الصندوق القديم

الصندوق القديم

61 0

كان الصباح هادئًا في فالدوين.

تساقط الثلج طوال الليل، فغطّى أسطح البيوت والحجارة السوداء بطبقة بيضاء ناعمة. كان الدخان يتصاعد من مداخن المنازل، بينما بدأت أصوات الناس تنتشر في الشوارع مع بداية النهار.

جلست ميرا مع عائلتها حول الطاولة تتناول فطورها.

كانت هيلينا تضع الخبز أمام الأطفال، بينما أنهى ماتياس طعامه ووضع كوبه جانبًا.

نهض من مكانه وارتدى معطفه.

قالت هيلينا:

- «إلى أين أنت ذاهب؟»

أجاب ماتياس وهو يغلق أزرار معطفه:

- «سأزور صديقي. لم أره منذ فترة.»

نظرت إليه هيلينا.

- «هل ستتأخر؟»

- «لا أظن. سأعود قبل المساء.»

أمسك ماتياس قبعته، ثم ودّع عائلته وخرج من المنزل.

كان منزل صديقه يقع في أحد الأحياء القديمة في فالدوين.

استقبله الرجل بحرارة، ودخل الاثنان إلى غرفة صغيرة دافئة، ثم جلسا يتحدثان عن العمل والأيام الماضية.

كان ماتياس يجلس على كرسي خشبي بالقرب من طاولة صغيرة قديمة.

وبينما كان يستمع إلى صديقه، أسند يده إلى طرف الطاولة.

طَق.

توقف ماتياس.

لم يكن الصوت واضحًا.

نظر إلى الطاولة، ثم إلى الأرض.

لم يجد شيئًا.

عاد إلى حديثهما، لكنه بعد لحظات مرر يده أسفل الطاولة بلا تفكير.

لامست أصابعه قطعة خشبية صغيرة.

عبس.

تحسسها مرة أخرى.

ثم ضغط عليها.

طَق.

انفتح جزء صغير في أسفل الطاولة.

حدّق ماتياس فيه بدهشة.

كان هناك درج مخفي.

صغير جدًا، ومصمم بحيث لا يمكن ملاحظته بسهولة.

لم يقل شيئًا.

أغلقه بيده، ثم عاد إلى الحديث كأن شيئًا لم يحدث.

بعد وقت قصير، نهض صديقه من مكانه.

- «سأذهب إلى الغرفة الأخرى وأحضر شيئًا.»

أومأ ماتياس.

- «حسنًا.»

خرج الرجل من الغرفة.

انتظر ماتياس حتى ابتعدت خطواته.

ثم نظر إلى الطاولة.

عاد الفضول إليه.

انحنى وفتح الدرج الصغير.

كان بداخله صندوق صغير وغريب.

أخرجه ببطء.

كان قديمًا جدًا، مصنوعًا من خشب داكن يكاد يكون أسود، وعليه نقوش باهتة لم يستطع ماتياس فهمها.

قلبه بين يديه.

لم يكن هناك قفل عادي.

فقط قطعة معدنية صغيرة مثبتة في منتصف الغطاء.

حاول فتحه.

لم يتحرك.

ضغط على الغطاء.

ثم حاول تحريك القطعة المعدنية.

لا شيء.

ظل يحدق فيه.

بدأت الأفكار تتزاحم في رأسه.

ما الذي يخفيه صديقي هنا؟

ولماذا وضعه داخل درج سري؟

ربما كان شيئًا ثمينًا.

ربما نقود قديمة.

أو ذهب.

نظر ماتياس نحو الباب.

لم يسمع عودة صديقه.

أخفى الصندوق داخل جيب معطفه.

ثم أعاد الدرج إلى مكانه وأغلقه.

عاد إلى كرسيه وجلس بهدوء.

بعد لحظات، عاد صديقه إلى الغرفة، يحمل ما ذهب لإحضاره.

لم يلاحظ شيئًا.

استمر الرجل في الحديث، بينما كان ماتياس يجيبه كالمعتاد.

لكن ذهنه لم يعد مع الحديث.

