بسم الله الرحمن الرحيم "اللهم جملني بقلبٍ رحيم و عقلٍ حكيم و نفسٍ صبورة، يا رب إجعل بسمتي عادة و حديثي عبادة و حياتي سعادة و خاتمتي شهادة" ___________________________ أتعلم تلك الحبة الكبيرة التي تكاد تأكل وجهك في الأيام المهمة ؟؟ هذه ليست مجرد حبة، بل إنه الحظ الذي يحاول إفساد حياتك بشتى الطُرق.. تبادلت نظراتهم في صمت حمل معه عوالم التساؤل و الخوف، فما أن أخبرهم إسلام بتلك الحقيقة حتى توقفت أفواههم عن الحديث ليضحوا في تلك اللحظة يرمقون إسلام بوجهٍ غير مُصدق، هل تُخبرنا للتو أن المزهرية التي كادوا يخسرون حياتهم من أجلها تضحى فارغة في النهاية !! - إزاي يعني فاضية ؟؟ ... أومل الورق راح فين ؟؟ قالتها داليا بصوتٍ مرتفع حمل معه الاندفاع و الغضب، أضاف إسلام على حديثها و هو يضع المزهرية على الطاولة بحدة : - أنا متأكد إني حطيت الورق جوة الفازا ... - يعني هما أخدوه ؟؟ سألته قمر هذا السؤال لتستمر بعدها عوالم التساؤل و الغضب الذي نحت وجوههم، أوقفهم معتز بصوتٍ هاديء مُتذكر أثناء تناوله للبطاطا المُقرمشة : - إنتو قصدكم على الورق إللي كان جوة الفازا ؟؟ انتبهت الرؤوس إلى حديثه بإهتمام فأكمل : - أنا شيلته من الفازا قبل ما أبيعها ... أكيد مش هديله فازا فيها ورق يعني أنهى حديثه بوضعه لقطعة من البطاطا المقرمشة داخل فمه و تلويكها في هدوء أمام نظراتهم النارية المصوٌبة نحوه و التي لاحظها جيدًا؛ بادل مُعتز نظراته بينهم بعد أن أقلقه تلك النيران المُنبثقة من أعينهم إتجاهه : - في إيه يا جماعة ؟؟ ... بتبصولي كدة ليه ؟؟ ... هو إنتو كنتم عايزين الورق في حاجة ؟؟ ... انا والله فاكركم عايزين الفازا لازالت حالة الصمت تتلبسهم مع نظراتهم الحارقة التي كادت تجعلهم ينقضون على مُعتز ليبرحوه ضربًا، إزداد قلق معتز من صمتهم فوضع صحن البطاطا أمامه ليعاود الحديث بقلق : - هو في إيه ؟؟ وثب لؤي من مقعده ليثب قبالة معتز مباشرة، و لأنه الأكثر تضررًا من كل ما حدث فكانت عوالمه تنم عن غضب يكاد يُدمر مدينة بأكملها، كان إسلام يقف جوار لؤي يجز على أسنانه بغضب حتى أردف : - يعني إنت_ بتر لؤي حديث إسلام بإشارة من يده، أردف بعدها بما يكنيه بداخله : - سيبهولي شمر عن ساعديه استعدادًا لبدء عركة جديدة، إزدرد معتز ريقه في رعب و ما هي إلا برهة حتى هب من موضعه ليركض في أرجاء المنزل و خلفه كل من إسلام و لؤي يقسمون على تلقينه الدرس جيدًا .... _______________________ مرٌت عدة أيام كانت كفيلة بتعافيهم من كل تلك الأهوال، بقيت الأوضاع كما هي على جميعهم بخلاف إسلام الذي لم يتوقف عن التفكير في تلك التي شغلت عقله و أوقدت نيران قلبه، حيث كثر حديثهم و مزاحهم في الفترة الأخيرة مما جعله يتأكد أنه اعتاد لوجودها بحياته و يجب أن يُخبرها بما يشعر به اتجاهها لعلها تبادله نفس الشيء، طوال هذه الأيام كان يُفكر في طريقة يستطيع بها الافصاح عن مشاعره، لكن نظرًا لكونه لا يعرف