في صباح اليوم التالي، كانت ميرا أول من جلس إلى الطاولة.
كان هناك خبز دافئ، جبن، وتفاحة حمراء قطعتها هيلينا إلى شرائح.
أخذت ميرا قطعة خبز.
عضّت منها.
ثم رفعت رأسها بدهشة.
- واو...
نظرت إليها إيفا.
- شو؟
أخذت ميرا قضمة ثانية.
- طيبة.
ابتسمت هيلينا.
- مبارح قلتي ما إلها طعمة.
- اليوم غير.
أخذت إيفا قطعة.
مضغتها.
- فعلًا.
كان طعم الخبز مختلفًا.
ليس فقط ألذ.
كان أوضح.
كانت ميرا تشعر بالقمح، والملح، وحرارة الفرن، وحتى طعم الزبدة الخفيف.
أخذت قطعة تفاح.
كان طعمها حلوًا بشكل جعلها تبتسم.
- ليش الأكل هون صار هيك طيب؟
ضحك ماتياس.
- يمكن أخيرًا بلشنا نتعود على المدينة.
لكن هيلينا لم تضحك.
كانت تنظر إلى يديها.
شعرت أنها أخف.
حركت أصابعها.
ثم رفعت ذراعها.
- حدا حاسس جسمه خفيف؟
نظر ماتياس إليها.
- شوي.
إيفا قالت:
- أنا كمان.
أما ميرا فقفزت من مكانها.
هبطت قدماها على الأرض بخفة.
ضحكت.
- شوفوا!
ركضت نحو الباب.
كانت خطواتها أسرع.
جسدها بدا أخف من الأمس.
وكأن شيئًا غير مرئي أزال عنه وزنًا لم تكن تعرف بوجوده.
في الطريق إلى المدرسة، شعرت ميرا أنها تستطيع الركض دون أن تتعب.
قفزت فوق درجتين حجريتين دفعة واحدة.
ثم ثلاثًا.
إيفا صاحت:
- لا تركضي!
لكن ميرا ضحكت.
- ما عم أتعب!
كان الهواء البارد يضرب وجهها.
وللمرة الأولى منذ وصولها إلى فالدوين، شعرت أنها تحب هذا الشعور.
الخفة.
القوة.
الهواء البارد.
والطعم الغريب للأشياء.
حتى قطعة التفاح التي بقيت في جيبها بدت ألذ من أي تفاحة تذوقتها من قبل.
وصلت إلى المدرسة.
كانت بعض القطط تتجول قرب الجدار.
توقفت ميرا.
كانت تحب القطط.
في مكانها القديم، كانت دائمًا تقترب منها وتحاول لمسها.
انحنت هذه المرة.
- تعالي...
اقتربت قطة رمادية.
نظرت إليها.
مدت ميرا يدها.
ثم توقفت.
لم تشعر بشيء.
لا فرح.
لا حنان.
ولا حتى رغبة في لمسها.
بقيت تنظر إليها فقط.
قالت إيفا:
- شو فيكي؟
رفعت ميرا رأسها.
- ما بعرف.
القطة احتكت بساقها.
كانت ميرا تعرف أنها كانت ستفرح بهذا من قبل.
لكنها لم تفرح.
كان هناك مكان فارغ داخلها.
غريب وهادئ.
ثم دخلت إلى المدرسة.
بعد الظهر، كانت ميرا تمشي في أحد الأزقة عندما سمعت صوت رفرفة قوية.
سقط فرخ عصفور صغير أمامها.
ارتطم بالأرض.
تحرك قليلًا.
ثم توقف.
توقفت ميرا.
نظرت إليه.
كان صغيرًا جدًا.
جناحاه مبللان.
عيناه مفتوحتان.
انتظرت أن تشعر بالخوف.
أن تحزن.
أن تنادي أحدًا.
أن تفعل شيئًا.
لكنها لم تشعر بأي شيء.
فقط نظرت إليه.
قال طفل كان قريبًا منها:
- مات.
نظرت ميرا إلى الفرخ.
ثم قالت:
- آه.
تابع الطفل طريقه.
وبقيت ميرا للحظة.
ثم مشت هي أيضًا.
لم تفكر في الأمر.
في المساء، كانت العائلة مجتمعة حول الطعام.
قالت ميرا بحماس:
- اليوم الأكل أطيب من مبارح.
قالت إيفا:
- وأنا حاسة إني أخف.
وضعت هيلينا قطعة لحم في فمها.
أغمضت عينيها.
كان الطعم غنيًا جدًا.
أكثر مما تتذكر.
قالت:
- فعلًا...
ثم سكتت.
نظر إليها ماتياس.
- شو؟
هزت رأسها.
- ولا شي.
أكملت أكلها.
لم يكن أحد يتحدث عن العصفور.
ولا عن القطة.
ولا عن أي شيء آخر.
في تلك الليلة، ضحكت العائلة طويلًا على شيء صغير قاله ماتياس.
كان ضحكًا حقيقيًا.
لكن عندما انتهى، شعرت هيلينا للحظة أنها لم تتذكر لماذا كان الأمر مضحكًا.
نظرت إلى ماتياس.
ثم إلى ميرا.
ثم إلى إيفا.
كانوا جميعًا بخير.
بل أفضل من قبل.
أخف.
أقوى.
والطعام ألذ.
لكن شيئًا صغيرًا...
شيئًا لا يمكنها تسميته...
كان ينقصهم.
في اليوم التالي، مرت ميرا أمام القطة الرمادية نفسها.
توقفت.
نظرت إليها.
ثم تابعت طريقها.
لم تعد تتذكر لماذا كانت تحب القطط أصلًا.
وهذا هو الشيء الذي لم تنتبه إليه.
أن فالدوين لم تكن تأخذ منهم مشاعرهم دفعة واحدة.
كانت تأخذ منها شيئًا صغيرًا كل يوم.
وفي المقابل...
كانت تجعل كل شيء آخر يبدو ألذ، أخف، وأسهل.
في الأيام التالية، لم تعد ميرا تفكر كثيرًا في الأمر.
كانت تستيقظ أخف من اليوم الذي قبله.
تصعد الدرجات بسرعة.
تركض في الشوارع دون أن تشعر بضيق في صدرها.
حتى الهواء البارد صار يمنحها شعورًا لطيفًا، كأنه يمر داخل جسدها بدل أن يصطدم به.
والطعام...
كان شيئًا آخر تمامًا.
لم تعد تأكل لأنها جائعة.
كانت تأكل لأنها تستمتع بالطعم.
كانت تقضم التفاحة ببطء، وتترك العصير ينتشر في فمها، ثم تبتسم.
- ماما، جربي هاي.
مدت قطعة لماتيس.
أخذها منها.
- طيبة.
قالت ميرا:
- كتير.
لكن هيلينا كانت تنظر إليهما.
لم تعد تشعر بنفس الدفء عندما ترى ابنتها تبتسم.
لاحظت ذلك.
وأخافها قليلًا.
لكنها لم تعرف ماذا تفعل.
في أحد الأيام، كانوا يمشون في السوق عندما سمعوا صوتًا عاليًا.
تجمع الناس حول رجل سقطت عربته.
كانت إحدى عجلاتها قد انكسرت، وتناثرت الصناديق في الشارع.
اقترب ماتياس.
كان الرجل يحاول رفع أحد الصناديق.
قال ماتياس:
- ساعدك؟
رفع الصندوق بسهولة.
نظر الرجل إليه بدهشة.
- قوي.
ابتسم ماتياس.
- يمكن.
ثم أعاد الصندوق إلى مكانه.
كانت هيلينا واقفة بجانبه.
رأت الرجل ينظر إلى العجلة المكسورة بحزن.
في السابق، ربما كانت ستشعر بالشفقة.
لكنها لم تشعر إلا بشيء آخر.
فضول.
كانت تراقب يديه وهو يحاول إصلاحها.
لاحظت أن إصبعه قد جُرح.
ظهر الدم.
اقتربت أكثر.
ولسبب لم تفهمه، شعرت بشيء يشبه المتعة وهي تراقب الدم ينزل من إصبعه.
لم تكن تريد إيذاءه.
ولم تكن تتمنى أن يتألم.
لكن رؤية الجرح لم تعد تزعجها.
قالت ميرا:
- ماما، شو عم تطلعي؟
انتبهت هيلينا لنفسها.
ابتعدت.
- ولا شي.
بدأ الأمر يظهر بينهم أيضًا.
لم تعد إيفا تدخل غرفة ميرا لتجلس معها كما كانت تفعل.
كانت تمر أحيانًا أمام الباب، تنظر إليها، ثم تكمل طريقها.
