سر النهر

سر النهر

135 0

كان ماتياس لا يزال جالسًا أمام ميرا.

بقيت كلماته الأخيرة معلقة في الغرفة.

"فالدوين مو مثل ما منعرفها."

لم تجبه ميرا فورًا.

كانت تعرف أن الكلام القادم سيغير شيئًا بينهما.

مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت الدفتر القديم.

وضعته أمامه على الطاولة.

نظر ماتياس إلى الغلاف.

"شو هاد؟"

قالت ميرا:

"الكتاب اللي حكيتلك عنه."

أمسكه بحذر.

"كتاب؟"

هزت رأسها.

"مو أي كتاب."

فتح الصفحة الأولى.

كانت الكتابة قديمة، والحبر باهتًا، لكن الاسم في البداية كان واضحًا.

توقف ماتياس.

حدق بالكلمات لعدة ثوانٍ.

ثم تغير وجهه.

"مستحيل..."

نظرت إليه ميرا.

"شو؟"

رفع عينيه إليها.

"هاد..."

مرر أصبعه فوق الاسم.

"هاد مذكرات ملك فالدوين."

ساد الصمت.

اقتربت ميرا منه.

"ملك فالدوين؟"

أومأ ببطء.

"الملك اللي حكم المدينة قبل كل شي."

بقي ينظر إلى الصفحات.

كان يعرف الآن أن هذا الكتاب لم يصل إليها صدفة.

"هو الشخص اللي عمل العقد مع الساحر."

قالتها ميرا بهدوء.

رفع ماتياس رأسه إليها.

لم تكن تسأله.

كانت تعرف.

عاد ينظر إلى الكتاب.

"يعني كل هالسنين... الحقيقة كانت مخبية بهالطريقة؟"

جلسا معًا وبدآ بقراءة الصفحات.

لم يعيدا ما قرأته ميرا من قبل.

لم يكن المهم الآن معرفة كيف بدأت اللعنة فقط.

المهم كان معرفة ما الذي تركه الملك خلفه.

ما الذي فشل في الوصول إليه.

وما الذي يمكن أن ينهي كل شيء.

بعد وقت طويل، أغلق ماتياس الكتاب.

بقي ساكتًا.

قالت ميرا:

"ما لقينا مكان اللحن."

نظر إليها.

"لحن الحقيقة."

أومأت.

جلس يفكر.

"إذا كان اللحن هو المفتاح... أكيد الملك خباه بمكان ما."

نظرت ميرا إلى الصفحات.

"بس وين؟"

نهض ماتياس ببطء.

بدأ يمشي في الغرفة.

كان يحاول ترتيب كل الأشياء التي حدثت.

الكتاب. المدرسة. المقابر. العروس. القطار.

ثم توقف فجأة.

تغير وجهه.

ميرا لاحظت ذلك.

"شو في؟"

لم يجب مباشرة.

نظر نحو الأرض.

ثم قال بصوت منخفض:

"الصندوق."

عبست ميرا.

"أي صندوق؟"

نظر إليها.

"الصندوق اللي لقيته عند صديقي."

اقترب من السرير.

انحنى.

مد يده إلى المكان المظلم تحته.

وأخرج صندوقًا خشبيًا قديمًا.

تجمدت ميرا.

كان الصندوق أسود، ونقوشه غريبة.

قال ماتياس:

"أنا ما كنت أعرف شو هو."

جلس ووضعه أمامهما.

"بس بعد اللي صار... ما عاد أظن إنو مجرد صندوق."

نظر إليه بحذر.

كان يعرف أنه خطير.

يعرف أن كل شيء بدأ بعد فتحه.

الحوادث. الخوف. الأشخاص الذين ظهروا في الظلام.

لكن الآن...

كان هناك شيء آخر.

شيء أخبره أن هذا الصندوق لم يصل إليه عبثًا.

قال:

"الدم فتحه."

نظرت ميرا إليه.

"شو كان جواه؟"

بقي صامتًا لحظة.

ثم قال:

"ورقة."

فتح الصندوق ببطء.

وأخرج الورقة القديمة.

ظهرت النوتة الموسيقية أمامهما.

بقيت ميرا تنظر إليها.

ثم رفعت عينيها إلى ماتياس.

"لحن الحقيقة..."

أومأ.