شيئًا عن تلك الأمور فكان الأمر أصعب مما يتخيل. لهذا السبب لجأ إلى الوحيد الذي سيستطيع مساعدته في مثل تلك الأمور و الذي بالطبع لن يضحى مُعتز . - أنا عايزك بقى تساعدني أقولها كلمتين حلويين عشان أتقدملها قالها إسلام و هو يتقدم بجذعه يوجه حديثه إلى خالد كي يُخبره بعضًا من كلمات الغزل الفصيح التي يستخدمها مع شقيقته و التي هي زوجة خالد، وضع خالد يده على ذقنه يحاول العثور على بضعة سطور مناسبة يستطيع أن يقولها إسلام، بعد فترة من التفكير أردف خالد بثقة : - يمكنك أن تقول ... رفع كفيه و هو يُمثل الكلمات بهيام : - تنازل الجمالُ عن الجمال لجمالكِ، فزاد جمالكِ علَى الجمالِ جمالًا تشابكت كلمات خالد داخل ذهن إسلام لتجعله يفتح فمه ببلاهة قال معها : - ها !! .... جمال مين ؟؟ ... ده واحد معروف يعني ؟ ضرب خالد رأسه بخيبة أملٍ ليُغلق بعدها عينيه ثم يفتحهما بتروٍ قال معها بهمجية و بلغة عربية فُصحى كما اعتاد : - دعك منها ... هناك غيرها حمحم خالد و هو يُعدل من قامته حتى يعود إلى هيامه أثناء إلقاءه لكلماتٍ أخرى : - أعرف أني أسافر في بحر عينيكِ دون يقين .... و أترك عقلي ورائي و أركض .. أركض .. أركض_ قطع إسلام حديثه ليُعلق ببلاهة : - أنا كدة هتعب من الركض جز خالد على أسنانه بغضب ظهر على قسمات وجهه و لاحظه إسلام أيضًا، أتت يُسرا بعد فترة لتضع فناجين الفهوة أمامهما و تستمع إلى خالد الذي كان يسب إسلام في قرارة نفسه : - هل تسخر من نزار قباني أيها الجاهل ؟ قالها خالد بصوتٍ مرتفع غاضب واجهه إسلام ببروده و نرجسيته المعتادة : - في إيه يا خالود ... إحنا نسايب، يعني المفروض تساعدني و تفضل جنبي لغاية ما أتعلم تنهد خالد بغضب ليردف بعدها بصوتٍ عالٍ و سبابة مشارة نحو إسلام : - لا تعتقد أنك محور الكون ... لأن الكون مشغول و مش فاضيلك تعجب إسلام من لكنته التي تحوٌلت إلى العامية مرة واحدة لذلك قال : - إنت قلبت ليه كدة مرة واحدة .. تركه خالد ليذهب إلى الداخل بعد أن سئِم الجدال مع إسلام، جلست يُسرا على الأريكة جوار شقيقها لتُعطيه فنجان القهوة تزامنًا مع قوله المُتوٌسل : - ساعديني إنتِ يا يُسرا ... قوليلي إزاي أعترفلها بطريقة كرييتف عقدت يُسرا حاجبيها بحيرة و هي تسأله : - هو إنت كل ده لسة معترفتلهاش ؟؟ لاح الارتباك على وجه إسلام لأنه أخبرها من قبل أنهما على علاقة غرامية، و الآن يُخبرها أنها لا تعرف بمشاعره من الأساس، لهذا السبب تهته بالحديث و هو يقول الحقيقة : - لأ ما هو ... أنا عايز أتقدملها للجواز بطريقة جديدة و كدة ... أومأت يُسرا بتفهم لتمر بينهما برهة من الصمت ارتشفت فيهم رشفة من قهوتها تزامنًا مع ظهور فكرة برأسها، وضعت فنجان القهوة على الطاولة كي تسأل بلهفة : - جاتلي فكرة ... هو إنت مش قولت إنك تقدر تدخل جسمها ؟؟ أومأ إسلام رأسه إيجابًا فأكملت يُسرا بنفس لهفتها و ثقتها : - يبقى أنا عرفت هتعمل إيه .... ____________________________ انصبت حدقتاها على شاشة إنبعث منها إضاءة ملونة ربما هي إحدى الأفلام التي تنغمس بمشاهدتها يوميًا، تجلس وحدها في ذاك الوقت لأن والدتها داخل غرفتها تأخذ قيلولة قصيرة، مسدت بيدها على الأريكة لعلها تجد جهاز التحكم و تبحث عن فيلمٍ آخر يساعدها على إضاعة الوقت، ما إن وجدته حتى وجهته نحو التلفاز كي تضغط على أزراره عدة ضغطات بدت عنيفة لأنها لا تجد من الأفلام أو البرامج ما يستحق المشاهدة، الحقيقة أن عقلها لم يكن في حالة هادئة تسمح له بالاستمتاع بأي شيءٍ، فكل ما يشغل بالها هو تلك الأبحاث اللعينة و كيف سيحرقونها و يتخلصوا منها، تكاد تحصي الأيام على أصابعها كلما مرٌ يوم دون أن يتخلصوا من تلك الأوراق. اتفقوا من قبل على أن ينتظروا قليلًا حتى يأتيهم لؤي بخطة مُحكمة تساعدهم على اختراق المعمل دون التعرض لآذى، فلا يجب التسرع في أمرٍ خطيرٍ كهذا خاصة بعد فشلهم الذريع و المتكرر في أي خطة يخوضونها. تنهدت داليا بمللٍ حاولت معه التهرب من تلك الأفكار التي تلتهم أنسجة عقلها و تُعيق حياتها، فإن كانت الأيام القادمة صعبة فعليها أن تتلذذ و تستمع بتلك الأيام الحالية، أغلقت التلفاز بعد أن يأست من إيجاد ما يُسليها، وضعت جهاز التحكم جانبًا كي تثب من الأريكة و تتقوقع في حجرتها لعلها تجد شيئًا آخر لتفعله في تلك الليلة، لكن فجأة ... انتفض جسدها لتجد ذاتها داخل سيارة تعرفها جيدًا و في جسد اعتادت اقتحامه بالأونة الأخيرة، زمجرت بغضب لأنها ليست أول مرة يخالف فيها إسلام التعليمات و يقتحم جسدها دون إذنها، أطبقت على شفتيها في غضب ثم تلفتت حولها لتعرف أين تصطف تلك السيارة، فهذا المكان الذي حولها تشعر و كأنه مألوف عليها، ما كادت تترجل من السيارة حتى إنتفض جسدها مجددًا و عادت إلى جسدها تجلس على أريكة البهو بمنزلها و كأن شيئًا لم يكن، لكن الغريب أنها تستمع إلى أغنية تصدح بصوتٍ عالٍ لا تعلم من أين أتت. - و لأن الحلال أجمل سأنتظر ... رغم إني مش قادر أصبر و بحتضر ... رغم العادات و الحاجات هنجز و هختصر ... هتجوزك هتجوزك و سوف ننتظر ... ارتسمت بسمة تلقائية على ثغرها مع هذه الأغنية التي أدركت لوهلة أن إسلام هو من قام بتشغيلها، حركت رأسها بيأسٍ من حركاته الغريبة التي يفعلها معها خاصة بالفترة الأخيرة، فمنذ متى و شخص يهتم بها لهذه الدرجة، منذ متى و شعور الاشتياق و الرغبة في الحديث مع أحدهم يسيطران عليها، فمنذ أن تفرق والديها و هي قد أقسمت على عدم خوض أية علاقة و معاملة جميع الرجال بجفاءٍ خشية الزواج و بدء حياة جديدة مليئة بالمخاطر، لكن هذا الذي اقتحم حياتها لسبب لا تعرفه و لا يستطيع العقل استيعابه جعلها تُغير وجهة نظرها عن الرجال رغم أنه فظٌ في تعاملاته و يشاكسها طوال الوقت. لا تعلم حقًا ما الذي يجذبها ناحيته، فهو لا يمتلك أية رومانسية كما ترى بالأفلام، بل هو حتى لا يعرف معنى هذه الكلمة، و رغم أنه لم يُغرقها بأحاديثٍ هائمة و لو لمرة إلى