القفص

القفص

67 0

بقيت ميرا واقفة أمام الجدار الحجري.

كانت تحدّق باسم إيفا المحفور بين مئات الأسماء.

لم تستطع أن تتحرك.

لم تستطع حتى أن تبكي.

وضعت أصابعها على الحروف.

- إيفا...

خرج صوتها ضعيفًا.

ثم سمعت صوتًا.

طق.

رفعت رأسها.

كان الصوت قادمًا من الجدار المقابل.

اقتربت منه ببطء.

مررت يدها فوق الحجارة القديمة، حتى شعرت بشيء مختلف.

حافة باب.

تراجعت خطوة.

- في باب هون؟

وضعت يديها على الحجر ودفعته.

لم يتحرك.

دفعته مرة أخرى.

هذه المرة سُمع صوت احتكاك حجارة ببعضها.

ثم انفتح الباب ببطء.

ظهرت خلفه ممرات ضيقة مظلمة.

كانت رائحة المكان مختلفة.

رائحة رطوبة قديمة... وشيء آخر لم تستطع ميرا معرفته.

دخلت.

كانت تسمع صوت قطرات الماء وهي تسقط من السقف.

خطوة.

ثم خطوة أخرى.

وفجأة...

سمعت صوتًا.

صوت أشخاص.

توقفت ميرا.

- مين هناك؟

لم يجب أحد.

تقدمت أكثر.

ثم انتهى الممر.

دخلت إلى غرفة واسعة جدًا.

توقفت ميرا مكانها.

في منتصف الغرفة كان هناك قفص ضخم.

أكبر من أي قفص رأته في حياتها.

وكان داخله عشرات الأشخاص.

رجال.

نساء.

أطفال.

بعضهم واقف بلا حركة.

بعضهم جالس على الأرض.

وبعضهم كان يحدق أمامه بعينين مفتوحتين، وكأنه لا يرى شيئًا.

كانوا جميعًا في حالة غريبة.

بعضهم يهذي بكلمات غير مفهومة.

بعضهم يكرر أسماء.

وبعضهم لا يتحرك إطلاقًا.

اقتربت ميرا من القفص.

ثم رأت شيئًا جعل الدم يهرب من وجهها.

كان بعض الأشخاص...

يختفون.

ليس دفعة واحدة.

شيئًا فشيئًا.

رجل كان جالسًا في زاوية القفص، بدأ طرف يده يتلاشى.

نظر إليها دون أن يبدو أنه يشعر بما يحدث.

ثم اختفت يده.

وبعدها جزء من ذراعه.

صرخت ميرا وتراجعت.

- شو عم يصير؟!

رفعت عينيها.

وفي الجهة الأخرى من القفص...

رأتها.

شعرها.

ملابسها.

وجهها.

- إيفا!

ركضت ميرا نحو القفص.

كانت إيفا جالسة بين الأشخاص.

لم تتحرك.

- إيفا!

اقتربت ميرا أكثر.

وضعت يديها بين قضبان القفص.

- إيفا! أنا ميرا!

فتحت إيفا عينيها ببطء.

نظرت إليها.

لكنها لم تتكلم.

- إيفا، قومي!

بدأت ميرا تبحث عن قفل.

كان هناك قفل حديدي كبير على باب القفص.

التفتت بسرعة حولها.

وجدت قطعة حديد على الأرض.

أمسكت بها وضربت القفل.

ضربة.

لم ينكسر.

ضربة ثانية.

بدأ الحديد يهتز.

وراءها...

صدر صوت.

ميرا تجمدت.

كان هناك شيء يتحرك في الظلام.

استدارت ببطء.

رأت الوحش.

كان ضخمًا.

وقف في آخر الغرفة، يراقبها.

لم تعرف ميرا ما هو.

ولم تنتظر لتعرف.

رفعت قطعة الحديد وضربت القفل بكل قوتها.

تحطم القفل.

فتح الباب.

دخلت ميرا بسرعة.

- إيفا! تعي!

أمسكت يد أختها.

كانت باردة جدًا.

- قومي!

حاولت إيفا الوقوف.

ترنحت.

أمسكتها ميرا من ذراعها.

- رح نطلع من هون.

خلفهما صدر صوت عالٍ.

اقترب الوحش.

بدأ بعض الأشخاص داخل القفص يتحركون ويهذون أكثر.

ميرا لم تنظر خلفها.

سحبت إيفا وركضت.

لكن قبل أن تصل إلى الباب، لمحت شيئًا.

كانت هناك طاولة حجرية صغيرة في زاوية الغرفة.

فوقها أوراق قديمة.

ودفتر أسود سميك.

توقفت ميرا للحظة.

نظرت إلى الوحش.

ثم إلى الدفتر.

ثم إلى إيفا.

- لازم آخدهن.

ركضت إلى الطاولة.

أمسكت الدفتر والأوراق بسرعة.

وضمتهم إلى صدرها.

ثم أمسكت يد إيفا من جديد.

- يلا!

ركضتا نحو الممر.

كان صوت الوحش يقترب.

أسرعت ميرا.

كانت تمسك يد إيفا بكل قوتها.

وصلتا إلى الباب الحجري.

دفعته ميرا.

انفتح.

دخلت إيفا أولًا.

ثم ميرا.

وأغلقت الباب خلفهما.

وجدت قطعة خشبية كبيرة قرب الجدار، فسحبتها بسرعة ووضعتها أمام الباب.

ضربة قوية جاءت من الجهة الأخرى.

انتفضت ميرا.

أمسكت إيفا.

- اهربي!

ركضتا في الممر.

ركضتا دون أن تتوقفا.

صعدتا الدرج.

ثم وصلا إلى الغرفة القديمة في المدرسة.

خرجت ميرا من الباب السري وسحبت إيفا خلفها.

نظرت حولها.

كانت المدرسة فارغة.

لم يكن هناك أحد.

أغلقت الباب السري بسرعة، ثم دفعت فوقه طاولة قديمة.

أمسكت يد إيفا.

- تعي.

خرجتا من الغرفة.

ثم من المدرسة.

ركضتا في الشارع.

لم تتوقف ميرا حتى ابتعدتا كثيرًا.

عندها فقط توقفت.

كانت تلهث.

نظرت إلى إيفا.

كانت لا تزال تمسك يدها.

رفعت ميرا يدها الأخرى.

وتأكدت من أن الدفتر الأسود ما زال معها.

كان موجودًا.

الأوراق أيضًا.

نظرت إلى أختها مرة أخرى.

- رجعتي معي...

لكن إيفا لم تجب.

فقط بقيت واقفة بجانبها، تنظر إلى الشارع بصمت.

وميرا لم تكن تعرف بعد...

ماذا يوجد داخل الدفتر القديم.

ركضت ميرا طوال الطريق.

كانت تمسك يد إيفا بقوة، وكأنها لو تركتها للحظة واحدة ستختفي من جديد.

كانت إيفا تمشي بصمت.

لم تسأل أين هما.

لم تسأل إلى أين تذهبان.

فقط تبعت ميرا.

وأخيرًا ظهرت أمامهما البيوت السوداء.

عرفت ميرا بيتها.

فتحت الباب بسرعة.

- أمي!

كانت هيلينا في المطبخ.

التفتت إليها.

- ميرا؟ وين كنتِ؟

ركضت ميرا نحوها، وهي ما تزال تمسك يد إيفا.

- أمي، جبت إيفا!

سكتت هيلينا.

نظرت إلى ميرا.

ثم إلى الطفلة التي تقف بجانبها.

تغير وجهها قليلًا.

- مين؟

رفعت ميرا حاجبيها.

- إيفا.

نظرَت هيلينا إلى إيفا طويلًا.

ثم اقتربت منها.

انحنت أمامها.

كانت إيفا صامتة.

مدت هيلينا يدها ولمست شعرها.

وفجأة...

شعرت بشيء غريب.

شيء دافئ جدًا.

شيء جعل قلبها ينقبض.

ابتسمت دون أن تعرف لماذا.

- يا الله...

