كانوا يركضون منذ أن حلّ الظلام.
لم يعد الرجل يشعر بقدميه.
كان يمسك بيد زوجته، بينما كان ابنه الأكبر يركض إلى جانبه وهو يحتضن أخته الصغيرة. كانت الطفلة تبكي بصوت خافت، وقد أخفى أخوها وجهها بمعطفه كلما سمعوا صوتًا خلفهم.
خلف الأشجار، كانت أصوات الرجال تقترب.
أغصان تنكسر.
أقدام تضرب الأرض الموحلة.
وصوت يصرخ:
«لا تدعوهم يهربون!»
شدّ الرجل على يد زوجته.
«أسرعي.»
«الأطفال ما عاد فيهم يركضوا.»
نظر إليهم.
كان ابنه يلهث، ووجه زوجته شاحبًا، وثوب الصغيرة مبللًا بالمطر.
لكنهم لم يستطيعوا التوقف.
ليس الآن.
دخلوا بين أشجار أكثر كثافة، بعيدًا عن الطريق. كانت الغابة تزداد ظلمة كلما توغلوا فيها، والضباب ينساب بين الجذوع على ارتفاع منخفض، يلتف حول أقدامهم ثم يختفي.
وفجأة اصطدم الرجل بشيء.
توقف.
رفع عينيه.
سور.
سور حجري ضخم امتد أمامهم بين الأشجار، عالٍ إلى درجة أنه لم يستطع رؤية ما وراءه.
كان قديمًا جدًا.
الحجارة سوداء من الرطوبة والعمر، مغطاة بطبقات من الطحلب، وبعضها متشقق ومتآكل. امتد السور إلى اليمين واليسار حتى اختفى داخل الضباب، وكأنه يحيط بمكان أكبر مما يستطيعون رؤيته.
قالت زوجته هامسة:
«شو هاد؟»
لم يجب.
كان ينظر إلى البوابة.
بابان ضخمان من الخشب الأسود، مثبتان داخل قوس حجري عالٍ، تعلوه زخارف قديمة بالكاد تظهر تحت طبقات السواد.
كان الباب مغلقًا.
وراءه لا شيء يمكن رؤيته.
فقط شقوق ضيقة بين الخشب يتسلل منها ضوء باهت.
اقترب الرجل.
وضع يده على الباب.
كان باردًا.
ومن الجهة الأخرى...
جاءه صوت.
ماء.
ماء جارٍ بعيد.
ثم صوت ريح خفيفة بين الأشجار.
لم يسمع أصواتًا أخرى.
لا رجال.
لا خيول.
لا كلاب.
نظر إلى زوجته.
«يمكن في مدينة.»
قالت:
«هون؟ وسط الغابة؟»
«ما بعرف.»
خلفهم، انكسر غصن.
تجمدوا جميعًا.
ثم جاء صوت أحد الرجال:
«آثارهم هون!»
لم يعد هناك وقت.
أمسك الرجل بمقبض الباب بكلتا يديه ودفع.
في البداية لم يتحرك.
ضغط أكثر.
صدر عن الخشب صوت طويل وعميق، ثم انفتح أحد البابين ببطء.
دخل ضباب بارد من الجهة الأخرى.
توقف الرجل.
كان يتوقع أن يرى الغابة.
لكنه لم يرَ شيئًا مما يعرفه.
خلف السور امتدت أرض واسعة مغطاة بضباب رمادي شاحب.
أشجار طويلة متباعدة، أوراقها قليلة، وأغصانها السوداء تمتد فوق طريق حجري قديم.
وفي البعيد...
ظهرت أضواء.
مصابيح صغيرة، كثيرة، تصطف على جانبي الطريق.
وخلفها ارتفعت أسطح بيوت حجرية، أبراج ضيقة، ومداخن يخرج منها دخان خفيف.
ثم، أبعد من كل شيء، ظهر برج أسود شاهق يخترق الضباب.
حدق الرجل.
مدينة.
مدينة كاملة.
خلف سورها.
في قلب الغابة.
لم يقل أحد شيئًا.
قال ابنه بصوت منخفض:
«بابا... في ناس هناك؟»
لم يجب.
كان ينظر إلى الطريق الممتد أمامهم.
لم يكن يعرف أين هم.
ولا من بنى هذه المدينة.
ولا لماذا لم يسمع أحد عنها من قبل.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا.
المكان خلفه لم يعد آمنًا.
شدّ على يد زوجته.
«ادخلوا.»
ترددت لحظة.
«وإذا كانت أسوأ؟»
نظر إلى الطفلين.
ثم إلى الظلام خلفهم.
«ما عنا خيار.»
دخلوا.
خطا الرجل أولًا على الطريق الحجري.
ثم زوجته.
ثم الطفلان.
وبمجرد أن ابتعدوا عن البوابة، عاد الباب خلفهم ببطء إلى مكانه.
لم يصدر صوتًا.
لم يلفت أحد انتباهه إلى ذلك.
كان الرجل قد استدار نحو المدينة.
كان هناك شيء غريب في هدوئها.
رغم اتساعها، لم يكن في شوارعها أحد.
النوافذ مضاءة.
المداخن تدخن.
لكن لا أحد في الخارج.
قالت زوجته:
«يمكن الناس نايمين.»
هز رأسه.
«يمكن.»
ومشوا.
كلما اقتربوا، بدأت تفاصيل المدينة تظهر من خلال الضباب.
شارع حجري.
بيوت قديمة متلاصقة.
دكاكين مغلقة.
نافورة في ساحة صغيرة.
وتمثال حجري لرجل مجهول يقف أمام كنيسة سوداء.
كل شيء بدا قديمًا.
قديمًا جدًا.
ومع ذلك...
لم يكن المكان مهجورًا.
كانت هناك حياة خلف النوافذ.
همسات.
أصوات أواني.
ضوء شموع يتحرك خلف الستائر.
شعر الرجل بشيء لم يشعر به منذ بداية هروبهم.
الأمان.
التفت إلى زوجته.
كانت لا تزال خائفة.
لكنه ابتسم لها.
«خلص.»
نظرت إليه.
«شو يعني خلص؟»
نظر إلى الشارع الهادئ أمامهم.
«ما حدا رح يلاقينا هون.»
وفي أعلى البرج الأسود، خلف الضباب...
كان هناك شيء معلق في الظلام.
جرس هائل.
ساكن.
صامت.
ينتظر.
ولم يكن الرجل يعرف أن سكان المدينة، في مكان ما خلف تلك النوافذ المغلقة، كانوا يعرفون جيدًا ماذا يعني دخول غرباء جدد إلى فالدوين.
لأن المدينة لا تستقبل أحدًا عبثًا.
فالدوين لا تسمح لأحد بالدخول إلا عندما تكون بحاجة إلى شخص جديد.
مرّت ثلاثة أيام.
ثلاثة أيام منذ عبروا البوابة السوداء.
في البداية، لم يسأل الرجل كثيرًا.
كان كل ما يريده مكانًا ينام فيه أطفاله، وطعامًا يأكلونه، وسقفًا يحميهم من المطر.
وفالدوين أعطتهم ذلك كله.
وجدوا منزلًا صغيرًا في أحد الأزقة القريبة من الساحة. لم يسألهم صاحبه عن سبب مجيئهم، ولم يسأل من أين أتوا.
كأن وصول عائلة غريبة إلى المدينة أمر طبيعي.
أو كأن أحدًا لم يهتم.
مع مرور الأيام، بدأ الخوف يهدأ.
الأطفال لعبوا في الساحة.
زوجته اشترت الطعام من السوق.
وهو بدأ يراقب المدينة بحذر.
كانت هادئة.
جميلة بطريقة غريبة.
وفي كل مساء، حين تغيب الشمس، كانت أبواب المحلات تُغلق، وتعود المدينة إلى صمتها.
لكن شيئًا واحدًا ظل يزعجه.
لم يرَ أحدًا يدخل.
ولم يرَ أحدًا يخرج.
ولا مرة.
في صباح اليوم الرابع، قال لزوجته:
«لازم نرجع.»
رفعت عينيها عن الطعام.
«نرجع لوين؟»
«للطريق اللي إجينا منه.»
سكتت.
ثم قالت:
«يمكن صار الوضع أهدى.»
هز رأسه.
«لازم نعرف وين نحنا أصلًا.»
جهزوا أغراضهم.
أخذ الرجل زوجته من يدها، ومشى الأطفال خلفهما.
كانوا يعرفون الطريق إلى البوابة.
على الأقل هكذا ظن.
خرجوا من المنزل، واتجهوا نحو الساحة.
ثم عبروا الشارع الطويل.
ثم انعطفوا عند النافورة.
وبعدها مروا بجانب الكنيسة السوداء.
كان كل شيء كما يتذكره.
قال الرجل:
«من هون.»
دخلوا زقاقًا ضيقًا.
ثم آخر.
ثم آخر.
وبعد دقائق...
ظهر أمامهم نفس المكان.
الساحة.
النافورة.
الكنيسة السوداء.
توقف الرجل.
نظر إلى زوجته.
«غلطنا بالطريق.»
عادوا.
هذه المرة اختار طريقًا آخر.
