كان الشتاء قد استقرّ في فالدوين أخيرًا.
لم يعد الثلج مجرد طبقة خفيفة فوق أسطح المنازل، بل بدأ يغطي الشوارع والأشجار وأسوار البيوت القديمة، حتى بدت المدينة وكأنها خرجت من لوحة بيضاء هادئة.
في ذلك الصباح، كانت ميرا تمشي بجانب إيفا، وكل واحدة منهما تحمل سلة صغيرة.
قالت إيفا وهي تنفخ في يديها:
- بردانة.
ضحكت ميرا.
- من الصبح وإنتِ بردانة.
- لأنك عم تمشي ببطء.
- لو مشيت أسرع رح توصلي قبلي وتاكلي الخبز.
نظرت إليها إيفا بجدية.
- ما رح آكل الخبز.
سكتت لحظة، ثم أضافت:
- رح آكل الفطيرة.
ضحكت ميرا.
كانت فالدوين في الصباح مختلفة.
الدخان يخرج من مداخن البيوت، وأصوات الأبواب الخشبية تتفتح وتغلق، والناس يعبرون الشوارع وهم ملفوفون بالمعاطف.
مرّتا بالمخبز الصغير عند زاوية الشارع.
خرجت ميرا وهي تحمل كيسًا دافئًا تفوح منه رائحة الخبز الطازج.
وضعت إيفا يدها عليه.
- دافي.
- لا تلمسيه.
- بس عم دفّي إيدي.
- إيديك رح تبرد الخبز.
ابتسمت إيفا وسحبت يدها.
بعد قليل جلستا على حافة الرصيف، بعيدًا عن حركة الناس.
كانت ميرا تحمل قطعة فطيرة صغيرة، تقطع منها بأصابعها وتأكلها ببطء، بينما كانت إيفا تحاول إزالة السكر الذي التصق بمعطفها.
مرّ رجل عجوز أمامهما، فنظر إليهما وابتسم.
- صباح الخير.
- صباح الخير، قالت ميرا.
ثم تابعت أكلها وهي تراقب الثلج المتساقط بين البيوت.
كان يومًا عاديًا.
هادئًا.
دافئًا بطريقة غريبة رغم البرد.
ولم تكن ميرا تعرف أن شيئًا من ماضي فالدوين كان ينتظرها في ذلك اليوم.
في المساء، عادت إلى المنزل.
كانت أمها تجلس قرب المدفأة، تحيك قطعة صوف، بينما كانت إيفا ترتب بعض الأشياء على الطاولة.
رائحة الحساء ملأت الغرفة.
جلست ميرا قرب النار ومدّت يديها نحوها.
- اليوم كان حلو.
نظرت إليها أمها.
- ليش؟
- ما بعرف.
ابتسمت.
- بس كان حلو.
لم تسألها أمها أكثر.
كانت الحياة في فالدوين تسير ببطء.
الأيام تتشابه.
الصباح، المدرسة، الشوارع، الخبز، المدفأة، ثم الليل.
وفي تلك الليلة، استيقظت ميرا فجأة.
فتحت عينيها.
كان البيت غارقًا في الصمت.
نظرت إلى النافذة.
الثلج يلمع تحت ضوء القمر.
ثم سمعته.
تك... تك... تك...
تجمدت في مكانها.
ثم جاء صوت آخر.
صوت معدني بعيد.
تشششششش...
قطار.
جلست ميرا في سريرها.
انتظرت.
ثم سمعت صفيرًا خافتًا.
رفعت رأسها.
كان الصوت يأتي من الخارج.
اقتربت من النافذة.
لم تر شيئًا.
لا سكة.
لا محطة.
لا أضواء.
فقط الشارع الأبيض.
ثم جاء صوت جرس بعيد.
دونج.
اختفى الصوت.
بقيت ميرا واقفة مكانها.
في الصباح، أخبرت إيفا.
- سمعت قطار مبارح.
ضحكت إيفا.
- قطار؟
- إي.
- بفالدوين؟
- إي.
دخلت الأم الغرفة، فالتفتت ميرا إليها.
