بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم سخر لي من حظوظ الدنيا ما لا عينٍ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، اللهم أسعدني ثم أسعدني حتى تبلغ سعادتي عنان السماء " _______________________ هكذا هو الإنسان، يُفضل أن يتخذ دور الضحية على أن يعترف بخطأه و يجد حلًا له ... يجلس عبده على الأريكة الخاصة بمنزل ذاك الرجل الأبكم بعد أن ألحا عليه بالدخول و معهما شقيق داليا الوحيد الذي يقدر على الحديث معه، فقد أقنعه أولًا أن يدلفا منزله بعد أن أخذ حفنة نقودٍ من داليا كي يُنفذ ما سيطلباه، فهو قد ترعرع على أخذ المقابل على كل خدمة يقوم به لأحدهم، هذه بالطبع ليست عادة جيدة، لكن هذا الطفل ذو العشرة أعوامٍ هو نتاج تربية سيئة من والدٍ مُتنمر و أمٍ ضعيفة لا تبالي بشأنه و أصدقاء سوء يتعرف عليهم من بقاءه خارج المنزل طوال الوقت... يضع قدمه على ركبته بتملقٍ و هو يستمع إلى حديث داليا التي كانت تُخبره بتوٌسل : - إحنا عايزينك تترجملنا بس إللي بيحاول يقوله عشان الفازا دي مهمة و لازم ناخدها منه همهم عبده بلامبالاة ثم سأل : - و أنا هعمل كدة ليه ؟؟ آجابه إسلام ببعض التردد : - إحنا هنعملك إللي إنت عايزه ... بس تساعدنا الأول سأله عبده بشكٍ : - هتجبولي غدا ؟ وافقت داليا على حديثه بسرعة لبساطة مطلبه : - أه ... هنجبلك إللي إنت عايزه أرخى عبده ظهره للوراء ليردف بتملق : - أنا عايز سوشي جحظت عينا إسلام و هو يردف باندفاع و غير تصديق : - نعم !! ... سوشي !! التفت نحو داليا ليُخبرها بصوتٍ خافت : - دا جاي يحقق أحلامه عندنا ده ولا إيه ؟؟ أصرٌ عبده على حديثه بلكنة مُهددة : - يا تجبولي سوشي ... يا إما مش هترجم حاجة ... آمين ؟ ألحت داليا على إسلام بقولها : - خلاص يا إسلام هاتله سوشي خلينا نخلص اضجر إسلام من استسلامها و عزم على إنهاء تملق هذا الصبي الأرعن و لكمه على وجهه، فما هو حتى يتحكم بهما ؟؟ احتدت نبرات وجهه و هو يقول بغضب كبته منذ قابله للمرة الأولى و سمح له بسلب أمواله : - لا بقولك إيه يا شبر و نص إنت .... إنت هترجم غصب عنك، و أنا مش هجيب سوشي احتد عبده هو الآخر و وثب من مكانه ليردف بفظاظة و تهديد : - متعليش صوتك عليا يا أبو طويلة بدل ما أخليك تتفرج على دمك تدخلت داليا لتنهر عبده على فظاظته التي لا تتوافق مع سنه : - يا عبده كدة عيب ... مفيش ناس متربية بتعامل الكبير بالطريقة دي وجه عبده حديثه نحو داليا بإندفاعٍ و صدق : - و إنتِ مين قالِك يا حلوة إني متربي لم تجد من الكلمات ما تقولها فآثرت الصمت لتجده يوجه ضفة الحديث نحو إسلام ليُخبره بإصرار : - يا تجيب سوشي ... يا إما تشوفولكم حد غيري يترجم أطبق إسلام على شفتيه بغضبٍ و هو يردف بإصرارٍ و صوتٍ مُرتفع مُقرر : - و أنا قولت مفيش سوشي ... هو طبق كشري و مش هجيب أكتر من كدة ... بعد مرور ساعتين .. - بقولك يا إسلام ... هات الوسابي من عندك قالتها داليا و هي