بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم إجعلنا عند النُعماء من الشاكرين و عند البلاء من الصابرين و لك في جميع أمورنا ذاكرين " ___________________________ يسعى الإنسان حتى يصل إلى تلك النجمة المتلألئة في السماء، و عندما يصل إليها يجد لهيبها غمر طياته و أحالته إلى كُتلة من الرماد، فربما عجزنا عن الوصول إليها لا يكمن في غرقنا في بحورٍ من الفشل، بل يكمن في حمايتنا ... أشرقت شمس يومٍ جديد و كانت السماء صافية تلفحها حرارة من الشمس جعلت الظلال تُرتسم على الطريق و كأن فنانًا استخدم ألوانه السوداء ليرسمها، تجلس كوكي بإحدى المقاهي حديثة التراث تحتسي قهوتها كالعادة و تتناول فطورها المكون من إحدى الشطائر الفرنسية الطازجة، يجلس أمامها مُعتز بعد أن أصرٌت عليه ليشاركها تناول الفطور على الرغم من أنه لا يتناول تلك الأشياء التي لا يعتبرها صنفًا من أصناف الفطور، بل يعتبرها فقط من المقبلات. تحدثا في العديد من الأمور الخاصة بحياتهما و كانت أحاديثهما مليئة بالمرح و المزاح و بعض الجدية التي اقتحمت أحاديثهما و تغاضا عنها لرغبتهما بالاستمتاع بأوقاتٍ هادئة، تحدثت كوكي بصوتٍ هاديء يتكلله بعض الحُزن و الاشتياق : - لولا إن مامي اتوفت ... مكنتش هاجي هنا ... عشان مامي أصلًا من أمريكا، و بابي كمان نصه أمريكاني ... و كان بيحب مامي أوي، عشان كدة مقدرناش نفضل في نفس المكان إللي ماتت فيه أنهت حديثها بحزنٍ أنكست معه رأسها لأسفل، لم يستطيع معتز منع فاهه الذي سأل بفضول : - هي ماتت إزاي ؟ رفعت رأسها و هي تُجيبه بسرعة : - كانسر ... كان عندها كانسر و ماتت - الله يرحمها قالها بهدوء فآمات رأسها تباعًا و لم تتفوه بالمزيد من الأحرف خشية من أن تخونها دموعها و تفر هاربة، بعد برهة من الصمت جففت كوكي لمحات الحزن من عينيها لتسأل بنبرة تحفها اللهفة و الفضول : - و إنت بقى ... فين مامتك و باباك ؟؟ زاغ ببصره في عدة أماكن لا يعرف كيف يُخبرها الحقيقة، لكنه بالنهاية أردف بنبرة حاول جعلها عادية رغم حزنه الدفين : - ماما ماتت بسكتة قلبية ..... و بابا ... لم يستطع التفوه بالمزيد خشية من فتح دفاتر الماضي التي يجاهد حتى يغلقها تمامًا، استجمع قواه و هو يقول جزءًا من الحقيقة : - معرفش هو فين ... و مش عايز أتكلم في الموضوع ده تفهمت كوكي رغبته و أومأت رأسها لتستكمل فطورها في هدوء، حاول معتز تدارك الأمر باقتراحه المرح : - مش لسة قدامِك شوية على الشُغل ؟ أومأت كوكي رأسها إيجابًا فوجدت معتز يهرع من مقعده و يردف بحماس : - طب تعالي عايز أوريكي حاجة انتشل الشطيرة التي أمامه و التي لم يتناول منها شيئًا، ثم ترك المقهى و تبعته هي في لهفة ترغب في معرفة ما سيريها، وجدته يقف عند مجموعة من الطيور و طفق يركض بينهم لتُحلق الطيور فوق رأسه و تُخلق لوحة فنية تم تلوينها بضروبٍ من السعادة، شاركته كوكي الركض حتى وثب كلاهما بين الطيور ليلقيا عليهم فتات من الخبز و يمرحا لبعض الوقت غافلين عن متاعب الحياة التي قد تقذف بهما نحو الهاوية .... ______________________ حركت يديها عدة مراتٍ لعلها تتخلص من تلك القيود التي تُعيق حركتها، فهي على هذا الوضع منذ البارحة بعد أن استسلمت لهم و جعلتهم يُقيدونها هي و لؤي و يضعونهما داخل حجرة شبه مُعتمة ليقضيا فيها الليلة على أن يتم قتلهما أو إجبارهما على إحضار الأدلة الخاصة بفاتح كما أخبرهما، كانت الأفكار تدور حول رأسها و القلق ينهش فؤادها مما سيحدث، كل ما كانت تُفكر به هم عائلتها الذين لا يكترثون لها البتة، بل من الممكن أن يُقيموا إحتفالًا بعد اختفاءها حتى، أما عن صديقاتها فربما لا يعرفن من الأساس بأمر اختفاءها، فلم تمر سوى بضع ساعات على تركها لمنزلها و بقاءها في تلك الحجرة مع ذاك الضابط المدعو بلؤي. كان لؤي مُقيد جوارها على المقعد بعد أن غُطي وجهه بالجروح و الكدمات، مع ذلك لا يزال يحافظ على صرامته و اعتصار ذهنه بحثًا عن طريقة يستطيعا الفرار من خلالها. - هنعمل إيه دلوقتي ؟ قالتها قمر بصوتٍ مُتذمر و هي تحاول فك قيدها، حيث كادت الدموع تفر على وجنتيها رهبة من ذاك الموقف و كلما تذكرت ما يُمكن أن يحدث لهما و الذي بالطبع لن يضحى هينًا، لم يُجبها لؤي في البداية لأنه غارق في أفكاره و لا يُريد لأحد أن يقطعه، فهي لم تتوقف عن الثرثرة و إلقاء اللوم عليه : - إنت السبب على فكرة ... أنا لو كنت لوحدى مكنش حد قدر يلمس شعرة مني قالتها بتعالٍ جعله يخرج من قوقعة أفكاره و يتوٌسل لها كي تتوقف : - بالله عليكي يا قمر إسكتي ... خليني أشوف هنخرج من هنا إزاي مرٌت برهة من الصمت لم تتوقف فيها قمر عن الندب و السب على حظها التعيس الذي سيجعلها تفقد حياتها، و بطبيعتها المتشائمة أضحت متيقنة أنها ستلقى حتفها لا محالة، حيث مرٌت حوالي ساعتين على تلك الحالة قطعتها هي و كأنها لحظاتها الأخيرة : - طب أنا عايزة أقولك على حاجة انتبه لؤي لحديثها فأكملت إعترافها : - أنا صحيح اسمي قمر ... بس أنا عاملة زيه بالظبط، تحس إن أنا مهمة و بنوٌر و شكلي حلو من بعيد ... بس لما تقرب مني هتلاقيني فاضية و مليش لازمة والله ... مش حِمل ده كله أردعها لؤي بحديثه الأشبه بالسكاكين الحادة : - قمر أنا عارف إنك فاضية و ملكيش لازمة ..... فياريت تسكتي عشان أعرف أفكر قالها بصوتٍ مرتفع كي تتوقف عن الثرثرة، لكنها ما إن استمعت لحديثه الوقح حتى أطبقت على شفتيها بحنقٍ قالت معه : - أنا فاضية !! ... ماشي يا لؤي .. إبقى شوف بقى مين إللي هيخرجك من هنا استجمع لؤي أنفاسه ليحادثها بهدوء : - هو مش إنتِ إللي قولتي على نفسِك كدة !! ... و بعدين هتساعديني إزاي يعني إنتِ مش هتقدري تعملي حاجة هنا و قد اشتعلت براثن قمر حتى أقسمت على هدم معتقداته و إثبات العكس : - بقى كدة !! ... أنا بقى هوريك أنهت حديثها المُحمل بالإصرار بتصفيرة عالية نادت معها على فردٍ من أفراد هذه العصابة : - يا عالــــم ... يا جماعة ياللي هنا صرخت بأعلى صوتٍ لها مما جعل إحدى الحراس يقتحم الحجرة و معه سلاحه و نبرة غاضبة ارتسمت على وجهه : - في إيه يا أنسة ؟؟ إقترب قليلًا نحو قمر التي رمقته بنظرة مُستعطفة متوٌسلة : - بالله عليك عايزة أروح الحمام ضروري ... أبوس إيدك فكني و أنا والله مش هتأخر ... بقيت تتوٌسل له على الرغم من رفضه التام إلى أنها أخبرته أنها فتاة لا حول لها ولا قوة و لن تُحدث أي من المشكلات ما أن يتم فك قيودها، كذلك ساومته على لؤي و أخبرته إذا حاولت الفرار فمن حقهم أن يقتلوه و هذا ما جعل لؤي يرمقها ببعض الغضب الذي كبته بداخله ليرى ما ستفعل. إرضخ الحارس لطلبها بالنهاية على أن يبقى معها و يحرص على عدم فرارها، لكنه ما إن فك قيدها حتى استغلت قمر الفرصة و ألقت نحوه نظرتها الثاقبة التي جعلته يهوي على الأرض بعد بضع دقائق؛ رسمت ابتسامة ماكرة مُنتصرة على ثغرها ما إن استطاعت فك قيودها بتلك السهولة، استدارت بعدها نحو لؤي لتُخبره عن نجاحها بتعالٍ : - شوفت ... قدرت ولا مقدرتش ؟؟ ربطت ذراعيها بتملقٍ انتظرت منه إطراءًا لها أو شكرها حتى، لكنه واجهها بلامبالاة و هو يقول : - برافو ... يلا بقى فُكيني اغتاظت قمر من لكنته اللامبالية لذلك تملقت عليه أكثر و هي تقول : - أقكك !! .... لا .. أنا مش هفكك غير لما تعتذر عن إللي قولته جففت أظفارها و كأن الطلاء عليهما على الرغم من أنه لا يوجد شيء، فهي تفعل تلك الحركة من أجل التباهي ليس إلا، تنهد لؤي ليستجمع قواه قبل أن يسايرها و كأنها طفلة رضيعة : - ماشي ... أنا آسف .. إتفضلي بقى فُكيني تعالت عليه أكثر و أصرٌت على حديثها : - لأ ... الاعتذار ده مش من قلبك أنا عايزة اعتذار تاني منع لؤي سبة كاد يطلقها و اكتفى بالتمتمة بنفاد صبر : - يا الله يا ولي الصابرين رفع من نبرة صوته ليصبغها بالهدوء الزائف المُغطى بضروبٍ من الغضب : - أنا آسف يا قمر ... ممكن بقى تفُكيني قبل ما ياخدو بالهم - قولي أنا آسف يا أنسة قمر ياللي ساعدتينا نُخرج من هنا قالتها بتعالٍ أكثر ليتذمر إثر حديثها و يرفع قليلًا من صوته الذي تشبه قليلًا بالتوبيخ : - قمر إحنا بالمنظر ده هنفضل هنا ... كذبت حديثه بثقة : - و مين قالك الكلام ده ... أنا ممكن بسهولة أمشي هنا ... و إنت إللي هتفضل محبوس كانت بالفعل تبتعد عنه و تتركه مُكبلًا بالأغلال بسببها، أغلق عينيه و فتحهما بتروٍ حتى يحافظ على هدوءه كي لا ينفجر بتلك المتعجرفة و هو يقول باستسلام : - تمام ... أنا آسف يا أنسة قمر يإللي ساعدتينا نخرج من هنا ... اتفضلي بقى فُكيني استدارت قمر نحوه لتوافق أخيرًا على طلبه و تبدأ بإحلال قيوده، وثب لؤي من المقعد ثم انتشل السلاح الذي كان مع الحارس المغشي عليه معهما، رفع الحارس بمساعدة من قمر ليُكبلوه قبل أن يفيق من غفوته و يُعيق تحركهما. تحركا بخطواتٍ مُتمهلة خارج الحُجرة و كان لؤي يُشهر السلاح أمامه و قمر تختبيء خلفه و كأنه السور المنيع الذي تتحامى به، ما إن خطت قدماهما