بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم فرج عنا بفضلك و رحمتك فرجًا عاجلًا كلمح البصر أو هو أقرب يا رب يا كريم " _______________________ لا تبتأس من تلك الحياة التي دائمًا ما توليك ظهرها، فحتى و إن كانت ترفد النظر إليك، هذا لا يعني أنها لا تستطيع الإصغاء لك ... كانت الأجواء مكفهرة تحفها هالات من التفكير و الصدمة، فأمامهم حقيبة مُحملة بكمٍ من الممنوعات تجعلهم في السجن بقية حياتهم، حالت فترة من الصمت و التحديق بتلك الحقيبة أثناء تفكيرهم في خطة أخرى يتخلصوا من خلالها من تلك المعضلة دون أن يتأذى صديقهم، لكن كيف سينفذوا خطة خطيرة كهذه و هم قد فشلوا من قبل في تنفيذ خطة أقل ما يُقال عنها أنها بسيطة، قطعت قمر هذا الشرود بصرامة : - طيب ... يلا نفكر هنعمل إيه ؟؟ ... لازم نفكر في خطة ذكية تخلصنا من الحوار ده كله لاحت ابتسامة ساخرة على ثغر خالد و هو ينظر لمُعتز نظرة محتقرة قال معها : - كيف سنأتي بخطة ذكية و هذا الأحمق بيننا ؟ اشتعلت عيني معتز إثر حديثه فهب واقفًا أمامه يكاد يُبرحه ضربًا : - طب و رحمة أمي ما هسيبك ... بدأ الجدال بينهما ليجعلهم يتناسوا أمر الحقيبة و يحاولوا فض هذا النزاع قبل أن يتدمر المنزل، إقتربت داليا من أذن إسلام كي تسأله باستفسار : - هو خالد و معتز ليه مش طايقين بعض ؟ آجابها إسلام بصوت خافتٍ بعض الشيء : - أصلهم كانو مع بعض في الدفعة و علطول يتخانقو أيام المدرسة استنتجت داليا أن مُعتز بنفس عُمر خالد و الذي يكبر عن إسلام بثلاثة أعوام، هذا يعني أن معتز يكبر إسلام بثلاثة أعوام أيضًا رغم أن إسلام أكثر طولًا و عِرضًا : - إيه ده هو معتز أكبر منك !! ... مش باين عليه خالص خرجت نبرة إسلام متعالية و هو يُجيبها : - كل الناس بتقول كدة ... إكمني يعني عاقل و ناضج رفعت داليا حاجبيها بسخرية و هي ترد عليه : - لو كانت بتتقاس بالعقل كان زمانكم إنتو الاتنين في الحضانة ... أنا كان قصدي على الطول لم يكد يُجيبها إسلام حتى وجدا صوت يُسرا يصدح عاليًا لتوقف هذا الجدال الناشب، فما إن سكنت الأصوات و انصبت الأعين نحوها باهتمام حتى أردفت بثقةٍ أدلت معها اقتراحها : - أنا عندي خطة ... _________________________ ظلام دامس آحاط بهذه البقعة رغم أن الشمس كانت ساطعة، حبل غليظ يلتف حول يديه التي لم تتوقفا عن الحراك كمحاولة للتملص من تلك القيود، كان جسده متراخيًا على مقعدٍ خشبي مُهتريء تعتقد لوهلة أنه أتى من فترة الستينات، أما عن وجهه فكان العرق يتقاطر منه كحُبيبات الندى المتساقطة على سفوح الأشجار.. أرخى رقبته للوراء لتُحدث طقطقة أعربت عن إنحناءها لفترة طويلة كان فيها ضحية النوم الذي غلبه في تلك الحجرة، حرك رأسه يمينًا و يسارًا استعدادًا لاسترداد قوته و معاودة التغلب على تلك القيود مجددًا، فهو لن يترك مجالًا لأولئك الأوغاد أن ينالوا منه و يستغلوا رفاقه، فربما لو كان شخص آخر مكانه لما استطاع الفرار منهم و ربما كان سيضحى بخطرٍ الآن... و