بسم الله الرحمن الرحيم " رب أدخلني مدخل صدق و أخرجني مخرج صدق و اجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا " ___________________________ و ما كنت سوى أبله قاضه فضوله لطرق باب الحقيقة، فما إن فُتح لي الباب حتى وجدت نفسي أحمل سلاحًا لأخوض معركة جثيمة ... أيام هادئة تمر عليهم كما تسير السُفن في بحرٍ هاديء لا تعيقه الرياح العاتية، فما إن تخلصوا من تلك المحنة حتى هيئوا أنفسهم على حياة كريمة مليئة بالبهجة و السعادة، فهم يجهلون وجود تلك العاصفة التي تنتظرهم بآخر الطريق عازمة على ضربهم بوبيلٍ من الودق سريع التدفق، لعلها تُغرق أجسادهم في بحرٍ عميقٍ محفوفٍ بالمكائد.... حسنًأ ... يكفينا انتظارًا تلك الأيام المُجحفة و دعونا نُركز على تلك الأيام الحالية، فها قد إجتمع عصفوران بمنزلهما الدافيء بعد الزفاف، و ها قد تم عقد قران جميعهم حتى يتشربوا كؤوس السعادة لأيامٍ متوالية، فلا وقت للحديث عن عقد قِران كل عصفورين بالتفصيل، يكفي أنهم الآن يتصلون ببعضهم ينقصهم فقط حفلة الزفاف التي ستتوٌج قصتهم و تكتب النهاية لحياتهم.... دعونا نتوٌغل أكثر داخل إحدى هذه المنازل الدافئة رغم اختلاف طبقاتهما، فكل منهما يجد ما ينقصه بالطرف الآخر مما يجعل حياتهما كاملة لا ينقصها سوى ضيف صغير ربما سيأتي مع الأيام و يملاء أركان المنزل بابتساماته و ضحكاته الطفولية، أما الآن ... فها قد أشرقت الشمس مُعلنة عن يومٍ جديدٍ بعد أن أتيا للتو من عطلة الصيف و انتهى أيضًا فصل الصيف ليبدأ الشتاء بأجواءه و نسماته الهادئة تزامنًا مع بدء الفصل الدراسي للعام الجديد. وضع يده على كتف كوكي النائمة كالملاك على سريرها تتململ إثر هزاته الحانية، فقد كان يناديها بصوتٍ خافت حتى تستيقظ من نومتها و يبدأا اليوم سويًا... بعد العديد من المحاولات، و لأن كوكي من أولئك اللذين يستيقظون بعد عناء، ها قد فاقت أخيرًا من نومها لتعتدل على سريرها بشعرها المُشعث الذي غطا مُغظم عوالم وجهها، و بما أنها ذات شعر برتقالي، فكانت أشبه بثمرة اليقطين الطازجة... مسدت على خُصلات شعرها كي تُبعدها عن وجهها و تفرك عينيها بنعاسٍ حتى رأت معتز يتأملها بابتسامة هادئة تفحص معها هيئتها البريئة من وجهة نظره.... - كان بوٌدي أجبلِك الفطار و نفطر سوى على السرير زي الأجانب ... بس أنا عارف لو عملت كدة هنا هنلاقي النمل بياكل معانا ارتسمت بسمة على ثغرها تبعتها بقهقهة بسيطة من حديثه الصادق إلا حدٍ ما، فلا أحد يستطيع تناول الفطور على الفِراش دون أن تتكاثر الحشرات حوله و تشاركه النوم فيما بعد... وثبت كوكي من فراشها بعد فترة لتذهب إلى المرحاض بينما اتجه مُعتز بدوره إلى المطبخ ليواصل إعداد الفطور، أو أنه بدأ في إعداد الغداء نظرًا لأن كوكي لا تفقه أي شيء بالطهي... انتهت كوكي من استخدام المرحاض و تأدية فروض الصلاة كما عوٌدها مُعتز منذ زواجهما، فدائمًا ما يحرص على التزامها بالصلاة و يسألها دائمًا حتى اعتادت هي