- ماما، في قطار بفالدوين؟
توقفت الأم لحظة، ثم ابتسمت.
- لا.
- بس أنا سمعته.
- يمكن حلمتي.
هزت ميرا رأسها.
- لا. كنت صاحية.
لم يجبها أحد.
ومع مرور اليوم، بدأت ميرا تشك بنفسها.
ربما كان صوت الريح.
ربما شيء آخر.
وربما فعلًا كانت تحلم.
لذلك لم تتحدث عنه مجددًا.
مرت عدة أيام.
وفي صباح شديد البرودة، استيقظت ميرا قبل الجميع.
كان البيت ساكنًا.
وضعت قدميها على الأرض الباردة، وارتدت معطفها.
وعندما فتحت النافذة قليلًا...
سمعته.
لكن هذه المرة لم يكن بعيدًا.
تك... تك... تك...
رفعت رأسها.
ثم جاء صوت القطار من جهة أطراف المدينة.
تبعته صفارة طويلة اخترقت الضباب.
توقفت أنفاسها.
لم يكن حلمًا.
كان هناك شيء فعلًا.
خرجت من البيت بهدوء، ومشت في الشوارع المغطاة بالثلج.
كلما تقدمت، صار الصوت أوضح.
حتى وصلت إلى مكان لم تذهب إليه من قبل.
كان بعيدًا عن البيوت.
مهجورًا.
والضباب يملأ المكان حتى لم تكن ترى أكثر من بضعة أمتار أمامها.
ثم...
ظهر الضوء.
مصباح أصفر باهت داخل الضباب.
اقترب.
وصوت العجلات صار واضحًا.
تك... تك... تك...
خرج قطار قديم من الضباب.
أسود.
صامت.
قديم إلى درجة أن ميرا لم تستطع تحديد عمره.
توقف أمام المكان المهجور.
لم تعرف كيف وصل.
ولم تعرف من أين جاءت السكة.
وقبل أن تستوعب ما تراه، انفتح أحد الأبواب.
نزل منه رجل واحد.
كان يرتدي ملابس سوداء بالكامل.
معطف طويل.
قبعة سوداء.
ووجهه لم تستطع ميرا رؤيته جيدًا بسبب الضباب.
لم ينظر إليها.
لم يتكلم.
فقط بدأ يمشي.
خطوة.
ثم أخرى.
تبعته ميرا بعينيها.
دخل الرجل في الضباب.
وبعد لحظات...
اختفى.
ثم حدث الشيء نفسه مع القطار.
بدأ الضباب يبتلعه ببطء.
اختفت العجلات.
اختفت النوافذ.
اختفى الضوء.
حتى آخر عربة اختفت تمامًا.
وبقيت ميرا وحدها.
نظرت إلى الأرض.
لم تكن هناك سكة.
ولا آثار عجلات.
ولا حتى أثر للرجل.
فقط الثلج.
والضباب.
والصمت.
ثم، من مكان بعيد جدًا، جاء صوت واحد:
دونج.
رفعت ميرا رأسها.
لكن هذه المرة...
لم يكن هناك شيء.
عندما عادت إلى فالدوين، سألت أول شخص قابلته:
- عمو... في قطار قديم بيمر من هون؟
نظر إليها الرجل باستغراب.
- قطار؟
- إي. قطار أسود.
ضحك بخفة.
- يا بنتي، ما عنا سكة قطار أصلًا.
سكتت ميرا.
- بس أنا شفته.
نظر إليها الرجل لحظة، ثم تابع طريقه.
وفي ذلك الصباح، لم تجد ميرا شخصًا واحدًا في فالدوين يعترف بأنه سمع قطارًا.
ولا شخصًا واحدًا قال إنه رأى الرجل.
وكأن القطار...
لم يمرّ من المدينة قط.
أيام فالدوين البيضاء ❄️
لم تستطع ميرا أن تنسى القطار.
لكنها لم تسمح له بأن يسرق يومها.
فعندما عادت إلى البيت، خلعت معطفها المبلل وعلّقته قرب المدفأة، ثم دخلت المطبخ حيث كانت أمها تضع الأطباق على الطاولة.
- وين رحتي من الصبح؟
ترددت ميرا قليلًا.
- مشيت شوي.
نظرت إليها إيفا من فوق كتفها.
- وأنا كنت مفكرة إنك رح تصحيني.
- كنتِ نايمة.
- يعني هاد عذر؟
ضحكت ميرا.
- إي.
جلست إيفا إلى جانبها، وبدأت تشتكي من البرد، بينما وضعت الأم وعاء الحساء أمامهما.
كان كل شيء طبيعيًا.
وهذا ما جعل ميرا تشعر براحة غريبة.
أحيانًا، كان عليها فقط أن تنسى.
أن تنسى القطار.
الرجل الأسود.
والجرس الذي سمعته وحدها.
فالدوين لم تكن مدينة تتوقف لأن شخصًا رأى شيئًا غريبًا.
كانت الحياة تستمر.
والناس يستيقظون، يعملون، يطبخون، يذهبون إلى المدرسة، يتشاجرون ثم يتصالحون.
بعد الظهر، خرجت ميرا مع إيفا إلى السوق.
كان الثلج قد توقف، لكن الهواء بقي باردًا.
تراكمت طبقة بيضاء فوق عربات الباعة، وكان أصحاب المحلات يزيلون الثلج عن عتبات أبوابهم.
توقفت إيفا أمام متجر صغير.
- بدي هاد.
- ما معك مصاري.
- معك إنتِ.
- ومين قال إني رح أعطيكي؟
أمسكت إيفا بيدها وسحبتها إلى الداخل.
ضحكت ميرا وهي تحاول مقاومتها.
كان صاحب المتجر رجلًا قصيرًا كثير الشارب، يعرفهما منذ سنوات.
- أهلًا بالبنتين المشاغبتين.
قالت إيفا فورًا:
- هي المشاغبة.
- كذابة.
ضحك الرجل.
أخذت ميرا قطعة حلوى صغيرة، ثم خرجتا.
وعند باب المتجر، توقفت فجأة.
على الطرف الآخر من الشارع كان هناك رجل عجوز يقف وحده.
كان ينظر إلى برج الجرس.
الجرس الثاني عشر.
لم يكن يفعل شيئًا.
فقط ينظر إليه.
اقتربت ميرا قليلًا.
وعندما التفت الرجل ورآها، تغيّر وجهه للحظة.
ثم ابتسم.
- لا تطولي الوقوف بالبرد.
- حاضر.
مشى الرجل مبتعدًا.
سألت إيفا:
- ليش عم تطلعي عليه؟
- ما بعرف.
ثم تابعتا طريقهما.
لكن ميرا ظلت تفكر في شيء واحد:
لماذا كان ينظر إلى الجرس؟
في اليوم التالي، كان عليها الذهاب إلى المدرسة.
امتلأت الساحة بالأطفال، وكانت الأحذية تترك آثارًا عميقة في الثلج.
كانت ميرا تجلس مع إيفا وصديقتين لهما أثناء الاستراحة.
تحدثن عن أشياء كثيرة.
عن معلمة الرياضيات.
عن فتاة جديدة انتقلت إلى الصف.
عن البيت الذي قالوا إن أحدًا اشترته في آخر الشارع.
وعن العائلة الجديدة التي وصلت إلى فالدوين.
قالت إحدى الفتيات:
- عندهم بنت بعمرنا تقريبًا.
رفعت ميرا رأسها.
- عنجد؟
- إي.
- وين ساكنين؟
أشارت إلى الجهة الأخرى من الشارع.
- هناك.
شعرت ميرا بالفضول.
وفي طريق العودة، مرّت أمام البيت الجديد.
كان صغيرًا، دافئًا، وله ستائر صفراء خلف النوافذ.
وقفت طفلة عند الزجاج.
كانت تحمل دمية قماشية.
التقت عيناها بعيني ميرا.
ابتسمت الطفلة.
ابتسمت ميرا أيضًا.
ثم رفعت الطفلة يدها ولوّحت لها.
لوّحت ميرا.
لم تتحدثا.
لكن عندما أكملت ميرا طريقها، سمعت صوتًا خلفها.
- ميرا!
التفتت.
كانت الطفلة قد خرجت إلى الباب.
ركضت نحوها.
- أنا لورا.
ابتسمت ميرا.
- وأنا ميرا.
- بعرف.
- كيف؟
هزت لورا كتفيها.
- ماما قالتلي عنكم.
ضحكت ميرا.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت لورا جزءًا من أيامها.
كان لفالدوين وجه آخر لا علاقة له بالجرس أو القطار.
كانت هناك نساء يخبزن في الصباح.
أطفال يلعبون بالثلج.
رجال يصلحون أسوار البيوت.
جيران يتركون أطباق الطعام أمام أبواب بعضهم عندما يمرض أحد.
وفي أحد الأيام، جاءت أم لورا إلى بيت ميرا حاملة طبق حساء ساخن.
- عملت زيادة.
أخذته أم ميرا منها.
- الله يسلم إيديك.
جلست المرأة قليلًا قرب المدفأة.
تحدثت مع الأم عن الشتاء، وعن الأسعار، وعن المدرسة.
كانت ميرا وإيفا تستمعان من بعيد.
ثم قالت المرأة فجأة:
- بالمناسبة... لورا ما بطلت تحكي عن ميرا.
ضحكت ميرا.
- وأنا كمان.
نظرت إيفا إليها بمكر.
- صار عندك رفيقة جديدة.
- وإنتِ شو؟
- أنا أختك.
- يعني مو رفيقتي؟
- لا. أنا أسوأ.
ضحكن جميعًا.
وفي تلك اللحظة، لم يكن هناك شيء مخيف.
لا قطار.
لا ضباب.
لا جرس.
فقط بيت دافئ وعائلة وضحكات صغيرة.
لكن عندما وقفت ميرا عند النافذة لاحقًا، رأت شيئًا في الشارع.
آثار أقدام.
امتدت من طرف الشارع حتى بيتهم.
توقفت عند الباب.
ثم لم تكمل.
حدقت بها ميرا.
كانت آثار أقدام شخص بالغ.
لكن الغريب...
أن الثلج كان قد تساقط طوال الليل.
وهذه الآثار بدت وكأنها حديثة جدًا.
نادَت إيفا:
- إيفا!
- شو؟
- تعالي شوفي.
جاءت إيفا إلى النافذة.
نظرت إلى الشارع.
- شو؟
- الآثار.
- أي آثار؟
أشارت ميرا.
لكن إيفا لم تر شيئًا.
حدقت ميرا في المكان.
الآثار كانت هناك قبل لحظات.
والآن...
لم يبقَ منها شيء.
أغلقت الستارة.
ولم تقل شيئًا.
في الليل، جلست العائلة حول المدفأة.
كانت الأم تحيك كنزة صوفية جديدة.
إيفا تقرأ.
وميرا ترسم في دفترها.
لم تكن ترسم القطار.
كانت ترسم بيتًا صغيرًا، وشجرة، وشارعًا مغطى بالثلج.
ثم، دون أن تنتبه، رسمت في نهاية الشارع برجًا طويلًا.
وفوقه دائرة صغيرة.
توقفت.
نظرت إلى الرسم.
لم تكن تعرف لماذا رسمته.
اقتربت إيفا.
- شو هاد؟
- ما بعرف.
- جرس؟
رفعت ميرا عينيها إليها.
- يمكن.
أغلقت الدفتر.
ثم وضعت رأسها على كتف أختها.
خارج النافذة، كان الثلج يعود إلى الهطول.
وكانت فالدوين هادئة.
هادئة جدًا.
لكن في مكان ما، خلف البيوت، كان هناك شيء آخر يستيقظ ببطء.
شيء لم تكن ميرا تعرف اسمه بعد.
وفي مكان بعيد عن المدينة...
كان جرس واحد من أجراس فالدوين الاثني عشر يتحرك رغم سكون الهواء.
دون أن يرن.
فقط يتحرك.
remanwrites