كان صوته منخفضًا.

"كان عندي من البداية."

جلس الاثنان بصمت.

كل القطع التي كانت متفرقة بدأت تقترب من بعضها.

كتاب الملك.

لحن الحقيقة.

الصندوق.

الطريق إلى الجرس الثالث عشر.

قالت ميرا:

"يعني المدينة كانت عم تقودنا له."

نظر ماتياس إلى الصندوق.

ثم إلى الكتاب.

وقال:

"أو يمكن..."

توقف.

"يمكن الأقدار كانت واقفة بصفنا."

نظرت إليه ميرا.

أكمل:

"يمكن كل هالأشياء وصلت إلنا لسبب."

أمسك النوتة بحذر.

"إذا كان هذا هو الطريق للخروج من فالدوين..."

نظر إلى ابنته.

"ما رح نخاف منه."

ثم أعاد النظر إلى اللحن.

لكن في داخله كان يعرف شيئًا واحدًا.

هذا اللحن لم يكن مجرد موسيقى.

كان مفتاحًا لباب أغلقته المدينة منذ زمن طويل.

وهم الآن...

كانوا يحملون المفتاح.

نظر إلى النوتة الموسيقية بين يديه.

كانت قديمة. هشة. لكنها أصبحت الآن أهم شيء امتلكه منذ دخل في سر فالدوين.

قال بعد لحظة:

"بس في سؤال."

نظرت إليه ميرا.

"شو؟"

رفع الورقة.

"هاد اللحن... ما بينعزف بأي مكان."

فهمت ميرا قصده.

لم يكن اللحن مجرد نغمات.

كان مفتاحًا.

قالت بهدوء:

"أنا بعرف وين لازم نعزفو."

نظر إليها ماتياس باستغراب.

"وين؟"

لم تجبه مباشرة.

فقط نظرت نحو النافذة.

"المكان اللي أخدني لعنده الطريق."

بقي ماتياس صامتًا.

ثم أخذ النوتة.

وأخذ معه آلة موسيقية صغيرة كان يحتفظ بها في المنزل.

نظر إلى ميرا.

"رح تفرجيني؟"

أومأت.

"إي."

خرج الاثنان من المنزل.

كانت شوارع فالدوين هادئة كعادتها، والثلج يغطي الحجارة السوداء.

لكن هذه المرة لم تكن ميرا تمشي كطفلة تبحث عن شيء مجهول.

كانت تمشي وهي تعرف الطريق.

قادته بين الأزقة القديمة، بعيدًا عن الشوارع الرئيسية.

حتى وصلا إلى مكان لم يكن يبدو فيه أي شيء غريب.

أرض فارغة.

أشجار عارية.

نظر ماتياس حوله.

"ميرا..."

أشارت أمامها.

"هون."

نظر إليها.

"هون شو؟"

اقتربت من المكان الذي وقفت فيه سابقًا.

"هون كان في نهر."

بقي ماتياس ينظر إلى الأرض.

لم يرَ سوى الثلج والحجارة.

"نهر؟"

أومأت.

"إي."

ثم قالت:

"ركبت بقارب... وبعدين اختفى كل شي."

لم يقل ماتياس شيئًا.

لكنه لم يضحك.

لم يقل إنها تتخيل.

لأنه بدأ يعرف فالدوين أكثر.

قالت ميرا:

"اعزف هون."

نظر إليها.

"متأكدة؟"

أومأت.

"إي."

جلس ماتياس.

أخرج النوتة.

ثبتها أمامه.

ثم أمسك آلته الموسيقية.

في البداية كان مترددًا.

كان يعرف أن هذه النوتة مرتبطة بأشياء لا يفهمها.

لكن عندما بدأ العزف...

حدث شيء لم يتوقعه.

لم يظهر ظلام.

لم تظهر أشباح.

لم يسمع صرخات.

فقط...

ظهر صوت جميل.

هادئ.

نغمات دافئة انتشرت بين الأشجار.

كأن اللحن لم يكن مصنوعًا لفتح شيء مغلق...

بل لإيقاظ شيء نائم.

بقيت ميرا تنظر حولها.

ثم لاحظت شيئًا.

تحرك الثلج تحت أقدامهما.

ليس بسبب الريح.

بل بسبب شيء تحته.