بدورها، تقدمت نحوه بخطواتٍ هادئة و بسمة متلهفة على ثغرها قالت معها : - أنا هساعدك لاحظ مُعتز لهفتها لكنه عارضها منعًا لحدوث كارثة أخرى : - لااا ... إنتِ تسيبي المطبخ ده خالص ... مش عايزين حريقة تحصل زي المرة إللي فاتت كان يُذكرها بآخر مرة حاولت بها مساعدته و انتهى الأمر بحريقٍ جثيم كاد يغمر المنزل بأكمله لولا أنهما أنقذا الموقف باللحظة الأخيرة، لم تتوقف هي عن إلحاحها رغبة بالمساعدة حتى و لو كانت مساعدة بسيطة، و أمام إلحاحها الصبياني وافق معتز بدوره و جعلها تتولى غسل ثمار الخُضار و تجفيف الصحون... أما عنه فكان يتولى تقطيع البصل إلى حلقاتٍ استعدادًا لاستخدامه بإحدى الوصفات الشهية، تبادل الحديث بينهما لفترة في شتى المواضيع منها المرحة و المازحة أيضًا، لكن الفضول لايزال يلتهمها رغبة في معرفة المزيد عن عائلته و سبب مقاطعته إياهم، فهو لم يُخبرها سوى أن والده تسبب في موت والدته لذلك قرر أن يقطع علاقته بتلك العائلة و يستقل بحياته، لكنه أبدًا لم يُخبرها ما الذي فعله والده بالضبط، فكلما كانت تسأله كان يتحاشى الإجابة و يُغيٌر الموضوع، هذه المرة عزِمت على معرفة الحقيقة كي ترضي فضولها و تشُبع رغباتها.. - زيزو ... نادته بتلك الكلمة كي ينتبه إلى حديثها الهاديء الذي كان ... - هو .... إنت ليه مش بتحكيلي عن باباك ؟؟ كان حديثها مترددًا خشية من تهربه كما يفعل كل مرة، لكن هذه المرة لم يتهرب ... فقد سئِم التهرب من مواجهة ماضيه، ظن أنه من الأفضل أن يفصح عما بداخله، كان الحديث صعبًا في البداية لذلك لزم الصمت لفترة جعلت معالمه تتحوٌل إلى البُهتان عندما بدأ الحديث : - عشان ... عشان هو ميستاهلش إني أجيب سيرته .... ولا يستاهل إني أفكر فيه من تاني قالها بحقدٍ دفينٍ أبرز مدى مُقته لذلك الذي نصب نفسه والدًا، زادت كلماته من فضولها فسألت : - ليه ؟؟ .... هو عمل إيه ؟؟ تنهد بعُمقٍ ليستجمع حديثه دون أن تفر دموعه، صبٌ حدقتيه على البصل لينشغل بتقطيعه لعل عقله ينشغل أيضًا و لا يستسلم للإنهيار.. - معملش حاجة ... طول عُمره مش بيعمل حاجة ... عُمره ما اعتبرني ابنه و عُمره ما حسسني بالآمان ..... عُمره ما اهتم بحد غير نفسه ... وضعت يدها على ظهره لتُربت عليه و تُشجعه على إفراغ ما بجعبته، فيبدو أن ما بداخله هو سيٌل جارف من الأوجاع ... - ماما كل يوم كانت بتعيٌط بسببه ... بسبب إنه خلاها تفقد ثقتها في نفسها، خلاها تفتكر إن مش من حقها إنها تتحب زي بقيت الناس ... ماما خِسرت صحابها كلهم بسببه، عشان هو كان راجل خاين .... خان ماما مع صحابها كلهم ... و مش بس كدة ... كان بيستغل فلوس ماما عشان يتجوز بيها في السر .... ماما ذنبها الوحيد إنها حبته .. و كانت دايمًا تصدقه لما يقولها إنه ندمان ... استأمنته على كل أملاكها و هو مكنش قد الآمانة ... و أخرتها ... جابلنا رقاصة البيت و قال لماما في وشها إنه إتجوزها و إنه كتب البيت باسمها ... تنهد مجددًا ليحبس الدموع التي بدأت