عيد لم يكتمل

عيد لم يكتمل

209 0

استيقظت ميرا على صوت السكين وهي تضرب لوح الخشب في المطبخ.

فتحت عينيها ببطء، وبقيت لحظات تحدق في السقف قبل أن تنهض من فراشها.

كان البيت دافئًا رغم البرد في الخارج.

دخلت إلى المطبخ، فوجدت ماتياس جالسًا إلى الطاولة، وإيفا أمامه، بينما كانت هيلينا تضع الخبز على المائدة.

قال ماتياس:

- صباح الخير.

جلست ميرا بجانب إيفا.

- صباح الخير.

أخذت قطعة من الخبز، وبدأت تأكل وهي تنظر من النافذة.

كان الثلج يغطي الشارع.

وعلى الطرف الآخر، كان بيت الجيران يبدو مختلفًا هذا الصباح.

رأت ميرا الرجل يخرج ويدخل أكثر من مرة، يحمل أشياء إلى البيت.

ثم ظهرت زوجته عند النافذة، وهي تعلق قطعة قماش نظيفة قرب المدخل.

قالت ميرا:

- ماذا يفعلون؟

نظرت إيفا إلى الخارج.

- يبدو أنهم يستعدون لشيء ما.

قالت هيلينا:

- ربما لديهم ضيوف.

رفع ماتياس كوبه وقال:

- لا تتأخرا اليوم.

ثم نهض.

- يجب أن أذهب.

ارتدى معطفه، وقبل أن يخرج نظر إلى ميرا.

- وابتعدي عن النهر.

قالت ميرا بسرعة:

- أعرف.

خرج ماتياس، وأغلقت هيلينا الباب خلفه.

بعد قليل، خرجت هيلينا إلى عملها عند أغنيس، وذهبت ميرا معها.

وفي طريقهما، مرّتا أمام بيت الجيران مرة أخرى.

هذه المرة كان الباب مفتوحًا.

دخلت امرأة تحمل طبقًا، وخرج رجل يحمل سلة من الخبز.

وعندما مرّت ميرا قرب المدخل، سمعت صوت طفل يضحك من الداخل.

توقفت.

نظرت إلى هيلينا.

- عندهم عيد ميلاد.

- عرفتِ من أين؟

أشارت ميرا إلى المرأة.

كانت تحمل فطيرة دافئة، وفوقها بعض الفاكهة المجففة.

اقتربت المرأة منهما وقالت:

- عيد ميلاد صغيرنا اليوم.

ابتسمت هيلينا.

- كل عام وهو بخير.

نظرت ميرا إلى الداخل.

كان الصبي يجلس قرب النار، ويحاول أن يفتح صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

رفع رأسه عندما رآها.

ابتسمت له.

- عيد ميلاد سعيد.

ضحك.

- شكرًا.

تابعت ميرا طريقها، لكنها بقيت تفكر فيه.

وفي طريق عودتها من السوق، توقفت أمام بائع الألعاب الخشبية.

لم تكن تملك الكثير.

لكنها وجدت حصانًا خشبيًا صغيرًا، بسيطًا، منحوتًا باليد.

أخرجت ما معها من نقود.

- هذا.

أعطاها البائع الحصان.

أمسكته ميرا وابتسمت.

كانت تفكر في أن تعطيه إياه عندما تبدأ الحفلة.

لكن قبل أن تصل إلى بيت الجيران...

كانت الساعة تقترب من الظهر.

توقفت ميرا.

لم تكن بحاجة إلى النظر إلى البرج.

كانت تعرف ما سيحدث.

دق الجرس الأول.

ثم الثاني.

ثم الثالث.

أسرعت هيلينا إلى إغلاق النافذة.

- ميرا، إلى الداخل.

ركضت ميرا إلى البيت.

أغلقت الأبواب.

وأطفئت النار الصغيرة في المصباح.

ثم دقت الأجراس واحدة تلو الأخرى.

حتى وصلت إلى الدقة الثانية عشرة.