هذا لا يعني أنه في موقف أقل خطورة، هذا يعني أنه في مأزق لكنه يستطيع الفرار منه لأنه مُدرب على تلك الأمور جيدًا، فهذه ليست أول مرة يتم أخذه كرهينة وسط مجموعة من المجرمين، ربما أول مرة يتم أخذه كرهينة حاولت السرقة، لكن هذا لا يُهم، عليه أن يفك قيده قبل أن يقبل رفاقه على ارتكاب جريمة من أجله... بقي لساعات أخر يُحرك يديه في عنفٍ حتى أصبح رسغه أحمرًا يسيل منه الدماء التي لم يكترث لها بتاتًا و كأنها لون أحمر ينبثق من جلده و لا يستطيع الشعور به، بعد بضع دقائق كادت أنفاسه فيهم تنقطع بسبب قلة الهواء، استطاع أخيرًا فك قيد يديه و من ثم قدميه ليثب بعدها بحذر أطلق معه نظراتٍ مترقبة و آذان صاغية لما يحدث خارج الحجرة .... أمسك بالمقعد الخشبي بكلتا يديه ليأخذه و يقف به خلف الباب الموٌصد، ركل الباب الخشبي ركلة كادت تُطيحه أرضًا، هذه الركلة آفاقت الحارس القابع خلف الحجرة و جعلته ينتفض في مضجعه و الغضب يتكلل جوانحه، أخرج الحارس سلاحه من جيبه ليقترب من الحجرة التي تيقن أن لؤي يحاول الهرب منها... دفع الباب دفعة قوية جعلته يلتصق بحدة بجسد لؤي الواثب خلفه، صوٌب الحارس سلاحه أمامه و عيناه تشخصان بكل مكان بحثًا عن ذاك المُحتجز، جزٌ على أسنانه بغضب ما إن تأكد من اختفاء لؤي، لكنه لم يلحق التبليغ بهذا الأمر لأن لؤي هوي على رأسه بالمقعد الخشبي الذي كان معه و استخدمه ليضرب به الرجل ضربة قوية جعلته يسقط على الأرض مغشيًا عليه... إنحنى لؤي لمستواه ليعبث بحوزة الحارس حتى التقط منه سلاحه و خزينة الرصاص ليضعها بجيبه، عثر أيضًا على الهاتف الخاص بالحارس فالتقطه بسرعة البرق و هو يُجري مكالمة أردف بها : - ألو ... أنا الظابط لؤي ... في عصابة أخدتني رهينة ... محتاج دعم عشان أعرف أخرج من هنا .. تمام، متتأخروش أغلق المكالمة بسرعة ليلتف كمحاولة للهرب من هذا المكان، لكن الرياح تأتي بما لا تشتهيه السُفن، فما إن التفت وراءه حتى وجد حارسان يسدان الباب بنظراتهما الحاقدة و أعيرتهما النارية المصوٌبة على وجهه مباشرة !! ... ______________________ تزحف دقات الساعة ببطء و هو يجلس على أريكة خشبية تتوسط حديقة عامة مليئة بالأطفال التي تتأرجح بمرحٍ على تلك الألعاب، يحتضن خالد الحقيبة السوداء بين صدغيه خشية من أن يُصيبها خدش أو يتم سرقتها، يتلفت يمينًا و يسارًا ثم يرمق ساعته في كل وهلة ينتظر تحرك هذه العقارب إلى التاسعة صباحًا، فقد اتفقت معهم أفراد العصابة على المقابلة في ذاك المكان العام و بهذا الوقت الباكر منعًا للشبوهات.... تحركت عقارب الساعة أخيرًا إلى التاسعة فاستعد خالد لمقابلة هذا الشخص الذي من المفترض أن يتسلم منه الحقيبة بعد أن يُخبره كلمة السر المُتفق عليها، فربما سيأتيه مجرمًا متخفيًا سيحفظ هو معالمه و يُبلغ إسمه للشرطة، هذا ما كان يُفكر به حتى قطع شروده صوت طفلٍ صغير ذا بحة رقيقة قال بها : - طنط فوزية عازماك على الغدا اتسعت حدقتا خالد ما إن التقطت أذناه كلمة