بالإنطلاق داخله، فقد تحوٌل وجهه إلى كتلة من اللهب نتيجة إحمراره و بعض الدموع المنهمرة، كفكف بعض من دموعه ليواصل الحديث بكل ما أوتي من جُهدٍ : - ماما مستحملتش الصدمة و ماتت .... و هو طبعًأ أخد كل حاجة و كان عايزني أعيش معاه هو و مراته ... بس أنا موافقتش ... سيبت البيت و روحت عند إسلام .... أبو إسلام خلاني أعيش معاهم لغاية ما خلصت مدرسة، و هو إللي كان بيصرف عليا ... لم يواصل الحديث لأنه لاحظ دموع كوكي المنهمرة و وجهها الأحمر المماثل لوجهه بالضبط، فقد كان الاثنان منغمسان بالبكاء و كأن قنبلة موقوتة قد إنفجرت، وجد كوكي تكفكف دموعها و تقول : - أنا مش عارفة أنا بعيط كدة ليه ... أنا شكلي اتأثرت أوي لاحظ مُعتز سبب بكاءهما الغزير مما جعله يضحك بين دموعه و يقول : - إحنا بنعيٌط عشان البصل مش عشان قصتي ... ما إن أنهى هذه الجملة حتى إنفجرت بالضحك كما ضحك هو الآخر على حالهما، فقد استطاع بتلك الحركة أن يقلب أوجاعه إلى أزهارٍ وردية تغمرها السعادة و المزاح ... ________________________ عقلها مُتيقظ و عيناها شاردتان أمام هذه الفتاة الجالسة بعيادتها تحادثها بغلٍ دفين و دموعٍ متحسرة عن زوجها الذي ينتظرها بالخارج منتظرًا دوره بناءًا على رغبة داليا و التي آرادت أن تتحدث مع كل طرفٍ على حِدة لتجد الطريقة المًثلى بإصلاح حياتهما... - و في مرة اتصلت بيه و قالٌي إنه بايت عند أمه ... و في الآخر طلع مسافر و ياعالم كان بيعمل إيه .... اجهشت السيدة بالبكاء بعد أن خارت قواها و هي تتحدث عن زوجها الخائن الذي بنا حياتهما على الكذب و يُريدها أن تسامحه و تُصدق أن ما اعتقدته لم يكن سوى أوهام من محض خيالها، كانت داليا تُهمهم برأسها مع كل كلمة تقولها حتى سألت : - هو إنتِ متأكدة إنه بيكدب عليكي ؟ أومأت السيدة رأسها إيجابًا و هي تؤكد بثقة : - أيوة ... ده علطول يكدب ... من ساعة ما إتجوزنا و هو عمال بيكدب لدرجة إني حاسة إنه بيخوني عارضت داليا حديثها بحكمة : - مش لازم يكون بيكدب عشان يخون .... يمكن يكون بيكدب عشان يريح دماغه، بيكدب عشان مش عايز حد يعلق على تصرفاته ... تقدمت بجذعها لتُنهي الحديث كما بدأته : - إنتِ لازم تحسسيه بالآمان ... بإنك هتحافظي على سره مهما كان إيه ... لأن إللي أعرفه إن جوزِك إنسان غامض، مش بيحب حد يتدخل في حياته حتى لو كان قُريب منه .... مش بيحب حد يقوله يعمل إيه و ميعملش إيه .... عشان كدة مش بيقولِك على كل حاجة ... بس لو حسستيه إنِك بتدعميه و بتشجعي قراراته هيبدأ يقولِك الحقيقة ... و مرة في مرة هيبطل يكدب ... بدت السيدة مُقتنعة بحديثها أشد اقتناعٍ، فهي تعلم أن زوجها و إن كان كاذبًا لن يقدر أبدًا على خيانتها، فالخيانة ليست من شيمه أبدًا... انتهى الحديث بينهما عند هذه النقطة لترحل بعدها السيدة و تبقى داليا وحدها بعيادتها تُفكر في ذاك النقاش حتى بدأ عقلها يُطبقه على حياتها الفعلية، حتى أنها بدأت تشُك بإسلام و أنه من الممُكن أن يكذب عليها خاصة و هي تعلم جيدًا أن الكذب من أهم صفاته... و مع كثرة هذه الأفكار، وجدت يدها تلتقط الهاتف الخاص بها لتتصل بإسلام و تُريٌح بالها... - ألو يا إسلام ... إنت فين ؟ كانت نبرتها حادة مما جعل إسلام يغتاب لأمرها و يُجيبها ببعض الحيرة : - أنااا ... أنا في الشُغل ... ما إنتِ عارفة إني ببقى في المُستشفى في الوقت ده كان يُجيبها و هو بداخل متجرٍ للهدايا أمام البائع مباشرة، فقد كان بذهنه أن بيتاع لها هدية ما و يفاجئها عندما يراها مجددًا، لذلك لم يُخبرها الحقيقة حتى تبقى المفاجأة كما هي ... تنهدت داليا بعُمق تحاول أن تطرد تلك الأفكار التي تُخبرها أنه يكذب عليها و أنه ليس بالمشفى الآن، أغلقت عينيها بتروٍ ثم فتحتهما لينتهي بها الأمر داخل جسد إسلام لتتأكد من شكوكها .. - هو ده إللي في المستشفى !! ... إنت بتكدب عليا ؟ هتفت بها بصوتٍ مرتفع و هي بداخل جسد إسلام أمام البائع الذي يرمق هتافها بحيرة... كان إسلام بالجهة الأخرى يلعن حظه و قدرتها على اقتحام جسده في الوقت الخاطيء، و أمام صياحها و تهديداتها المُتسرعة قرر أن يُخبرها الحقيقة ليحدث ما يحدث ... - يا داليا ما أنا كنت بشتريلِك هدية عشان أعملِك مفاجأة .... بقي يُعاتبها على شكها به حتى بدأت تندب حظها و تسرعها : - أنا أسفة والله ... أصل في حالة عندي جوزها كان بيكدب عليها فخلتني أشك فيك و أفتكر إنك بتخوني بررت له بنبرة مستاءة قابلها هو بالحقيقة و التفسير : - يا داليا يا حبيبتي ... أنا أصلًا بستحمل الستات بالعافية ... فإنتِ كفاية عليا أوي ترجته بحديثها الذي حمل بعض الأمل : - يعني إنت بجد مش هتخوني ؟ عند هذه النقطة و كان البائع البالغ من العقد خمسين يراقب حديثها الصادر من جسد رجل، لم تنتبه داليا لأعينه الحادة و بقيت تتحدث مع إسلام بهيام : - و أنا كمان بحبك على فكرة ... استمعت إلى البائع و هو يضرب كفًا بالآخر و يقول : - حسبي الله و نعم الوكيل ... استغفر الله العظيم يا رب ... أحسٌت داليا بالحرج مجددًا بعد أن أدركت ما تفوٌهت به و ما جعل هذا البائع يفهمهما بطريقة خاطئة ككل مرة، عدٌلت من هيامها و هي تُحادث إسلام بهمسٍ : - بقولِك إيه يا إسلام ... الراجل ده شكله فهمنا غلط ... لم تستمع إلى حديث إسلام و وجهت حديثها نحو البائع لتُبرر له ببلاهة : - متفهمناش غلط ... ده إسلام جوزي زادت كلماتها الطين بلة و جعلت نظرات الرجل تزداد احتقارًا منها، فهي قد غفلت تمامًا عن كونها داخل جسد إسلام و هي تقول هذا، لاحظت داليا نظراته الغاضبة فآعادت الهاتف على أذنها لتواصل الحديث مع إسلام : - إسلام أنا عكيت الدنيا أكتر ... أنا هخرج من المحل ده قبل ما الراجل يدلق عليا ماية نار ... ______________________ كان الرياح سليل ذاك المنزل الخالي إلا من بعض أدوات المحارة، و أمام جِدار عريض، كانت تقف قمر بثيابٍ مليئة بالبُقع التي انتقلت بدورها إلى حجابها الأبيض، تُدندن بأغنية مرحة تلهيها أثناء عملها،
نوران أشرف محمد