بعدها...

لا شيء.

لا خطوات.

لا أصوات.

لا عربات.

حتى الريح بدت وكأنها توقفت.

جلست ميرا قرب أمها تنتظر.

مرّت دقائق طويلة.

ثم بدأ كل شيء يعود.

فتحت الأبواب.

اشتعلت المصابيح.

وعادت الأصوات إلى الشوارع.

خرجت ميرا من البيت.

كانت تريد أن تعطي الطفل هديته.

سارت نحو بيت الجيران، وطرقت الباب.

فتحت المرأة.

ابتسمت لها.

- ميرا! تعالي.

دخلت.

ثم توقفت.

كانت الغرفة جاهزة للاحتفال.

الفطيرة في وسط الطاولة.

الشموع موضوعة حولها.

الخبز والفواكه على الأطباق.

وبعض الهدايا الصغيرة ملفوفة بقطع قماش.

لكن شيئًا واحدًا كان ناقصًا.

الطفل.

نظرت ميرا حولها.

- أين هو؟

حدقت المرأة فيها.

- من؟

تغير وجه ميرا.

- ابنكم.

نظر الرجل إلى زوجته.

ثم عاد ينظر إلى ميرا.

- ليس لدينا ابن.

قالت ميرا:

- بلى.

اقتربت من الطاولة.

كانت هناك فطيرة صغيرة.

وفوقها اسم الطفل.

لمسته ميرا بإصبعها.

- هذا اسمه.

نظر الرجل إلى الفطيرة طويلًا.

- لا أعرف لماذا كتبت هذا.

قالت زوجته:

- وأنا لا أعرف لماذا خبزتها.

أشارت ميرا إلى الهدايا.

- وهذه؟

ساد الصمت.

قال أحد الجيران:

- ربما أشياء قديمة.

لكن ميرا كانت تعرف أنها ليست قديمة.

هي رأت الطفل.

تحدثت معه.

سمعت ضحكته.

وكان هنا صباح اليوم.

أخرجت الحصان الخشبي من بين يديها.

كانت قد اشترته له.

نظرت إليه، ثم بدأت دموعها تنزل.

- هذا... له.

لم يفهم أحد.

قالت المرأة بلطف:

- ميرا، لا يوجد أحد هنا بهذا الاسم.

هزت ميرا رأسها.

- كان هنا.

ثم نظرت إلى الكرسي الفارغ.

- كان يجلس هنا.

لم يجبها أحد.

بقيت الشموع مشتعلة.

وبقيت الفطيرة في منتصف الطاولة.

وبقيت الهدايا تنتظر صاحبها.

أما الكرسي...

فبقي فارغًا.

وفي تلك اللحظة فهمت ميرا شيئًا أسوأ من اختفائه.

فالدوين لم تأخذ الطفل فقط.

فالدوين أخذته من ذاكرة الجميع.

خرجت ميرا من بيت الجيران وهي ما تزال تمسك الحصان الخشبي.

كانت هيلينا تمشي بجانبها بصمت.

لم تقل ميرا شيئًا طوال الطريق.

كانت تنظر إلى البيوت واحدًا تلو الآخر.

كل شيء كان طبيعيًا.

الناس يتحدثون.

الأطفال يلعبون في الشوارع.

والثلج يتساقط فوق الأسطح.

لكن ميرا لم تستطع التوقف عن التفكير.

لقد كان هناك طفل.

هي رأته.

تحدثت معه.

سمعت ضحكته.

وكان الجميع يستعدون لعيد ميلاده.

ثم اختفى.

ولم يختفِ من البيت فقط.

اختفى من ذاكرة الجميع.

عندما وصلتا إلى المنزل، كان ماتياس قد عاد من عمله.

كان يجلس قرب النافذة ويخلع قفازيه.

رفع رأسه عندما دخلتا.

- تأخرتما قليلًا.

وضعت هيلينا الأغراض على الطاولة.

- مررنا عند الجيران.

نظر ماتياس إليها.

- لماذا؟

قالت هيلينا:

- كان لديهم عيد ميلاد.

رفعت ميرا رأسها بسرعة.

نظر ماتياس إليها.

- عيد ميلاد من؟

فتحت ميرا فمها.

ثم سكتت.

كانت تعرف الإجابة.

لكنها لم تعرف إن كان يجب أن تقولها.

قالت هيلينا ببساطة:

- لا أحد. يبدو أننا أخطأنا.

نظر ماتياس إليها باستغراب.

- ماذا تقصدين؟

- لا شيء.

ثم بدأت بإعداد العشاء.

بقيت ميرا واقفة مكانها.

نظرت إلى أبيها.

كان وجهه طبيعيًا.

لم يكن يتظاهر.

هو فعلًا لا يعرف.

ولا يتذكر.

مثل أمها.

مثل الرجل.

مثل المرأة.

مثل كل أهل القرية.

خفضت ميرا عينيها نحو الحصان الخشبي الذي كانت لا تزال تمسكه.

ضغطت عليه بين يديها.

لماذا هي؟

لماذا تتذكر؟

جلست قرب النافذة.

راقبت بيت الجيران.

كانت الشموع لا تزال مشتعلة خلف الزجاج.

الفطيرة ما تزال على الطاولة.

والهدايا ما تزال في أماكنها.

كل شيء بقي كما كان.

إلا صاحبها.

وفي تلك الليلة، لم تستطع ميرا النوم.

وضعت الحصان الخشبي بجانب وسادتها.

ثم همست باسمه.

الاسم الذي لم يعد أحد يتذكره.

كانت تخشى أن تنساه هي أيضًا.

لكنها لم تنسه.

ولم تكن تعرف أن هذه لن تكون المرة الأخيرة.

ففي فالدوين...

كان هناك أشخاص يختفون.

وميرا وحدها كانت تتذكر أنهم كانوا موجودين.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فالدوين

المؤلف remanwrites
2026/09/26 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: المقدمة
2026/09/26
الفصل 2: صباح لم ينم فيه أحد
2026/09/26
الفصل 3: بيت في فالدوين
2026/09/26
الفصل 4: المدرسة في فالدوين
2026/09/26
الفصل 5: أطفال فالدوين
2026/09/26
الفصل 6: الجرس الثاني عشر
2026/09/26
الفصل 7: خيط بارد
2026/09/26
الفصل 8: جنازة غامضة
2026/09/26
الفصل 9: طعم جديد
2026/09/26
الفصل 10: المنام الغريب
2026/09/26
الفصل 11: نهر فالدوين
2026/09/26
الفصل 12: أول ثلج في فالدوين
2026/09/26
الفصل 13: القطار الذي لم يكن هناك
2026/09/26
الفصل 14: عيد لم يكتمل
2026/09/26
الفصل 15: ليلة الفوانيس
2026/09/26
الفصل 16: المقبرة خلف الكنيسة
2026/09/26
الفصل 17: محل الحلويات
2026/09/26
الفصل 18: محل الورد
2026/09/26
الفصل 19: الكرسي الزائد
2026/09/26
الفصل 20: البيت الصغير
2026/09/26
الفصل 21: الرسام
2026/09/26
الفصل 22: شيء ناقص
2026/09/26
الفصل 23: الصندوق القديم
2026/09/26
الفصل 24: الباب المخفي
2026/09/26
الفصل 25: ليلة الموتى
2026/09/26
الفصل 26: عروس ضوء القمر
2026/09/26
الفصل 27: الاجراس
2026/09/26
الفصل 29: القفص
2026/10/05
الفصل 30: مذكرات فالدوين
2026/10/06
الفصل 31: سر النهر
2026/10/07
الفصل 32: المدينة الخائفة
2026/10/08
الفصل 33: القطار الغامض
2026/10/09
الفصل ٢٨: الاغنية الحزينة
2026/10/02
الفصل 34: النهاية
2026/10/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة