كان ماتياس يحمل صندوقًا صغيرًا من الخشب حين خرج من الورشة.
كان عليه أن يوصله إلى أحد البيوت القريبة من الكنيسة، وطلب من ميرا أن ترافقه.
كانت تمشي بجانبه، تقفز فوق البقع الصغيرة التي تركها الثلج الذائب في الطريق.
- أبي؟
- نعم؟
- لماذا لا نذهب من الشارع الرئيسي؟
أشار ماتياس إلى الطريق الضيق خلف الكنيسة.
- هذا أقصر.
دخلا الطريق الحجري.
كانت الكنيسة السوداء ترتفع أمامهما، صامتة كعادتها.
لكن ميرا لاحظت شيئًا لم تره من قبل.
خلف الكنيسة، بين الأشجار، كان هناك سور حجري منخفض.
توقفت.
- أبي، ما هذا؟
نظر ماتياس.
- ماذا؟
أشارت إليه.
اقترب منها.
وبعد لحظة قال:
- لا أعرف.
دفع بوابة حديدية صغيرة كانت نصف مفتوحة.
دخل الاثنان.
كانت خلف الكنيسة مقبرة قديمة.
توقفت ميرا.
كانت القبور ممتدة بين الأشجار، وبعض شواهدها مغطى بالطحالب والثلج.
- لم أكن أعرف أن هناك مقبرة هنا.
قال ماتياس:
- ولا أنا.
سارا قليلًا.
ثم رأى ماتياس شيئًا قرب أحد القبور.
تابوت خشبي.
كان موضوعًا على الأرض، مغطى بقطعة قماش سوداء.
اقترب منه.
حدق فيه لثوانٍ.
ثم تغير وجهه.
- هذا...
قالت ميرا:
- ماذا؟
لم يجب.
كان يتذكر.
قبل أيام فقط، بعد أن دقت أجراس فالدوين الاثني عشر، أقيمت جنازة.
لم يكن أحد يعرف لمن.
كان الجميع هناك.
تابوت أسود.
شموع.
صلوات.
وجوه هادئة.
ثم انتهت الجنازة كما تنتهي كل جنازة.
لكن التابوت لم يُدفن.
قال ماتياس:
- هذه جنازة الأسبوع الماضي.
اقترب أكثر.
- لماذا لم يدفنوه؟
ظهر رجل من خلف الأشجار.
كان حفار القبور.
حمل مجرفته على كتفه، وعندما رأى ماتياس قال:
- صباح الخير.
أشار ماتياس إلى التابوت.
- ألم تدفنه؟
نظر الرجل إلى التابوت.
- ماذا؟
- هذا التابوت.
- نعم.
- جنازة الأسبوع الماضي.
هز الرجل رأسه.
- نعم.
- كان يجب أن يُدفن.
نظر إليه حفار القبور باستغراب.
- لماذا؟
صمت ماتياس.
ثم قال:
- لأن هناك شخصًا بداخله.
ظل الرجل ينظر إليه.
ثم قال بهدوء:
- أي شخص؟
شعر ماتياس بشيء بارد يمر في جسده.
- الميت.
ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة، وكأنه لم يفهم السؤال.
- أي ميت؟
نظرت ميرا إلى أبيها.
لم يجب ماتياس.
اقترب من التابوت.
مد يده إلى الغطاء.
ثم توقف.
- افتحه.
قال حفار القبور:
- لماذا؟
- فقط افتحه.
تبادل الرجلان النظرات.
ثم انحنى حفار القبور ورفع الغطاء.
صدر صوت خشبي طويل.
نظرت ميرا إلى الداخل.
فارغ.
لم يكن هناك أحد.
لا جسد.
لا ملابس.
لا شيء.
حدق ماتياس في التابوت.
ثم قال:
- لا...
اقترب أكثر.
- هذا مستحيل.
قال حفار القبور:
- ماذا؟
رفع ماتياس رأسه.
- كان هناك شخص.
هز الرجل رأسه.
- لا أحد كان هنا.
- لكننا حضرنا جنازة!
- نعم.
- إذن أين الميت؟
نظر حفار القبور إليه باستغراب.
ثم قال:
- أي ميت؟
لم يجد ماتياس جوابًا.
أمسك بيد ميرا.
- هيا.
غادرا المقبرة.
لكن ماتياس لم يتوقف عن التفكير فيما رآه.
طوال الطريق إلى البيت، ظل صامتًا.
وفي المساء، بعدما نامت ميرا وإيفا، بقي ماتياس مستيقظًا قرب المدفأة.
كان يتذكر التابوت.
والجنازة.
والناس الذين وقفوا حوله.
الشموع.
الصلوات.
ثم وجه حفار القبور.
أي ميت؟
نهض.
ارتدى معطفه.
خرج من البيت دون أن يوقظ أحدًا.
كانت المقبرة مظلمة.
دخل ماتياس من البوابة نفسها.
أشعل مصباحه.
وقف أمام أول قبر.
ثم بدأ يحفر.
بعد وقت طويل، اصطدمت مجرفته بالخشب.
تابوت.
فتح الغطاء.
فارغ.
انتقل إلى القبر التالي.