توقف ماتياس عن التفكير.

واستمر بالعزف.

بدأت الأرض أمامهما تتغير.

اختفت طبقة الثلج ببطء.

وظهر تحتها حجر قديم.

ثم خط من الماء.

تراجع ماتياس قليلًا.

استمر اللحن.

وفجأة...

ظهر النهر.

كما رأته ميرا تمامًا.

ماء صافٍ يشق الأرض التي لم يكن فيها شيء قبل لحظات.

وضباب خفيف يعلو فوق سطحه.

وفي منتصف النهر...

كان هناك قارب صغير.

ساكن.

ينتظر.

توقف ماتياس عن العزف.

ظل ينظر.

لم يستطع الكلام.

ثم نظر إلى ميرا.

لم تكن خائفة.

كانت فقط تنظر إليه وكأنها تقول: "قلت لك."

اقترب منها.

"إنتِ..."

توقف.

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.

"إنتِ كنتِ شايفة كل هاد."

أومأت.

نظر ماتياس إلى النهر مرة أخرى.

ثم إلى القارب.

لأول مرة منذ بدأت هذه الأسرار...

لم يشعر أن ميرا طفلة ضائعة داخل لغز كبير.

شعر أنها الشخص الذي كان يقوده إلى الحقيقة.

وضع يده على كتفها.

وقال بهدوء:

"كان لازم أصدقك من البداية."

نظرت إليه ميرا.

قال:

"فالدوين كانت مخبية هالأشياء..."

نظر إلى القارب.

"بس هي ما كانت مخبيتها عنك."

سكت قليلًا.

ثم أضاف:

"يمكن كانت ناطرتك."

وبقي النهر أمامهما.

والقارب يتحرك ببطء مع الماء.

كأنه يعرف تمامًا إلى أين يجب أن يأخذهما.

جلس ماتياس وميرا داخل القارب. كان الماء يتحرك بهدوء تحتهم، والنهر يمتد أمامهما داخل الضباب.

لم يكن هناك أي صوت سوى حركة الماء الخفيفة.

ظل ماتياس ينظر حوله. كان يشعر أن المكان نفسه ليس طبيعيًا.

قال:

"ميرا..."

نظرت إليه.

"إي؟"

نظر إلى النهر.

"المرة الماضية لما وصلتي لهون... شو صار؟"

قالت:

"القارب أخذني، وبعدين لما رجعت... اختفى النهر."

سكت قليلًا.

ثم نظر إلى النوتة التي يحملها.

"بس ليش اللحن كان موجود؟"

نظرت ميرا إلى الورقة.

ثم قالت:

"لأن اللحن مو لفتح النهر بس."

رفع ماتياس عينيه إليها.

"شو يعني؟"

اقتربت ميرا منه قليلًا.

وقالت:

"أعزف لحن الحقيقة."

نظر إليها.

"هلأ؟"

أومأت.

"إي."

نظر حوله.

"بس نحنا بالقارب."

قالت ميرا:

"يمكن هون بالضبط لازم نعزفه."

بقي ماتياس صامتًا للحظة.

ثم أخرج النوتة.

وضعها أمامه.

وأمسك آلته الموسيقية.

كان متوترًا.

ليس بسبب اللحن.

بل لأنه بدأ يفهم أن كل خطوة قاموا بها كانت تقود إلى هذه اللحظة.

أخذ نفسًا عميقًا.

وبدأ يعزف.

في البداية كانت النغمات هادئة.

مثل الصوت الذي سمعاه قبل ظهور النهر.

لكن بعد لحظات...

تغير شيء.

بدأ الضباب يتحرك.

لم يختفِ.

بل انفتح.

كأن الطريق نفسه كان ينتظر هذه الموسيقى.

نظر ماتياس أمامه.

كان النهر يتغير.

الماء الذي كان صافياً أصبح يعكس صورًا لم تكن موجودة.

صورًا من الماضي.

شوارع. بيوت. وجوه لا يعرفونها.

توقفت ميرا عن الكلام.

كانت ترى فالدوين.

لكن ليست فالدوين التي تعيش فيها.

كانت مدينة أخرى.

مدينة قبل اللعنة.

استمر ماتياس بالعزف.

وفجأة...

بدأ القارب يتحرك أسرع.

ليس مع التيار.

