كان الثلج قد بدأ يتساقط قبل الغروب بقليل.
وبحلول الليل، أصبحت شوارع فالدوين بيضاء تمامًا.
جلست ميرا قرب النافذة تراقب الثلج، حين رأت ضوءًا يتحرك في الشارع.
ثم ضوءًا آخر.
ثم ثالثًا.
رفعت رأسها.
كان الناس يخرجون من بيوتهم.
رجال يحملون فوانيس.
نساء يحملن سلالًا وصناديق صغيرة.
أطفال يمشون بجانب آبائهم.
لكن الشيء الذي أثار فضول ميرا لم يكن الفوانيس.
كان ما يحملونه معهم.
رجل كان يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
امرأة تحمل فستان طفلة.
طفل يحمل لعبة قديمة.
ورجل آخر كان يحمل كتابًا صغيرًا.
تراجعت ميرا عن النافذة.
- ماما!
جاءت هيلينا من الغرفة المجاورة.
- شو في؟
- ليش الناس كلهم طالعين؟
نظرت هيلينا من النافذة.
- ما بعرف.
جاء ماتياس أيضًا.
ظل يراقب الشارع للحظات.
- يمكن في احتفال.
قالت ميرا:
- بالليل؟ وبالثلج؟
لم يجبها.
وبعد قليل، قالت هيلينا:
- خلينا نطلع نشوف.
خرجت العائلة.
كان الشارع ممتلئًا بالفوانيس.
ومع ذلك، لم يكن هناك احتفال.
لم يكن أحد يضحك.
لم تكن هناك موسيقى.
لم يكن أحد يتحدث بصوت مرتفع.
كان الجميع يمشون باتجاه واحد.
ميرا مشت بينهم وهي تراقب ما يحملونه.
امرأة أمامها كانت تحمل حذاءً صغيرًا جدًا.
رجل مسن يحمل ساعة جيب.
فتاة تحمل دمية قماشية بلا عينين.
وفي يد رجل آخر كان هناك مفتاح صدئ.
ميرا همست:
- شو عم يعملوا؟
قال ماتياس:
- ما بعرف.
- يمكن مناسبة؟
- يمكن.
لكن حتى ماتياس لم يكن مقتنعًا.
خرجوا من الحي.
ثم اتجه الناس نحو طريق حجري لم تره ميرا من قبل.
كان الطريق يصعد نحو تل يقع خلف المدينة.
في نهايته ظهرت بوابة حجرية قديمة.
وخلفها مكان غريب.
ساحة دائرية تحيط بها أشجار ضخمة عارية.
وفي المنتصف كان هناك مبنى حجري قديم، أشبه بمزار صغير.
فوق بابه نقش متآكل لم تستطع ميرا قراءته.
توقفت العائلات أمامه.
ثم بدأ كل شخص يضع الشيء الذي حمله معه أمامه.
لم يفهم أحد من عائلة ميرا ما الذي يحدث.
هيلينا نظرت إلى امرأة بجانبها.
- عفواً... شو هاد؟
نظرت المرأة إليها باستغراب بسيط.
- شو؟
- يعني... ليش جايبين هالأغراض؟
ابتسمت المرأة.
- هيك منعمل.
- شو يعني هيك؟
ضحكت بخفة، وكأن السؤال غريب.
- من زمان منعملها.
سألت هيلينا:
- وليش؟
تغيرت ابتسامة المرأة.
فكرت قليلًا.
ثم قالت:
- والله...
نظرت إلى الشيء الذي في يدها.
- ما بعرف.
ثم سكتت.
بدأ الناس بالجلوس.
أشعلوا الفوانيس ووضعوها أمامهم.
ثم أخرجوا الورود.
وضعوها بجانب الأشياء.
ميرا لم تستطع أن تفهم.
كان المشهد حزينًا بطريقة لا تعرف سببها.
لا أحد يشرح شيئًا.
لا أحد يعلن بداية الطقس.
وكأن الجميع يعرفون ما يجب فعله بالفطرة.
بدأ رجل مسن بالصلاة.
فتبعه الآخرون.
لم تكن الصلاة طويلة.
ثم ساد الصمت.
وبدأ بعض الناس بالبكاء.
ميرا نظرت إلى أم تبكي أمام فستان طفلة.
ثم إلى رجل يمسح دموعه أمام كتاب صغير.
ثم إلى امرأة تضع يدها على دمية.
لكن لم يكن أحد يتحدث.
لماذا؟
ميرا اقتربت من هيلينا.
- ماما...
- نعم؟
- هدول ليش عم يبكوا؟
هزت هيلينا رأسها.
- ما بعرف.
- على شو؟
- ما بعرف يا ميرا.
نظرت ميرا إلى ماتياس.
حتى هو لم يكن يعرف.
قال لها:
- نحنا لسا جداد هون. يمكن في عادات بالمدينة ما منعرفها.
بعد انتهاء الصلاة، وقف الناس.
لكنهم لم يأخذوا الأشياء معهم.
تركوها في أماكنها.
الورد بقي حولها.
والفوانيس بقيت مشتعلة.
بدأ الناس بالعودة.
ميرا ظلت واقفة.
نظرت إلى الساحة.
إلى عشرات الأشياء الغريبة التي لا يعرف أحد سبب وجودها.
ثم سألت امرأة عجوز كانت تستعد للمغادرة:
- لازم نتركهن لهون؟
قالت:
- إي.
- ليش؟
نظرت إليها العجوز طويلًا.
ثم قالت:
- لأن هيك كانوا يعملوا قبلنا.
- ومين هنن؟
ابتسمت العجوز بحزن.
- ما بعرف يا بنتي.
ثم حملت فانوسها ورحلت.
وقفت ميرا تحت الثلج.
لأول مرة منذ وصلت فالدوين، شعرت أن المدينة تخبئ شيئًا حتى عن سكانها أنفسهم.
شدّت هيلينا يدها.
- يلا.
مشت ميرا معهم.
لكنها بقيت تنظر خلفها.
حتى اختفت الساحة.
وفي مكان بعيد، وسط الثلج والظلام...
بقيت الفوانيس مضاءة.
والأشياء الغريبة وحدها تحت الضوء.
ولا أحد يعرف لماذا.
عادوا مع بقية أهل فالدوين عبر الطريق الحجري.
كانت الفوانيس تتحرك أمامهم وخلفهم، تتمايل مع خطوات الناس والريح الباردة.
لم يتحدث أحد تقريبًا.
حتى الأطفال الذين كانوا عادةً يركضون في الشوارع كانوا يمشون بهدوء، ممسكين بأيدي آبائهم.
بقيت ميرا تنظر إلى الوراء.
كانت البوابة الحجرية تبتعد شيئًا فشيئًا، حتى اختفت خلف الثلج.
- ميرا.
التفتت.
كانت هيلينا تنظر إليها.
- تعالي.
أسرعت ميرا نحوها.
- ماما... نحنا لازم نعمل متلهم؟
- شو؟
- نحمل غرض ونتركه هناك؟
ضحكت هيلينا بخفة.
- نحنا ما منعرف شو القصة أصلًا.
قال ماتياس من خلفهما:
- إذا كانت عادة مهمة، منسأل حدا بكرا.
نظرت ميرا إلى الشوارع.
كانت بعض البيوت قد أغلقت أبوابها.
وأمام كل باب تقريبًا، بقيت آثار أقدام واضحة في الثلج.
لكن ميرا لاحظت شيئًا.
كل العائلات التي عادت من الساحة كانت تحمل فوانيسها فقط.
أما الأشياء التي ذهبوا بها...
فقد تركوها هناك.
عندما وصلوا إلى البيت، أغلقت هيلينا الباب بسرعة.
كان البرد قد تسلل إلى ملابسهم.
أشعل ماتياس المدفأة، بينما بدأت هيلينا بإعداد شيء ساخن لهم.
جلست إيفا قرب النار.
أما ميرا، فبقيت واقفة عند النافذة.
قالت إيفا:
- شو عم تطلعي؟
- ولا شي.
- عم تكذبي.
نظرت ميرا إليها.
- شفتِ شو كانوا حاملين؟
- إي.
- وما استغربتي؟
هزت إيفا كتفيها.
- شوي.
- أنا استغربت كتير.
ضحكت إيفا.
- إنتِ بتستغربي من كل شي بهالمدينة.
لم تجب ميرا.
لأنها لم تكن تستطيع أن تشرح لها ما تشعر به.
منذ وصولهم إلى فالدوين، كان هناك شيء يجعلها تشعر بأن كل شيء له معنى، حتى الأشياء التي تبدو عادية.
بعد العشاء، جلسوا جميعًا قرب المدفأة.
قالت هيلينا:
- بكرا بسأل أغنيس عن هالعادة.
رفع ماتياس عينيه.
- يمكن هي كمان ما تعرف.
- بس لازم نعرف.
قالت إيفا:
- يمكن مهرجان قديم.
ماتياس ابتسم.
- مهرجان والناس عم تبكي؟
ضحكت هيلينا.
- يمكن مهرجان حزين.
ضحكوا قليلًا.
حتى ميرا ابتسمت.
ثم ساد الصمت.
كان صوت النار وحده يملأ الغرفة.
وفجأة...
دق الجرس.
رفعت ميرا رأسها.
دقّة واحدة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
نظرت إلى الساعة.
كان الوقت متأخرًا.
قال ماتياس:
- غريب.
- شو؟
- الجرس.
- ليش؟
- ما بيضرب بهالوقت عادةً.
توقفت ميرا عن التنفس للحظة.
ثم جاءت الدقة الرابعة.
دونغ...
الخامسة.
دونغ...
السادسة.
تبادل ماتياس وهيلينا النظرات.
أما ميرا، فكانت تعد.
سبعة.
ثمانية.
تسعة.
عشرة.
أحد عشر.
ثم...
دقّة ثانية عشرة.
دونغ...
سكت الجرس.
وبقي البيت صامتًا.
قالت إيفا:
- خلص؟
ميرا لم تجب.
كانت تحدق بالنافذة.
خارج البيت، كان الثلج يتساقط بهدوء.
ثم ظهر شيء.
أثر قدم.
على الثلج الأبيض.
ثم ظهر أثر آخر.
وبعده ثالث.
كانت آثار أقدام صغيرة.
كأن طفلًا يمشي في الشارع.
ميرا اقتربت من النافذة.
- ماما...
اقتربت هيلينا منها.
- شو في؟
أشارت ميرا إلى الخارج.
- في حدا.
نظر الجميع من النافذة.
لم يكن هناك أحد.
فقط الشارع الأبيض.
والثلج.
والآثار التي كانت تظهر واحدة تلو الأخرى.
خطوة.
ثم خطوة.
ثم خطوة.
تتقدم ببطء أمام البيت.
قال ماتياس:
- وين الشخص؟
لم تجب ميرا.
كانت تحدق في الفراغ أمام الآثار.
لم تكن ترى طفلًا.
لكنها كانت ترى خطواته.
استمرت الآثار حتى وصلت إلى منتصف الشارع.
ثم...
توقفت.
لم تظهر أي خطوة أخرى.
بقيت آخر آثار القدمين واضحة على الثلج.
لكن الطفل الذي تركها...
لم يكن موجودًا.
حدقت ميرا في المكان طويلًا.
ولم يقل أحد شيئًا.
خارج النافذة، استمر الثلج بالسقوط.
وفوق فالدوين كلها...
بقيت الأجراس الاثنا عشر صامتة.
remanwrites