كان يفكر بالصندوق الموجود داخل جيبه.

عاد ماتياس إلى منزله قبل المساء.

استقبلته عائلته كالمعتاد، ولم تخطر ببال أحد فكرة أن شيئًا غريبًا حدث في زيارته.

وضع معطفه جانبًا، لكنه لم يخرج الصندوق منه.

انتظر حتى انشغل الجميع.

وفي وقت لاحق من الليل، عندما هدأ المنزل ونامت العائلة، أخرج الصندوق ووضعه أمامه.

جلس ماتياس يحدق فيه طويلًا.

كان صغيرًا.

قديمًا.

وغريبًا.

والأهم من ذلك كله...

كان مقفولًا.

بدأ ماتياس يتساءل عما يمكن أن يكون بداخله.

ربما كانت هناك سبيكة ذهب صغيرة.

أو نقود قديمة.

وربما شيء أثمن من ذلك.

مد يده إلى الغطاء وحاول فتحه مرة أخرى.

لكن الصندوق لم يتحرك.

تنهد ماتياس، ووضعه جانبًا.

ومع ذلك، لم يستطع إخراجه من رأسه.

ظل يفكر فيه حتى بعد أن ذهب إلى فراشه.

ماذا كان مخبأً داخل ذلك الصندوق؟

وبعد أن بقي ماتياس مستيقظًا لبعض الوقت، شعر بالجوع.

نهض من فراشه بهدوء حتى لا يوقظ عائلته، وخرج من الغرفة.

دخل المطبخ وأشعل شمعة، ثم أخذ قطعة من الخبز وبعض الجبن ليصنع لنفسه شطيرة.

وضع الخبز على الطاولة، وأمسك السكين.

وبينما كان يقطع قطعة الجبن، انزلقت السكين من يده فجأة.

- «آخ!»

تركها ماتياس بسرعة.

نظر إلى إصبعه، فوجد جرحًا صغيرًا ينزف.

أخذ قطعة من القماش وضغط بها على إصبعه، ثم تذكر الصندوق.

نظر إليه.

كان قد وضعه على الطاولة قبل أن يبدأ بإعداد الطعام.

مد يده نحوه، ثم فكر أنه من الأفضل أن يعيده إلى غرفته حتى لا ينساه في المطبخ.

أمسك الصندوق.

وفي اللحظة نفسها، سقطت قطرة دم من إصبعه على غطائه.

توقف ماتياس.

حدّق في القطرة.

بدأ الدم يتحرك ببطء فوق الخشب، ثم اختفى داخل الصندوق.

اتسعت عيناه.

- «ماذا...؟»

لم يمهله الصندوق وقتًا ليفكر.

طَق.

صدر صوت صغير من داخله.

تجمد ماتياس في مكانه.

ثم تحركت القطعة المعدنية الموجودة في منتصف الغطاء وحدها.

طَق.

انفتح القفل.

نظر ماتياس إلى الصندوق بدهشة، ثم ظهرت ابتسامة على وجهه.

- «أخيرًا.»

جلس على الكرسي وفتح الغطاء بحذر.

لكن ابتسامته اختفت سريعًا.

لم يجد ذهبًا.

ولا نقودًا.

ولا أي شيء ثمين.

كانت هناك ورقة واحدة فقط.

كانت صفراء وبالية، وحوافها متآكلة من شدة قدمها.

أخرجها ماتياس بحذر.

كانت عليها نوتة موسيقية.

تأملها قليلًا.

لم تكن النوتة معقدة، وكانت العلامات الموسيقية واضحة بما يكفي ليتمكن من قراءتها.

وفي أسفل الورقة كانت هناك جملة واحدة:

اعزفها إذا أردت أن تعرف الحقيقة.

ظل ماتياس ينظر إلى الكلمات.

الحقيقة؟

أي حقيقة؟

ومن كتب هذه النوتة؟

ولماذا كانت مخبأة داخل صندوق مقفل؟

رفع رأسه ونظر إلى آلة موسيقية قديمة يحتفظ بها في المنزل.

كان ماتياس يعرف العزف منذ سنوات، ولم تكن هذه النوتة تبدو صعبة.

أخذ الورقة معه وجلس أمام آلته.

وضعها أمامه.

ثم بدأ يعزف.

كانت الألحان بسيطة.

هادئة.

غريبة قليلًا، لكنها لم تكن مخيفة.

استمر ماتياس حتى وصل إلى آخر نغمة.

وبمجرد أن عزفها...

انطفأت جميع الشموع في المنزل دفعة واحدة.

توقف ماتياس.

ساد الظلام.

رفع رأسه ببطء.

ثم سمع صوتًا خافتًا خلفه.

استدار.

كان هناك شخص يقف في منتصف الغرفة.

تجمد الدم في عروقه.

لم يكن مظهره طبيعيًا.

كان وجهه مشوهًا، وجلده شاحبًا، وعيناه مفتوحتين بطريقة مخيفة.

تراجع ماتياس خطوة.

ثم ظهر شخص آخر بالقرب من الباب.

ثم ثالث.

ثم رابع.

بدأت أشكال غريبة تظهر في أنحاء المنزل، وكأنها خرجت من الظلام نفسه.

لم يتكلم أي منهم.

كانوا فقط يقفون هناك وينظرون إليه.

- «من أنتم؟»

لم يجبه أحد.

ارتجفت يد ماتياس.

حاول الوصول إلى الشمعة، لكنه لم يجدها.

ثم اختفى أحد الأشخاص فجأة.

وبعده اختفى الثاني.

ثم الثالث.

وفي لحظة واحدة، عادت الشموع إلى الاشتعال.

كان المنزل فارغًا.

لم يبقَ أحد.

ظل ماتياس واقفًا مكانه، يتنفس بصعوبة.

نظر إلى الورقة.

ثم إلى الصندوق.

وفي تلك اللحظة، سمع صوتًا من الغرفة المجاورة.

ركض إليها.

كانت هيلينا قد استيقظت على الصوت، وكانت ميرا تبكي.

حاول ماتياس تهدئتهم، لكنه لم يكن يعرف ماذا يقول.

ولم يكن ما حدث في تلك الليلة سوى البداية.

خلال اليوم التالي، بدأت المصائب تتوالى.

تعرض ماتياس لحادث أثناء عمله، وأصيب في يده.

ثم مرض أحد أفراد عائلته.

وتعرضت هيلينا لوعكة مفاجئة.

حتى ميرا لم تسلم من ذلك اليوم.

تعطلت أشياء في المنزل دون سبب، وانكسرت أدوات كانت سليمة، وحدثت حوادث صغيرة متتالية جعلت الجميع يعيشون في خوف.

مرّ اليوم ببطء شديد.

وكان ماتياس يراقب كل شيء بصمت.

كان يحاول إقناع نفسه بأن ما يحدث مجرد مصادفات.

لكن في كل مرة ينظر فيها إلى الصندوق، يشعر بأن شيئًا داخله يعرف الحقيقة.

كل هذا بدأ بعد أن عزف النوتة.

وفي نهاية اليوم، عندما هدأت العائلة قليلًا، جلس ماتياس وحده.

أمسك الصندوق.

نظر إليه طويلًا.

ثم قال بصوت منخفض:

- «لا أريد أن أعرف الحقيقة.»

سكت للحظة.

نظر نحو الغرفة التي كانت فيها عائلته.

ثم قال:

- «وعلى الأقل... لا أريد أن أعرفها الآن.»

أعاد الورقة إلى داخل الصندوق.

أغلق الغطاء.

ثم حمله إلى غرفته.

انحنى بجانب سريره ودفع الصندوق إلى مكان مظلم تحته.

بقي ماتياس ينظر إليه للحظات.

ثم نهض وأغلق باب غرفته.

قلبت ميرا الصفحة.

في البداية ظنت أن باقي الكلام سيكون عن الجرس الثالث عشر.

لكن الكلمات التالية جعلتها تتوقف.

كان هناك عنوان صغير:

لحن الحقيقة

بدأت تقرأ.

لم يكن اللحن مفتاحًا لباب واحد فقط.

ولم يكن وسيلة للوصول إلى الجرس الثالث عشر وحده.

لحن الحقيقة يكشف ما تخفيه فالدوين.

فالمدينة لا تخفي أسرارها في الأماكن البعيدة فقط...

بل تخفيها أمام أعين سكانها.

هناك طرق لا يراها أحد.

أبواب موجودة بين الحجارة ولا تظهر.

غرف تحت البيوت لا يعرف أصحابها بوجودها.

ممرات قديمة تمشي تحت الشوارع التي يمر بها الناس كل يوم.

أماكن فقدت من ذاكرة المدينة...

لكنها لم تختفِ.

توقفت ميرا لحظة.

نظرت حولها.

فكرت بالباب السري في المدرسة.

بالممر الذي لم يكن يجب أن يكون موجودًا.

ثم تابعت القراءة.

عندما يُعزف لحن الحقيقة في مكان يحمل سرًا...

تظهر الحقيقة.

قد يظهر باب لم يكن موجودًا.

أو طريق لم يره أحد.

أو ذكرى حاولت فالدوين دفنها.

لكن احذر...

فالحقيقة لا تظهر دائمًا كما تتمنى.

لأن بعض الأشياء التي تخفيها المدينة...

كانت مخيفة لسبب.

قلبت ميرا الصفحة بسرعة.

كان هناك سطر أخير مكتوب بحروف صغيرة:

"كل مكان مخفي في فالدوين ينتظر من يكشفه... لكن الجرس الثالث عشر ينتظر من يفهم لماذا أُخفي."

رفعت ميرا عينيها عن الدفتر.

الآن فهمت.

القطار...

المحطة...

الجرس الثالث عشر...

لم تكن أشياء منفصلة.

كلها كانت أجزاء من سر واحد.

وفالدوين لم تكن تخفي طريق الخلاص فقط.

كانت تخفي الحقيقة التي قادت إليها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فالدوين

المؤلف remanwrites
2026/09/26 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: المقدمة
2026/09/26
الفصل 2: صباح لم ينم فيه أحد
2026/09/26
الفصل 3: بيت في فالدوين
2026/09/26
الفصل 4: المدرسة في فالدوين
2026/09/26
الفصل 5: أطفال فالدوين
2026/09/26
الفصل 6: الجرس الثاني عشر
2026/09/26
الفصل 7: خيط بارد
2026/09/26
الفصل 8: جنازة غامضة
2026/09/26
الفصل 9: طعم جديد
2026/09/26
الفصل 10: المنام الغريب
2026/09/26
الفصل 11: نهر فالدوين
2026/09/26
الفصل 12: أول ثلج في فالدوين
2026/09/26
الفصل 13: القطار الذي لم يكن هناك
2026/09/26
الفصل 14: عيد لم يكتمل
2026/09/26
الفصل 15: ليلة الفوانيس
2026/09/26
الفصل 16: المقبرة خلف الكنيسة
2026/09/26
الفصل 17: محل الحلويات
2026/09/26
الفصل 18: محل الورد
2026/09/26
الفصل 19: الكرسي الزائد
2026/09/26
الفصل 20: البيت الصغير
2026/09/26
الفصل 21: الرسام
2026/09/26
الفصل 22: شيء ناقص
2026/09/26
الفصل 23: الصندوق القديم
2026/09/26
الفصل 24: الباب المخفي
2026/09/26
الفصل 25: ليلة الموتى
2026/09/26
الفصل 26: عروس ضوء القمر
2026/09/26
الفصل 27: الاجراس
2026/09/26
الفصل 29: القفص
2026/10/05
الفصل 30: مذكرات فالدوين
2026/10/06
الفصل 31: سر النهر
2026/10/07
الفصل 32: المدينة الخائفة
2026/10/08
الفصل 33: القطار الغامض
2026/10/09
الفصل ٢٨: الاغنية الحزينة
2026/10/02
الفصل 34: النهاية
2026/10/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة