بسم الله الرحمن الرحيم " يا رب دبر لنا الأمر، و إفتح لنا أبواب الرزق، و فك الكرب، و عجل لنا الخير، و إبعد عنا مُكر الماكرين " ____________________________ إن كنت عاجزًا عن مواجهة الآخرين فكيف عليك مواجهة صراعاتِك ؟؟ هذا ما كانت تُفكر به و هي على فراشها بعد أن مرٌت ثلاثة أسابيع راكدة لم تتغير بهم الأمور، فظلت حياتها الروتينية الفاترة كما هي، ما تفعله هو الذهاب إلى العمل و مقابلة صديقاتها في المساء، حتى أنها لم تعد تتحدث مع معتز كما السابق، فقد حاولت الاعتذار عما بدر منها لكنه لاقاها بتبلدٍ و جمود كأنه لا يعنيه اعتذارها أو هو حرِج منها، هي لا تعلم بالضبط، لكنها افتقدت الحديث معه، افتقدت ذاك الاسم الذي لا يناديها به أحد سواه، افتقدت حتى تلك المشاجرات السخيفة التي تدور بينهما و دندنته بتلك الأغاني التي لا تعجبها. لا تعلم لما تفتقدها تلك الأمور على الرغم من أنها تمقتها و تضجر منها، لاحت ابتسامة هادئة على ثغرها كلما تذكرت بعض من المواقف بينهما و كم أنها تريد إعادتها كما لو كانت ترغب بإعادة رحلة إلى إحدى الدول الكُبرى. بقيت على هذا الوضع عدة ساعاتٍ حتى تذكرت أنها يجب أن تهرع من المنزل و تذهب إلى العمل؛ وثبت من الأريكة تتجه إلى حجرتها لترتدي حذائها قبل أن تهرع من المنزل، لكن فجأة ... شهقة مدوية خرجت من فمها ما إن رأت هذا المنظر أمامها، هرولت بسرعة اتجاه خزانتها تنتشل حذائها بهيظ الثمن من كلبتها التي مزقته و كأنه لُعبة من ألعابها. - إيه إللي عملتيه ده يا جيجي ؟ قالتها بعتابٍ و هي تتفحص حذائها المسكين بعد أن تمزق كليًا من الأمام، كادت الدموع تفر من عينيها لأن ذاك الحذاء كان عزيزًا عليها و دائمًا ما ترتديه في ذاك اليوم بالأخص، فهي تُقسم ثيابها و أحذيتها على مدار الإسبوع لكن كلبتها قد دمرت مخططاتها عندما التهمت اغراضها، ألقت بالحذاء على الأرض في غضب ثم إرتدت غيره لتهرع من المنزل و تقابل معتز الذي كان بانتظارها ليقلها إلى العمل .... ______________________ أرخى ظهره على أريكة وثيرة داخل مكتبٍ يبدو عليه الأناقة، كان هذا إسلام لكنه لم يكن داخل مكتبه الخاص، بل كان داخل المكتب الخاص بمدير المشفى يجلس عليه بأريحية كما لو كان مكتبه بالضبط، فالحقيقة أن هذا ليس إسلام، بل كانت روحه التي انتهزت الفرصة و طفقت تتجول بأركان المشفى تراقب الأطباء و الممرضون ليسخر منهم و يكتشف أسرارهم خاصة هذا المدير الذي ظن أنه يتاجر بالأعضاء كما يشاهد بالتلفاز. دلف المدير مكتبه و جلس على المقعد أمام إسلام الذي يراقبه بإمعان، تقدم إسلام بجذعه و طفق يقول بقرارة نفسه و الحماس يغمر كلماته : - أيوة ... ورينا بقى يا رياض بيه حكايتك ... أنا شاكك فيك من الأول و هكشف حقيقتك قريب التفت رياض حوله ليتأكد أنه وحيد بالمكتب بخلاف إسلام الذي لا يراه بتاتًا، وثب إسلام من المقعد ليراقبه عن كثب و يرى ما يخفيه ذاك المدير، حيث وجده يقول بصوتٍ مسموع : - الحمد لله مفيش حد ... لاحت ابتسامة خبيثة على ثغر إسلام ما إن استمع إلى تلك الجملة و رآى رياض يلتفت نحو خزانة تقبع أسفل مكتبه و ينتشل المفتاح المخبأ داخل إحدى الأدراج ليفتحها و يُخرج ما بها من مقتنيات كما ظن إسلام. فرك إسلام يديه في حماس ما إن رآى الخزانة يتم فتحها و سيضحى هو أول من يرى ما يُخبئه هذا الطبيب الخبيث، فربما يوجد داخلها العديد من النقود أو تلك الصفقات المشبوهة التي تُبرهن مدى حقارته، لكن حماسه قد تلاشى ما إن وجد .... دمية !! نعم ... أخرج رياض دمية من داخل الخزنة و كانت فتاة ذات ضفائر وردية و رداء أحمر، عقد إسلام حاجبيه بغرابة خاصة و هو يرى المدير يضع الدمية أمامه و يتحدث معها بحنو و كأنها حية : - إزيك يا فتحية ؟؟ معلش اتأخرت عليكي بس والله كان عندي شُغل هنا و لم يعد يتحمل إسلام فإنفجر في الضحك و هو يرى المدير الذي يهابه جميع الأطباء يتحدث مع دمية و يداعبها و كأنه طفلة صغيرة. - فتحية !! يا بن الإيه يا رياض قالها بخُبث بين ضحكاته ثم جلس على الأريكة و هو يقول : - دا إنت حالتك صعبة استمع إلى طرقات على باب المكتب فرآى رياض يضع الدمية مكانها في ذعر و يسمح للطارق بأن يدلف، وجد أمامه رجل يبدو عليه الوقار يرتدي بزة فاخرة و يحمل معه حفنة من الأوراق، جلس هذا الرجل أمام رياض لتمر بينهما حفنة من الترحيبات قطعها الرجل بقوله : - أنا عايز أتكلم مع دكتور هنا اسمه إسلام ... يا ترى هو موجود ولا لأ ؟ اتسعت حدقتا إسلام ما إن استمع إلى اسمه فقال بذهول : - أنا !! هما عايزيني أنا !! وجد رياض يُخبر الرجل بثقة : - أه موجود طبعًا ... أنا هقول لحضرتك على مكان عيادته ... وثب إسلام بسرعة من مقعده و هرع من المكتب كي يعود إلى جسده مجددًا و يرى ما الذي يُريده منه هذا الرجل ..... ___________________________ أصوات العصافير غمرت المكان لتجعل هذه الأجواء مليئة بالحيوية و النشاط، كانت قمر في هذا الوقت الباكر من اليوم تهرع من إحدى المتاجر و معها كوبين من المثلجات التي تُرطب عليهما من حرارة الطقس، واحد منهما بنكهة الفراولة و الآخر بالفانيليا، مدت إحدى الأكواب اتجاه لؤي الواثب جوار السيارة يراقبها عن كثب بعد أن طلبت منه ألا يدلف معها المتجر كي لا يرى ما تشتريه من متعلقات تخص النساء فقط. اعتدل لؤي في وقفته و هو يأخذ منها المثلجات و يتشكرها بوٌد على الرغم من انه لم يطلب منها حتى أن تشتري له المثلجات، فهي فعلت هذا كنوع من الامتنان على وقوفه جوارها و حمايته لها طيلة الوقت كما لو كان ملاكها الحارس، استندت جواره على السيارة ببسمة هادئة تعتلي ثغرها و هي تتناول من مثلجاتها و تقول : - كان نفسي في الأيس كريم فجبتلك معايا تشكرها ببسمة هادئة ثم استند جوارها على السيارة يتفحص المكان حوله ليرى إن كان الوضع آمنًا، مرٌت برهة من الصمت قطعتها قمر بقولها : - خلينا نتعرف على بعض شوية ... إحنا مش بنتكلم غير عن إللي ما يتسمى فاتح أومأ رأسه بموافقة فإزدادت لهفتها و هي تقول بتعريفٍ لذاتها : - ماشي ... انا قمر و بشتغل صحفية .. أو كنت بشتغل لسة مش عارفة اتسعت بسمتها و هي توجه الحديث له : - و إنت بقى بتشتغل إيه ؟ رمقها بحيرة من بلاهة السؤال ثم قال : - أنا !! .... آشاح بوجهه و هو يُخبرها بسخرية : - أنا بشتغل مروٌض أسود شهقت بحماس ثم أردفت ببسمة تعتلي ثغرها : - الله أنا كان نفسي أوي أتعرف على واحد بيلعب مع الأسود حافظ لؤي على هدوئه قدر الإمكان و هو يهتف بوجهها : - دا على أساس إننا إتعرفنا على بعض في السيرك !! يا قمر أنا ظابط و إنتِ المفروض عارفة تلاشى حماس قمر و هي تقول باعتذار : - أه صحيح معلش نسيت تنهد لؤي بخيبة أمل ثم تناول من مثلجاته لتمر بينهما فترة وجيزة من الصمت قطعتها هي بسؤالٍ آخر : - طب أنا عندي أخت و أخ اسمهم شمس و شهاب .... كادت تواصل حديثها لكنها تذكرت أن لؤي يعرف هذه المعلومات فتراجعت عما ستقول بقولها : - لأ ... إنت عارف بردو المعلومات دي ... طب إيه رأيك تعرفني إنت عن نفسك، كلمني عن أسرتك و حياتك ... يلا أومأ لؤي بهدوء بعد أن شجعته حتى وافق على الإجابة فأردف : - ماشي، أنا عايش مع ماما و بابا ... ماما مش بتشتغل و بابا لوا في الداخلية ... و مش عندي إخوات فتح باب السيارة و هو يقول بتقرير و نبرة جامدة : - يلا نمشي من هنا قبل ما يحصل حاجة استجابت لأمره و استقلت السيارة جواره و هي لا تزال تحمل كوب المثلجات كما يحملها هو الآخر ... لم يلاحظا تلك السيارة الكبيرة التي تحركت فورًا وراء سيارتهما و كأنها تتبعهما .... ________________________ استقلت السيارة بوجهٍ عابس و حاجبان معقوصتان أبرزا مدى ضيقها و غضبها، كان مُعتز يتولى القيادة كالعادة لكنه استشعر غضبها و لم يُعقب بسبب حائل الجمود الذي بُني بينهما بعد ما تقابلا بإحدى المقاهي، تفحصها لوهلة بنظراتٍ سريعة ثم تحرك بالسيارة و هو لا يزال يُفكر فيما حدث معها و يعتقد أنه قد أدرك لما هي غاضبة. لم يتحدثا طوال الطريق حتى توقفت السيارة قُرب إحدى المقاهي دون أن تنبس كوكي ببنت شفة، حيث وجدها تردف بتساؤل : - إحنا وقفنا ليه ؟ أخبرها مُعتز قبل أن يترجل من السيارة : - هجيب حاجة و هاجي علطول ... مش هتأخر أومأت كوكي بلامبالاة و بقيت على حالتها حتى جاء مُعتز بعد وقتٍ قصير و معه حقيبة ورقية تحتوي على شيءٍ ما و كوبين من القهوة الباردة التي تُفضلها كوكي، أعطاها الحقيبة و كوب القهوة بوٌدٍ أمام نظراتها الحائرة التي أردفت معها : - إيه ده ؟ فتحت الحقيبة لتجد بداخلها حذاءًا أنيقًا يُشبه حذاءها الذي تمزق لكنه ليس أصليًا بالطبع، لاحت ابتسامة على وجهها و هي تتفحص الحذاء و تستمع إلى حديث معتز : - أنا عارف إنه مش زي القديم، بس ده إللي قدرت أجيبه سألته بحيرة و هي تمسك بالحذاء : - إنت عرفت منين ؟ آجابها بكل بساطة : - سمعتِك و إنتِ بتزعقي مع الكلبة عشان بوظت الجذمة ... كان صوتِك عالي ... و أنا عارف إنِك كل يوم خميس بتلبسي الجذمة دي عشان مش عندِك حصص كتير شقت ابتسامة ثغرها ما إن أنهى حديثه، لا تعرف كيف يهتم بتفاصيلها بهذه الطريقة، و كيف يلاحظ ثيابها و أدق تفاصيلها كما لو كان يدري بما يدور داخل ذهنها، وضعت الحذاء داخل الحقيبة و هي تتشكره بامتنان : - شكرًا .. مرٌت بينهما برهة من الصمت كانت تحتسي فيها القهوة كما يفعل هو بالضبط حيث أحب هذه القهوة المثلجة التي لم يكن يعرفها قبل أن تقتحم حياته، قطع مُعتز هذا الصمت بنبرة مستاءة بررت ما فعله من قبل : - أنا كان المفروض أكون محامي .... من و أنا صغير طول الوقت كنت بقول إني هبقى محامي ... و فضلت أذاكر و أعمل كل إللي أقدر عليه عشان أدخل كلية الحقوق ... لغاية ما فعلًا دخلتها ... بس .. توقف عن الحديث و هو ينكس رأسه لأسفل بعد أن زارته ذكريات أليمة كان يوٌد لو أمحاها من حياته، لكنها للأسف دمرت أحلامه كليًا. - إتعرفت على واحدة ... و حبينا بعض .. و كنت خلاص هخطبها بس كل حاجة إتدمرت .... في يوم البنت دي إختفت و مبقتش تيجي الجامعة و مبقتش حتى تتكلم معايا ... وقتها قلقت عليها فروحت بيتها أسأل عنها .. مامتها قالتلي مجيش تاني و أنساها للأبد .... أنا معرفش هي قالت كدة ليه بس أنا مكنتش عايز أتخلى عنها خصوصًا و أنا معرفش إللي حصل ... استدار برأسه نحو كوكي ليواصل حديثه بنبرة مكلومة : - فضلت وراها لغاية ما عرفت أوصلها ... أهلها كانو حبسينها في البيت و هي كانت منهارة .... قدرت أكلمها من شباك الأوضة و عرفت إنها .... كانت حامل .... حامل من عميد الجامعة .... و إللي عرفته إنه مكانش بإرادتها أخذ نفسًا عميقًا يجاهد به نفسه كي يواصل الحديث دون أن يُذرف الدموع : - مقدرتش أكلمها تاني عشان هي انتحرت .... لأن أهلها إتخلو عنها ... و الحيوان ده رفض يتجوزها .... وقتها مكنتش شايف قدامي و روحت اتخانقت مع العميد و كسرلته المكتب و اتهجمت عليه قدام كل الطلبة .... راح هو رفدني من الجامعة .... و أنا مكنش معايا فلوس وقتها عشان أدخل جامعة تانية خصوصًا إني كنت خلاص في سنة تالتة .... فاضطريت إني مكملش و أشتغل عشان مرجعش المنيا عند أبوية .... و اضطريت أقول لكل الناس إني محامي عشان محدش يقول إني فاشل أنهى حديثه بتنهيدة عميقة كاد يُذرف الدموع إثرها، كانت تنصت له كوكي في صمت و حُزنٍ بادٍ على ملامحها، لم تكن تعرف ما الذي تقوله لوهلة و كأن لسانها قد تسمر مكانه ليمنعها عن الحديث، جاهدت نفسها كى تردف بعد فترة وجيزة من الصمت : - بس إنت مش فاشل ... و مش كداب كمان.... تقدمت بجذعها نحوه كي تواصل حديثها الذي بثه بعض الثقة : - مامي الله يرحمها كانت بتقول إن الإنسان الفاشل هو إللي مش بيقدر يواجه ... و طالما إنت لسة بتواجه و بتشتغل يبقى you are perfect ابتسم إثر حديثها الرخيم الذي تغلغل داخل فؤاده المجروح، فابتسامة منها كانت كفيلة بترميم حصنه الذي هدمته الأيام، عادت كوكي مكانها تواصل احتساء قهوتها حتى
نوران أشرف محمد