أنه يحرص على آمانها و سعادتها طيلة الوقت، و هذا أكثر ما يجذبها ناحيته بخلاف ذكائه و اجتهاده في دراسته بالطبع. نفضت تلك الأفكار عن رأسه بعد أن أدركت من أين تنبعث تلك الأغنية، فهي تنبعث من هاتفها المجاور لها على الطاولة، فهاتفها يتم فتحه ببصمة الإصبع، و طالما أن إسلام استطاع اختراق جسدها، فبالطبع يستطيع فتح جوالها بسهولة و يُسر. مدٌت يدها لتنتشل الهاتف لكنها لاحظت بعض الأحرف المنقوشة على ذراعها بخطٍ أسودٍ داكن؛ تنهدت بخيبة أملٍ لأنها أيضًا لا تُحب هذه الحركة و أخبرته أكثر من مرة ألا يُكررها، شُمرت عن ساعديها لترى ما كُتب حتى وجدت جملة واحدة مكونة من بضعة أحرف. - إطلعي برة دلوقتي هذه فقط هي الكلمات التي وجدتها و جعلتها تشعر بالاغتياب و الحيرة أكثر، سرعان ما هبٌت من موضعها لتتجه نحو باب المنزل و تفتحه كما لو كانت إنسانًا آليًا يُنفذ الأوامر فقط، فتحت الباب لتجده أمامها يبتسم ابتسامة واسعة و بين يديه باقة من الورود الحمراء التي نجحت بنثر عبيرها داخل أنف داليا. مرٌت برهة من الصمت و التحديق بينهما بمعالم الحيرة و التردد، تقدم إسلام نحوها خطوة مدٌ معها الورود بأيدٍ مترددة تبعها بصوتٍ حاول أن يجعله هادئًا رغم طبيعته المُندفعة : - جبتلك ده انتشلت منه الورود بعوالم حائرة تنتظر منه تفسيرًا، وجدته يتنحنح ليُجلي حنجرته قبل أن يقول : - بصراحة أنا كنت محضر كلام كتير أقوله بس .... إكتشفت إن الكلام مش هيقدر يعبر عن إللي جوايا عقدت حاجبيها بحيرة تزداد أكثر مع كل كلمة يقولها، نصب قامته ليُدلي الحديث مباشرة رغم أن يُسرا أخبرته بقصيدة يقولها أولًا : - أنا عايز أقولك إني .... إني ... لم يستطع التفوٌه أكثر من هذه الجملة فشجعته بلهفة : - إنك إيه ؟ - بحبك قالها بسرعة قبل أن يتعارك مع تردداته التي ستجعله بالنهاية يتراجع، بقيت هي في حالة من الصمت و التيه، ثم تلاشت بسمتها أثناء حديثها المستنكر بعد أن تذكرت إحدى الأفلام : - لأ مش المفروض تقول كدة ... المفروض تقول ... بحبــــــــــك ... و تنط من الشلال، بس مفيش هنا شلال فممكن تنط من السلم عادي لاحت عوالم البلاهة على وجهه و هو يتابع حديثها بعد أن ظنت أنه يُمثل أمامها إحدى مقاطع الأفلام، بعد برهة من الصمت أومأ رأسه بخيبة أملٍ ليقول متراجعًا : - أنا كنت حاسس إني بعمل حاجة غلط من الأول ... كاد يرحل من أمامها لكنها تشبثت بذراعه كي لا يرحل و يُفسر لها أكثر ما يريده : - استنى استنى .. أنا كنت بهزر ... تعالى بس أبعد ذراعه عنها ليردف بإصرار : - آجي فين ؟؟ .. إنتِ خلتي حاجة تانية أقولها احتدت داليا و هي تحادثه بإصرار : - يووه ... خليك بقى بدل ما أدخل جسمك و أخليك تتحبس في بيتي مع ماما حادثها إسلام ببساطة و هو يرد عليها : - و إيه يعني ... أنا خلاص إتعوٌدت أبقى في جسمِك ربطت ذراعيها كي تحادثه بتملق : - و أنا كمان على فكرة اتعوٌدت أدخل جسمك في تلك اللحظة استمعا إلى
نوران أشرف محمد