خارج الحجرة حتى إرتدت أجسادهما فجأة بسبب أصوات الطلقات النارية التي بدأت تدوي في كل مكان، أخفضت قمر جذعها مع صرخة خرجت منها ما إن لمحت طلقة نارية تكاد تقترب منها، اما عن لؤي فأخذ وضعية الاستعداد و بدأ يُطلق النيران دفاعًا عنهما في ذاك الجو المشحون بالمخاطر ... و على جهة أخرى إنزوي أحد الحراس بُثكنة ما ليتحدث على الهاتف و يردف بفزع : - فاتح بيه ... المعلم ميخا هجم علينا ... _______________________________ وطأت أقدامهما بناية ضخمة يحفها الحُراس من كل جانب، كانت أعينهما تتفحص المكان بعناية و كأنها أول مرة يرون بها شيئًا بهذه الفخامة، أو هي بالفعل أول مرة، فهما لم يتوقعا أن يدلفا معملًا كهذا مليء بالأجهزة و المُعدات الحديثة و كذلك العلماء الذين انشغل كُل منهم في إختراعٍ أو تجربة يقومون بها، فتحت داليا فاهها بذهول لم تكن تعلم أن مثل هذه الأماكن لها وجود في تلك البلدة و كذلك كانت حالة إسلام الذي التهم الفضول أركان جسده رغبة في استكشاف كل بقعة هنا و معرفة ما يفعله العلماء. قطع ذهولهما أحد الحراس الذي منع تقدمهما بصرامة : - ممنوع الدخول ... توقفا عن السير حتى أخرج إسلام البطاقة التي أخذها من شرف ليعرضها أمام الحارس كي يتأكد أنهما من طرفه : - إحنا تبع الأستاذ شرف انتشل الحارس البطاقة من يده ليتأكد أنها أصلية، حافظ على صرامته و هو يسألهما : - اسمكو إيه ؟ تبادلت نظرات داليا و إسلام لأنهما لم يُخططا للاسم الذي اختاراه بعد، أردف إسلام أولًا بأول اسم قد خطر على باله : - إيه ... فرغلي ..اسمي فرغلي أنهى حديثه بابتسامة هادئة أخفت كذبه و جعلت داليا تتجرأ و تردف أيضًا بأول اسم بدر إلى ذهنها : - و أنا راشيل سمحون عقص إسلام حاجبيه بغرابة من ذاك الاسم الذي يبدو و كأنه مثيرًا للشكوك نحوهما، أومأ الحارس رأسه بلامبالاة ثم أدخلهما إلى المعمل على أن ينتظرا المدير بإحدى المكاتب الفاخرة. يسير الحارس أمامهما كي يوجههما بينما كان إسلام يهمس بأذن داليا موٌبخًا : - سمحون !! .. بتختاري اسم يهودي ... إنتِ عايزة تجِبلنا الكلام بررت داليا لنفسها : - منا كنت بتفرج على رأفت الهجان فالاسم علق في دماغي ... و بعدين إيه فرغلي ده شايف نفسك بتاع عصير سخرت منه مع آخر كلماتها فبرر لنفسه : - بتاع عصير أحسن من الاسم الغريب بتاعِك ده توقفا عن الثرثرة ما إن توقف الحارس عند إحدى المكاتب الفاخرة و طلب منهما أن يدلفاها و ينتظرا المدير ليتحدث معهما بشأن البحث كما اتفقا، كانت الحجرة فسيحة يغمرها اللون الأسود الذي أعطاها أناقة ساحرة، جلست داليا على أريكة سوداء مريحة و أرخت ظهرها للوراء كما لو أنها على وشك أن تغط في النوم بسبب نعومتها، أما عن إسلام فبقي يتجول بالحجرة و يعبث بتلك الكتب الغريبة ذات اللغة الأجنبية . دلف صبي المكتب ليضع أمامهما كوبين من القهوة ترحيبًا بهما، إرتمى إسلام جوار داليا يرمق هذه القهوة الفاخرة التي غطتها طب
نوران أشرف محمد