ثم الثالث.
ثم الرابع.
كان الليل يزداد برودة.
وكلما فتح تابوتًا، وجد الشيء نفسه.
فارغًا.
كلها.
التوابيت التي دُفنت قبل سنوات.
التوابيت التي أقيمت حولها الجنازات.
التوابيت التي كانت تحمل أسماءً على شواهد القبور.
لم يكن في أي منها ميت واحد.
جلس ماتياس على الأرض.
رفع المصباح.
نظر إلى صفوف القبور أمامه.
مئات القبور.
مئات الشواهد.
ولا جثة واحدة.
ثم سمع صوتًا خلفه.
دونغ.
تجمد.
رفع رأسه نحو برج الكنيسة.
لم يكن منتصف الليل.
ومع ذلك...
دق جرس واحد.
ظل ماتياس واقفًا في المقبرة، والمصباح يرتجف قليلًا في يده.
ثم نظر مرة أخرى إلى القبور.
ولأول مرة، لم يفكر في السؤال:
من اختفى؟
بل في سؤال آخر:
إذا لم يُدفن أحد هنا قط... فما الذي كانت فالدوين تدفنه كل هذه السنوات؟
لم يتحرك ماتياس.
ظل واقفًا في مكانه، بينما كان صوت الجرس يتلاشى ببطء بين أشجار المقبرة.
دونغ.
ثم عاد الصمت.
نظر إلى برج الكنيسة مرة أخرى.
لم يرَ شيئًا.
أنزل المصباح ببطء.
كان الضوء يتحرك فوق القبور، يكشف شاهدًا ثم يخفي آخر.
مشى بين الصفوف.
لم يعد يعرف ما الذي يبحث عنه.
كان يريد فقط أن يغادر.
لكن شيئًا ما أوقفه.
في آخر المقبرة، بعيدًا عن بقية القبور، كان هناك قبر مختلف.
توقف ماتياس.
اقترب منه.
كان القبر صغيرًا، وشاهده مصنوعًا من حجر أسود داكن، أغمق من كل الأحجار المحيطة به.
لم يكن عليه اسم.
ولا تاريخ.
ولا صليب.
ولا أي كلمة.
فقط نقش صغير في منتصف الحجر.
دائرة فوق شكل يشبه برجًا.
رفع ماتياس المصباح.
حدق فيه.
ثم مسح الثلج عن سطح الحجر بيده.
كان النقش قديمًا جدًا.
أقدم من المقبرة نفسها.
نظر إلى القبور المحيطة به.
كل الشواهد كانت مائلة، مغطاة بالطحالب، وبعضها مكسور.
أما هذا الحجر فكان مختلفًا.
كان ثابتًا تمامًا.
وكأنه لم يقف هنا منذ سنوات طويلة.
بل منذ وقت أطول بكثير.
اقترب ماتياس أكثر.
لاحظ شيئًا آخر.
القبر لم يكن مواجهًا للجهة نفسها التي تواجهها بقية القبور.
كان مائلًا قليلًا نحو الجهة الخلفية للكنيسة.
نحو الأشجار.
نحو الأرض التي لم يكن فيها شيء سوى الثلج.
مد ماتياس يده ولمس الحجر.
كان باردًا.
لكن بعد لحظة شعر بشيء غريب تحت كفه.
اهتزاز خفيف.
سحب يده فورًا.
نظر إلى الحجر.
لم يتحرك.
انتظر.
لا شيء.
ابتلع ريقه.
ثم انحنى ومسح الثلج عن الأرض حول القبر.
ظهر طرف حجري تحت التراب.
عبس.
أدخل أصابعه في التراب وأزاح بعضه.
ظهر خط مستقيم.
ثم خط آخر.
توقف.
لم يكن هذا جزءًا من القبر.
كان شيئًا أوسع.
شيئًا ممتدًا تحت الأرض.
أشعل المصباح بالقرب منه.
ظهر تحت التراب سطح حجري قديم.
صف من الحجارة المتجاورة.
كان يشبه أرضية شارع.
حدق ماتياس فيه طويلًا.
ثم رفع رأسه ونظر إلى المقبرة.
كل هذه القبور...
كانت فوقه.
وكأن المقبرة لم تُبنَ على أرض فارغة.
بل وُضعت فوق شيء موجود أصلًا.
سمع صوتًا بين الأشجار.
استدار بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
ظل واقفًا للحظات، ثم أعاد نظره إلى الحجر الأسود.
الدائرة فوق البرج.
لم يكن يعرف معناها.
لكنه شعر، للمرة الأولى، أن هذا القبر لم يكن قبرًا.
كان علامة.
شيئًا وضعته المدينة في مكان ما، ثم دفنت حوله كل شيء حتى لا يراه أحد.
أعاد التراب فوق الحجارة.
ثم وقف.
رفع المصباح.
نظر إلى القبر للمرة الأخيرة.
وقال بصوت منخفض:
- ماذا تخفين؟
لم يجبه أحد.
لكن في مكان عميق تحت قدميه...
صدر صوت خافت جدًا.
كأن حجرًا قديمًا تحرك في الظلام.
ثم انطفأ مصباحه.
remanwrites