق و تتأمله في ذات الوقت، بقيا لفترة من الزمن في حالة من الهدوء قطعتها ثناء بنبرة قلقة : - تفتكر هيعرف الحقيقة ؟ ... كل يوم الكدبة بتكبر أحاطها بذراعه ليحتويها بداخله و يُحاول طمأنتها رغم القلق الجامح بداخله : - مينفعش يعرف_ اعترضته ببعض الهجوم : - بس إحنا هنكدب لحد إمتى ؟ ظل عبد الصبور صامتًا لا يعرف الإجابة حتى اخترقهما صوت لؤي الذي أتى في تلك اللحظة و معه عوالم الغضب الذي غلفه بالانكسار و الخُذلان : - ما ترُد عليها ... هتكدبو لحد إمتى انقبضت أساريرهما و هما يلتفتا ليُقابلا عيناه الحمراء و صوته المُتجلجل، بقيا لفترة في حالة من الصمت قطعتها ثناء و هي ترسم ابتسامة زائفة على ثغرها تبعتها بصوتٍ حنون يحمل ارتجافة بسيطة : - لؤي !! ... إنت ... إنت خلصت شُغل إقتربت خطوتين نحوه فابتعد بدوره عنهما و لا زالت عوالم الحقد تلوح على وجهه : - محدش يقرب مني ... وجه عينيه نحوهما ليواصل بانكسار : - أنا لما الدنيا بتيجي عليا و كل حاجة تطربق فوق دماغي كنت أول حاجة بعملها إني أترمي في حُضنكم .... أنا كنت مستعد أعمل أي حاجة عشانكم ... ليه في الآخر تعملو فيا كدة ؟؟ صرخ بآخر كلماته مما جعل الرهبة تتدفق بداخلهما و الدموع تكاد تُزين وجنتا ثناء من شدة خوفها لما هو آتٍ، بالطبع هناك ما يعرفه و يجعله يتصرف بتلك الطريقة... تشجع عبد الصبور و تقدم خطوة نحو لؤي ليُحاول التهدئة من روعه و كي يفهم سبب تصرفاته أو يتأكد مما يشك به : - أقعد يا بني و فاهمنا إيه إللي حصل قالها بعفوية و صوتٍ هاديء جعل لؤي يزداد غضبًا و هو يصرخ بكليهما : - متقوليش يا ابني ... إنتو مش أهلي سرق أنفاسه و جاهد كي يسجن دموعه و هو يوجه الحديث نحو عبد الصبور بعِتاب : - أنا كان المفروض اجيب قوات و أخليهم يقبضو عليك ... كان المفروض تبقى في السجن من زمان ... بس حتى دي مش قادر أعملها .... مش قادر أبلغ عنك رغم إنك واحد مُجرم صرخ مجددًا بوجهه مما جعل عبد الصبور يتأكد من الأسرار التي انكشفت للأسف، حاول إحاطته بذراعه لكن لؤي لم يسمح له فاكتفى بالتبرير لنفسه بندم : - أنا كُنت مجبور اعمل كدة ... مكنش هينفع حد يعرف إنك مش ابني ... وقتها مكنتش هتبقى ظابط و مكنتش هتحقق حِلمك ... أنا عملت كدة عشان مُستقبلك لم يتحمل لؤي المزيد من التبريرات فهتف بصوتٍ مُرتفع : - كفاية تبريرات بقى كفاية ... أنا عايز أعرف أنا مين ... و ليه مقولتوش إنكم متبنيني هنا تدخلت ثناء لتُخبره الحقيقة بوجه مُغرورقٍ بالدموع، فلطالما خشيت تلك اللحظة التي ستقلب مستقبلًا بأكمله : - إحنا مش متبنيِنك ... إنت اتوٌلدت هنا لاح التيه على وجهه و هو يسأل : - إزاي ؟؟ ... و أهلي فين ؟؟ وضعت يدها على كتفه و هو تُخبره بحنان : - أُقعد و إحنا هنفهمك كل حاجة استجاب لها و جلس على الأريكة كالانسان الآلي، جلست ثناء قبالته و جوارها عبد الصبور يحني رأسه بخجلٍ من مواجهة قرة عينه... ترددت ثناء قبل أن تأخذ نفسًا عميقًا أدلت معه الحقيقة : - زمان قبل ما أنا و عبد الصبور نتجوز ... كان في بنت غلبانة اتخطفت و هي عيلة ستاشر سنة ... عبد الصبور كان بيحقق في قضيتها بعد ما لقو البنت مرمية في الشارع و حالتها صعبة وجهت نظرة عابرة نحو عبد الصبور لتجده يُشجعها على المواصلة رغم خوفه مما هو قادم، آعادت نظرها نحو لؤي لتواصل : - عبد الصبور فِضل ماسك قضيتها لغاية ما اتقفلت ضد مجهول عشان مكنش في أدلة، رغم إن البنت كانت عارفة مين إللي خطفها بس مكنتش قادرة تقول، عبد الصبور بس إللي عِرف هو مين، و للأسف معرفش يثبت عليه حاجة .. أخذت نفسًا عميقًا ثم واصلت أمام عينا لؤي المُترقبة : - بعدها عدِت أيام و اسابيع، و أنا و عبد الصبور عملنا الفرح ... هو كان قايلي قبل ما نتجوز إنه مش بيخلف، و مع ذلك اتمسكت بيه و رضيت بقضاء ربنا .... لغاية ما ... في ليلة الدُخلة لقينا حد بيخبط على بابنا ... لما فتحنا لقينا البنت دي قُدامنا ... كان اسمها ليلى، و كان وشها مخطوف و بطنها كبيرة ... قالتلنا إنها حامل ... من إللي خطفها ... و إن أهلها إتبرٌو منها عشان سُمعتهم .... مكنتش تعرف غير الظابط إللي كان ماسك قضيتها ... استنجدت بينا عشان نساعدها ... و هي صِعبت عليا فدخلناها البيت ... فِضلت عندنا اربع شهور لغاية ما خلِفت ... جابت ولد تقاطرت بعض الدموع على وجنتيها فجففتهم لتواصل الحديث و هي تنظر له : - كان جسمها ضعيف فمستحملتش و ماتت بعد ما خلِفت علطول ... عبد الصبور قالي نوٌدي ابنها في ملجأ، بس أنا مقدرتش ... قولت إنك هدية و جاتلنا من عند ربنا ... وضعت يدها على راحتي لؤي الساخنتين كما وجهه الذي لم يتوقف عن الغليان، أكملت الحديث بصوتٍ مُتهدج نادم : - أنا إللي قولت لعبد الصبور يسميك على اسمه ... و لما الدكتور ده كان بيهدده إضطر يعمله إللي هو عايزه عشان خاطرك ... مكنش ينفع حد يعرف إنك_ قطعها بصوتٍ مبحوح و يده تُنتزع من بين راحتيها بحدة : - إني إبن حرام مش كدة ؟؟ .... مكنش ينفع حد يعرف إني جيت غلطة حاولت اعتراضه بأعينٍ حمراء و وجهٍ يكاد ينفجر بالبكاء : - لأ إنت مش غلطة ... إنت أهم حاجة بالنسبالنا دفع يدها بحدة ثم وثب من مقعده ليتحرك بعدها بسرعة حتى ترك المنزل بأكمله مُتجاهلًا صوت ثناء التي كانت تناديه بلا فائدة، ولا عبد الصبور الذي يتابع ما يحدث في صمتٍ لا يعرف ماذا يفعل بتلك الورطة و كأنه استسلم إلى ما سيحدث ... __________________ توقفت سيارة الأجرة أسفل البناية المُرادة لتترجل منها قمر و تهرول بسُرعة إلى داخل البناية ثم تستقل المصعد إلى الطابق المُراد دون أن تلحظ لؤي الذي يتحرك أمامها ليستقل سيارته و يذهب بعيدًا رغبة في نسيان ما حدث و حقيقة كونه عالة على والدته الحقيقية التي تٌوفيت بسببه... وجدت باب المنزل الخاص بلؤي مواربًا فدفعته لتدلف المنزل بتروٍ و تجد ثناء مُجهشة بالبكاء و عبد الصبور يتحرك في كل مكانٍ برأس يكاد ينفجر.. اتسعت حدقتيها بقلقٍ ثم جالت بعينيها في كل مكانٍ رغبة في العثور على لؤي لكن محاولاتها باءت بالفشل، إقتربت خطوتين من ثناء لتسألها بقلق : - هو لؤي فين ؟؟ كفكفت ثناء دموعها ما إن لاحظت وجود قمر و أدركت أنها طوق النجاة الوحيد لقرة عينها، وضعت راحتها على خاصة قمر كي تُخبرها بين شهقاتها و ألمها الدفين : - روحيله يا بنتي ... هو مش هيسمع حد غيرِك انفطر قلبها على حالتهما و آرادت بشدة أن تساعده لكنها لا تعلم حتى أين ذهب... - هو راح فين ؟ تشدقت ثناء بين دموعها : - معرفش ... معرفش واصلت البكاء بعدها مما جعل قمر تزداد ضيقًا و قلقًا، لكنها أيضًا تحاول التفكير في الأماكن التي من الممُكن أن يضحى بهم لؤي، فلطالما كانت ذاكرتها ضعيفة، لكنها الآن يجب أن تصب تركيزها و تعسر ذهنها جيدًا قبل أن يتوه لؤي في متاهة و لا تعرف مكانه أبدًا.. بعد فترة من التفكير قررت أن تذهب إلى مكانٍ ربما يضحى به لؤي لأنه أخذها أكثر من مرة إلى ذاك المكان و أخبرها أنه من أفضل الأماكن بالنسبة إليه.. ربتت على كتف ثناء لتُطمئنها بحديثها : - متقلقيش يا طنط ... أنا هدوٌر عليه ... ________________________ أمواج و أعاصير تلوج بداخله عازمة على تحطيم جداره الذي أضحى هشًا بسبب ما يحدث، لطالما آراد أن يُصبح كذاك العصفور الذي يقف على إحدى الصخور ليرتشف من تلك المياه الهادئة، آراد أن يُحلق عاليًا في السماء و يبتعد عن كل هذا... تتأرجح قدماه بتروٍ أعلى سفحة المياه لعلها بتلك الحركات قد تُقلل بعضًا من اضطراباته، كاد عقله يلتهمه من كثرة التفكير مما جعله يمسك رأسه بكلتا يديه و بداخله يصرخ : توقف أيها العقل اللعين، يجب أن تدٌعي أن حياتك مثالية لتواصل الحياة ... لطالما أحب أن حياته تمتليء بالإثارة و المغامرة، فعلى الأقل يجد هدفًا مما يفعله، أما الآن ... فهو لا يعرف كيف يواصل حياته، لا يعرف كيف يتستر على مُجرمٍ كان بالأصل والده، لا يعرف كيف يُخبر الجميع أنه لقيط أتى هذا العالم بالخطأ ... أرخى رأسه للوراء كمحاولة لإزاحة تلك الأفكار اللعينة، فكلما هزمته أفكاره، كلما أصبح أسيرًا لها و عذبته بنيرانها... أسند راحته على الجسر الخشبي الذي يجلس عليه ثم أغلق عينيه و فتحهمها لعل الهدوء يأتيه بتلك الحركة. أحس بخطواتٍ هادئة تقترب نحوه و صوتٍ عذِب يعشق الإنص
نوران أشرف محمد