بل باتجاه شيء ظهر أمامهما.

ضوء.

اقتربا منه.

ثم خرج القارب من الضباب.

وتوقّف.

رفع ماتياس رأسه.

أمامه كانت هناك ضفة.

ضفة لم تكن موجودة قبل لحظات.

نزل ماتياس ببطء.

نظر حوله.

ثم تجمد.

كانت فالدوين.

لكن قبل ثلاثمئة سنة.

كانت الأسوار جديدة. الحجارة السوداء لم تكن متآكلة. والبرج الأسود لم يكن يحمل ذلك الصمت الثقيل.

قال ماتياس بصوت منخفض:

"هاي..."

نظر إلى المدينة.

"هاي فالدوين."

نزلت ميرا من القارب.

كانت تنظر حولها بدهشة.

لكنها شعرت بشيء غريب.

الناس يمشون أمامهم.

ولا أحد يراهم.

مرت امرأة بجانب ميرا دون أن تلتفت.

اقترب طفل من ماتياس تقريبًا، ثم أكمل طريقه وكأنه مرّ من خلال الهواء.

قالت ميرا:

"بابا..."

نظر إليها.

"نحنا مو هون مثلهم."

فهم ماتياس.

كانوا يشاهدون الماضي.

لا يستطيع أحد رؤيتهم.

ولا يستطيعون تغيير شيء.

مشى الاثنان على الطريق الحجري.

كانت فالدوين مختلفة.

لم تكن مدينة الخوف.

كانت مليئة بالحياة.

لكن شيئًا ما كان ناقصًا.

كان هناك توتر في وجوه الناس.

وسعال في بعض البيوت.

وفي آخر الشارع...

رأوا المحطة.

توقف ماتياس.

حدق بها.

كان هناك قطار يقف أمامها.

قطار أسود.

قديم.

قال بصوت خافت:

"غريب..."

نظرت إليه ميرا.

"شو؟"

قال:

"بفالدوين اللي بعرفها... ما في قطار."

ثم نظر إلى السكة.

"ولا كان لازم يكون في."

وفي تلك اللحظة...

انفتح باب القطار.

وساد الصمت.

لأن الشخص الذي نزل منه...

كان الرجل الذي سيغير تاريخ فالدوين كله.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فالدوين

المؤلف remanwrites
2026/09/26 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: المقدمة
2026/09/26
الفصل 2: صباح لم ينم فيه أحد
2026/09/26
الفصل 3: بيت في فالدوين
2026/09/26
الفصل 4: المدرسة في فالدوين
2026/09/26
الفصل 5: أطفال فالدوين
2026/09/26
الفصل 6: الجرس الثاني عشر
2026/09/26
الفصل 7: خيط بارد
2026/09/26
الفصل 8: جنازة غامضة
2026/09/26
الفصل 9: طعم جديد
2026/09/26
الفصل 10: المنام الغريب
2026/09/26
الفصل 11: نهر فالدوين
2026/09/26
الفصل 12: أول ثلج في فالدوين
2026/09/26
الفصل 13: القطار الذي لم يكن هناك
2026/09/26
الفصل 14: عيد لم يكتمل
2026/09/26
الفصل 15: ليلة الفوانيس
2026/09/26
الفصل 16: المقبرة خلف الكنيسة
2026/09/26
الفصل 17: محل الحلويات
2026/09/26
الفصل 18: محل الورد
2026/09/26
الفصل 19: الكرسي الزائد
2026/09/26
الفصل 20: البيت الصغير
2026/09/26
الفصل 21: الرسام
2026/09/26
الفصل 22: شيء ناقص
2026/09/26
الفصل 23: الصندوق القديم
2026/09/26
الفصل 24: الباب المخفي
2026/09/26
الفصل 25: ليلة الموتى
2026/09/26
الفصل 26: عروس ضوء القمر
2026/09/26
الفصل 27: الاجراس
2026/09/26
الفصل 29: القفص
2026/10/05
الفصل 30: مذكرات فالدوين
2026/10/06
الفصل 31: سر النهر
2026/10/07
الفصل 32: المدينة الخائفة
2026/10/08
الفصل 33: القطار الغامض
2026/10/09
الفصل ٢٨: الاغنية الحزينة
2026/10/02
الفصل 34: النهاية
2026/10/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة