بسم الله الرحمن الرحيم " يا رب غيرني للأفضل في ديني و نفسي و تفكيري، و أعطني خير الأقدار و إكفني شرها " _______________________ مهما استخدمت المُرطبات و العقاقير لمداواة جروحِك، ستظل الطريقة الأفضل لشفاءها هي بألا تقترب منها أبدًا... دقت ساعة الصفر مُعلنة عن سماء سوداء كاحلة و أجواء من الرهبة تسرق أنفاسهم لتحول حياتهم إلى هالة من التخبط و التساؤل، فلا يعلم أحد كيف حدث هذا و من له يد في ما حدث، انتشر الضباط في كل مكانٍ منهم بعض الخبراء الجنائيين و العديد من الكاميرات التي تلتقط صورًا للأدلة و الدماء المتناثرة على الأرض، يستند لؤي على الجدار يراقب ما يحدث من بعيد لعله يعثر على سبب لما حدث، لكن عقله لا يساعده على ايجاد من تسبب في هذا و كيف تسبب به من الأساس، يمسك باليد الأخرى العكاز الذي يتكيء عليه لكنه يتركه ليضع كلتا يديه على رأسه يتحسس هذا الصداع الذي يكاد يقضي عليه. قطع شروده إقتراب أحد الأطباء و معه حفنة من الأوراق بعد أن طالت مدة بحثهم لساعات، كان يتحدث بنبرة علمية يُخرج معها كيسًا بلاستيكيًا يحمل شظايا شيئًا ما يبدو معدنيًا، اعتدل لؤي بوقفته ليحمل عكازه و يلتقط باليد الأخرى هذا الكيس أثناء حديث الخبير الجنائي : - إحنا اكتشفنا وجود جسم صلب مزروع جوة دماغ الضحية ... و لما بحثنا عن الجسم ده اكتشفنا إنه شظايا لإحدى المتفجرات عقد لؤي حاجبيه بحيرة و هو يسأل بتشكك : - قصدك إن كان في قنبلة جوة دماغه !! أكد الخبير على حديثه بعلمية : - بالظبط يا حضرة الظابط .... و القنبلة دي تم تفجيرها لما دخل الحجز ... على جهة أخرى كانت تقف قمر تتابع ما يحدث من بعيد في صمتٍ تام أخفت معه رهبتها من ذاك المشهد الذي جعلها تكاد تتقيأ، لكنها تماسكت قدر الإمكان تُمني نفسها أن هذه هي النهاية و لن تتعرض حياتها للخطر مجددًا، فمن كان يُمثل لها تهديدًا انتقل إلى ربه أخيرًا، تضع الهاتف على أذنها لتتحدث مع والدتها التي بقيت توُبخها على تأخرها طيلة هذه المدة دون أن تفهم حقيقة الأمر الذي أخفته قمر جيدًا، فرغم أنها تشعر أن والدتها لا تهتم بشأنها إلا أنها استشفت لمحة القلق بحديث والدتها مما جعلها تُدرك أن بداخلها شِقًا لم يتخلى عن أمومتها رغم تعنتها و أوامرها التي لا تنتهي. - خلاص يا ماما ... انا والله كويسة و هاجي علطول، في مشكلة بس في الجريدة و إن شاء الله هتتحل ... لا متقلقيش مش هبات برة تاني ... بقيت تتحدث على الهاتف إلى أن قطعها مجيء لؤي متكئًا على عكازه؛ أنهت الحديث مع والدتها لتنتبه لحديثه الذي حمل مزيجًا من الامتنان و الأسف على ما مرٌت به بسببهم، أو بسبب وظيفتهم الصعبة. - أنا هبعت عربية تروٌحِك البيت، مش هينفع تفضلي أكتر من كدة كانت نبرته صارمة رغم إمتنانه الذي لم يستطع إبرازه، كاد يرحل من أمامها بجمود لكنها استوقفته بفضول : - يا لؤي بيه ... استدار لها فسألت : - هو إيه إللي حصل ؟؟ أظن إن من حقي أعرف .. برز بعض التوُسل في حديثها مما جعله يتنهد باستسلام و يُخبرها تفاصيل ما حدث لأنها جُزء منه، بل حتى أنها أصبحت جزءًا من حياته دون أن يلحظ، فهو لا يريد لتلك المهمة أن تنتهي كي يراها مجددًا، عاد من شروده و هو يقول باستنتاج : - أعضاء المنظمة هما السبب في قتله ..... أكيد خايفين إنه يكشفهم سألته مجددًا راغبة في المزيد من التفسيرات : - طب و العمل ؟؟ آجابها بثقة و صرامة : - لازم نعرف مقر المنظمة و نقبض عليهم ... لأن المنظمة دي فيها إللي أسوأ من فاتح خرج حديثها متقطعًا يحمل كمًا من التردد : - أنا ممكن أساعدكم ... ممكن أحاول أعرف معاكم الحقيقة ... أنا بعرف _ قطع حديثها بصرامة رغم التناقض الذي بداخله : - لأ ... خليكي بعيد ... أنا مش عايزِك تتأذي ... إحنا هنعرف نجيبهم لوحدنا عارضت حديثه رغم شعورها بااننتشاء ما إن علِمت أن أحدهم يهتم لسلامتها، فضابط غيره كان ليستغل قدرتها من أجل مصالحهم دون مراعاة لحياتها و سلامتها، طفقت تتوٌسل إليه لرغبتها بالعمل معهم و الابتعاد عن عالمها الساذج، أحبت الشعور بأن لها أهمية كبيرة بتلك البلدة و أن بإمكانها انقاذ العالم و إثبات أنها ليست فتاة سطحية تنعم بحياة روتينية خالية من الأحداث. - متقلقش ... مش هيجرالي حاجة .... لو سمحت ... أنا عايزة أخدم البلد و أعمل حاجة مهمة ... أوهمته أنها ستفعل هذا من أجل بلدتها لكن الحقيقة أنها تريد فقط حياةً مليئة بالإثارة و التشويق ليس إلا، ظلٌت تتوٌسل إليه بصبيانية جعلت لؤي يتنهد بنفاد صبرٍ قال معه باستسلامٍ لإلحاحها : - ماشي يا قمر ... نمرتي معاكي ... و لو عوزنا حاجة أنا هكلمِك ... و إنتِ كمان، لو في أي حاجة كلميني علطول أومأت رأسها بحماس اجتمع مع ابتسامة هادئة ودعته بها قبل أن تترك مركز الشُرطة و يتابع هو إثرها في صمتٍ يسأل نفسه متى سيقابلها مجددًا، لاحت ابتسامة طفيفة على ثغره كلما تذكر مواقفهما سويًا و المرات التي كادت تُصيبه فيهم بالشلل الجثماني، بل حتى تذكر تلك القتالات التي خاضها معها و كم كانت تحتمي بظهره و كأنه سدها المنيع، خرج من شروده على صوت أحد الضباط يناديه ليستكمل إجراءات القضية و يخرج من أحلامه الوردية التي كان ينسجها بخياله .... ________________________ يتحرك بخطواتٍ متأنية داخل حجرة أنيقة طُليت بألوانٍ هادئة تبعث الراحة في النفس، لم يكن يُصدر أي من الأصوات لأن صوته بالفعل لن يضحى مسموعًا حتى و إن صاح بأعلى ما لديه، لذلك لا يوجد داعٍ لحديثه من الأساس، بحث بعينيه بجميع أنحاء الحجرة و كأنه لص أتى للسرقة، لكن الفرق أنه يسرق معلوماتٍ و ليست أدواتٍ مادية، استمع إلى نباحٍ يُصدر من خارج الحجرة و سرعان ما وجد النباح يقترب منه ليظهر أمامه كلب كبير نسبيًا يحمل فراءًا كثيفًا باللون الذهبي، لم يتوقف الكلب عن النباح و الزمجرة بفمه مما جعل إسلام يرتعد خوفًا و يحاول أن يُبعده باستخدام يديه التي طفقت تلوٌح في الهواء. - ششش ... إمشي من هنا قالها بصوتٍ غاضب لعل الكلب يتحرك من مكانه، لكن الكلب يعانده و يرفع من صوت نباحه و زمجرته، سب إسلام الكلب في قرارة نفسه و قرر تجاهله و مواصلة البحث داخل الحجرة، استمع إلى خطواتٍ أخرى تقترب من الباب يليها مجيء كوكي بصوتها الذي نادت به كلبها. - جيجي ... في إيه ؟؟ بتهوهوي على مين ؟؟ هرولت الكلبة نحوها لتداعبها كوكي بيديها بحنوٍ بالغ قطعته الكلبة لتتجه بعينيها صوٌب إسلام و تستمر بالنباح عليه أمام عوالم كوكي الحائرة من نباحها و كأن لصًا بالمنزل، اعتقدت كوكي أنها تنبح من أجل الطعام فأحضرت بعض من طعامها المجفف لتُعطيه لها لكن الكلبة تأبى تناول الطعام و تستمر بالنباح، حتى أنها ترفض ترك الحجرة و تقترب من إحدى البقاع التي بدت فارغة بالنسبة لكوكي. - يووه يا جيجي .. what is wrong with you" ماذا بكِ ؟؟ " قالتها كوكي بنفاد صبرٍ و قد كان إسلام يستمع لحديثها و يحاول العثور على معلوماتٍ عنها كي يُخبرها لصديقه، بعد برهة قصيرة من الوقت اخترق أذناه صوتًا يعرفه جيدًا يُصدر من خارج الحجرة. - كوكي ... إنتِ فين ؟؟ اتسعت حدقتا إسلام ما إن أدرك أن هذا الصوت يخص داليا، هذا يعني أنها ستراه بالطبع لأنها الوحيدة التي تستطيع ذلك؛ تسارعت نبضات قلبه و لم يجد أمامه سوى خزانة الملابس كي يختبيء داخلها حتى لا تراه داليا، اختبأ فورًا داخل الخزانة ما إن رآى داليا تدلف الحجرة و جوارها كوكي و يجلسا سويًا على الفراش. - إيه يا بنتي ... ساعة بدور عليكي في قلب الشقة قالتها داليا و هي تصافح كوكي بتُرحاب، ابتسمت لها كوكي و هي تتحدث معها عن أحوالها و ما كادت تتحدث عما تمر به هذه الأيام حتى لا حظت داليا وثوب الكلبة أمام الخزانة و نباحها الذي لم يتوقف منذ مجيئها، عقدت داليا حاجبيها في حيرة و هي تُشير على الكلبة و تقول : - هو جيجي بتهوهو ليه ؟؟ ... هي مش المفروض عرفاني ؟ آجابتها كوكي بخيبة أمل : - she has been barking since morning " إنها تنبح منذ الصباح " ... بجد مش عارفة مالها لاحظت داليا أنها تنبح أمام الخزانة فاستنتجت : - ما يمكن في فار ولا حاجة جوة الدولاب ... أكيد مش هتهوهو من فراغ بدت كلماتها مُقنعة بالنسبة لكوكي مما جعل نبضاتها تزداد سرعة و ترفض التقدم نحو الخزانة كي لا ترى ذاك الجرذ الذي هو إسلام في الحقيقة، تشجعت داليا و هرعت نحو الخزانة تفتحها بهدوء و ترى ما بداخلها، كانت أنفاسها تتلاحق في رُعب خشية من أن ينقض عليها جرذ و يُصيبها بأمراضه، أما داخل الخزانة فكان إسلام يسب هذه الكلبة و يدعو بقرارة نفسه أن تبتعد داليا عن الخزانة حتى لا تراه، لكن الرياح تأتي بما لا تشتهيه السُفن فسرعان ما فتحت داليا الخزانة و شهقت بصوتٍ عالٍ ما إن رأته أمامها. - في إيه يا داليا ... هو في فار ؟؟ سألتها كوكي بهلعٍ وثبت معه من الفراش استعدادًا للفرار، أما عن داليا فسرعان ما اصطبغت ملامحها بالغضب و هي تُشير على إسلام و تردف بتهكم : - أيوة في ... بس فار كبير شوية عقدت كوكي حاجبيها بحيرة من حديث داليا الذي بدا ساخرًا بخلاف ثباتها أمام الخزانة و كأن الفأر لن ينقض عليها، تقدمت كوكي نحوها لترى ما بداخل الخزانة التي وجدتها فارغة تمامًا. - مفيش حاجة أهو ... أومل في إيه ؟ لم تنتبه داليا لحديثها و وجهت صوتها الحانق نحو إسلام و هي تقول : - إنت بتعمل إيه هنا يا قليل الأدب .... جاي تتفرج على صاحبتي و هي بتغير هدومها !! أنهت حديثها بدرامية نفاها إسلام بتوٌسل : - أتفرج إيه يا داليا ... أنا جيت لقيتها لابسة أساسًا... أنا جاي لحاجة تانية صدقيني رفعت داليا من صوتها و هي تهتف به بدرامية : - أصدقك !! ... عايزني أصدقك و أنا شايفاك في الأوضة مع صاحبتي !! صححت كوكي حديثها : - يا داليا مفيش حد في الأوضة ... why are you shouting " لماذا ترفعين من صوتِك ؟ " انقضت داليا على إسلام تمسكه من تلابيبه و تواصل توبيخه : - سيبيني أتخانق مع العفريت بتاعه و أعلمه الأدب أبعدها إسلام عنه ليدافع عن نفسه : - إبعدي عني، قولتلِك إنتي فهماني غلط ... تخصرت داليا و هي تقول : - طب فهمني الصح يا خويا ... مستخبي في الدولاب ليه ؟ شهقت كوكي في صدمة و هي تسأل : - هو مين إللي مستخبي في الدولاب ؟؟ آجابتها داليا بصوتٍ غاضب : - إسلام ... إسلام إللي كلمتِك عنه شهقت كوكي مجددًا بغير تصديق قالت معه : - إسلام هنا !! .. فين ؟؟ تلفتت برأسها حول الغرفة لعلها تعثر عليه لكن داليا أخبرتها و هي تُشير أمامها : - أهو يا بنتي واقف قدامي .. بس إنتِ مش هتعرفي تشوفيه وجهت نظرها نحو إسلام لتواصل حديثها المتهكم : - لولا إن جيجي شافته كان زمانه عمل إللي في دماغه توٌسل لها إسلام مجددًا : - يا داليا إفهمي ... أنا كان غرضي شريف صدقيني أوقفت داليا توٌسلاته بنبرة صارمة مُهددة : - اسمعني إنت ... لو شوفتك هنا تاني والله لا ألغي الإتفاق إللي بينا و مش هكمل البحث، يعني مش هناخد الفلوس .. أوقف إسلام ما تبقى من تهديدها ليردف باستسلامٍ : - خلاص ماشي ... أنا مكنتش هاجي تاني أصلًا ... سلام قالها ثم رحل من الحجرة يجر أذيال خيبته بعدما فشل في ما أتى من أجله، عادت داليا إلى الفراش لتجلس عليه قبالة كوكي و يبدأا التحدث حتى انتبها إلى توقف نُباح الكلبة مما يعني أن الأمور قد عادت إلى هدوئها مجددًا ... _________________________ صوت الضجيج يخترق أذنها و هي مُستلقية برأسها على الفراش تنعم ببعض الراحة التي لم تنعم بها لأيام، لكن هذا الضجيج لم يتوقف حتى جعلها تفتح عينيها بثقلٍ و بوادر الغضب بادية على وجهها، رفعت الغطاء عنها بضجرٍ لتجلس على الفراش و تلاحظ والدتها التي تُصدر هذا الضجيج و هي تُنظف الحجرة بالمكنسة الكهربائية؛ زفرت قمر الهواء من فمها و هي تقول بغضب : - يعني هو لازم يعني تنضفي الأوضة و أنا نايمة !! هتفت نجمة بوجهها بتوبيخٍ : - دا بدل ما تقومي تساعديني ... إحنا بقينا في عز الضُهر يا هانم و إنتِ لسة نا
نوران أشرف محمد