السر من طفل صغيرٍ من المُفترض أن يتسلم منه تلك الممنوعات، بقي في حالة من الصمت و التيه لفترة حتى مدٌ الصغير يده و حدقتاه تُشيران على تلك الحقيبة التي يحتضنها خالد : - طنط فوزية عازماك على الغدا آعاد عليه كلمة السر لينتشل خالد من شروده و يمدُ نحوه الحقيبة السوداء التي التقطتها أنامل الصغير بكل جرأة و كأنه مُدرب على هذا، ما إن رحل الصبي حتى أخرج خالد هاتفه بسرعة ليتصل بزوجته و يُخبرها عن الشخص الذي تسلم الحقيبة منه ... على جهة أخرى كانت تجلس يُسرا و معها كتابًا تُمثل أنها تقراءه بنهم، لكن الحقيقة أنها تتابع بعينيها ذاك الصغير الذي يحمل حقيبة سوداء أكبر من حجمه، وجدته يجلس على بضعة أمتارٍ منها و يبتعد تمامًا عن البقعة التي أخذ منها الحقيبة، تحركت يُسرا بخطواتٍ هادئة خلف هذا الصبي، عزِمت على إخفاء هويتها قدر الإمكان حتى لا يُلاحظ أحدهم أنها تراقبه، فقد كانت تضع الهاتف تارة على أذنها تُمثل انشغالها في مكالمة ما و تارة أخرى تجلس على أريكة انتظار وسائل المواصلات تُمثل أنها تقراء كتابًا كما تفعل في تلك اللحظة... وجدت رجل يرتدي حلة سوداء و يجلس بالقرب من الصبي ليُبدل معه حقيبته السوداء بالحقيبة التي تحتوي على بضاعتهم، فربما أعطى هذا الصغير حقيبة تحتوي على ثمن البضاعة، وجدته يُشير بسبابته أمام الصبي و كأنه يُحذر من أمرٍ بالغ الأهمية، بعدها داعب خُصلات الصبي و أهداه حقيبة بلاستيكة ربما تحتوي على الحلوة لأن الصبي ما إن التقفها حتى ارتسمت بسمة واسعة على ثغره. أخرجت يُسرا هاتفها و طفقت تلتقط العديد من الصور لهذا الذي تسلم الحقيبة دون أن يدري أنه يتم تصويره، أما عن الصبي، فبقي مكانه يحتضن الحقيبة و يتناول الحلوة في صمت حتى تقدم نحوه رجل آخر تحدث معه لبرهة ثم أخذ منه الحقيبة ليثب الصغير من مكانه و يسير وراء الرجل الذي يعرفه بلا شك. أرسلت يُسرا الصور لشخص ما مع عباراتٍ تحثهم على مراقبته و معرفة أين ستذب البضاعة ... فكانت داليا على جهة أخرى تتحرك خلف الرجل بأريحية دون أن تُكلف نفسها عناء الاختباء، فهذا الرجل لن يراها على أي حال، بقيت تسير وراءه بإنسيابية حتى استقلت معه السيارة التي لم تكن خالية البتة، فقد كان بداخلها رجل آخر يتولى القيادة يبدو أنه في ريعان شبابه، أما بالخلف، فكان يجلس رجل ذو هيبة طاغية و كِرش ممتد أمامه مع خصلات شعر بيضاء و ملامح غليظة، أمسك هذا الرجل ذو الهيبة بالحقيبة و طفق يبحث بداخل الدُمى عن بضاعته... أخذت داليا مقعدًا بالخلف و جوارها الحقيبة مباشرة، علِمت للتو أنهم سيأخذون تلك البضاعة إلى المطار كي يُهربونها خارج البلاد تمامًا، فلهذا السبب تم حشوها داخل الدُمى حتى لا يكشفها أحد، بقيت داخل السيارة تُراقب تحركهم حتى وجدت الرجل الجالس جوار السائق يُخرج هاتفه حديث الصيحة ليُجري مكالمة هاتفية قال معها : - البضاعة وصلت ... و الفلوس سلمناها ما إن أدلى بهذه الجملة حتى اتسعت بسمة داليا و كأنه أخبرها دعابة ما، فما جعلها تجلس