بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم أبدل قلقنا سكينة و همنا إنشراح، و سُخطنا رضا، و خوفنا طمأنينة، و عجزنا قُدرة، و ضيقنا فرح، و عُسرنا يُسر، و ضعفنا قوة " ______________________ تلك الشجاعة التي تدفعك لخوض طريق وعرٍ مليءٍ بالمعوقات، تختفي ما إن تُصبح بمنتصف الطريق ... - بِعتـــها !!! خرجت هذه الجملة من أفواههم بصوتٍ واحدٍ و بنبرة مرتفعة تجعلك تعتقد أنها ستهدم الجدران، أما عن مُعتز فكان يرمقهم بتيهٍ لا يفهم سبب حاجتهم لتلك المزهرية، لكنه استقبل نظراتهم اللائمة ببعض الارتباك الذي جعله يتيقن أنه افتعل جُرمًا جثيمًا... - يعني إيه بعتها ؟؟ ... و بعتها ليه من غير ما تقولي ؟؟ كان هذا سؤال إسلام المصوٌب نحو معتز الذي آجابه بتبرير : - و الله ما أعرف إنكم عايزين الفازا ... بقي يُبرر لنفسه و كم أن هذه المزهرية ستجعله يجني المزيد من الأموال التي هو بأشد الحاجة إليها : - طب إنت بعتها لمين ؟؟ سأله لؤي بصرامة فآجاب مُعتز بعد تفكيره لبرهة قصيرة : - بعتها لواحد من إللي بينقلو العفش، هو قالي هيتصرف فيها هدأ لؤي من تلك الأوضاع المُرتبكة بإدلاءه للحل النهائي : - خلاص ... إحنا هندوٌر على الفازا الأول و بعدها أنا هقولكم هنعمل إيه بالظبط وافقوه الرأي على أن يتم العثور على تلك المزهرية و تلك الورقة المهمة المُتدثرة بداخلها، فبدون تلك الورقة لن يستطيعوا اختراق المعمل و أداء مهمتهم و تلك الحية بطة تقف أمامهم ... أما عن داليا فكان الغضب يتملكها خاصة بعد أن ائتمنت إسلام على تلك الأوراق و هو قد أضاعها، فهي ترى أنه تعمد وضع الورقة في مكانٍ أحمقٍ حتى يفقدها و يستطيع أن يهرب بتلك النقود التي جناها من تلك التجربة، و لا يضطر التخلي عن تلك الأموال بعد أن يُدمروا أبحاثهم، لذلك كان الغضب طاغٍ على صوتها و هي تُخبره : - في الأول سمعت كلامك و عملت الأبحاث إللي ممكن تبقى خطر على البشرية، و دلوقتي مش قادر تحافظ على حتة ورقة هنستخدمها !! اضجر إسلام من لكنتها المُعاتبة فحاول التبرير لنفسه ببعض الحدة : - أنا مليش دعوة بإللي حصل_ قطعت حديثه بغضبٍ أكثر : - لأ ... إنت السبب في كل ده ... و الورقة إنت إللي مسئول عنها و إنت إللي مسئول ترجعها ... انا خلاص تعبت أدلت بهذه الجملة ثم رحلت من أمامه تاركة إياه يرمقها بعوالم الضجر من تصرفها، ففي النهاية يجب أن يضحيا بمركبٍ واحدة و إلا تدمر هذا العالم بسببهما ... _____________________________ مرٌت بضعة أيامٍ لم تتغير فيهم الأحوال، لازالوا يبحثون عن تلك المزهرية و لا زالوا يتحدثون عما سيفعلونه مع ضُرغام و كيف سيقفون أمام خططه المُدمرة، كذلك انتقل إسلام و مُعتز إلى البناية الخاصة به بعد أن أتى والداه من السفر لينتقل إسلام للمبيت معهما و يترك معتز ليبيت في منزلٍ آخر بنفس البناية بعد أن أخذ مفاتحيها من والداه... بهذا اليوم، كان سيد والد إسلام داخل المنزل يُشاهد التلفاز و والدته تُقلم أظافرها بحُجرتها و كأن كلاهما بعالمين مختلفين، طرق معتز الباب عدة طرقات كانت كفيلة بقطع خلوة سيد و جعله يثب من موضعه ليفتح لذاك الزائر نظرًا لكون إسلام بالوظيفة الخاصة به... - إزيك يا زيزو عامل إيه ؟؟ قالها سيد ما إن فتح الباب و ظهر أمامه معتز يبتسم ابتسامة مُشرقة و يدلف إلى المنزل بعد أن تلقى الدعوة من سيد، جلس كلاهما على أريكة البهو فأخفض سيد من صوت التلفاز لينصت إلى مُعتز الذي بدا في قمة ارتباكه... - ها ... مالك ؟ شكلك متوتر قالها سيد بمرحٍ ليُخفف من تلك الأوضاع، سرق مُعتز نفسًا عميقًا قبل أن يقول : - عمي أناا .... أنا بحب واحدة و عايز أتجوزها _ كاد يواصل الحديث لكن سيد قطعه و كأنه يعلم ما سيقوله جيدًا : - عارف ... إسلام حكالي على كل حاجة ... و كنت مستنيك تقولي من بدري أحنى مُعتز رأسه بحرجٍ و هو يقول : - منا كُنت_ قطعه سيد مرة أخرى و هو يضع يده على كف مُعتز ليبثه بعض الطمأنينة : - إنت زي إبني يا مُعتز ... متتكسفش من حاجة، و أنا يا سيدي من بكرة هروح أخطبهالك اتسعت بسمة مُعتز من ذاك الحديث بعد أن اختصر عليه سيد العديد من الكلمات التي كانت ثقيلة على لسانه و لا يعرف كيف كان سيقولها، أنهى مُعتز الحديث بامتنان امتزج مع ابتسامته الهادئة : - شكرًا يا عمي رد عليه سيد بطريقته المرحة و المعتادة أيضًا : -بتشكرني على إيه يا واد .. وثب سيد من مكانه ليعرض عليه : - إنت هتتغدا معانا إنهاردة ... أنا عامل بشاميل بالسُجق يستاهل بوقك وثب مُعتز من مقعده يتشكر سيد بوٌد و يستأذن كي لا يتأخر عن عمله : - لأ شكرًا ... أنا لازم أمشي ... و هكذا انتهى الحديث بينهما و استقل معتز سيارته بصدرٍ رحبٍ لا يُصدق معه أن الأمر مرٌ بهذه البساطة و اليُسر و كأن العالم بدأ يبتسم له مُجددًا .... ________________________________ نثرت الشمس أشعتها الخلابة على وجهها و هي تجلس بين الحشائش الخضراء مُتربعة على قدميها تستغل ساعات الراحة القليلة في ممارسة شيءٍ تهواه، كان أمامها لؤي يجلس هو الآخر مُتربعًا على قدميه بعد أن تمت خُطبتهما و أضحى يستغل الساعات القليلة التي يتفرغ فيها كي يراها و يتحدث معها، فالحديث معها يُجدد بداخله خلايا السعادة التي من شأنها التخفيف قليلًا من حدته المعتادة... بعد برهة من الجلوس في حالة من الصمت و الغوص في أعماق أفكارهما، فتح لؤي عينيه ليجدها تفتح عينيها هي الآخرى و تسأله بابتسامة هادئة : - بقيت أحسن ؟؟ اكتفى بإيماءة بسيطة برأسه أرسلت لها أن تمارين التأمل خاصتها قد أتت ثمارها و جعلته يشعر بالهدوء و السكينة كما لم يشعر من قبل. - أنا كنت متأكدة قالتها بفخرٍ من ذاتها لتمر بعدها بُرهة من الصمت قطعها لؤي باستفسار : - هو إنتِ إزاي إتعلمتي التنويم المغناطيسي ... و عرفتي إزاي إنه موجود ؟ فردت قمر ركبتيها كي لا تشعر بالتنميل في قدميها، آجابته بعدها بصدق : - الحكاية كلها إني كنت عايزة أهرب من الواقع ... ففضلت أروح عند ناس مُتخصصة في الروحانيات و المهارات الذهنية لغاية ما إتعلمت التنويم المغناطيسي ... غيٌرت من نبرة صوتها لتضحى أكثر علمية و هي تقول : - التنويم المغناطيسي صعب نعمله لحد تحت تأثير التخدير، و للأطفال تحت الست سنين، و إللي بياخدو أدوية نوم كمان .... و عشان تعمل تنويم مغناطيسي لازم تدخل الشخص إللي قدامك في حالة من الهدوء التام ... بتخليه يركز على نقطة مُعينة لغاية ما يغمض عينه تلقائي .... بيبقى الإنسان في عالم تاني، بس في نفس الوقت بيبقى قادر يسمع إللي حواليه، و ده ساعات بيخليه يجاوب على أي سؤال من غير ما يحس إنه بيجاوب عليه همهم لؤي بتفهم و لازال يُفكر في حديثها الذي يبدو هامًا، أنهت معه الحديث بقولها : - في كتاب اسمه 450 مهارة ذهنية ... الكتاب ده بيعرفك إن الإنسان بيستخدم 20 في المية بس من قوة عقله ... و لو قدر يستخدم قوة عقله كلها هيقدر يعمل حاجات كتير ... هيقدر يقرا الأفكار و يعمل تنويم مغناطيسي و حاجات تانية أبدى لؤي ذهوله من حديثها و معلوماتها التي لم يكن يعرفها من قبل، بقي لفترة في حالة من التفكير و الذهول قطعتها هي بإخراجها لبعض البطاقات من جعبتها و تقريبهم نحوه لتضعهم على الحشائش و هي تقول : - تيجي أقرالك التاروت ؟؟ عقد لؤي حاجبيه بحيرة و هو يسأل : - إيه ؟؟ تداركت قمر رغبته في معرفة عما تتحدث و طلبت منه : - إسحب تلات ورقات من دول و أنا هشرحلك معناهم استجاب لؤي لحديثها بتيهٍ ثم وضع يده على البطاقات لينتشل واحدة منهم بطريقة عشوائية، فكانت البطاقة الأولى تحمل زوجين من الخيول، أحدهما أبيض اللون و الآخر أسود اللون و هناك فارس يقودهما باستخدام عربة قديمة، أما البطاقة الثانية فكانت لسيدة تعتلي عرشها برداء أبيض و جدار يحمل اللونين الأبيض و الأسود مع هلال أسفل قدميها، و البطاقة الثالثة كانت لرجلٍ و فتاة يبدو أن هناك قصة تربط بينهما، لكن هناك أيضًا رجلٍ بأجنحة حمراء يبدو و كأنه عاقبة بينهما، آشارت قمر على البطاقة الأولى كي تُفسرها : - دا كارت العربة، بتقول إنك لازم تكمل طريقك و تتغلب على كل التحديات، و بترمز للنجاح و الطموح ... و دي ورقة الماضي آشارت على البطاقة الثانية لتواصل : - و دي ورقة الحاضر .... الكاهنة العُظمى، بتقول إنك لازم تثق في إحساسك، و إن في حاجة إنت هتحس بيها في الأول و هتطلع حقيقة آشارت على البطاقة الثالثة كي تُنهي الحديث : - أما دي ورقة المستقبل، بطاقة العُشاق، معناها إن في قرار لازم تاخده، و في حاجتين هتضطر تختار ما بينهم مرٌت برهة من الصمت قامت هي فيهم بجمع الأوراق مُجددًا بينما هو كان يُفكر في حديثها حتى سأل : - هو الكلام ده حقيقي ؟؟ نفت برأسها و هي تُجيبه : - لأ مش حقيقي، محدش يقدر يعرف القدر .... بس ساعات الناس بتحب تصدق الوهم عشان تهرب من الواقع... _________________________ أتدري ذاك الشعور الذي تفقد فيه القدرة على التحكم بأعضائك ؟ .. هكذا كانت حالته و هو يجد قدماه تخطان قُرب العيادة الخاصة بها، لم يكن من أولئك الرجال الذين يتعلقون بأحدهم بهذه السهولة، فلطالما نعته أصدقاءه بالمتكبر الذي لا يكترث لأي أحد حتى صدق أنه هكذا بالفعل، أما الآن، فهو يشعر بأن فؤاده قد بدأ ينجذب إلى تلك الفتاة التي لا يعرف لما إجتمع بها دونًا عن غيرها، و كأنه مُقدر عليه أن يواصل حياته معها.... كانت طيلة هذه الأيام تتجنب الحديث معه و تتجنب كذلك رؤيته، لا يعلم هي تفعل هذا لأنه لا يوجد ما يجمعهما سويًا، أما أنها لازالت غاضبة من آخر جدالٍ حدث بينهما خاصة و هم لا يزالون يبحثون عن تلك المزهرية حتى تبدأ خطتهم الكبيرة.... - إسلام !! قالتها داليا بحيرة و هي ترى إسلام يتقدم نحوها حتى جلس قبالتها على المكتب بملامح جامدة يبدو عليها الغضب الطفيف، قابلت ملامحه الجامدة بلامبالاة و هي تتقدم بجذعها و تسأل : - في إيه ؟؟ ... مش المفروض تكون في المستشفى ؟ وضع رُكبته فوق الأخرى ليسترخي بظهره على المقعد أثناء إجابته : - والله المفروض أكون فين دي حاجة تخصني .... همهمت داليا بلامبالاة ثم سألت مجددًا : - طب إنت هنا ليه ؟؟ ... عايز حاجة ؟ اعتدل إسلام في جلسته ليقترب منها يحاول أن يستفسر ما حدث معها بالأونة الأخيرة : - عايز أفهم في إيه ؟؟ ... اختفيتي فجأة من ساعة إللي حصل آجابته بعوالم باردة : - أعتقد إن دي حاجة متخصكش ... بعدين أنا مختفيتش، أنا بس مستنية لغاية ما نعرف مكان الفازا إللي فيها الورق إللي كان المفروض يبقى معاك ألقت اللوم عليه بحديثها و هذا ما جعله يضجر قليلًا : - أنا مكنتش أعرف إن معتز هيعمل كدة ... و بعدين إحنا المفروض نكون واحد، يعني المفروض ندوٌر عليها سوا احتدت داليا و هي تُجيبه : - لأ إحنا مش واحد، ولا يُمكن نبقى كدة، إحنا مفيش حاجة تربط بينا غير الأبحاث إللي عايزين نتخلص منها، غير كدة أنا مش مُجبرة إني أتكلم معاك لم يكن هذا الحديث نابعًا من فؤادها، فهي تحاول أن تتجنبه كي لا تتعلق به أكثر من هذا و ينتهي بها المطاف مثل والدتها، لذلك فهي تحاول بكل جُهدٍ ألا تتحدث معه مُجددًا، لم يقتنع إسلام بحديثها و كان غاضبًا أيضًا لأنها تضع اللوم عليه في كل ما حدث، صحيح أنه كان السبب بإجراء تلك الأبحاث اللعينة، لكن هذا لا يعني أن تتركه يخوض المعركة وحده، فهما مُرتبطان ببعضهما مهما أنكرت هذا، كل هذا الأفكار دارت حول رأسه و جعلته غاضبًا من عدم اكتراثها... وثب من مكانه ليضرب على الطاولة بحدة أعربت عن حنقه من تصرفاتها غير المفهومة ... - لأ إحنا واحد، و أنا هثبتلك بصق كلماته بإصرار ثم رحل من مكتبها عازمًا على إثبات عدم مقدرتها على العيش بدونه و الإعتراف بأنهما كيان واحد أيضًا ... ________________________ يرمق ساعته في كل وهلة و هو يقف بمُنتصف هذه الحديقة الشاسعة التي من المُفترض أن يلقى بها كوكي، فتلك البُقعة قريبة من منزلها و هي قد أخبرته أنها لن تحتاج إلى وسيلة مواصلة كي تذهب إليها، فربما
نوران أشرف محمد