لم تعرف هيلينا ماذا تقول.

دخل ماتياس من الغرفة الأخرى.

- شو القصة؟

نظر إلى إيفا.

توقف.

لم يقل شيئًا.

اقترب منها ببطء.

نظر إلى وجهها.

ثم ابتسم.

ابتسامة صغيرة لم يفهم سببها.

- مين هالبنت؟

قالت ميرا بسرعة:

- هاي إيفا! أختي!

نظر ماتياس إليها باستغراب.

- ميرا...

اقترب أكثر.

- إنتِ ما عندك أخت اسمها إيفا.

تجمدت ميرا.

- شو؟

قالت هيلينا بهدوء:

- ميرا، نحنا ما عنا بنت اسمها إيفا.

هزت ميرا رأسها بسرعة.

- لا! عندنا!

وأشارت إلى إيفا.

- هاي أختي! كانت معنا بالبيت! كانت بتنام معي! وكانت...

توقفت.

لم تعرف كيف تشرح.

كل شيء كان موجودًا في رأسها.

لكن لا شيء كان موجودًا في ذاكرتهم.

نظر ماتياس إلى إيفا مرة أخرى.

ثم جلس أمامها.

مد يده إليها.

- تعالي.

اقتربت إيفا.

أمسك ماتياس يدها.

وفي اللحظة نفسها تغيرت ملامحه.

بقي صامتًا.

ثم مسح على شعرها.

- غريب...

قالت هيلينا:

- شو؟

نظر إليها.

- ما بعرف.

ثم ابتسم لإيفا.

- بس بحس إني بعرفها من زمان.

جلست هيلينا بجانبها.

وضمت إيفا إلى صدرها.

وفورًا...

امتلأت عيناها بالدموع.

تراجعت قليلًا ومسحت وجهها بسرعة.

- ليش عم ابكي؟

نظر إليها ماتياس.

- ما بعرف.

كانت ميرا واقفة أمامهما.

دموعها بدأت تنزل.

قالت:

- لأنها بنتكم.

نظرت هيلينا إليها.

ثم إلى إيفا.

ثم قالت بصوت خافت:

- يمكن ما بتذكرها...

وتوقفت.

وضعت يدها على وجه إيفا.

- بس إذا بدها...

ابتسمت رغم دموعها.

- فيها تقعد معنا.

نظر ماتياس إلى إيفا.

ثم أضاف:

- أكيد.

رفعت ميرا عينيها.

- عنجد؟

قال ماتياس:

- طبعًا.

اقتربت ميرا من إيفا وأمسكت يدها.

ولأول مرة منذ اختفائها...

دخلت إيفا بيتها من جديد.

لكن والديها لم يكونا يعرفان أنه بيتها.

بعد وقت طويل، هدأت ميرا.

جلست في غرفتها، بينما كانت إيفا في الغرفة الأخرى مع هيلينا وماتياس.

كانت تسمع صوت هيلينا وهي تتحدث معها بلطف.

وكأن إيفا كانت تعيش معهم منذ سنوات.

فتحت ميرا حقيبتها.

أخرجت الدفتر الأسود.

وضعته على الطاولة.

كان قديمًا جدًا.

جلده متشقق، وصفحاته صفراء، وعلى غلافه لم يكن هناك سوى اسم واحد:

فالدوين

نظرت ميرا إلى الاسم.

- فالدوين؟

فتحت الصفحة الأولى.

كان هناك تاريخ قديم جدًا.

وتحته كلمات مكتوبة بخط يدوي.

بدأت تقرأ.

في وقت سيء مرّ على أوروبا،

انتشرت الأوبئة والطاعون، وحصد المرض أعدادًا ضخمة من الناس.

كانت المدن تمتلئ بالخوف.

وكان أهل مدينتنا خائفين كثيرًا على أنفسهم وعلى أطفالهم.

كنا نغلق أبوابنا قبل حلول الظلام، ونخشى كل شخص يأتي من خارج المدينة.

كنا ندفن موتانا كل يوم.

وكل يوم كان عدد الأحياء يقل.