ساروا بمحاذاة النهر.
ثم عبروا جسرًا حجريًا.
استمروا حتى وصلوا إلى شارع واسع.
انعطفوا يسارًا.
ثم يمينًا.
ثم تابعوا حتى نهاية الشارع.
وهناك...
كانت النافورة.
نفسها.
نفس التمثال.
نفس الكنيسة.
نفس الشارع الذي بدأوا منه.
وقف الرجل ساكنًا.
قال ابنه:
«بابا؟»
لم يجب.
بدأ قلبه بالخفقان.
«رح نجرب مرة تالتة.»
لكن المرة الثالثة كانت مثل الأولى.
والرابعة.
والخامسة.
كل طريق يسلكونه كان يعيدهم إلى المكان نفسه.
كأن المدينة تطوي شوارعها خلفهم.
بعد ساعات من المشي، جلس الرجل على حافة النافورة.
وضع يديه على وجهه.
«ما في طريق...»
قالت زوجته:
«يمكن ضيعنا الاتجاه.»
رفع رأسه.
«لا.»
نظر إلى الأبنية المحيطة بهم.
«المدينة عم ترجعنا.»
ساد الصمت.
ثم جاء صوت طفل:
«عم تدوروا على الباب؟»
رفع الرجل رأسه.
كان هناك طفل يقف على الطرف الآخر من الساحة.
لم يعرف كم كان عمره.
ربما تسع سنوات.
كان يرتدي معطفًا قديمًا أكبر من مقاسه، وحذاءً أسود متسخًا، وشعره مبعثر قليلًا.
كان ينظر إليهم بهدوء.
قال الرجل:
«إيه.»
اقترب الطفل.
«أي باب؟»
«باب المدينة.»
توقف الطفل.
نظر إلى الرجل وكأنه لم يفهم السؤال.
«ليش؟»
«لأننا بدنا نطلع.»
ظل الطفل صامتًا لثوانٍ.
ثم قال:
«تطلعوا لوين؟»
أشار الرجل إلى خلفه.
«للغابة.»
نظر الطفل إلى الاتجاه الذي أشار إليه.
ثم عاد ونظر إليه.
«ما في باب هناك.»
«شفناه.»
«لا.»
قالها الطفل ببساطة.
ثم جلس على حافة النافورة بجانبه وقال:
«فالدوين ما إلها باب للخارج.»
تجمد الرجل.
«شو؟»
رفع الطفل كتفيه.
«اللي بيدخل... بيضل هون.»
نظر الرجل إلى زوجته.
كانت تنظر إلى الطفل بوجه شاحب.
قال:
«مين قال لك هالشي؟»
أجاب الطفل:
«كل الناس بيعرفوا.»
«بس أنا دخلت من باب.»
ابتسم الطفل ابتسامة صغيرة.
«إيه.»
«كان باب كبير بالسور.»
«بعرف.»
«طيب وينه؟»
أشار الطفل إلى أعلى الكنيسة السوداء.
لم يفهم الرجل.
رفع عينيه.
في مكان بعيد فوق الأبنية، ظهر السور الحجري الذي رأوه عند دخولهم.
لكنه لم يكن هناك باب.
فقط حجارة سوداء متصلة.
كأن البوابة لم تكن موجودة يومًا.
عاد ينظر إلى الطفل.
«شو اسمك؟»
فكر الطفل قليلًا.
ثم قال:
«ما بتذكر.»
نظر الرجل إليه طويلًا.
لم يكن الطفل يبدو حزينًا.
ولم يكن مرتبكًا.
قالها وكأن نسيان اسمه شيء عادي جدًا.
ثم سأل الرجل:
«إنت من إمتى هون؟»
رفع الطفل عينيه إليه.
«ما بعرف.»
وفي تلك اللحظة...
دق جرس بعيد.
دونغ.
تغير وجه الطفل.
نهض بسرعة.
نظر إلى الشوارع.
ثم قال:
«لازم ترجعوا عالبيت.»
قال الرجل:
«ليش؟»
لكن الطفل كان قد بدأ يبتعد.
التفت مرة واحدة وقال:
«لما تدق الأجراس... لا تضلوا برا.»
ثم اختفى بين الأزقة.
بقي الرجل واقفًا في الساحة.
ينظر إلى المكان الذي اختفى فيه الطفل.
ثم رفع عينيه إلى البرج الأسود.
كان الجرس هناك.
ساكنًا.
لكن الرجل بدأ يشعر للمرة الأولى...
أن المدينة التي ظن أنه هرب إليها
لم تكن مكانًا للاختباء.
كانت مكانًا لا يستطيع أحد الهرب منه.
remanwrites