تتناول قطعة من تلك الأكلة الصينية باستخدام الأعواد الخشبية، حيث كانوا يتربعون على الأرض و أمامهم العديد من عُلب الطعام الصيني و قد شاركهم هذا الرجل الأبكم بتناول الطعام في سعادة كما كان عبده كذلك، أما إسلام فلم تخلو معالمه من الغضب الذي تلاشى فيما بعد ليندمج بتناول الطعام باهظ الثمن الذي إضطر لشراءه من أجل ذاك المُتملق الصغير .... إنتهوا أخيرًا من تناول الطعام بعد أن امتلأت بطونهم و وثبت داليا من الأرض تضب ما تبقى من الطعام بمساعدة إسلام، أما عن عبده فأخذ موضعًا على إحدى المقاعد ليُرخي ظهره براحة، يراقبهم من بعيد و هم يُزيلوا أثار الطعام و كأنهم يقومون بخدمته.... إرتمى إسلام قبالته على الأريكة و كذلك داليا التي أخذت مقعدًا بجوار عبده، كانا الاثنان يُحملقان بعبده و بوادر الغضب و نفاد الصبر ارتسمت على وجهيهما خاصة مع كلمات إسلام : - أدي السوشي و جبناه ... إتفضل بقى ترجم خلينا نخلص اعتدل عبده في جلسته عندما انتبه إلى بعض الإشارات التي يفعلها الرجل بكلتا يديه، ترجم عبده هذه الإشارات بقرارة نفسه ثم أردف بصوتٍ واثق : - بيقول إنه هيعمل شاي عشان يحبس و بيسأل لو إنتو كمان عايزين أردفت داليا ببلاهة و تداركٍ للموضوع الرئيسي : - أيوة أنا كمان عايزة شاي نهرها إسلام بحديثه و نفاد صبره : - شاي إيه هو وقته !! ... خليه يقولنا الفازا فين تنهد عبده قبل أن يعاود النظر إلي الرجل و يُحرك يديه ببعض الحركات التي فهمها الرجل و آجابه بحركاتٍ ممثالة ترجمها عبده بقوله: - بيقول إنه كان وسيط ... و إنه أخد الفازا من مُرتضى و سافر الجيزة عشان يديها لواحد تاني عقصت داليا حاجبيها و هي تسأل بحيرة : - هو إيه اللفة دي كلها ؟ ... ما كان مُرتضى إداها للراجل ده علطول ترجم عبده حديثها للرجل الذي آجابه بدوره ببضع إشارات قام عبده بترجمتها أيضًا : - بيقول إنه راجل معلم و تقيل ... و هو الوحيد إللي بيتعامل معاه بشكل مباشر ... و بيقول كمان إنه بيحب يجمع الحاجات القديمة و بيحب يجمع أي حاجة و يخزنها عنده في البيت ... أرخى عبده ظهره للوراء ليواصل الحديث : - حسين صاحب مُرتضى ... و لما مُرتضى بيلاقي حاجة عليها القيمة بيديها لحسين عشان يبيعها للراجل الكُبارا و يقبض منه، بعدها يدي الفلوس لمرتضى و ياخد منها نسبة تدخل إسلام بالحديث ليسأل : - طب الراجل ده مكانه فين بالظبط ؟ تنهد عبده بنفاد صبر ثم وجه إشاراته نحو الرجل الذي يُدعى حسين حتى أخبره العنوان، التفت عبده إلى إسلام و داليا ليُخبرهما : - بيقول إنه ساكن في الجيزة ... بس مش أي حد يتعامل معاه، يعني لو قربتو منه هتتشوٌحو عقدت داليا حاجبيها و هي تسأل بشك : - هو قال هتتشوٌحو ؟؟ آجابها عبده بصدق : - لأ .. دي من عندي أنا أنهى إسلام الحديث بتقريرٍ و إصرار: - طب إدلنا العنوان ... ________________________ تحركت بخطواتٍ متأنية داخل تلك المشفى العريقة التي من المُفترض أن تُجري الحوار بها، كانت أنفاسها تتلاحق بعنفوانٍ و كأنها تقترب من نيرانٍ جامحة قد تحوٌلها إلى رمادٍ، كم تمقت أن يجبرها أحدهم على فعل ما لا تريده، لكنها دائمًا ما تفعل ما هي مجبورة على فعله، فوالدتها تجبرها على تنظيف المنزل رغم مقتها للأمر، و ذاك المدير الأرعن يُرغمها على إجراء مقابلات هي لا ترغب بها، كم صعبة هذه الحياة ؟؟ فهي تشعر و كأنها لُعبة يُحركها الآخرون على أهوائهم دون أن ينصتوا حتى لرغباتها. نفضت تلك الأفكار المتذمرة عن ذهنها لتواصل السير داخل المشفى عازمة على التوجه إلى المدير الذي يقطن بإحدى المكاتب، طرقت بضع طرقات على باب المكتب و ما هي إلا لحظات حتى إنفتح الباب لتتوٌغل داخل الحجرة و تلقى ذاك الرجل ذي البزة الأنيقة التي تبرز مدى كونه من طبقة ميسورة الحال، كان بالعقد الخمسين من عُمره و على الرغم من ذلك كان يتمتع بلباقة في الحديث و تحضرٍ في المعاملة، سمح لها بالجلوس قبالته كي يستمع إلى كلماتها التي بدت مُترددة و مرتبكة : - أنا الصحفية قمر هلال ... جاية أعمل تحقيق على القضايا إللي اترفعت على المستشفى .. و كنت عايزة _ قطعها الرجل بصرامة اشتملت على الإصرار : - القضايا إللي اترفعت على المستشفى كلها مش حقيقية .... يعني مفيش حاجة أقدر أفيدِك بيها أدركت من نبرة صوته أنه يمتنع عن الإجابة حتى لا يُدمر سُمعة المشفى، فأغلب الأشخاص يظنون أن الصحافة و الإعلام هدفهم فقط هو نشر الفضائح و تدمير سُمعة الآخرين دون أن ينتبهوا إلى أن ما يتم نشره هو الحقيقة ليس إلا، استجمعت قمر قواها قبل أن تترجاه لآخر مرة : - حضرتك في أدلة على القضايا دي ... و في شهود كمان _ قطعها مجددًا بحدة أنهى معها الحديث : - الناس دول كدابين ... إحنا في مستشفى محترمة .... تقدري تتفضلي عشان أنا ورايا شُغل أغمضت قمر عينيها بتروٍ كمحاولة منها لكظم غيظها و مواجهة هذا الفظ، سرقت نفسًا عميقًا قبل أن تفتح عينيها و ترمق ذاك الرجل بأعينٍ ثاقبة أطلقت معها شعاعًا لا يُرى بالعين المُجردة لكن تأثيره جعل ذاك المدير يتغيب عن العالم و لا يعرف أين هو، سألته بعدها بصوتٍ واثق : - مين المسؤول عن العمليات الغير شرعية إللي بتتعمل هنا ؟؟ وجدته يُجيبها بصوتٍ تائه : - الدكتور سليم دويدار .... بيعمل تجارب في المستشفى على ناس مجهولة الهوية عندهم صحة كويسة، بيحاول ينقل الجينات بتاعتهم السليمة لأشخاص بتعاني من المرض أو سنهم كبير، يعني لو حد عنده السُكر، بيقدر يدخل على جيناته و يشيل الجين الحامل للمرض و في المقابل، الشخص إللي عنده جينات تخليه يعيش لفترة أطوٌل بيقدر ينقلها لناس مريضة عشان يجرب إذا كانوا هيستجيبوا و يعيشو فترة أطوٌل هما كمان ... قطعته قمر بسؤالٍ صارم : - هو بيعمل كدة ليه ؟؟ آجابها بنبرة مُتغيبة أدلت معها على الحقيقة كاملة : - دكتور سليم دويدار مُدمن كحول ... و عنده مشاكل في الكلى و الكبد ... بيعمل التجارب دي عشان يشيل الجينات الحاملة للمرض بتاعته و ياخد جينات جسم متعافي تمامًا .... و عايز ينقل جينات المرض في العالم عن طريق وضعها في الأدوية و العقاقير .... عايز يعيش حياة أبدية ... ما إن أدلى بتلك الكلمة حتى إتسعت حدقتيها في صدمة جعلتها تعود بذاكرتها للوراء لتتذكر هذه الجملة التي تسمعها دائمًا، تلك الجملة التي تربط ما بين أشخاص يسعون لحياة أبدية خالية من السُكان كي تسنح لهم الفرصة بالسيطرة على العالم ... ____________________ صباح اليوم التالي، عزم كل من داليا و إسلام على الذهاب إلى ذاك المدعو بالشاويش حسب ما أخبرهما حسين و ترجمه عبده، غطت داليا بالنوم على مقعدها بينما تولى إسلام القيادة و كان يتعجب من سرعة نومها و يسخر منها أيضًا : - دا إنتِ أسهل واحدة تتخطف واصل القيادة لعلها تستيقظ في أية دقيقة، لكن ما حدث أنها استيقظت حالما توقفت سيارة إسلام عند البُقعة المرادة، تحركا بأقدامهما وسط الحشائش الخضراء باتجاه منزلٍ كبيرٍ يبدو عليه الثراء، كان باب المنزل مفتوحًا على مصراعيه و كان يطل منه حفنة من الرجال و كأنهم يقومون بحراسة المنزل.... وثب إسلام قبالتهما يستأذن منهما بوٌد كي يقابل زعيمهم و صاحب هذا المنزل، لم يصدر الحراس أي من التعبيرات و كانت أجسادهم ضخمة حتى تظن أنهم مُبرمجون على عدم الحديث مع الغُرباء، اخترق مسامعهم صوت ضجيج يُصدر من الداخل فحاولا التقدم بضع خطوات أمكنتهما من رؤية ما يحدث داخل المنزل ... كان المنزل مليئًا بالأغراض لدرجة تجعلك تعتقد أنك لا تستطيع السير بداخله من كثرة هذه الكراكيب، مع ذلك استطاع إسلام أن يرى المزهرية خاصته فآشار عليها بلهفة و هو يقول : - الفازا أهي ... أنا متأكد إن هي أحست داليا بالسعادة تخترق طياتها لأنهما أخيرًا استطاعا الوصول إليها، بقي فقط أن ينظرا بداخلها و يأخذها تلك الورقة... - طب يلا نتكلم مع إللي اسمه شاويش ده عشان يدينا الفازا حاولت اختراق الحرس لكنهم منعوا تقدمهما خطوة فبقيا أمام الباب ينتظرا الإذن بالدخول، استرق إسلام النظر داخل المنزل ليجد أمامه رجل ضخم البنية يبدو عليه الصلابة، كان الحرس يكتنفونه في تلك البقعة الفارغة بين هذه الكراكيب، و كان يركع أمامه على الأرض رجل عادي البُنيان يبدو عليه الخوف الشديد، حيث كان يتوٌسل بكل ما أوتي من قوة : - يا باشا والله العظيم آخر مرة ... والله ما هعمل كدة تاني رفع شاويش سلاحه أمام الرجل الذي ارتعد من الخوف و بدأت أنفاسه تتلاحق، أطلق شاويش نظراتٍ نارية و هو يقول : - هو أنا مش قولت محدش يقرب من الحاجات بتاعتي ؟؟ .... تقوم إنت تاخد الطفاية و تستخدمها كمان حاول الرجل التبرير بأنفاسٍ مُرتعدة : - والله كنت عايز أطفي السجارة و ملقتش غيرها، كنت عايز أرجعها والله بس كنت خايف .... سامحني أبوس إيدك حاول تقبيل يديه كي يعفو عنه لكن لا حياة لمن تُنادي، فالرجل أصرٌ على عقابه مع لكنته التهديدية : - إحبسوه في أوضة الفران ... عشان يكون عبرة لكل إللي هيفكر يمد إيده على حاجات ا
نوران أشرف محمد