بين هذه العصابة هو أنها تُريد أن تتأكد أن شاويش علِم بتنفيذهم لذاك التسليم حتى يبدأو خطتهم الأصلية، سارعت داليا بالتحرك خارج هذه السيارة، حيث اخترقت بابها المُغلق حتى وجدت نفسها تتدحرج على الطريق بسبب سرعة السيارة، توقفت عن الدحرجة لتثب عن الأرض دون أن يمسها أي خدشٍ لأنها بالأساس ليست داخل جسدها، فإذا فعلت هذا و هي بداخله بالتأكيد ستضحى مشوٌهة المعالم الآن. وجدت سيارة بيضاء تشق الطريق نحوها فعادت خطوتان للوراء بأعين ثاقبة كالصقر تستعد من خلالها لاختراق تلك السيارة قبل فوات الآوان ... انتفض جسدها فجأة لتُصبح داخل سيارة تعرفها جيدًا، أمامها كوكي تجلس جوار مقعد السائق تتصفح حاسوبها و شريحة التتبع التي دثروها داخل شُحنة الممنوعات، أما عن مُعتز، فكان جوارها يقود السيارة حسب توجيهات كوكي التي تتابع الرجل الذي أرسلت لهم يُسرا صوره مُرفقة مع لون سيارته التي كانت داليا بداخلها. - كلمو البوليس ... هما خلاص قالو لشاويش إننا عملنا إللي هو عايزه استجابت كوكي لحديثها و أخرجت هاتفها فورًا لتتصل بالشُرطة و تقدم بلاغًا كاملًا بأولئك المجرمين مهربي الممنوعات، صدح هاتف داليا مُعربًا عن مكالمة هاتفية أتتها من قمر التي كانت تُنفذ شِقًا آخر من الخطة برفقة إسلام . - ألو يا قمر ... قالتها داليا بهدوءٍ رغم القلق البادِ على وجهها، ما هي إلا برهة حتى اتسعت عينا داليا في صدمة قالت معها بصوتٍ مُرتفع : - إيه !! ... طيب إحنا جايين .. أغلقت المكالمة بسرعة لتتقدم بجذعها نحو كوكي و مُعتز كي تُخبرهما بهلع : - إطلعو على قصر شاويش بسرعة ... قمر بتقولي إن لؤي في خطر و إن في ناس عايزة تموته !! ___________________________ من المفترض أن يضحى المرء في أوج هلعه في ذاك الموقف، فأمامه فوهة سلاح ربما تم تعميره استعدادًا للإطلاق، بل و حتى إجتمع مع فوهة سلاح آخر مصوٌب نحو لؤي بأقدام تقترب منه و أعين تنثر شعاعاتٍ من الغضب لو كانت حقيقية لما حوٌلت هذه الحجرة إلى رمادٍ، و مع هذه الأجواء الخطرة يبقى لؤي مكانه محافظًا على صلابته و أعينه الثاقبة التي أبرزت أنه لا يهابهما. رفع يديه لأعلى علامة على الاستسلام بينما قدماه كانتا تتقدما ببطء و هدوءٍ اتجاه هذين الرجلين.. - إثبت مكانك أحسنلك قالها أحد الرجلين بصوتٍ جهوري مُهدد، إنصاع لؤي له باستسلام و توقف عن السير دون أن ينبس ببنت شفة؛ تحرك واحد من الرجال نحوه ليعاود تقييده بالمقعد لكن ... أمسك لؤي يده التي تحمل السلاح و أدارها ليلوي ذراعه و يحتضن جسده لؤي، كان يطلق الحارس من سلاحه أثناء مقاومته للؤي لكن لسوء حظه أطلقت النيران ما إن آدار لؤي يده بسرعة البرق مما جعل الطلقة تُصيب صدر الحارس الآخر و تلقيه صريعًا، انتهز لؤي هذه الفرصة و انتزع السلاح من الرجل ليلقيه بعيدًا حتى يستطيع الهرب... لم يتركه الرجل و شأنه و جثا بركبتيه نحو جثة زميله لينتشل منه السلاح و يطلق به رصاصة كادت تخترق جسد لؤي لكنه تفاداها و أخرج
نوران أشرف محمد