بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم إجعلني ممن طاب ذكرهم و حسنت سيرتهم و إستمر أجرهم في حياتهم و بعد موتهم " ______________________ كلما ضاقت بك الحياة و إختنقت أنفاسك، تذكر أنك لا تستطيع الوصول للقمة دون أن تتسلق و تتعثر .... انتهين من تناول الفطور لتذهب كل واحدة منهن إلى عملها كما اعتادن كل يوم، آحاطت داليا والدتها بذراعها لتضع قبلة على وجنتها قبل أن تذهب إلى العمل كما اعتادت يوميًا، فقد أخبرتها والدتها للتو عن التصرفات الغريبة التي فعلتها بالأمس مما جعل داليا تزداد اغطباتًا و حيرة، لما جميعهم يُخبرونها بأشياءٍ لم تفعلها ؟؟ كانت تسير أسفل البناية رفقة كوكي التي أصرٌت أن تقلها للعمل هي و قمر، لكن قمر رفضت نظرًا لكون الجريدة التي تعمل بها بعيدة تمامًا عن وجهتهما ففضلت أن تستقل الحافلة كما تفعل دائمًا، استقلت داليا السيارة بالمقعد الخلفي بجوار كوكي و أمامهما مُعتز الذي سيقلهما إلى الوجهة المرادة، التفت مُعتز برأسه ليُرحب بهما بوٌد و يسألهما عما يريدان الذهاب إليه ... عقصت داليا حاجبيها بحيرة و هي تُشير على مُعتز و تقول : - أنا ليه حاسة إني شوفتك قبل كدة بس مش فاكرة فين إرتاب مُعتز من حديثها لأنه لا يعرف أنها كانت بجسد صديقه بالأمس : - حضرتك شوفتيني قبل كدة !! آجابته داليا بتيه : - مش فاكرة ... بس حاسة إني أعرفك مش عارفة إزاي تدخلت كوكي لتبرر لها : -ما يمكن ده deja vu " ظاهرة نفسية بديهية " أومأت داليا رأسها بعد أن اقتنعت بحديث صديقتها، فهي لا زالت تتيقن أن ما حدث بالأمس هو مجرد حلمٍ ليس إلا، و أن هذا الذي تحوٌلت إليه ليس إنسانًا حقيقيًا، بل هو إنسان من وحي خيالها، أرخت ظهرها للوراء ما إن تحركت السيارة، ما هي إلا بضع ثوانٍ حتى ذهبت في سُباتٍ عميق جعل مُعتز يشعر بالقلق من سرعة نومها : - هي الأنسة فيها حاجة ؟؟ آجابته كوكي ببساطة : - لأ عادي .. روح إنت بس على العيادة بتاعت داليا ______________________ تتحرك أقدامه داخل رواق المشفى برونقٍ اعتاد عليه منذ نعومة أظافره، يمثل الهيبة و الرُقي أمام الجميع على الرغم من حقيقته الساذجة و تلك الشخصية المُختلة داخله، عزم على الذهاب إلى عيادته و تأدية عمله ككل يوم لكن إحدى الممضرات استوقفته لتردف بامتنان : - دكتور إسلام ... ميرسي أوي عشان قولتلنا على ماسك الكركم، أنا جربته و بشرتي بقيت فاتحة و حلوة جدًا دعٌمت صديقتها حديثها ثم آضافت عليه : - أه، و روتين الإعتناء بالضوافر كان حلو أوي، بجد حضرتك أنجدتني قبل ما ضوافري تبوظ قطب إسلام حاجبيه بحيرة من حديثهما الذي لا يفقه عنه شيئًا، لكنه ضعِف أمام امتنانهما و أحب اطراءاتهما التي تُشعره و كأنه شخص مهم؛ رسم بسمة متعالية على ثغره و هو يُجيبهما : - لا مفيش داعي للشكر، دي حاجة بسيطة ابتسمت الممرضتان له قبل أن يتشكراه مجددًا و يرحلا، ما إن ابتعدا عنه حتى عادت حيرته مجددًا أثناء قوله : - ماسك الكُركم !! ... هو الكُركم بيحطوه على البشرة !! لا تزال حيرته طاغية على وجهه لكنه أكمل سيره إلى مكتبه ليبدأ عمله و يتغاضى عن تلك الغرابة التي تحدث معه منذ بداية اليوم، ما إن جلس على مكتبه حتى وجد سمير قبالته يبدو على وجهه الإهتمام و هو يسأل : - دكتور إسلام ... إنت كويس ؟؟ إرتاب إسلام من هذا السؤال الذي لأول مرة يتم سؤاله به منذ أتى هذه المشفى، و خاصة من سمير : - أه كويس .... هو باين عليا إني تعبان ؟؟ إقترب منه سمير ليقص عليه ما حدث بالأمس : - أصل إمبارح حضرتك أغمى عليك و معرفتش تعمل العملية عشان كدة بسأل آشار إسلام على ذاته بغير تصديق قال معه : - أغمى عليا !! أنا عُمري ما أغمى عليا في حياتي ... فسر له سمير ما حدث بدءًا من وقوعه مغشيًا عليه حتى حديثه الغريب ما إن أفاق و كم كان يحادث نفسه على أنه فتاة طيلة اليوم، و هذا ما جعل إسلام يكاد ينفجر من الحيرة لأنه لا يتذكر أي من حديثه، أيعقل أنه يسير و هو نائم و يفتعل هذه الأشياء الغريبة ؟؟ هذا ما كان يدور بعقله و هو يراجع ملفات مرضاه قبل أن يدلف أول مريض يبدأ معه عمله ... _______________________ تعدو السيارة وسط المباني و الحدائق بداخلها كوكي بالمقعد الخلفي و أمامها مُعتز يتولى القيادة كالعادة، انتشرت الموسيقى الهادئة بالسيارة المتناسقة مع ما تُحبه كوكي لأنها رفضت أن يختار هو ما يتم تشغيله حتى لا تستمع إلى أغنية شعبية صخبة كالمرة السابقة، توجه كوكي حدقتاها نحو النافذة تستطلع الطريق حتى تذكرت أنها لم تحتسي قهوتها الصباحية؛ لهذا السبب إردفت ببعض التملق : - وقف هنا ... عايزة أجيب coffee أوقف مُعتز السيارة بناءًا على رغبتها ثم سألها مجددًا : - عايزة تجيبي إيه ؟ حاولت كوكي إجابته بالعربية لأنه لن يفهم حديثها : - عايزة أجيب قهوة - ماشي ... خليكي هنا يا أنسة و أنا هنزل أجيبلِك ... هتجيبي إيه ؟ وافقت كوكي على اقتراحه ثم أرخت ظهرها للوراء و هي تُخبره بما تُريد بتملق : - عايزة Mocha Frappuccino فتح مُعتز فاهه ببلاهة و تسمر مكانه بعد أن رفض عقله استيعاب هذه الكلمة : -إيه ؟ .. معلش تاني كدة زفرت كوكي الهواء من فمها بنفاد صبر ثم أخرجت ورقة صغيرة من جيبها تدوٌن عليها طلبها ثم تعطيها له مع قولها : - إديهم الورقة دي و هما هيدوك طلبي انتشل معتز الورقة ثم ترجل من السيارة و تركها وحدها تشرد في اللاشيء، بقيت جالسة مكانها لبضع دقائق أرادت أن تنتهي بسرعة كي لا يفوتها ميعاد المدرسة، فجأة، طرأ شيء ما بعقلها لا تعرف كيف غفلت عنه و هي تُعطيه الطلب : - نسيت أقوله إني عايزاه بـ skimmed milk " حليب خالي الدسم " فتحت باب السيارة كي تهرع منها و تذهب بسرعة إلى مُعتز قبل أن يأتي بطلبها، لكنها ما إن فتحت الباب و هرولت بضع خطوات حتى اصطدمت بمُعتز الذي كان يتحرك باتجاه السيارة و معه كوب القهوة التي انسكب القليل منها على كوكي. شهقة مصدومة خرجت من كوكي و هي تنظر إلى حذاءها العزيز بعد أن وقعت عليه القهوة : "جذائي !! هل أنت ضرير ؟ "? My shoes Are you blind - زمجرت كوكي بغضب و هي منحنية بجذعها على الأرض تحاول تنظيف حذاءها، ظن مُعتز أنها تبالغ كثيرًا لأن ما تضرر هو فقط مجرد حذاء... - خلاص يا أنسة دي مجرد جذمة يعني قالها باستخفافٍ جعلها تزداد غضبًا و هي ترفع جذعها و تشرح له سبب خوفها على الحذاء بطريقة حادة : - مجرد جذمة !! دي Gucci يا متخلف لم يفهم مُعتز ماهية هذه الماركة لذلك آجابها ببلاهة امتزجت مع حنقه من طريقتها المتعالية : - و إيه يعني كوتشي !! ما في كوتشيهات كتير زيها في العتبة أطبقت كوكي على شفتيها و لم تُرد الجدال معه أكثر حتى لا يزداد غضبها، انتشلت منه ما تبقى من قهوتها ثم عادت إلى السيارة في حنق، اتبعها في صمتٍ دام طوال الطريق حتى أوصلها إلى وجهتها ... _______________________ جلست على مقعد مكتبها تستعد لبدء وظيفتها التي ربما لم تختارها لكنها فُرضت عليها بعد ما عانته من أسرتها المُفككة، انتشلت الملفات لتُرتبهم و ترى من سيأتيها اليوم من الحالات، فتحت دفترها لتُلقي نظرة على المواعيد لكنها آرادت أن تنظر إلى هاتفها أولًا كي تتأكد من تاريخ اليوم على الرغم من أنها شبه متيقنة أن اليوم هو الثلثاء ... فتحت هاتفها لتتحول معاني وجهها إلي الحيرة ما إن رأت تاريخ اليوم الذي ظنت أنها تعرفه : - الأربع !! ... إزاي إمبارح كان الإتنين و إنهاردة الأربع !! أغلقت هاتفها بحيرة تنطلي على وجهها و تؤكد لها أن هناك ما هو غريب يحدث معها منذ بداية اليوم، بل و حتى منذ أمس، أغلقت الدفتر ما إن أخبرتها موظفة الاستقبال بمجيء أول حالة، إعتدلت في جلستها كي تستقبل حالاتها بودٍ كالعادة، لكنها وجدت رجل بمقتبل الثلاثين يأتي مع زوجته التي أتت بالأمس من وجهة نظرها و طلبت مساعدتها بسبب زوجها الذي يتجاهلها، هذه المرة أتت هي و زوجها الذي حمل معه عوالم الغضب من تلك الطبيبة التي كادت تُفسد حياتهما الزوجية .. - ممكن أفهم إنتي إزاي تقولي لمراتي تطلب مني الطلاق ؟ إحتقن وجه داليا من حديثه و طفقت تُشير على نفسها و تقول بغير تصديق : - أنا !! أنا قولتلها تطلب الطلاق !! ... لأ أكيد حضرتك فاهم غلط تدخلت زوجة الرجل و هي تقول باستماتة و بعض الغضب : - لأ هو صح، أنا جيت إمبارح و إنتي قولتيلي إطلبي الطلاق أسبلت داليا بأهدابها و هي تحاول استيعاب هذا الهراء الذي يُتلى على مسامعها، فمستحيل أن تطلب مثل هذا الطلب منها، فهي بالأساس اختارت هذه الوظيفة حتى تمنع ظاهرة الطلاق التي تؤثر على الأبناء، وثبت من مقعدها لا تزال تُكذب حديثهما لكنها قررت مسايرتهما و إصلاح الموقف : - طب معلش .. ممكن تقعدو على الكنبة و نتكلم بهدوء ؟؟ ترجتهما بحديثها الهاديء الذي تغلغل إلى عقولهما و قررا أن يجلسا على الأريكة لعل هذا الخلاف الذي نشب بينهما ينتهي بفضلها أكملت معهما الجلسة و لا زال ذهنها مشغول بهذا الهراء الذي يتم اتهامها به منذ الصباح ... ____________________ إنتهى لؤي من التحقيق مع مختار و عصابته الذين رفضوا أن ينبسوا ببنت شفة خاصة هذا الذي يُدعى مختار و الذي قرر ألا يبوح بأي سرٍ كي يساعده زعيمه على الهرب من هذا المكان، ترك لؤي حجرة التحقيقات بغضبٍ عارمٍ كاد يقذف معه كل ما يقابله أمامه، دلف مكتبه يرخي ظهره للوراء و يُطلق العنان لأفكاره كي تُطربه ببعض الحلول التي من شأنها أن تجعل هذا الذي يُدعى مختار يعترف على زعيمه الذي يظن أنه فاتح لكنه لا يملك أي من الأدلة، يخشى استخدام معه أي من أساليب التعذيب نظرًا لحالة مختار المرضية حيث أنه يعاني من مرض السُكري و الذي من الممكن أن يتسبب بوفاته إذا حاول فقط أن يمس شعرة منه. مسد بيديه على رأسه بعد أن باتت حلوله بالفشل و جعلته يستاء أكثر، سمع طرقات هادئة على الباب جعلته يعتدل في جلسته ثم يثب مكانه ما إن وجد الباب يتم فتحه و يدلف منه والده اللواء عبد الصبور، رحب به لؤي بتهذيب ثم ترك مقعده ليجلس قبالة والده على مقاعد المكتب احترامًا له و لمكانته العالية، بدأ عبد الصبور الحديث بوقار : - المعلم مختار إتكلم ؟ صمت لؤي برهة عن الحديث ثم أنكس رأسه لأسفل و هو يُجيب بحرج : - لأ .. لم يبدو على عبد الصبور الغضب أو السخط، بقيت عوالمه هادئة وقورة و كأنه كان يعلم هذه الإجابة : - أنا كنت حاسس رفع لؤي رأسه ليحاول أن يُبرر لوالده : - صدقني حاولت أحقق معاه ... بس إبن ال**** مش عايز يقول حاجة أومأ عبد الصبور رأسه بهدوء ثم سأل بعد فترة وجيزة من الصمت : - ليه مجبتش البنت إللي كانت هنا إمبارح دي و خليتها تحقق معاه .... ما هي عملت كدة مع المُجرم بتاع إمبارح رمقه لؤي بنظراتٍ حائرة لا يفهم كيف وصلت الأخبار إلى والده، كاد يهم بالاستفسار لكن عبد الصبور آجابه قبل أن يسأل : - الأخبار بتوٌصلي أول بأول ... و البنت دي زي ما ساعدتنا عشان نعرف مكان صفقة الأسلحة، أكيد هتساعدنا في قضية فاتح نظمي كاد يهم لؤي بالاعتراض بقوله : - بس مينفعش_ قطع عبد الصبور حديثه للمرة الثانية لأنه يعرف ما يدور بُخلد فلذة كبده : - مينفعش نعرض حياة بنت مدنية للخطر ... عارف إنك هتقول كدة ... بس إحنا مش هنعرضها للخطر، البنت هتكون مسئولة مننا، يعني هنحميها في مقابل الخدمة إللي هتقدمهالنا إقترب بجذعه نحو لؤي ليُخبره بقراره الصارم : - كل إللي عليك إنك تجبهالي هنا، و تقنعها تشتغل معانا ألقى كلماته ثم هرع من المكتب دون أن يكترث لرفض لؤي و عدم رغبته في تعريض حياة فتاة ساذجة مثلها للخطر، فليس هذا ذنبها أن تمتلك مثل هذه المقدرة التي تُجيدها بمهارة، ليس ذنبها أن تدلف عالمًا مليئًا بالمخاطر مثل عالمهم، لكن ما باليد حيلة، عليه أن يُنفذ الأوامر مهما كان الثمن ... _________________ انتشرت أصوات العراك و الشجارات من حولها داخل منزلها الذي لا يخلو من الضجيج، فصوت شقيقتها التي تتشاجر مع شقيقها يصل إلى حجرتها ممزوج
نوران أشرف محمد