وميرا لم تعد تسأل:
- وين رايحة؟
في إحدى الليالي، كانت هيلينا تخيط قرب المدفأة.
جلست إيفا على الطرف الآخر من الغرفة.
أما ميرا فكانت عند النافذة.
ماتياس يقرأ.
كانوا جميعًا معًا.
لكنهم لم يكونوا معًا.
لا أحد يتحدث.
لا أحد يقترب.
حتى الصمت بينهم أصبح مريحًا.
وهذا كان الجزء الأكثر غرابة.
في السابق، كان الصمت يجعل هيلينا ترغب في كسره.
الآن...
لم تعد تهتم.
رفعت عينيها نحو ماتياس.
كان يقرأ بهدوء.
فكرت للحظة أنها تحبه.
ثم حاولت أن تستشعر ذلك الحب.
وجدت شيئًا بعيدًا.
ذكرى.
صورة.
اسمًا.
لكن الشعور نفسه...
كان أضعف.
خفضت عينيها إلى القماش.
في صباح آخر، سقط كوب زجاجي من يد إيفا.
تحطم على الأرض.
نظرت إليه.
ثم قالت:
- أوف.
ولم تتحرك.
كانت ميرا بجانبها.
قالت:
- اتركيه.
دخلت هيلينا.
رأت الزجاج على الأرض.
- إيفا، انجرحتي؟
نظرت إيفا إلى يدها.
- لا.
ثم جلست.
بدأت هيلينا تجمع القطع.
لاحظت أن إصبع إيفا قد خدشه الزجاج.
قطرة دم صغيرة ظهرت.
قالت هيلينا:
- خلييني شوف.
- ما في شي.
قالتها إيفا بلا اهتمام.
رفعت هيلينا رأسها.
نظرت إلى ابنتها.
كان هناك شيء بارد في وجهها.
شيء لم تره فيها من قبل.
في الخارج، كان أطفال فالدوين يلعبون بالقرب من الساحة.
كان أحدهم قد أمسك فراشة.
نزعت جناحها.
ثم تركها على الأرض.
ضحك طفل آخر.
ميرا كانت تراقبهم.
في السابق، كانت ستصرخ عليهم.
لكنها الآن بقيت صامتة.
تحركت الفراشة على الحجارة.
جناح واحد فقط.
ميرا شعرت بشيء غريب.
لم يكن حزنًا.
ولا غضبًا.
بل فضولًا.
راقبتها حتى توقفت عن الحركة.
ثم مشت.
في تلك الليلة، كانت ميرا مستلقية على سريرها.
رفعت ذراعها أمام الضوء.
بدت نحيلة وخفيفة.
حركتها بسهولة.
ثم قفزت من السرير.
قدماها لم تصدرا تقريبًا أي صوت.
ابتسمت.
كان جسدها جميلًا بهذه الخفة.
قويًا.
سريعًا.
شعرت أنها تستطيع الركض طوال الليل.
ثم تذكرت القطة الرمادية.
حاولت أن تتذكر لماذا كانت تحبها.
لم تستطع.
أغمضت عينيها.
كانت تعرف أنها كانت تحب القطط.
لكنها لم تعد تعرف كيف كان ذلك الشعور.
فتحَت عينيها.
للحظة، شعرت بالخوف.
ثم اختفى الخوف أيضًا.
بسرعة شديدة.
وكأن شيئًا في داخلها قال:
لا داعي للخوف.
في اليوم التالي، جلسوا جميعًا إلى الطاولة.
كان الطعام لذيذًا جدًا.
ماتياس أكل.
هيلينا أكلت.
إيفا أكلت.
وميرا ابتسمت.
قالت:
- بحب الأكل هون.
لم يجب أحد.
لكنهم جميعًا كانوا يفكرون بالشيء نفسه دون أن يعرفوا أنهم يفكرون به:
لماذا نحتاج أن نأكل عندما لا نجوع؟
ومع ذلك، استمروا.
لأن الطعم كان رائعًا.
ولأن أجسادهم كانت أخف.
ولأنهم لم يعودوا يتعبون.
ولأن الأشياء التي كانت تؤلمهم...
بدأت تفقد قدرتها على الألم.
وفالدوين، دون أن يلاحظوا، كانت تأخذ شيئًا منهم كلما أعطتهم شيئًا آخر.
القوة مقابل الضعف.
المتعة مقابل الإحساس.
الخفة مقابل الثقل الذي يجعل الإنسان يشعر بوجوده.
remanwrites