كنت أنا المسؤول عن فالدوين في ذلك الوقت.

ولم أكن أعرف كيف أنقذ مدينتي.

حتى سمعت عن رجل...

رجل قيل إنه يستطيع تحقيق أي أمنية يطلبها الإنسان.

أي أمنية.

لكن بثمن.

بحثنا عنه طويلًا.

سألنا التجار والمسافرين والجنود، وأرسلنا رجالًا إلى المدن والقرى المحيطة بنا.

لم نجد شيئًا.

حتى جاء يوم...

وتوقف قطار في فالدوين.

نزل منه رجل لم نره من قبل.

كانت ملابسه غريبة، ولم تشبه ملابس أهل المدينة.

وقف أمام المحطة، ثم قال إنه يريد مقابلة المسؤول عن المدينة.

أخبروني عنه، فذهبت لاستقباله بنفسي.

وعندما دخل الرجل إلى مكتبي، نظر إليّ بهدوء.

ثم قال:

"الرجل المعجزة الذي تبحثون عنه... أمامك الآن."

لم أصدقه في البداية.

سألته من يكون.

فأجاب:

"يمكنك أن تطلب أي شيء تريده."

سألته:

"أي شيء؟"

ابتسم.

ثم قال:

"أي شيء."

لكن قبل أن أطلب شيئًا، رفع يده وقال:

"هناك شيء واحد فقط يجب أن تعرفه."

سكت قليلًا.

ثم نظر إليّ مباشرة.

"كل شيء تطلبه... له ثمن."

وتابع:

"لذلك، قبل أن تطلب أمنيتك، يجب أن تكون مستعدًا لدفع الثمن."

توقفت ميرا عن القراءة.

رفعت عينيها عن الصفحة.

كان البيت هادئًا.

لكنها شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

نظرت إلى الدفتر مرة أخرى.

ثم قلبت الصفحة ببطء.

كانت هناك جملة واحدة في أعلى الصفحة التالية.

"كنت أعتقد أنني أعرف الثمن الذي سأدفعه."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فالدوين

المؤلف remanwrites
2026/09/26 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: المقدمة
2026/09/26
الفصل 2: صباح لم ينم فيه أحد
2026/09/26
الفصل 3: بيت في فالدوين
2026/09/26
الفصل 4: المدرسة في فالدوين
2026/09/26
الفصل 5: أطفال فالدوين
2026/09/26
الفصل 6: الجرس الثاني عشر
2026/09/26
الفصل 7: خيط بارد
2026/09/26
الفصل 8: جنازة غامضة
2026/09/26
الفصل 9: طعم جديد
2026/09/26
الفصل 10: المنام الغريب
2026/09/26
الفصل 11: نهر فالدوين
2026/09/26
الفصل 12: أول ثلج في فالدوين
2026/09/26
الفصل 13: القطار الذي لم يكن هناك
2026/09/26
الفصل 14: عيد لم يكتمل
2026/09/26
الفصل 15: ليلة الفوانيس
2026/09/26
الفصل 16: المقبرة خلف الكنيسة
2026/09/26
الفصل 17: محل الحلويات
2026/09/26
الفصل 18: محل الورد
2026/09/26
الفصل 19: الكرسي الزائد
2026/09/26
الفصل 20: البيت الصغير
2026/09/26
الفصل 21: الرسام
2026/09/26
الفصل 22: شيء ناقص
2026/09/26
الفصل 23: الصندوق القديم
2026/09/26
الفصل 24: الباب المخفي
2026/09/26
الفصل 25: ليلة الموتى
2026/09/26
الفصل 26: عروس ضوء القمر
2026/09/26
الفصل 27: الاجراس
2026/09/26
الفصل 29: القفص
2026/10/05
الفصل 30: مذكرات فالدوين
2026/10/06
الفصل 31: سر النهر
2026/10/07
الفصل 32: المدينة الخائفة
2026/10/08
الفصل 33: القطار الغامض
2026/10/09
الفصل ٢٨: الاغنية الحزينة
2026/10/02
الفصل 34: النهاية
2026/10/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة